إسلام ويب

شرح زاد المستقنع باب القطع في السرقة [3]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يشترط في قطع يد السارق أن يكون السارق قد أخرج المال من حرز، ويرجع في معرفة حرز الأموال إلى العرف؛ لأن العادة محكمة، وقد بين أهل العلم أدلة ذلك كما تراه في هذه المادة.

    1.   

    شروط فعل السرقة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [وأن يخرجه من الحرز]

    أي: يشترط في وجوب قطع يد السارق: أن يكون الشيء المسروق قد أخرجه من الحرز، وهذا الشرط يتعلق بركن الفعل والأخذ، فقد تقدم معنا أن السرقة تقوم على: سارق، وشيء مسروق، وفعل للسرقة، فهذه ثلاثة أركان ذكرها العلماء رحمهم الله في تحقق ماهية السرقة، فلو وجد السارق، ولم يوجد المسروق، ولم يوجد الفعل؛ لم تقع السرقة؛ ، ولو وجد السارق، ووجد الشيء المسروق، ولم يوجد الفعل لم تقع السرقة، إذاً لا بد من الثلاثة الأشياء.

    فأما السارق فقد تقدمت الشروط التي ينبغي توافرها فيه حتى نحكم بقطع يده.

    وأما الشيء المسروق فقد تقدم أنه يشترط أن يكون قد بلغ النصاب، وأن يكون مالاً محترماً، إلى غير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه.

    شرع المصنف رحمه الله بهذا الشرط في فعل السرقة، وفعل السرقة يقوم على أمرين:

    الأمر الأول: ما يسميه العلماء: الأخذ.

    والأمر الثاني: أن يكون الأخذ من الحرز.

    إذاً: لا بد من وجود الأخذ، والإخراج إذا كان الشيء محرزاً في مكان، وأن يكون هذا الأخذ من الحرز، وعلى هذا فإنه يتحقق بهذين الوصفين شرط فعل السرقة المعتبر. إذاً: لا بد من الأخذ، قالوا: فلو أنه جمع المتاع؛ فإنه لا يوصف بكونه آخذاً إلا إذا انتقل به، ولو أنه كما ذكرنا بلع المسروق، فإنه عند طائفة من العلماء لا يعتبر آخذاً له إلا إذا خرج، فإذاً: لا بد من وجود الفعل وهو الأخذ، وهذا الأخذ يشترط أن يكون من الحرز، فلو أنه أخذ من غير حرز فلا قطع، ومن هنا نص المصنف رحمه الله على اشتراط الحرز.

    إخراج المال المسروق من حرزه

    وأصل الحرز في لغة العرب: الحصن، وهذا حرز للمال، أي: شيء يحفظ به، والحرز ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الحرز بالمكان.

    القسم الثاني: الحرز بالحافظ والمراقب.

    فأما حرز المكان فهو أن يكون المكان ممتنعاً، ولا يحق لأحد أن يدخل فيه إلا بالإذن، فكل مكان انطبقت عليه هذه الصفة فهو حرز، فمثلاً: البيوت تعتبر حرزاً؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يدخل بيت أحد إلا بإذنه، ولأنها تحفظ ما بداخلها، وإذا قلت: إن البيت حرز، فإنه لو دخل وأخذ شيئاً من البيت، مثل: أن يأخذ طاولة أو أواني ثم يخرج بها فهو سارق؛ لأننا نعتبر البيت حرزاً.

    ومن هنا حرز المكان أن يكون حافظاً لما فيه، ولا يمكن لأحد أن يدخل فيه إلا بالإذن، ويشمل هذا البيوت والشقق أو -كما يقول المتقدمون- الدور، ويشمل أيضاً في زماننا الصناديق والخزائن والأحواش المحصنة والأسوار المغلقة التي لا يستطيع أحد أن يدخلها إلا باحتيال، وكل شيء محصن محفوظ من الأبنية فإنه حرز، وعلى هذا فإن أي بناء منع الغير من الدخول فيه أو لا يتمكن الغير من الدخول فيه إلا بإذن فإنه حرز.

    ثم هناك أحراز يمكن نقلها مثل: الصناديق، فإنها تعتبر حرز مكان، والخزائن تعتبر حرز مكان، هذا القسم الأول من الحرز.

    القسم الثاني من الحرز: الحرز بالحافظ، وهو أن يكون المال له عين تراقبه، كالإبل معها الراعي، والغنم والبقر معها الراعي الذي يحفظها بإذن الله عز وجل، فحرز الحافظ يكون للشيء الذي لا يشترط في الدخول فيه إذن، مثلاً: المسجد، فلو أن شخصاً سرق من المسجد شيئاً يساوي النصاب لم نقطع يده إلا إذا كان محرزاً بحارس أو أمين أو مراقب، أو سرقه من تحت الشخص، ولذلك صفوان رضي الله عنه قطعت يد سارقه؛ لأن صفوان وضع الرداء تحته، وسرق السارق رداء صفوان من تحت رأسه، ولو أنه نام والرداء تحته ثم انقلب عنه فلم يصبح تحته وجاء السارق وأخذه لم تقطع يد السارق؛ لأن المسجد ليس بحرز مكان، إذ يدخل فيه الإنسان من دون إذن، فالأماكن العامة والحدائق والمنتزهات لا تعتبر حرزاً إلا إذا كان عليها رقيب أو حارس وتمت السرقة باستغفال هذا الرقيب والحارس وأخذت خفية، فحينئذٍ يحكم بكونها سرقة، وفرق العلماء رحمهم الله بين هذين بتفريق الشرع، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن سرق الثمر من النخل لا قطع فيه، فلو أن شخصاً أخذ من فوق النخلة عرجوناً؛ فإنه لا تقطع يده، وإنما عليه ضمان هذا العرجون بمثليه ثم يعاقب، وبين النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحكم، وقال : (من أكل منه دون أن يحمل معه شيئاً فلا قطع عليه، ومن أخذ -أي: الثمر- بعد أن يؤويه الجرين ما يعدل ثمن المجن؛ قطع) فاعتبر عليه الصلاة والسلام البستان من حيث الأصل ليس حرزاً؛ لأن الغالب أنه يمكن دخوله والأخذ منه، وجعل عليه الصلاة والسلام لمن مر ببستان فأكل منه دون أن يحمل معه شيئاً؛ أنه لا شيء عليه.

    إذاً: الأصل عندنا أن الحرز يكون على هذين الوجهين:

    الوجه الأول: إما أن يكون الحرز بالمكان، وهو الذي يكون معداً لحفظ الأشياء.

    الوجه الثاني: أن يكون معداً لحفظ الأشياء مثل: الصناديق والأحوشة والأسورة المغلقة على ما فيها، ولا يستطيع أحد أن يدخل فيها إلا بإذن، فإذا تحقق هذان الوصفان؛ فإنها أمكنة تعتبر حرزاً لما فيها، فمثلاً: جاء إلى دكان -الدكان يعتبر حرزاً- ثم كسر باب هذا الدكان، وأخذ ما بداخله أو احتال على قفل الدكان فكسره ثم فتح الباب ودخل، أو جاء إلى زجاج المحل فكسره أو احتال فقصه ودخل؛ فإنه قد دخل إلى مال في حرزه.

    وهكذا لو أنه جاء إلى بقالة وهي مغلقة وموصدة أبوابها فكسر أقفالها أو احتال على الدخول عليها من الأبواب التي تكون في الظهر وتكون بعيدة عن أعين الناس؛ فدخل منها بكسر الأغلاق، أو كسر تلك الأبواب أو الاحتيال على النوافذ برفعها والدخول فيها؛ فقد دخل إلى الحرز.

    إذاً: هذه الأمكنة المبنية المعدة للحفظ تعتبر حرزاً، وكذلك الأمكنة التي لا يدخل إليها إلا بإذن، تعتبر حرز مكان.

    يبقى السؤال: لو كان المكان حرزاً لا يدخل فيه إلا بإذن لكن فتح بابه، فهل حكمه أثناء غلق الباب كحكمه إذا فتح بابه، والعكس؟ مثلاً: نقول: إن الشقة حرز، وإذا كان بابها مغلقاً واحتال على الباب ودخل وسرق منها فهو سارق، لكن لو أنه جاء ووجد باب الشقة مفتوحاً، فانسل خفية ودخل، فهل هو سارق؟

    وجهان للعلماء رحمهم الله:

    الوجه الأول: منهم من اعتبر دخوله واحتياله بالدخول دون أن يشعر به أهل المحل سرقة من الحرز، ويستوي عند هؤلاء أن يكون الباب مفتوحاً أو يكون الباب مغلقاً في الأمكنة المعدة للحرز.

    الوجه الثاني: من أهل العلم رحمهم الله من قال: إذا كان الباب مفتوحاً؛ فالمنبغي على أهل البيت أن يراقبوا، وأن يجعلوا أحداً يراقب، ومن هنا إذا دخل لا قطع، والمذهب الذي يقول بوجوب القطع يقول: إن هذه الأماكن في الأصل -حتى ولو كانت أبوابها مفتوحة- لا يستطيع أحد أن يدخلها إلا بإذن، والعرف جارٍ بكونها حرزاً، ولا يدخل إليها إلا بإذن.

    النوع الثاني من الحرز: الحرز بالحافظ والمراد به الحارس، ومن يوضع لمراقبة الأموال، فالأشياء التي تحفظ بالرقيب إذا عدمنا المكان، أو كان الشيء في غير موضع حرز؛ فإنه يحفظ بالرقيب، فمثلاً: الإبل.. البقر.. الغنم.. تحفظ بالرقيب.

    فالأسواق المفتوحة تحفظ بالحراس، فلو وقعت السرقة في حال عدم وجود حارس؛ فإنها ليست بسرقة؛ لأنها ليست بحرز، فليس هناك من يحفظها، والأصل في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر الحرز، وهذا أصل يدل على وجود الحفظ للمال، ونفهم من كونه عليه الصلاة والسلام يأمر بالقطع إذا وضع الثمر في الجرين، ولا يأمر بالقطع إذا أخذ من غير جرين أن هناك فرقاً بين المسألتين، وأن الأمر راجع إلى حفظ المال، وأنه متى ما كان المال سائباً أو كانت الأموال من جنس ما يكون في البراري والفيافي ونحو ذلك فحرزها بحارسها، والرقيب عليها، فإذا وجد الحارس وسرقت أثناء وجود حارس؛ فإنها سرقة.

    وأما إذا أخذت دون أن يوجد حافظ أو حارس؛ فإنها ليست بسرقة.

    وقوله: (وأن يخرجه) الضمير عائد إلى المال، (من الحرز) أي: من المكان الذي هو حرز لذلك المال، فكل مال ننظر فيه إلى حرز مثله، فالذهب والفضة -اللذان هما الأثمان- لهما حرز يناسبهما، فالذهب والفضة حرزها وهي نقود ليس كحرزها وهي حلي، فالحلي تحفظ في صناديق غير صناديق النقود، وتحفظ في الدكاكين في أماكن ليست كأماكن النقود، فمثلاً: محلات الذهب قد يضطر صاحب المحل أو الدكان أن يضعها في الزجاج، وهذا إذا جئت تضعها أمام الناس في زجاج فإنه يسهل كسره والأخذ منه، لكن نفس الدكان حرز وحفظ لها، فالذهب والفضة لهما طريقة يحفظان بها، والإبل والبقر لها طريقة تحفظ بها، والأغذية لها طريقة تحفظ بها، والأكسية كلها ينظر فيها إلى حرز مثلها.

    قال رحمه الله: [فإن سرقه من غير حرز فلا قطع].

    الفاء للتفريع (فإن سرقه) سرق المال، (من غير حرز) فلا قطع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا قطع في ثمر ولا كثر)، ومن المعلوم أن الثمر فوق رءوس النخل , وقد يدخل السارق إلى البستان -والبستان يعتبر مثل السياج- فلما أسقط عليه الصلاة والسلام القطع في الثمر الذي هو على رءوس النخل، وفي الكثر الذي هو طلع الفحل، دل على أنه لا بد من وجود الحرز، بدليل أنه قال: (بعد أن يؤويه الجرين وقد بلغ ثمن المجن قطع) فاشترط عليه الصلاة والسلام الحرز، فدل على أنه إذا لم يكن حرز فلا قطع.

    الضابط في معرفة حرز المال

    قال رحمه الله: [وحرز المال ما العادة حفظه فيه]:

    أي: ما جرت العادة بحفظه في ذلك المكان، وهذه المسألة مبنية على قاعدة شرعية، تقول: (العادة محكمة)، وهذه القاعدة دلت عليها نصوص الكتاب ونصوص السنة، وأجمع العلماء رحمهم الله على حجيتها، فإن الله تعالى رد عباده إلى العرف، والعرف هو العادة، فإذا جرت العادة بشيء بين المسلمين حكمنا بهذه العادة، ويشترط دليل الكتاب، فمن أمثلة أدلة الكتاب: قوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228]، فرد الأمر إلى العرف، وقال تعالى : فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، فأمر بمعاشرة النساء بما جرى به العرف.

    كذلك أيضاً السنة قال صلى الله عليه وسلم: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)، فردها إلى العرف.

    والإجماع انعقد على اعتبار القاعدة التي تقول: (العادة محكمة)، فالعلماء مجمعون على العمل بها؛ لأن الشرع أطلق في أشياء وردها إلى العرف، فمثلاً: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يقبضه، بماذا يتحقق القبض؟ يختلف في الطعام.. في المكيلات، والموزونات، والمعدودات، والمذروعات؛ فإذا ألحقناها بالطعام فهذا القبض يرجع فيه إلى العرف.

    أيضاً: قال صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضاً ميتة فهي لها)، بماذا يتحقق إحياء الموات؟ نرجع إلى كل عرف بحسبه، وكل زمان بحسبه، في القديم قد يكون غرس شجرة واحدة يعتبر إحياءً، وفي القديم قد يكون وضع الحجر بعضه فوق بعض دون بناء إحياء، ولكن في زماننا: في المدن الإحياء له طريقة، وفي القرى له طريقة، وهذا يدل على أن الشريعة تعتبر العرف.

    ويشترط في هذا العرف:

    أولاً: ألا يكون مصادماً للشرع، فليس هناك عادة نحتكم إليها إذا صادمت الشرع، وذكر العلماء لهذا أمثلة: فلو جرت العادة بمحرم كشرب المحرمات، لا نقول: إن العادة محكمة، فيجوز شرب المحرمات، وكذلك: لو جرت العادة بحلق اللحية لا نقول: يجوز حلق اللحية؛ لأن العادة جرت بها، فيشترط ألا تصادم العادة الشرع، ومن هنا قالوا:

    وليس بالمفيد جري العيد بخلف أمر المبدئ المعيد

    فإذا كانت العادة تخالف الشرع رددناها وعملنا بالشرع؛ لأن الله يحكم ولا معقب لحكمه سبحانه وتعالى.

    ثانيا:ً أن تكون هذه العادة منضبطة، وكذلك تكون في الغالب أو الأكثر على خلاف عند العلماء فيما هو غالب أو أكثر.

    الشاهد: أننا نرجع في العادة إلى قول أهل الخبرة، فإذا كان المال المسروق من البهائم سألنا أهل البهائم، كيف تحفظون بهائمكم؟ فالحفظ في القرى ليس كالحفظ في المدن، فإذا قالوا: نحن عندنا في بيئتنا أننا نضعها في الأحواش، وأن من يريد حفظ غنمه يضعها في هذه الأحواش، فوجدنا السرقة تمت من هذا المكان الذي يعتبر في العادة حرزاً لمثل هذا المال؛ فحينئذٍ يقطع السارق.

    كذلك أيضاً: لو جرت السرقة في السوق، فسرق طعاماً من سوق الأطعمة، فنسأل أهل هذا السوق: ما هي عادتكم في حفظ هذا المال؟ فإذا قالوا: عادتنا أنه إذا جاء المزارع بهذا الطعام نفعل به كذا، ونحفظه في كذا، فحينئذٍ نعتبر الحرز الذي جرت به العادة، فيقول رحمه الله: (ما العادة بحفظه) أي: ما جرت العادة بحفظه، فالحرز نحتكم فيه إلى العرف والعادة، ومن هنا قالوا: يختلف باختلاف الزمان، والمكان واختلاف الجور والعدل في الأزمنة، فإذا كان الزمان زمان عدل فإن أقل حفظ حرز.

    وإذا كان الزمان زمان فساد وجور وظلم، يحتاج الناس إلى حرز أمين، ولذلك بين العلماء والأئمة رحمهم الله اختلافه باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص.

    اختلاف الحرز باختلاف المال

    قال رحمه الله: [ويختلف باختلاف الأموال].

    أي: الشيء المحفوظ، فمثلاً: شخص يريد أن يحفظ ذهباً أو فضة ليس كالذي يريد أن يحفظ الخشب، فتاجر الخشب جرت العادة أنه يضع خشبه في داخل أحوشة مغلقة، وتاجر الحديد يضع الحديد في أحوشة مغلقة تكون حرزاً لها، فجرت العادة بهذا، لكن تاجر الذهب له طريقة أخرى، فهو له دكاكين معينة، ثم أيضاً هذه الدكاكين فيها مواضع مخصوصة يضع فيها الذهب أو طريقة معينة يضع الذهب فيها عند العرض للناس، ويضع فيها الذهب عن انتهاء عمله أو خروجه من عمله، فإذاً: نرجع إلى كل عرف بحسبه، فقال رحمه الله: (ويختلف باختلاف الأموال) يختلف بسبب اختلاف نوعية الأموال، فعندنا الذهب مال، والفضة مال، والطعام مال، والبهائم مال، والمعادن مال، وكل شيء له قيمة يعتبر مالاً.

    قال رحمه الله: [والبلدان].

    بعض البلدان يكون الحرز فيها يحتاج إلى قوة، والإمكانات متوفرة وآلات الحرز موجودة، فحينئذ نطالبه بحرز يتناسب مع بيئته، لكن لو كان في بيئة ضعيفة لا يتيسر فيها الإمكانات لحفظ الأموال، حافظها على قدر استطاعته، ونعتبره حرزاً؛ لأن عرفه يتناسب مع هذا الحرز، فكل بلد وما جرت عادتهم بحفظ المال به.

    قال رحمه الله: [وعدل السلطان].

    أي: إذا كان السلطان عادلاً فإن الحرز يكون خفيفاً، وذلك أن الناس إذا أخذوا بالعدل استقامت أمورهم، ويحصل عند الناس خوف من الله عز وجل، ويأمن الناس بعضهم بعضاً؛ لأنه يحس أن له مثل الذي عليه، وحينئذ يأمن الناس، ولا يلتفت بعضهم إلى مال الآخر من أجل أذيته والإضرار به، والعكس، فإنه إذا حصل الجور، وكان الزمان زمان جور تنافسوا -والعياذ بالله- في الجور، فإذا أخذ الناس بسلطان العدل الذي قامت عليه بالسماوات والأرض واستقامت عليه أمور الدنيا ولا تستقيم إلا به؛ فإن أمورهم تستتب، ولربما وضع الرجل قماشاً على باب محله وبداخله من المجوهرات والخيرات ما الله به عليم! ولكن الله عز وجل يصرف النفوس عن الفساد، ويصرفها عن الأذية والضرر، ولذلك أزمنة الفتنة تنساق النفوس -والعياذ بالله- فيها إلى الفساد والأذية والإضرار والبطش والسوء حتى إن الناس كأنهم قد سلبوا -والعياذ بالله- عقولهم، وكأن الله إذا أراد بقوم فتنة سلبهم عقولهم؛ فعاثوا وعاثت بهم الشياطين والعياذ بالله، وعندها يكون بطن الأرض خير من ظاهرها، وهذا في أزمنة الجور والظلم، ولذلك تجد أهل الجور يتنافسون في الفساد.

    أما إذا غلب العدل تنافس الناس في الخير، فهم تبع لهذا المؤثر بعد الله سبحانه وتعالى، فكونهم مأخوذين بالعدل أو مأخوذين بالجور له أثر، ففي أزمنة الجور يكون الحفظ أشد، والحرز أقوى، وأما في أزمنة العدل فإن الأمر يكون أخف، ولذلك جاءت كنوز كسرى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو بالمدينة، فوضعها رضي الله عنه وأرضاه في المسجد، حتى أن المسجد أضاء في ظلمة الليل من كثرة ما فيه من المجوهرات والنفائس، فلما رآها بكى رضي الله عنه وقال: (إن أناساً أدوا هذا لأمناء)، ووضعوا عليها القماش، وكان الناس في زمان عمر رضي الله عنه -وهو زمان الخلافة الراشدة- راضين مطمئنين مأخوذين بالعدل؛ ولذلك كان عمر رضي الله عنه يضعها في المسجد، فما احتاج أن يضعها في أغلاق، وكان الرجل يسافر بهذا المال حين يبعثه قائد المسلمين بالفتح، فيرسل القافلة وهي مليئة بالأموال والمجوهرات، ويستطيع الرجل منهم -وحاشاه- أن يسرق أو يخبئ أو يغل منها ما شاء، ولكن أبى الله عز وجل إلا أن يكونوا أمناء؛ لأنهم تربوا في مدرسة النبوة على يد رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، الذي عرف منذ صغره بالأمانة، بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه.

    زمان العدل يخف فيه الجور والتعدي على أموال الناس، ومن هنا ينظر في كل زمان بحسبه، وفي كل مكان بحسبه، وفي كل مال بحسبه.

    ومن مسائل الاختلاف أن يختلف الحكم باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال، فهذه منها مسألة الحرز في الأموال.

    قال رحمه الله: [وجوره].

    إذا كان عدلاً أو كان جائراً.

    قال رحمه الله: [وقوته وضعفه].

    إذا كان قوياً فإن الناس تهاب وتخاف، حتى بلغ ببعض الولاة -من قوته- أن الناس كانوا إذا رءوا المال المسروق في زمانه هربوا عنه، فإذا أخذ الناس بالقوة والحزم في البطش والسرقة والتعدي على أموال الناس، فإن الناس يأخذهم من الخوف والرعب الشيء العظيم، حتى إن الرجل لو رأى مالاً مسروقاً فر عنه، ولربما غير الطريق الذي يسير فيه، وجاء عن بعضهم أنه مر على كيس من الطعام ثم ذهب إلى الوالي -وكان معروفاً بالحزم- فقال له: إني وجدت كيساً من الطعام فيه كذا، قال: ما أدراك بما فيه! حللته فككته؟ قال:لا، ولكني تحسسته بأصبعي، قال: اقطعوا أصبعه! وهذا نوع من الإسراف في الحزم، لكن إذا أخذ الناس بالقوة احتاطوا لأنفسهم، فأزمنة الجور يعظم فيها الفساد، وهكذا أخذ السلطان للناس بالقوة يكفهم عن أخذ الأموال، وحينئذ يعتبر أيسر شيء حفظ للأموال، حتى إن الرجل لربما وضع أبسط الأشياء على ماله لكي يحفظه ويعتبر في العرف قد حفظه وصانه، ويعلم الناس أنه محفوظ، والعكس بالعكس، إذا أصبحت أزمنة فساد؛ فإنه لا يغني فيها الأغلاق، ولربما لا يغني فيها البناء، إلا إذا كان على صفة مخصوصة، مثلاً في بعض المدن تكثر السرقة حتى يصبح الشخص لو وضع المال داخل بناء لا يكفي، ما لم يضع عليه أجهزة تراقبه، أو يستخدم الأشياء الحديثة من أجل حفظ أي اعتداء أو الانتباه لأي داخل ومع ذلك تحدث السرقة! فإذاً: لا بد من النظر لكل عرف ولكل بيئة بحسبها.

    من أمثلة حروز الأموال

    قال رحمه الله: [فحرز الأموال والجواهر والقماش في الدور والدكاكين والعمران وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة].

    فقوله: (وحرز الأموال).

    أي: الأثمان من الذهب والفضة لا بد أن تكون في الأغلاق، أي: داخل الصناديق المغلقة، ووراء البناء، فلو أنه وضع الذهب في صندوق وأبرزه للناس، فإنه ليس بحرز، لكن لو يدخله في بيته، أو دكانه فإنه يكون داخل الحرز، وهو الصندوق، ولذلك جرى العرف عندنا الآن أن الشخص لو دخل على بائع وعنده أموال فإنه يجد صندوقاً مخصوصاً للأموال، ويجد خزنة للدكان والبقالة وللمتجر، فهذه الأموال محفوظة وراء الدور الذي هو البناء، وداخل الأغلاق؛ فلو أنه وضع المال داخل الدكان بدون غلق، ففي هذه الحالة لا يعتبر حرزاً إذا جاء السارق وسرق، ولو أنه أخرج الأموال من الصندوق أو من الخزنة ووضعها على الطاولة؛ ثم جاء السارق وسرقها فإنه لا يعتبر آخذاً من حرز. إذاً: لا بد من أمرين:

    أن يكون في الأغلاق التي هي الصناديق المغلقة، وأن تكون وراء الجدران، أي: في الدور أو في الدكاكين.

    وقوله: )والجواهر) كذلك؛ لأن الأموال تدعو النفوس إلى حفظها، وجبلت النفوس على حفظها، والجواهر لربما كانت أغلى من الذهب والفضة، ومن هنا من كان عنده ألماس لا يضعها في بيته، إنما يبحث عن مكان أمين يضع فيه الألماس، ولو وضعها في بيته لا يضعها في درج مكتبه، ولا يضعها مثلاً في كيس في غرفته، إنما يضعها في خزنة تحفظ هذا المال النفيس، أو يضعها في صندوق قوي محكم يغلقه على هذا المال، فكل مال بحسبه، والجواهر تحتاج إلى صيانة أكثر من الذهب والفضة في بعض الأحوال، والذهب والفضة في بعض الأحيان يحتاج إلى صيانة أكثر، ومن هنا نبه المصنف على اختلاف الأموال واختلاف الأحوال.

    وقوله: (والقماش) مثلاً: تاجر عنده أقمشة؛ فإنه يضعها داخل الدكان ويغلق عليها دكانه، فلا بد أن تكون في حرز ومغلق عليها.

    وقوله: (في الدور) هذا الحرز الأول.

    وقوله: (والدكاكين) دكاكين القماش حرز للقماش الذي فيها.

    وقوله: (والعمران) القماش داخل المدينة ليس كالقماش خارج المدينة، فإذا كان داخل المدينة يكون داخل الدكان، وداخل البناء، وإذا كان خارج المدينة فلا بد أن يبحث عن حرز يحفظه به، فلو أنه كانت عنده (بسطة)، وليس عنده دكان، وجاء شخص وسرقها، فإنه لا تقطع يده إلا إذا كان هناك رقيب، ونحن هنا نتكلم عن الحرز بالمكان، ولا نتكلم عن الحرز بالنظر، فلو كان القماش تحت عين الرقيب، وجاء وسرق من تحت عين الرقيب؛ فإنه في هذه الحالة يعتبر سارقاً.

    وقوله: (وراء الأبواب) إذا كانت في بناء تكون وراء الأبواب ووراء النوافذ المغلقة.

    وقوله: (والأغلاق الوثيقة) هي الخزنة، فمثلاً: النقود في المحل توضع داخل خزنة، فلو أن سارقاً سرقها من غير الخزنة دون حافظ ولا رقيب لها، لم تقطع يده؛ لأن هذا إهمال وتسيب، والإهمال والتسيب ليس فيه حرز على وجه.

    قال رحمه الله: [وحرز البقل وقدور الباقلاء ونحوهما وراء الشرائج إذا كان في السوق حارس].

    انتقل هنا إلى النوع الثاني وهو قضية الحرز بالحافظ، والحافظ هو الحارس الذي يراقب المال، فمثلاً: أكيسة فيها أطعمة، مثلاً: أسواق الفواكه.. أسواق الخضار.. أسواق التمر.. ونحو ذلك، فهذه حرزها إذا كانت تحت مراقبة الحارس؛ فإذا وجد حارس يراقبها وجاء السارق وسرق؛ فإنه في هذه الحالة قد أخذ من حرز، وأما إذا كانت هذه الأشياء موضوعة أو بائعها انصرف وتركها أو انشغل عنها وتركها؛ فليست في حرز، وحينئذ لا يثبت القطع.

    قال رحمه الله: [وحرز الحطب والخشب الحظائر].

    جمع حظيرة، وأصلها تكون للحيوانات والبهائم، وجرت العادة أن الذي يبيع الحطب والفحم في القديم يضعها في الحظائر، فيأتون -مثلاً- بجريد النخل، ويكونون منه سياجاً على محل البيع، فتكون هذا السياج بمثابة السور في البناء، وجرت العادة أن مثل هذا يحفظ الحطب والفحم ونحو ذلك، وعبر به المصنف كنوع من الأنواع التي تحفظ بها الأموال، بطريقة غير الطريقة الأولى؛ لأن الطريقة الأولى بالبناء، وهذا لا بناء فيه، فعبر رحمه الله بهذا تنبيهاً على نوع من أنواع الحرز، وهذه الأشياء ضعيفة بالنسبة للبناء، أي: إذا جئت تنظر إلى الحرز بالحظائر فهو أخف من الحرز الذي بالبناء، مع أنها تكون محكمة، وتكون قوية في بعض الأحيان، ولا يستطيع أحد أن يدخل منها، لكن قد يكون الولوج عن طريق الحظائر أخف من الولوج عن طريق البناء، ومع هذا تعتبر الحظائر حرزاً، فإذا جرت العادة أنها تحفظ في مثل هذه الحظائر فهي حرز، فلو سرق كيساً من الفحم وهذا الكيس تعادل قيمته النصاب، وكان من داخل حرز مثله؛ قطع، وإلا فلا.

    قال رحمه الله: [وحرز المواشي الصير].

    الصيرة تحفظ المواشي بإذن الله عز وجل، وهذا إذا كانت في معاطنها كالإبل والبقر والغنم فإنها توضع في الصيران وتحفظ، لكن إذا كانت سائمة وراعية؛ فإنها تكون بالراعي إذا كان معها راعيها وحافظها فإنه حرز لها، وهذا حرز الحافظ.

    قال رحمه الله: [وحرزها في المرعى بالراعي].

    لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق في الإبل -كما في حديث السنن- بين حبيسة الجبل وبين ما أخذ منها من معطن، فما أخذ من المعاطن أخذ من الحرز إذا كانت محفوظة، وما أخذ من البراري دون أن يكون عليها رقيب فلم تؤخذ من حرز، فلا قطع.

    وعند العلماء تفصيل في المطولات بالنسبة للإبل والغنم والبقر، فكل هذه البهائم إذا رعت فلها طرق مختلفة، فتارة تسرق أثناء سيرها إلى المرعى، وتارة تسرق أثناء قيامها بالرعي، فالحافظ الذي معها إذا كانت عينه على مجموعها؛ فإنه حرز، سواء أخذ من أطرافها أو أخذ من وسطها إذا كانت مجتمعة في وادٍ وهو قائم عليها يراقبها.

    لكن إذا كانت سائرة إلى المرعى فبعض العلماء يرى القاطرة حرزاً إذا كان قد أخذ بالفحل؛ لأن الفحل تسير وراءه الإبل، أو حصلت السرقة من آخرها فهي سرقة، يعني: يعتبر بالخط الواحد للبهائم ولو كانت عشرة أو عشرين، هب أنها تسير وهي تبع لقائدها، وقائدها عينه عليها، لكنه تتناوب عينه على الأول والثاني والثالث، وأثناء تناوب عينه على أولها سرق السارق من آخرها، فيكون قد سرق من حرز؛ لأنه في هذه الحالة تحت النظر، وإذا قلنا: تحت النظر فلا يشترط أن يكون النظر محدداً للكل، إنما الكل بمثابة المال الواحد، ففي هذه الحالة تقطع يده، ويفرقون في المطولات بين كونها مسروقة من قاطرة الإبل أو قطيع الغنم أو قطيع البقر، في أثناء مشيه أو في أثناء رعيه.

    قال رحمه الله: [ونظره إليها غالباً].

    هذا هو حرز النظر، فيكون مراقباً لهذا المال، ولا يكون أحد حارساً ولا حافظاً إلا بالمراقبة غالباً، أي: يعني في غالب الحال، لكن لربما ينصرف نظره لشيء يسير فينظر إليه، ثم فجأة ينظر أمامه حتى ينظر الطريق الذي تسير إليه، وينظر إلى الشمس، ونحو هذا، لكن الغالب أن نظره عليها.

    وعلى هذا: إذا وجدت مع الحارس على الصفة المعتبرة من كونه حافظاً ومراقباً عليها؛ فإنه إن وقعت السرقة قطع السارق، ونعتبر وجود الحارس حرزاً لهذا المال.

    1.   

    الأسئلة

    حرز السيارات

    السؤال: كيف يكون حرز السيارات؟

    الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

    فنحن وضعنا الضابط، العلماء رحمهم الله في باب السرقة تكلموا كلاماً طويلاً جداً في مسألة الحرز، والسبب في هذا أنهم يتكلمون في زمانهم، والحرز يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وبالنسبة للسيارات فيكون على حسب العرف.

    السيارة من حيث الأصل: إذا كانت -مثلاً- موضوعة في (كراجها) في البيت، ومغلق عليها، فجاء شخص وكسر الغلق، ثم سرقها فهو سارق، وفي هذه الحالة يكون قد أخذها من الحرز، وانطبقت عليه شروط السرقة؛ فتقطع يده.

    أما إذا كانت السيارة معروضة للبيع في المعرض، فننظر إلى البناء الموجود، فإذا كانت داخل حوش المعرض فجاء وتسور الحوش، أو احتال ودخل الحوش، ثم سرقها فهو سارق؛ لأن العبرة بالأخذ من الحرز، أما إذا كان المعرض مفتوحاً، والناس تدخل وتخرج فحينئذ يعتبر الحافظ والمراقب.

    إذاً: ينظر في الأحوال بحسب اختلافها. لكن هنا مسألة: يشترط أن تكون السيارة في الحرز، لكن إذا سرق شيئاً من السيارة فهناك فرق بين أن يسرق السيارة وبين أن يسرق من السيارة، فلو أنه كسر زجاج السيارة وأخذ المسجل منها فهو سارق؛ لأن مسجل السيارة يحفظ فيها، وقد جرت العادة أنه محفوظ بغلق باب السيارة، وقفل الزجاج، فإذا اعتدى على هذا الزجاج وكسره أو عبث في مفتاح السيارة حتى فتحها ثم دخل وأخذ المسجل؛ فإنه قد أخذه من حرزه، فالمسجل مربوط ومتصل بالسيارة، وحرزه هذا الرباط، مثل: حرز الأغلاق؛ لأنه موثق ومضبوط وموضوع في السيارة، فلو سرق مركبة السيارة وكانت تساوي نصاباً قطع، لكن لو أن صاحبها تركها مفتوحة فجاء هذا وفتحها فحينئذ نعتبره إهمالاً من صاحب السيارة، ولا يتحقق في ذلك معنى الحرز، والله تعالى أعلم.

    حكم نقض الوتر بصلاة بعده

    السؤال: أشكل عليّ من أراد أن يصلي في الليل هل يسلم مع الإمام في التراويح حتى يكسب قيام ليله أم يشفع الوتر بركعة حتى يصلي في آخر الليل، وتكون صلاته آخر الليل وتراً؟

    الجواب: الذي يظهر -والعلم عند الله- أن أقوى الأقوال في هذه المسألة أنه يسلم مع الإمام، ويصيب فضيلة من قام مع الإمام حتى ينصرف، ثم ينتظر إلى آخر الليل ويأتي بركعة ينقض بها الوتر، ولذلك أصل في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل الوتر ناقضاً للوتر، والدليل على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام : (لا وتران في ليلة)، فقوله: (لا وتران في ليلة) يدل على أنه لا يجوز للمسلم أن يقتصر على الوترين، وهذا يدل على أن الوتر الثاني ينقض الوتر الأول. ومن هنا: يجوز له أن يوتر وترين للحاجة ثم يوتر الوتر الأخير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه تأخير الوتر إلى السحر، وفعل ذلك عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ فإنه كان إذا صلى الوتر أول الليل قام آخر الليل فصلى ركعة نقض بها الوتر الأول ثم صلى ما شاء ثم أوتر، وهذا هو الأشبه لما فيه من موافقة السنة.

    أما كونه بعد سلام الإمام يقوم ويأتي بركعة فهذا فيه إشكالات:

    أولاً: لأنه يدخل مع الإمام بنية المخالفة في العدد، وفرق بين المخالفة في النية فرضاً ونفلاً وبين المخالفة في صورة الصلاة، والمخالفة في صورة الصلاة مؤثرة؛ ولذلك جماهير العلماء والأئمة من السلف رحمهم الله -حتى على مذهب الأئمة الأربعة- لم يصححوا صلاة المغرب وراء العشاء لاختلاف صورة الصلاتين، وحينئذٍ سيدخل بثنائية وراء فردية فيضطر إلى الجلوس بالتشهد ولا يعرف في الشرع الجلوس بين ركعتين في ثنائية، إنما يكون الجلوس في آخر الثنائية أو يكون في آخر الوترية إذا كانت واحدة.

    ثانياً: سيستبيح الدعاء بعد الركعة الأولى وهو يعلم أنه سيصلي ركعتين، فإذا قال قائل: إن هذا كان لمكان المتابعة، فنقول له: إذاً: يتابع الإمام على الحقيقة، فيسلم مع الإمام، والقول بأنه بعد سلام الإمام يأتي بركعة، يقول به بعض العلماء، والصحيح أنه يسلم مع الإمام تحقيقاً للمتابعة وإعمالاً للأصل وخروجاً من المخالفة؛ لأنه يفعل أموراً لا تعرف في سنن الصلاة الشرعية من الجلوس بين الركعتين، وإحداث الدعاء في الركعة الأولى، وإنما عرف في الشرع القنوت في الثنائية بعد الثانية وليس بعد الأولى إذا كانت ثنائية، أو القنوت بعد الأولى كما في الوتر، الأول كما في الفجر، والثاني كما في الوتر، وحينئذ يخرج عن سنن الصلاة، فلو قال قائل: هذا للمتابعة، نقول: نعم، هذا في الفريضة حينما يلزم، ولكن هنا ليس بملزم، وبإمكانه أن يحقق الموافقة في الشرع بالتسليم مع الإمام، وخاصة وأنه يحوز على فضيلة متابعة الإمام حتى ينصرف، والله تعالى أعلم.

    صلاة التراويح في البيت

    السؤال: هل إذا قمت في ليالي رمضان منفرداً في بيتي يكتب لي قيام ليلة، وإذا كان ذلك فكيف أجمع هذا مع قول النبي صلى الله عليه وسلم : (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة

    الجواب: لا يكتب للإنسان أنه قام ليلة إلا إذا استتم القيام كاملاً لليلة، هذا بالنسبة إذا كنت تريد أن تحيي الليل، مثل: العشر الأواخر إذا أحييتها بالصلاة، لكن فضيلة الصلاة مع الأئمة جاء لها استثناء، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكثر المأمومين وراء أئمتهم فقال: (من قام مع إمامه حتى ينصرف..) وهذا الحديث المقصود به أن يبقى المأمومون وراء أئمتهم، فلا يأتِ إنسان ويقول: لدينا إمام أول وإمام ثانٍ، فإذا انصرف الأول انصرفنا معه.

    هل يعرف في زمان النبي صلى الله عليه وسلم إمامان؟

    إذاً: الأصل أن ننظر ماذا قصد الشرع؟ هل قصد الصورة أم قصد المعنى؟ بل قصد المعنى وهو: أن نقوم مع الأئمة ولا ننصرف عنهم، ويقولون: استنباط المعنى من النص الذي يعود بإلغاء معنى النص باطل، فمقصود الشرع أن تقوم مع الإمام حتى ينصرف، فخرج مخرج الغالب، ففي زمان النبي صلى الله عليه وسلم الغالب فيه أن يؤم إمام واحد، وعلى هذا لو جاء يستنبط من هذا النص: أن ينصرف مع الإمام حتى في أول الصلاة فإنه سيلغي معنى النص؛ لأن معنى النص المراد به التكثير، لماذا قيل : (من قام مع إمامه)؟ هل جاء لصورة أم جاء لمعنى؟ بل جاء لمعنى وهو: الحرص على متابعة الأئمة والحرص على الصلاة معهم.

    فقوله: (من قام مع إمامه) المراد به: أن يقوم مع إمامه إلى أن ينصرف، فإذا ثبت هذا؛ فإن هذا المعنى موجود في الجماعة، وليس موجوداً في الفرد؛ لأن الفرد ليس له إمام، وليس هناك إمام يريد أن يتابعه فيكثر سواده؛ لأن الصلاة صلاة نافلة، ولذلك ورد الترغيب فيها بهذا المعنى، فإذا أراد قيام الليلة وكان يريد أن يحصل الفضيلة فليصلِّ مع الجماعة.

    لكن السؤال هل الأفضل أن يصلي مع الجماعة أول الليل أم الأفضل أن يصلي في بيته وحده ويحيي آخر الليل؟

    الأشبه أن صلاته في بيته -إذا كان حافظاً للقرآن خاشعاً مخلصاً ويتأثر ويضبط القرآن، ويعطي للقرآن حقوقه- أفضل؛ ولذلك عمر رضي الله عنه ترك الجماعة، وكان يمر عليهم ويقول: (نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل)، وهو الذي أمرهم أن يجتمعوا، لكن ينقسم الناس إلى قادر وغير قادر، فعامة الناس في غالب أحوالهم لا يقدرون أن يقوموا السحر وآخر الليل، ومن هنا جعل التراويح لهم في أول الليل ولكن قال: (والتي ينامون عنها أفضل)، فهم في حال حسن، وهناك ما هو أحسن وأكمل، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا بقوله: (صلوا في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، فالأفضل والأكمل أن يصلي في بيته بالصفات التي ذكرناها: أن يكون قادراً على إحياء آخر الليل بالقرآن، قادراً على القيام في آخر الليل، لأن ذلك يكون أخشع لقلبه، وأكثر تأثراً، وقد يصلي مع جماعة وإمامه يسرع في القراءة، ولا يستطيع أن يتدبر القرآن كما ينبغي، ولكن إذا خلى بربه وخلى في بيته وقرأ القرآن بورك له في قراءة القرآن في بيته، وبورك له في نفسه، وبورك له حتى في البيت الذي يقرأ فيه، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم فليجعل من صلاته في بيته، فإن الله جاعل له من صلاته في بيته خيراً)، هذا بالنسبة لمن يقدر.

    أما إذا كان ضعيفاً أو كان لا يستطيع أن يقوم آخر الليل، فيحرص على أن يقوم مع الجماعة، وهذا هو الأشبه. وقوله عليه الصلاة والسلام: (من قام مع الإمام حتى ينصرف) له أن ينوي في قرارة قلبه أن يحصل على الفضيلة لوحده حتى يكتب له الأجر بالنية، والله تعالى أعلم.

    مدة القصر في السفر

    السؤال: ما هي المدة التي يقصر فيها المسافر؟ ومتى يعتبر المسافر مقيماً؟

    الجواب: المدة التي يقصر فيها المسافر أن يكون ناوياً للجلوس أقل من أربعة أيام غير يوم الدخول والخروج، فإذا نوى أن يجلس أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج لزمه الإتمام من أول وصوله إلى المدينة، فلو سافر من مكة إلى الرياض وفي نيته أن يجلس السبت والأحد والإثنين والثلاثاء، ثم يسافر الأربعاء وكان سفره يوم الجمعة فمكث السبت والأحد والإثنين والثلاثاء، لزمه الإتمام عند وصوله إلى الرياض، وحكمه حكم المقيم بالوصول.

    وأما إذا قدم إلى الرياض وهو لا يدري كم سيجلس، ولا يدري كم المدة، فإنه يقصر مدة جلوسه ولو طال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك كان ينتظر العين، فأرسل عيونه، وكانت تبوك ماء من مياه العرب، لم تكن مدينة كحالها اليوم، ولا قرية وإنما كانت ماء من مياه العرب، ونزل عليه الصلاة والسلام فأرسل عيونه ولا يشك أحد -وهذا يعرفه أهل السير- أنه لا يدري هل سيبقى يوماً أو يومين أو ثلاثة؛ لأنه أرسل عيونه لينظروا جيش بني الأصفر -وهم الروم- هل عندهم نية لغزو النبي صلى الله عليه وسلم أو لا، وهذا أمر يستغرق وقتاً طويلاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدري متى يرجعون، قد يكون أرسل عينه ثم يأتيه العين اليوم الثاني ويقول: هم على ماء كذا، أو هم قد خرجوا على موضع كذا، ومن المعلوم أن بين تبوك والشام مفاوز، ولذلك لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم قطعاً كم سيمكث.

    وجمهور العلماء والأئمة كلهم يحتجون بهذا الحديث على أنه إذا لم يعلم مدة مقامه أنه يقصر، وأن حديث تبوك ليس من التحديد في الشيء؛ لأن البعض يظن أنه دليل على أنه يقصر الصلاة لو نوى سبعة عشر يوماً، وهذا ليس بصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم المدة التي سيمكثها في تبوك؛ لأنه أرسل عينه، والعين قد يأتيه بالخبر اليوم أو بعد يومين أو ثلاثة أو أربعة، فهذه الحالة الأولى للمسافر.

    الحالة الثانية: أن يكون ناوياً لأقل من أربعة أيام؛ فإنه يقصر ولا بأس ولا حرج أن يصلي الرباعية ثنائية ولو في منزله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في ذلك كما في الصحيح في قصة مسجد الخيف، وهذا بالنسبة للمدة التي تقصر فيها الصلاة: أن تكون أقل من أربعة أيام غير يوم الدخول والخروج أو لا يعلم المدة التي سيمكثها؛ ولذلك مكث أنس بن مالك رضي الله عنه في فتح تستر أكثر من ثلاثة أشهر وهو يقصر الصلاة؛ لأن الثلج حبسهم.

    والأصل عند جمهور العلماء رحمهم الله أن المدة محددة، والدليل على تحديد الأربعة الأيام: حديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمهاجرين أن يبقوا في مكة ثلاثة أيام)، فدلت هذه السنة على أن المسافر ينتقل من كونه مسافراً إلى كونه مقيماً في اليوم الرابع؛ لأنه رخص لهم ثلاثة أيام، وهم قد تركوا مكة لله، والمهاجر لا يجوز له أن يرجع إلى بلده فيقيم بها، فلما أجاز لهم ثلاثة أيام ومنعهم من اليوم الرابع دل على أنهم في اليوم الرابع يكونون في حكم المقيم.

    وعلى هذا؛ فإنه يحدد بهذا القدر من الأيام غير يوم الدخول والخروج، فلو سافر يوم الجمعة ووصل يوم الجمعة ويسافر يوم الأربعاء، فحينئذٍ تتحقق المدة، لكن لو كان يصل يوم السبت، ويسافر الأربعاء؛ فإنها ثلاثة أيام، فيقصر، فالعبرة بإلغاء يوم الدخول ويوم الخروج حتى تتمحض هذه المدة على ظاهر السنة.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3039336854

    عدد مرات الحفظ

    729734174