إسلام ويب

شرح زاد المستقنع باب العارية [1]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله تعالى جملة من الأمور ينتفع بها الناس، والعارية عقد من عقود المنافع التي تعم به البلوى؛ لأن الناس يحتاج بعضهم إلى بعض، وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي مباحة أو مندوبة أو واجبة أو محرمة بحسب ما تستخدم له من وسائل.

    1.   

    أحكام باب العارية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب العارية].

    تعريف العارية

    العارية مأخوذة من اعتوار الشيء، وهو تردده مرة بعد المرة وتكراره.

    وأما في الاصطلاح: فنوع من العقود يقصد منه تمكين الشخص من منفعة الشيء على سبيل البر والإحسان، وعرفها المصنف -رحمه الله- بأنها: إباحة منفعة العين، وعرفها بعض أئمة الحنفية والمالكية بأنها: تمليك المنافع بدون عوض، فالحنفية يقولون: تمليك المنافع مجاناً، والمالكية يقولون: تمليك المنافع المؤقتة بدون عوض، وهناك فرق بين أئمة الشافعية والحنابلة من وجه، وأئمة الحنفية والمالكية من وجه آخر، فعندنا طائفتان من العلماء:

    طائفة تقول: العارية إباحة.

    وطائفة تقول: العارية تمليك.

    وتوضيح ذلك: أن الشخص لو كان عنده بيت فأراد أن يعطي شخصاً منفعة السكنى، فيقول له: أعرتك بيتي تسكنه شهراً، أو تكون عنده سيارة فيقول له: أعرتك سيارتي تركبها هذا اليوم، أو أعرتك سيارتي تذهب بها إلى المدينة. فحينما يأخذ السيارة من الشخص فإنه يملك منفعتها، وليس له حق بيع السيارة ولا هبتها، ولا التصرف فيها بغير الانتفاع بالمنفعة، فبعض العلماء يقول: إذا قلت له: خذ السيارة، أو أعطيتك السيارة إلى المدينة، أو أعرتك السيارة إلى المدينة، أو بكل لفظ دال على العارية، صراحة أو ضمناً؛ فقد ملكته المنفعة.

    والفرق بين القولين: أننا إذا قلنا: العارية تمليك يكون من حقك أن تعطي هذه المنفعة لشخص آخر، وإذا قلنا: العارية إباحة، فليس من حقك أن تعطيها لشخص آخر، فأنت إذا أعرت شخصاً سيارة من أجل الركوب عليها والذهاب بها إلى المدينة ثم الرجوع، فأعطاها غيرك، فعلى القول بأنها تمليك فإنك إن ملكت منفعتها جاز لك أن تتنازل عنها لأخيك، وعلى القول بأنها إباحة فقد أباح لك ولم يبح لغيرك.

    وبناءً على ذلك: لو أعطيتها لغيرك فركبها وذهب بها إلى المدينة ورجع فإنك تدفع قيمة الأجرة، وتغرم لصاحبها أجرة مثلها من مكة إلى المدينة، فالعارية فيها وجهان: إما إباحة، وإما تمليك. واختيار المصنف رحمه الله ومن وافقه من أنها إباحة أصح وأقوى.

    والسبب في هذا: أنها لو كانت تمليكاً لكانت مؤقتة، ولا تصح مطلقة؛ لأن التمليك المطلق فيه غرر، ولذلك وجب تقييدها لو كانت تمليكاً، والثابت في السنة: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار بدون تأقيت، كما في حديث صفوان حينما استعار منه النبي صلى الله عليه وسلم أدرعه يوم حنين، وقال: (أغصباً يا محمد -عليه الصلاة والسلام-؟ قال: لا، بل عارية مضمونة) وهذا لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم غزو الطائف واحتاج إلى السلاح، وكان الذين خرجوا معه من مكة من المسلمين عددهم كبير؛ لأن الجيش الذي خرج به من المدينة ازداد عدده بفتح مكة، وخرجت معه قريش حمية؛ لأنه يريد غزو الطائف؛ لذا طلب عارية صفوان ، فقال له صفوان : (أغصباً يا محمد؟!) هل تأخذ مني السلاح غصباً، قال : (لا. بل عارية مضمونة)، فلو كانت العارية تمليكاً لقال: عارية إلى شهر، أو إلى شهرين، ولأقت وحدد، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤقت ولم يحدد؛ فدل على أنها إباحة، وأن الشخص حينما يعير فقد أباح المنافع ولم يملكها، وعلى هذا يأتي التفصيل -إن شاء الله- فيما لو أجر الدار لغيره، أو تصرف المستعير في العارية، وهل يضمن أو لا يضمن؛ كل ذلك يترتب على هذا الخلاف.

    أدلة مشروعية العارية

    والأصل في مشروعية العارية كتاب الله عز وجل؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه في معرض الذم والتوبيخ لمن وهبه نعمته فَحَرَمها غيره: وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:7] فجاءت هذه الآية في سياق الذم لمن منع غيره أن ينتفع مما أعطاه الله سبحانه وتعالى، وذكر الماعون لأنه شيء يسير غالباً، وهو تنبيه إلى ما هو أكبر منه وأكثر، ولأن الحاجة إلى الماعون عظيمة فهو يحتاج إليه في صنع الطعام وإعداده، فيكون في منعه وحبسه المشقة على الغير، ففي هذه الآية الكريمة الدليل على مشروعية العارية، ولذلك فسرها بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كحبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود رضي الله عن الجميع: بأنهم كان يمنعون الماعون أن يعار.

    وعلى هذا: دلت الآية الكريمة على مشروعية الإعارة؛ لأنها لو لم تكن مشروعة لما ورد الذم والتوبيخ لمن حرم الغير أن ينتفع بالماعون.

    وكذلك دلت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، منها:

    أنه استعار من صفوان أدرعه كما في الحديث المتقدم.

    وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في حديث المخزومية التي كانت تستعير المتاع ثم تجحده، ووجه الدلالة من الحديث: أنه نقم عليه الصلاة والسلام منها جحد المتاع ولم ينقم منها عارية المتاع.

    حكم العارية

    أجمع العلماء -رحمهم الله- على أن العارية مشروعة، ولكن اختلفوا في حكمها، هل يجب عليك أن تعير الأشياء، أو يندب لك، أو يباح، هناك أوجه:

    بعض العلماء يقول: إن العارية مباحة من حيث الأصل، وجائزة، ومنهم من يقول: ليست مباحة فقط بل مندوبة. وهذا هو الصحيح، بمعنى: أنه ينبغي للمسلم أن يحرص عليها، ولا يفوته خيرها وبرها، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا مر به أخوه المسلم وهو في الطريق واحتاج إلى الماء فمنعه وهو قادر على أن يعطيه -وهذا في غير العارية كما هو معلوم- أن الله تعالى يقول: (سألك عبدي أن تعطيه الماء فمنعته، فاليوم أمنعك فضلي كما منعته فضل مائك ) فهذا يدل على أنه لا ينبغي للمسلم أن يمنع إخوانه المسلمين من الانتفاع بالأشياء التي لا يحتاج إليها، والتي يكون في سعة منها، حتى ولو كان ذلك مدة معينة، فيقول له: أعرتك كتابي أو قلمي أو سيارتي، ويحدد ذلك على حسب ما يمكنه أن يبذله من منفعة ذلك الشيء المعار.

    وقد تكون العارية واجبة، وذلك إذا احتاج إلى شيء عندك توقف عليه إنقاذ نفس محرمة، فلو أن غريقاً سقط في بئر ولا يمكن إخراجه إلا بحبل عندك وليس موجوداً عند غيرك، وبإمكانك أن تعطي الحبل ولا ضرر عليك؛ فإنه إذا امتنع في هذه الحالة يعتبر آثماً في قول جماهير العلماء رحمة الله عليهم؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالله أوجب علينا إنقاذ النفس المحرمة من الهلاك، فإذا كان إنقاذها واجباً فقد توقف تحقق هذا الواجب على فعل وهو إعارة الحبل أو الشيء الذي يمكن تخليصه به، كذلك لو احتاج جارك أو صديقك شيئاً لمريض عنده أو مكروب أو نكبة نزلت به أو نحو ذلك، فإنه يجب عليك ويتعين أن تعطيه؛ لأنه ليس هناك غيرك، ويجب عليك في هذه الحالة أن تبذل ما تستطيعه لإنقاذ هذه النفس المحرمة أو دفع الضرر عنها.

    وتكون العارية مندوبة إذا كان فيها توسعة على الجار وعلى الأخ والقريب، وتختلف درجات الندب، فإعارة الشيء للقريب أعظم أجراً من إعارته للغريب، ففيها أجران، أجر العارية وأجر صلة الرحم، ومن وصلها وصله الله عز وجل، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإعارة الجار ليست كإعارة غير الجار، فإذا أعرت الجار كان الأجر أعظم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم يخاطب نساء المؤمنين: (لا تحقرن جارة لجارتها ولو كفرسن شاة) يعني: لا تحتقر أمة الله عز وجل ما تقدمه لأختها المسلمة من جيرانها ولو كان كفرسن شاة، وهو اللحم اليسير الذي يكون بين أظلاف الدابة، فهذا شيء حقير جداً، ولكن هذا الحقير عند الله عظيم الأجر؛ لما فيه من الإحسان للجار.

    ولو أنك نظرت إلى الشيء الذي يعار؛ فإعارة ما فيه مصالح دنيوية أجره أقل من إعارة ما فيه مصالح دينية، ومن ذلك إعارة كتب العلم لمن يحفظها ويحافظ عليها، وينتفع بها، فإن هذه الإعارة أعظم أجراً والندب فيها آكد من الإعارة لشيء دنيوي، وإعارة السيارة لطالب علم يذهب لطلب علم والمعونة له على طلبه للعلم، أعظم أجراً من إعانته على أمر دنيوي.

    فإذاً العارية تتفاوت من جهتين:

    أولاً: من جهة الشخص الذي يستعير؛ من حيث قربه من الشخص وعدم قربه، وعظيم حقه على الشخص، وذلك على حسب تفاوت الناس في مراتبهم في الحقوق.

    ثانياً: من جهة الشيء الذي يستعار، فإن كان الشيء الذي يستعار لمصلحة أفضل فالأجر فيه أعظم، وإذا كان لمصلحة مفضولة فالأجر فيه أقل، هذا بالنسبة للمندوبة.

    وتكون العارية محرمة إذا أعارها لشيء حرام يعينه بها -والعياذ بالله- على قطيعة رحم، أو عقوق والدين.

    مثلاً: لو أن شخصاً خرج إلى سفر ووالداه لم يأذنا له بالسفر، وهما بحاجة إليه، وقد خرج في نزهة أو صيد، وأنت تعلم أن والده لا يأذن له وغير راضٍ على خروجه، فخروجه عقوق لوالديه، فإذا مكنته من سارتك فقد مكنته من العقوق.

    فإذاً: تكون العارية حراماً إن توصل بها إلى حرام، وتصبح المسألة تابعة لمسألة: (الوسائل تأخذ حكم مقاصدها) فإن كانت العارية وسيلة إلى واجب فواجبة، وإن كانت وسيلة إلى مندوب فمندوبة، وإن كانت وسيلة إلى مكروه فمكروهة، وإن كانت وسيلة إلى محرم فمحرمة، وإن كانت خلية من الدوافع وسلمت من الموانع فإنها مباحة مستوية الطرفين.

    هذا بالنسبة لحكم العارية من حيث الأصل، وهذا الباب يعتني العلماء -رحمهم الله- فيه ببيان حقيقة العارية، وما تجوز إعارته وما لا تجوز، وكذلك أيضاً بيان الأثر المترتب على العارية، ويعتبر هذا الباب مما تعم به البلوى، فالناس يستعير بعضهم من بعض، ويحتاج بعضهم إلى الحوائج الموجودة عند البعض، يقضون بها مصالحهم، ويرتفقون بها في معاشهم، فلذلك تنشأ الأسئلة عن هذا النوع من العقود، وقد تحدث هناك أضرار في الشيء الذي يستعار، فيرد السؤال من الناس عن كثير من هذه المسائل والأحكام.

    حكم العارية عند المصنف

    يقول المصنف رحمه الله: [باب العارية] أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بأحكام العواري.

    قال رحمه الله: [وهي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه].

    (وهي) أي: العارية (إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه) يعني: بعد استيفاء النفع، والمراد ببعد استيفاء النفع: بعد أخذ المنفعة.

    )وهي) أي: العارية (إباحة) تقدم أن المراد بالإباحة أن تجيز للشخص أن ينتفع بالشيء ولا يملك المنفعة، وبناء على ذلك فليس من حق المستعير أن يعير غيره، ولا أن يبيع هذه المنفعة للغير، فيؤجرها على الغير بثمن وعوض، وإذا ثبت هذا فإنه لو أعار الغير -كما سيأتي- فإنه يضمن ويغرم، وتصبح يده يد ضمان، خاصة على القول بالتفريق بين الضمان والأمانة، وكذلك أيضاً يكون ملزماً بدفع الأجرة التي تجب لقاء هذه المنفعة المبذولة للغير.

    (تبقى) العين، (بعد استيفائه) يعني: بعد استيفاء النفع. تدل هذه العبارة على أن العارية تدخل في المنافع ولا تدخل في الذوات، يعني: تبيح المنافع ولا تبيح الذوات، بناء على ذلك: لو أن شخصاً أعطى غيره تفاحةً ليأكلها، هل نقول: هذه عارية؟ لا؛ لأن العين هنا لا تبقى، وإذا كانت العين لا تبقى بعد الاستيفاء فإنها ليست بعارية وإنما هي هبة، وتعطيها حكم الهبات أو صدقة إن قصد بها القربة لله سبحانه وتعالى، فهي هبة أو عطية أو صدقة على التفصيل الذي ذكرناه.

    وبناء عليه لا بد من أن تكون العارية في المنافع، والمنافع تكون في العقارات والمنقولات.

    فإما أن تكون منفعة عقار أو منفعة منقول. منفعة عقار: مثل: البيت، والمزرعة، والمسبح، والديوان، والحوش، هذه كلها عقارات، تقول له: أعرتك بيتي تسكن فيه شهراً أو سنة، أعرتك مزرعتي أو الديوان أو المسبح... هذه كلها إباحة منفعة تستوفيها، وهذا الاستيفاء يكون بدون عوض، ولذلك قال الحنفية والمالكية: بلا عوض؛ لأنه تمليك، لكن الشافعية والحنابلة قالوا: إباحة. فلم يحتاجوا إلى قيد: بلا عوض؛ لأن قولنا: إباحة، معناه: الإذن بالشيء بدون وجود عوض فيه، وعلى هذا فليس فيها عوض، وتكون العين مضمونة بالرد كما سيأتي إن شاء الله.

    1.   

    ما يباح إعارته من المنافع

    قال رحمه الله: [وتباح إعارة كل ذي نفع مباح، إلا البضع، وعبداً مسلماً لكافر وصيداً ونحوه لمحرم، وأمة شابة لغير امرأة أو محرم]

    قال رحمه الله: (وتباح إعارة كل ذي نفع مباح).

    أي: تباح إعارة الشيء الذي فيه منفعة مباحة.

    وقوله: (كل) عام، ويشترط في هذا الشيء الذي يعار أن يكون له نفع، فلا يعار الشيء الذي فيه ضرر؛ لأننا بينا أن العارية فيما فيه مضرة محرمة.

    ويكون النفع أيضاً مباحاً؛ لأنه قد يكون محرماً، وعلى هذا: فهذه كلها ضوابط للشيء الذي يعار.

    أركان العارية

    أركان العارية: مستعير، ومعير، وشيء يعار، وصيغة. هذا عند جمهور العلماء:

    أولاً: المستعير: هو الشخص المحتاج إلى هذه المنفعة رجلاً كان أو امرأة، لكن لا شك أنه لا بد فيه من وجود العقل، فلا يعار مجنون أو صبي لا يؤمن منه الضرر إلا إذا كان مميزاً يحسن التصرف في الأمور، كأن يستعير من إنسان شيئاً يرتفق به؛ فيجوز أن تعير الصغير والكبير، فلا تختص العارية بالبالغين.

    ثانياً: المعير: لا بد أن يكون أهلاً للتبرع، فلا تستعير من صبي غير مميز؛ لأن مثله ليس له حق أن يهب المنافع، فلابد أن تكون فيه أهلية الهبة، فإذا كان فيه أهلية الهبة للمنفعة صحت إعارته، أما لو لم تكن فيه أهلية بأن كان مجنوناً فإنه لا تصح إعارته، فلو جاء إلى مجنون فقال: أعرني هذا الكتاب، فقال له: أعرتك. لا تصح حتى يكون أهلاً للهبة والإعارة، كذلك تكون العارية بالاختيار لا بالإكراه، فلو أكرهه لم يصح ولم يجز، فلابد وأن يكون بطيبة نفس منه، كما قال صلى الله عليه وسلم : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه)، وعلى هذا لا بد أن يكون الشخص المعير فيه الأهلية.

    ثالثاً: الشيء المعار: فصله المصنف -رحمه الله- فقال هذه القاعدة: (كل ذي نفع)، فخرج الذي فيه مضرة والذي لا منفعة فيه، ويكون النفع مباحاً غير محرم، وإذا ثبتت هذه القاعدة فتحتاج إلى أمثلة لما لم تتوفر فيه الشروط، والذي لا تصح إعارته، فمثل المصنف -رحمه الله- بالأمثلة التي أراد بها تقرير هذه القاعدة.

    حكم عارية البضع

    قال رحمه الله: (إلا البضع).

    (إلا) استثناء، والاستثناء: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، وهو هنا اللفظ (كل) العام، وإذا أردت أن تضبط القاعدة، فإن الشيء الذي يُعار ينقسم إلى قسمين:

    الأول: منفعة عقار.

    الثاني: منفعة منقول.

    منفعة العقارات: مثل: البيوت والمساكن والأراضي والمزارع.

    ومنفعة المنقولات: مثل: الكتب ومنفعة القراءة فيها، والقلم ومنفعة الكتابة به، واللباس والسلاح الذي يحتاجه، وينتفع به لدفع الضرر عنه، إلى غير ذلك مما يرتفق به من المنقولات، فإما أن يكون عقاراً، وإما أن يكون منقولاً.

    ويجوز إعارة المنقولات والعقارات؛ إذ ليست العارية مختصة بأحد النوعين، إنما هي عامة شاملة، لكن بشرط أن يكون كل من العقار والمنقول فيه نفع، وأن يكون النفع مباحاً.

    ثم هناك أمر مهم جداً: وهو أنك إذا وهبت هذه الأشياء وأعطيت منافعها، يشترط ألَّا تكون وسيلة إلى حرام، فمثلاً:

    لو أن شخصاً كان محرماً بالحج أو العمرة، فإن الصيد عليه حرام -كما سيأتي-؛ لأن يده مرتفعة عن الصيد، وإعارته تخالف نص الشرع بتحريم الصيد عليه، فيحرم تمكينه من الصيد، سواء على سبيل العين أو على سبيل المنفعة، وعلى هذا فلابد من التفصيل في هذه المسألة: القاعدة من حيث الأصل العام: إباحة كل شيء فيه نفع مباح، لكن الأمثلة التي سيذكرها المصنف كلها وسائل لمحرم، والأمثلة مختلفة باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، وعلى هذا لك أن تمثل بكل مثال تكون فيه العارية وسيلة إلى حرام.

    قوله: (إلا البضع):

    البضع المقصود به: فرج المرأة -أكرمكم الله- فلا يجوز أن يعيره آخر، فالزوج يجوز له أن يستمتع بامرأته لكن لا يجوز له أن يعير البضع لآخر.

    حكم استئجار الأبضاع لأجل الحمل

    بناءً على هذا: تتفرع المسألة الموجودة في زماننا من استئجار الأبضاع من أجل الحمل، فيؤخذ ماء الرجل وماء المرأة ويخصب في فرج أجنبي، ثم ينقل على صور مختلفة في التلقيح المعاصر المعروف، وهذا لا شك أنه محرم، لما فيه من عدة محاذير، فإن هذا التلقيح لا يمكن أن يكون إلا بأمور:

    أولاً: النظر إلى العورة.

    ثانياً: الإيلاج.

    ثالثاً: اللمس للعورة.

    رابعاً: الأدهى والأمرّ من ذلك كله: أن الغالب فيه أن هذا العمل لا يكون إلا من قبل الرجال.

    وكل هذه المحاذير لا تجوز إلا عند الضرورة، ومسألة الحمل وطلب الولد ليست من الضروريات، ومن يقول: إنها من الضروريات لا شك أنه قد أبعد، فللضروريات قواعدها المعروفة عند العلماء، وهي: الخوف على النفس أو على عضو من الأعضاء، والشخص إذا لم يولد له ولد لا يخاف على نفسه ولا على عضو من أعضائه، فليس في مقام الضرورة.

    ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى العقم ابتلاء منه، نقول: إذا كانت المرأة عاجزة عن الحمل والإخصاب ولا تستطيع أن تحمل لضعف في البويضات ونحو ذلك فيشرع علاجها وإعطاء الدواء لها لتقوية هذه البويضات وحصول الحمل بالطريق المشروع لا بالطريق الممنوع، لكن أن نتصرف ونولج في الفرج ونغير ونبدل فلا؛ لأن هذا الفرج لا يستباح إلا بنكاح شرعي صحيح، ضوابطه معروفة وأصوله مقررة، ومن أراد أن يطلب هذا الحلال من وجهه حكمنا بالحل، ومن طلب غير ذلك حكمنا بأنه قد طلب ما لم يأذن به الله، وينطبق عليه قوله تعالى: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المعارج:31] من ابتغى: أي طلب، وراء ذلك: أي وراء الشيء الذي أحله الله وأباحه، إذا قال قائل: هذا يريد الولد، نقول له: هذا أمر الله عز وجل، كما أن العقيم يسلم أمره لله، نقول للطبيب: تقف عند حدود معينة فلا تعالج هذه المرأة، وتعالج هذا الرجل من خلال الشيء المباح، من دواء أو تقوية لهذه البويضات، أما أن ننقل من فرج إلى فرج، ويعبث بالفروج والأنساب، فإن هذا كله لا يجوز شرعاً، وقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة سبي أوطاس أنه لما أخذت الإماء؛ حرم النبي صلى الله عليه وسلم وطء الحوامل حتى يضعن ما في بطونهن، فأراد رجل أن يطأ امرأة حاملاً وهي أمة، مع أن الولد للذي قبله، فقال عليه الصلاة والسلام لما رآه كأنه يهم أن يصيب الأمة: (أيغذوه) يعني: إذا جامعها؟ (أيغذوه في سمعه وبصره) يعني: أنه إذا جامعها وأنزل المني فإن هذا المني سيكون له أثر في اغتذاء الجنين بماء الثاني بعد ماء الأول، فقال عليه الصلاة والسلام: (أيغذوه في سمعه وبصره، لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره) الفروج أمرها عظيم، وينبغي على الإنسان أن يتوقف وينتبه، وعلى طالب العلم أن يتورع في الفتوى، وأن لا يستعجل ويتقي الله عز وجل، وأن يجعل الجنة والنار نصب عينيه، هذه أمور عظيمة، ولو قرأ طالب العلم ما الذي كتبه العلماء في كيفية ختان المرأة، وكيف يستباح النظر إلى عورتها؛ لرأى كيف تعظم الفروج عند العلماء رحمهم الله.

    شددوا في ذلك حتى إن بعضهم يبالغ ويقول: تشتري أمة من أجل أن تختنها ولا تختنها امرأة أجنبية، كل ذلك تعظيماً لحرمة الفرج، وكانت الفروج تسال دونها الدماء، ويضحي الإنسان فيها بنفسه وروحه ولا يوصل إلى مساس حرمة من حرمات عرضه، فعجباً فضلاً عن أن يستباح الكشف عنه من قبل الرجل، ويكون ذلك بتكرار.

    المسألة تحتاج إلى نظر وتفصيل وإلى وضعها على الضوابط الشرعية، ولو نظر الإنسان إلى مجمل المحاذير التي تتكرر مرة بعد مرة حتى إن الطبيب يصبح عنده النظر إلى الفرج شيئاً مألوفاً معتاداً، لا يعظم فيه حرمة من حرمات الله، ولا يتورع فيه عن أمر حرمه الله عز وجل، ولربما وقع المحظور، ولا شك أن هذا كله معارض ومصادم للشرع، حتى إن المرأة تألف نظر الرجل إليها، والمرأة إذا أصبحت صائنة لدينها وعرضها، ولا يمكن أن يكشف عليها رجل، حفظ الله لها دينها، وعصمها وجعل لها من همها فرجاً ومخرجاً، وهذا مشاهد ومجرب، ومعروف، لكن ما إن تفتح لنفسها أبواب الرخص، وتألف هذا الشيء حتى إن الرجل يكشف عليها، لربما -والعياذ بالله- نزع الحياء من وجهها، ولربما وقعت في الفتنة فأصبحت تعاني بلاءها مدى حياتها، حتى إنها تجد في بعض الأحيان أنها لا تستطيع أن تمتنع من هذا الشيء، لأنها غلبت عليه، فهذا أمر لا بد من وضع حدٍّ له. فإجارة الأبضاع محرمة، ولا يجوز إعارة البضع، وهذا أمر محل إجماع بين العلماء رحمهم الله.

    وعلى هذا فإنه لا يجوز إخصاب الأجنة، ونقل الماء من الرجل إلى المرأة واستعارة الفرج؛ لأن ذلك مخصوص بإباحة معينة، لا يجوز في غيرها كما نص الله عز وجل على ذلك في كتابه المبين.

    تحريم إعارة العبد المسلم للكافر

    قال رحمه الله: (وعبداً مسلماً لكافر).

    ولا يجوز إعارة العبد المسلم للكافر؛ لأنه أولاً: إذا أعاره للكافر أهانه وأذله.

    وثانيا: أن في ذلك عزة للكافر على المسلم، والله تعالى يقول: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]. والعزة للمؤمن على الكافر لا للكافر على المؤمن، وهنا: تفهم أن المسألة مبنية على الوسائل، فلما كانت إعارة المسلم للكافر وسيلة لإهانته وإذلاله وتسلط الكافر عليه حرم، وصار كل شيء فيه إعارة يفضي به إلى هذا المحظور أو أمثاله فإنه محرم.

    تحريم إعارة الصيد للمحرم

    قال رحمه الله: (وصيداً ونحوه لمرحم (

    ولا تجوز إعارة الصيد ونحوه لمحرم فقد حرم الله على المحرم الصيد، فلا يجوز له أن يصيد، ولا أن يعين على الصيد بالإشارة أو بالكلام، فلو كان هناك رجل حلال لم يجز للمحرم تنبيه الحلال الغافل، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة في الصحيحين: (هل أحدكم أعانه؟ قالوا: لا)؛ لأنه سقط قوس أبي قتادة رضي الله عنه، فسألهم أن يعينوه فلم يعينوه، فقال: (هل أحدكم أشار إليه؟ قالوا: لا، قال: فكلوا)، فدل على أنهم لو أعانوه أو أشاروا إليه أو مكنوه من الرمي فيعتبر فعلهم هذا انتهاكاً لمحظور الصيد، وقد حرم الله صيد البر دون صيد البحر، فلا يجوز للمحرم أن يصيد ولا أن يصاد من أجله؛ لأن الصعب بن جثامة رضي الله عنه وأرضاه لما صاد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم رد الصيد عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نرده عليك إلا أنّا حرم) وعلى ذلك ترجم الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه وتقدم بيان هذه المسألة.

    من المسائل المتفرعة على الصيد: أنه لا يجوز للمحرم أن يستديم الصيد، كما لا يجوز له ابتداؤه، وهذه مسألة يختلف فيها فبعض المحظورات تجوز استدامتها ولا يجوز ابتداؤها، وبعضها لا تجوز استدامتها ولا يجوز ابتداؤها، فالرجل لو كان عنده زوجة قبل الإحرام يجوز أن يستديم النكاح، وتبقى زوجة له وهو محرم بالحج والعمرة، لكن لا يجامعها، إنما المراد بقاء عقد النكاح، لكن هل يجوز أن يبتدئ عقد النكاح وهو محرم؟ الجواب: لا.

    إذاً: لا يجوز أن يبتدئ ويجوز له أن يستديم، ومن هنا قالوا: يجوز للمحرم أن يراجع زوجته؛ لأن المراد أنه لو طلقها أثناء العمرة، ثم أراد أن يرتجعها، فهل الارتجاع ابتداء للنكاح أو استدامة؟ قالو: استدامة، فيجوز له أن يراجعها، ولا يجوز له أن يعقد عليها بعد خروجها من عدتها.

    لكن في الصيد لا تجوز الاستدامة ولا الابتداء، فلو كان عنده صيد قبل الإحرام بالحج والعمرة وجب عليه إطلاقه بمجرد أن يدخل في نسك الحج والعمرة، فلو صاد حمامة أو وعلاً أو نحو ذلك من الصيود، ثم قال: لبيك عمرة، نقول له: يجب عليك إطلاق الصيد؛ لأنه لا يستدام ولا يبتدأ، فههنا نفس الحكم: لا يجوز أن تعطيه هذا المصيد وهو محرم، فالمسألة مفرعة على أن المحرم لا يستديم الصيد كما لا يجوز له أن يبتدئ وينشئه، فلا تجوز إعارة الصيد للمحرم.

    حكم إعارة الأمة الشابة

    قال رحمه الله: [وأمة شابة لغير امرأة أو محرم].

    فلا تجوز إعارة الأمة الشابة، وخرجت المرأة والأمة العجوز؛ لأن الغالب أن المفسدة تحصل بإعارتها لغير امرأة، وكانوا في القديم يستعيرون الإماء، فيقولون: يا فلانة أعطنا الأمة التي عندك. وفي زماننا الخدامة، فإذا كان عند الشخص خدامة في بيته، وطلب الجار أو طلبت جارة خدامة جارتها، ففيه تفصيل: إن كانت هذه الجارة هي التي تريد الخدامة للعمل، ورضيت الخدامة؛ لأن الخدامة جاءت لعقد معك أنت فلا يجوز أن تعيرها للغير، وبناء على ذلك إذا طلبت أن تنتقل لتعمل عندها ورضيت الخدامة بذلك لأمر عارض، كمساعدتها في شيء طارئ، إن كانت امرأة مثلها، وغلب على الظن السلامة من الفتن؛ فلا بأس وتكون العارية حينها مندوبة، لكن إذا غلب على الظن وقوع المحظور، أو كان زوجها -والعياذ بالله- فاجراً وهي تعينه على الفجور فإنه لا يجوز ويحرم حينئذ أن تعيرها، ولا يعتبر من منع الماعون، ولا يعتبر داخلاً في الوعيد الوارد في منع العارية، وعلى هذا نقول: إنه يفصل في الإعارة على حسب ما يترتب عليها من المصالح والمفاسد.

    1.   

    الأسئلة

    حكم العائد في الهبة والعارية

    السؤال: هل العائد في إعارته كالعائد في هبته؟

    الجواب: العائد في هبته مذموم، كما قال صلى الله عليه وسلم : (ليس لنا مثل السوء؛ العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يأكل قيئه)، وهذا يدل على ذم العودة في الهبات.

    والهبة تقع في الذوات وتقع في المنافع، فإذا قلنا: إن الهبة هنا بالمعنى العام، شملت العارية، لكن إذا أعار شخص شخصاً لا تخلو العارية من حالتين:

    الحالة الأولى: أن تكون مؤقتة.

    الحالة الثانية: أن تكون مطلقة.

    فإن كانت مؤقتة قال له: خذ سيارتي وانتفع بها، ومتى ما أردت أخذتها، فهذه عارية مطلقة، فالعارية المطلقة إذا أخذها المستعير وانتفع بها ولو مرة واحدة ثم طلبتها منه، فإنه لا بأس بذلك؛ لأن الهبة مطلقة، وتصدق على أقل ما تقع به العارية.

    لكن الإشكال إذا قلت له: اسكن في داري شهراً، فقد وهبته السكنى شهراً وقيدت، فحينئذ لا يكون الرجوع قبل تمام الشهر، فإن أتاه في نصف الشهر أو قبل تمام الشهر ولو بيوم فإن هذا يكون رجوعاً في العارية.

    لكن هذا الرجوع فيه تفصيل: إن كان الرجوع بسبب عارض ألم بك، فأنت معذور فيه. لو أن شخصاً وهب سيارته ثم احتاجها لأهله أو لأمر طارئ عليه، وقد وهبها حينما لم تكن عنده حاجة ثم طرأت له حاجة؛ وقال له: طرأت لي ظروف وأريد أن آخذها، فينبغي على الأخ الثاني أن يقدر، وإن كان الأفضل والأكمل تورعاً لهذا الحديث أن لا يسأله ذلك.

    وأما لو سأله فعنده وجه إذا اضطر إلى ذلك، وأما إذا لم يضطر وكان ذلك على سبيل الرجوع فهذا لا شك أنه مذموم، ويشمله الحديث لعموم الهبة من الوجه الذي ذكرناه، والله تعالى أعلم.

    حكم الانتفاع بالعارية ومنافعها التابعة لها

    السؤال: لو أعاره ناقة ليحمل عليها، فهل له أن ينتفع بصوفها وبلبنها؟

    الجواب: الهبة إذا كانت للبن والصوف الذي على الناقة، أو قال له: أعرتك هذا البعير، ووهبتك صوفه أو وهبتك لبنه، جاز الانتفاع به.

    أما إذا قيد العارية بالركوب ولم يذكر هبة للصوف ولا للوبر ولا للبن؛ فلا يجوز أخذ شيء من ذلك إلا بالإذن.

    وهناك شيء يمكن أن يستفاد من الإبل ضمناً، فلو قال له: خذ هذه الناقة وسافر بها إلى المدينة، فإن الناقة إذا كانت حلوباً أو فيها لبن يمكن أن ينتفع بها.

    نفهم من هذا أنه إذا حلبت ليس معقولاً أن يحفظ الحليب حتى يرجع إلى مكة -خاصة في القديم- قد يحتاج إلى وقت وقد يفسد اللبن قبل أن يعيده، فنفهم من هذا أنه قد وهبه الأصل ومنافعه المترتبة عليه، فنقول: لا بأس.

    وأما إذا لم يفهم ذلك، ولم يكن فيه دليل فإنه يبقى على الأصل من حرمة مال المسلم، إلا بعد إذنه، والله تعالى أعلم.

    حكم الحج عن المريض إذا حصل له الشفاء بعد الحج

    السؤال: حججت عن والدي وهو رجل مسن مريض ثم شفي من مرضه، فهل ينبغي له أن يحج؟

    الجواب: إذا كان المرض الذي أصاب الوالد مما يرجى برؤه فحينئذ لا يستقيم أن يحج عنه، ولا يسقط حج الفرض على هذا الوجه، وأما إذا كان مرضه مما لا يرجى برؤه وشاء الله بقدرته وشفاه، فحينئذ يقع الحلاف المشهور بين العلماء -رحمهم الله- في مثل هذه المسألة، وهي: أن نظن بقاء العذر على المكلف، ثم يزول العذر ويتمكن، فهل يوجب ذلك الرجوع إلى الأصل أو لا يوجبه؟

    ولهذه المسألة عدة صور:

    فتارة يشفى بعد تمام الحج وبراءة الذمة، وتارة يشفى أثناء الحج، وإذا شفي أثناء الحج: إما أن يشفى بعد وقوع أركانه، وإما أن يشفى قبل وقوع الأركان، فهذا كله فيه تفصيل ويتفرع على المسألة التي ذكرناها.

    من أهل العلم من قال: إذا كان الظن صحيحاً وكان مرضه لا يرجى برؤه غالباً أو غلب على الظن أنه لا يسلم، وقال: يا بني حج عني، فحججت عنه، قالوا: إن الشرع يجيز هذا الحج لوجود العذر، ثم إذا قام المكلف بالحج عن والده على هذا الوجه، فقد سقطت الفريضة عن الوالد؛ لأن الإذن الشرعي يوجب سقوطها، فإذا سقطت الفريضة وتم الحج وزال العذر بعد تمام الحج فلا وجه أن نطالبه بالحج مرة ثانية.

    هذا وجه لبعض العلماء، ويقول: كما أذن له في الأصل؛ فإن هذا الإذن يستلزم صحة الحج وبراءة الذمة.

    ومن أهل العلم من قال: القاعدة: (لا عبرة بالظن الذي بان خطؤه)، فهو إذا ظن أن والده لا يشفى ثم شفي فإنه حينئذ يرجع إلى الأصل؛ لأن الأصل أن يحج عن نفسه، وقد رخص الله عز وجل أن يحج الغير عنه إذا عجز، وهذا لم يعجز لأن العجز كان عارضاً ومؤقتاً، كما لو مرض مرضاً مؤقتاً فإنه لا تسقط عنه فريضة الحج ولا يجوز له أن يوكل، ولا شك أن القول ببراءة الذمة من حيث الأصول فيه قوة، لكن إذا كانت البراءة أثناء الحج وكان شفاؤه أثناء الحج فهذا أمر آخر؛ لأن الذين قالوا بأنه تبرأ ذمته اختلفوا: هل العبرة بالابتداء أم العبرة بالانتهاء؟

    فمنهم من يقول: إذا وجد العذر عند الابتداء يسقط وله صور.

    منها: مسألة ما لو رأى الماء أثناء الصلاة وقد تيمم؛ لأنه ابتدأ لعذر، فيصح له أن يتم ولا يقطع الصلاة.

    بناء على هذا لو شفي بعد دخولك في الحج فيتفرع على مسألة زوال العذر أثناء العبادة، فإن قيل في المسألة: التيمم لا يقطع، كذلك هنا: لا يقطع حجه ويتمه، ولا شك أنه في أثناء الحج يختلف الأمر عما لو شفي بعد تمام الحج وبراءة الذمة؛ فإن الخلاف فيه أضعف، والله تعالى أعلم.

    حكم حج من هو في خدمة والديه

    السؤال: إذا كان لوالدي حاجة لا تقوم إلا بي، فهل يشترط إذنهما للذهاب إلى الحج؟

    الجواب: إذا كان الوالدان يتضرران ضرراً يخشى عليهما منه، بأن يخشى هلاكهما، مثل أن يكونا في منطقة نائية، أو شيخين كبيرين في السن، يحتاجان إلى دواء وعلاج، ولا بد من وجودك بجوارهما لعارض ينتاب أحدهما مثل العوارض التي تكون في الأمراض النفسية أو نحوها، ويغلب على الظن أنه يحصل ضرر عظيم ببعدك عنهما، فحينئذ يرخص لك في ترك الحج ما دام أنهما لا يستطيعان أن يعيشا بدونك، ولا يجب عليك الحج.

    أما لو كان حجك نافلة فلا شك أن بر والديك أفضل عند الله من حجك وعمرتك، ولذلك لا إشكال في تقديم بر الوالدين على الحج، قال: (يا رسول الله! أقبلت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد، قال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) وفي الحديث الصحيح : (أحية أمك؟ قال: نعم، قال: الزم رجلها؛ فإن الجنة ثم) فالذي يريد أن يحج حجة نافلة لا يحج إلا بإذن الوالدين، ورضاهما حتى ولو كان الوالدين قويين، ومستطيعين ولا يحتاجان للولد، فإذا قالا لك: لا تحج. فلا تحج، ويكتب لك أجر الحج لأن العذر شرعي، ولا يجوز للمسلم أن يسافر إلا بإذن والده، لحديث : (أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) وفي الحديث الصحيح الآخر: (ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما، وأحسن صحبتهما) رده عن الجهاد في سبيل الله وشراء الجنة وبيع نفسه في سبيل الله عز وجل من أجل بر الوالدين.

    ولذلك نص العلماء -رحمهم الله- على أنه لا يجوز للولد أن يسافر بدون إذن والده، لما في ذلك من المشقة والعناء النفسي، وقد يقول لك الوالد: لا تسافر مع هذه الرفقة، وقد تكون لك فتنة في هذا الرفقة، فإن أطعت والدك حفظك الله من الفتن، وكم من حوادث وقعت لأناس عصموا فيها من البلاء في دينهم ودنياهم بفضل الله عز وجل ثم ببر الوالدين.

    قص لي بعض الأخيار: أن شاباً صالحاً كان باراً بوالديه، وكانت معه رفقة فيها بعض أقربائه، وكانوا يخفون الشر -والعياذ بالله- ويتعاطون بعض المخدرات، فزعموا أنهم خارجون لعمرة، وسأله أحد إخوانه أن يخرج معهم، وخرج هذا الأخ وكان عاقاً لوالده، لم يأذن له والده، فقال: أنا سأخرج معهم رضي الوالدان أو لم يرضيا، وأما الثاني فقال: أنا لا أخرج إلا بعد أن يرضى والدي، فقال والداه: لا تخرج، فلما خرج وإذا بهم أخذوه إلى -نسأل الله العافية- بغيتهم التي يريدون،ثم وقع في هذه الجريمة، وابتلي بها، وذلك من شؤم عقوق الوالدين، والحوادث في هذا كثيرة.

    وكم من شاب صالح بر والديه، وامتنع من الخروج, وخرجت رفقته فانقلبت بهم السيارة، فلم تبقَ فيهم نفس تطرف.

    فالله يحفظ الإنسان ويصونه بفضله سبحانه ثم بطاعته، والطاعة فيها خير كثير، وأحب الطاعات إلى الله بعد الإيمان بالله بر الوالدين، فلا شك أن بر الوالدين أفضل من الحج، ومقدم عليه.

    في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) فلا شك أن برك لوالديك أفضل من حجك وعمرتك إذا كان حجك وعمرتك نافلة.

    أما لو كان الحج والعمرة فريضة فحينئذ لا يستأذن الوالدان في الفريضة إلا إذا حدث الضرر وهناك ظروف على نفس الوالدين، كما ذكرنا، ويغلب على الظن أن الوالدين يتعرضان للهلاك كما في الأحوال التي تطرأ عليهما إن كانا شيخين كبيرين في السن، ويتضرران بغياب الولد، فهذه مسألة مستثناة، أما الأصل: فالفرائض العينية من الحج والعمرة والصلاة لا يستأذن فيها الوالدان ولا يشترط فيها إذنهما، كما قدمنا.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3039321853

    عدد مرات الحفظ

    729727744