إسلام ويب

شرح زاد المستقنع باب الرهن [6]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينقسم الرهن إلى قسمين: قسم يحتاج إلى مئونة وكلفة، فللمرتهن أن ينتفع به بقدر ما ينفق عليه، ويكون ذلك في المركوب والمحلوب، وقسم لا يحتاج إلى مئونة وكلفة، وله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون الرهن لقاء الدين، وله ثلاث صور: - الأولى: أن ينتفع بالرهن دون إذن الراهن، فهذا لا يجوز بالإجماع. - الثانية: أن ينتفع بالرهن بدون عوض، أو بأقل من عوض المثل، فهذا أيضاً لا يجوز. - الثالثة: أن ينتفع بالرهن بعوض المثل فهذا جائز. الحالة الثانية: أن يكون الرهن لقاء ثمن المبيع، ففي هذه الحالة يجوز الانتفاع بالرهن بعوض المثل، أو بدون عوض المثل، أو بدون عوض.

    1.   

    أقسام الرهن من حيث الكلفة والمئونة وعدمها

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين:

    أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [فصلٌ: وللمرتَهِن أن يركَب ما يُركب ويحلب ما يُحلب بقدر نفقته بلا إذن].

    هذا الفصل فصلٌ مهم جداً في باب الرهن.

    والرهون إذا أخذها أصحاب الديون فإنها تنقسم إلى أقسام: قسم يحتاج إلى مئونة وكلفة، وهذا الذي يحتاج إلى مئونة وكلفة قد يكون فيه فوائد، مثل الركوب، كالسيارات ونحوها، وبعض الأحيان تكون فيها منافع، كالأنعام التي تحلب كالإبل، والبقر والغنم، ويكون منها الصوف والوبر، فهناك منافع تكون في هذه الأعيان المرهونة.

    الرهن الذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة

    فالأعيان المرهونة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن تكون من الأعيان التي لا تحتاج إلى مئونة في حفظها، ولا تحتاج إلى كلفة.

    القسم الثاني: أن تكون من الأعيان التي تحتاج إلى مئونة وكلفة في حفظها.

    أما بالنسبة لتصوير القسمين ثم الدخول في أحكامهما، فالقسم الأول: هو الذي لا يحتاج إلى مئونة؛ كرجلٍ قال لك: بعني عمارتك، فقلتَ له: أبيع لك هذه العمارة بنصف مليون، فقال لك: قبلت، فقلت له: أعطني ثمنها، فقال: ما عندي الآن ولكن سأعطيك في نهاية السنة، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك أرضي التي في جدة، وهي الأرض الفلانية، وجعل الأرض بصكِّها رهناً عندك، فالأرض التي رهنها لا تحتاج إلى كلفة، فهذا مثال في العقارات التي لا تحتاج إلى كلفة.

    ومثاله في المنقولات التي لا تحتاج إلى كلفة: كالسيارات، فإن السيارة لا تحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، فإذا قال لك: أعطني عشرة آلاف ديناً إلى نهاية السنة، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك سيارتي، ويأتي بسيارته ويدخلها في مكان آمن.

    إذاً: هي من جنس المنقولات التي لا تحتاج إلى كلفة، وكذلك لو قال لك: أعطني مائة ريال ديناً، فقلت له: أعطني رهناً، فقال لك: أرهن عندك هذا الكيس من الأرز، والكيس من الأرز لا يحتاج إلى كلفة في غالبه وأكثر أنواعه، وكذلك لو قلت له: أعطني ديناً مائة، فقال: أعطني رهناً، فقلت: أرهن عندك هذا (البشت) أو هذا الثوب، و(البشت) أو الثوب لا يحتاجان إلى طعام ولا إلى شراب.

    إذاً: النوع الأول هو ما لا يحتاج إلى مئونة.

    ولابد من فهم هذا فهماً جيداً؛ لأن التفصيلات التي ستأتي مهمة جداً في مسألة الرهن؛ ففيها مداخل للربا، ومداخل للقرض الذي جر نفعاً، فنحن نقرر الآن القسمين ونضبطهما بالأمثلة.

    فالقسم الأول كما ذكرنا: أن يكون الرهن لا يحتاج إلى مئونة ولا كلفة، ومن أمثلته في العقارات: الأراضي، والدور، والعمائر ونحوها، فإنها تُقفل وتصك أبوابها ثم تترك، فهذه لا تحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، وهذا في العقارات، أما في المنقولات مثل: الأطعمة، والأكسية، والثياب، والأغذية مثل: البر، والشعير، فهذه كلها لا تحتاج إلى طعام ولا تحتاج إلى مئونة.

    الرهن الذي يحتاج الى مئونة وكلفة

    القسم الثاني: ما يحتاج إلى مئونة وكلفة؛ كالإبل، والبقر، والغنم، فهذا فيه ما يُحلب ويُركب، وفيه ما يُركب ولا يحلب، وفيه ما يحلب ولا يركب، وفيه ما لا يركب ولا يحلب، فهو على أربعة أنواع:

    النوع الأول: أن يكون مركوباً محلوباً، فهو يحتاج إلى مئونة وكلفة، ولكن فيه منفعة الركوب، ومنفعة الحليب، ومن أمثلته: الناقة، فإن الناقة تحتاج إلى أن تطعمها وتعلفها، وهي تُركب، فله أن يركب عليها، وهي تُحلَب، فله أن يأخذ من حليبها ودرّها، هذا بالنسبة للنوع الأول من القسم الثاني.

    النوع الثاني: أن يكون مما لا يحلب ولا يركب، مثل: الأرقاء قديماً، ومثل: التيس من الغنم والفحل من الشياه والغنم، فإنه لا يحلب، وأيضاً لا يركب، والفحل من البقر ليس فيه حليب ولا يمكن أيضاً ركوبه في الغالب، هذا بالنسبة للنوع الثاني، أن يكون مما لا يحلب ولا يركب.

    النوع الثالث: أن يكون مما يحلب ولا يركب، مثل الشاة، فإذا كان فيها حليب فله أن يحلبها، لكن لا يمكن أن يركبها، وكذلك البقرة فيها حليب وله أن يحلبها، لكن لا يمكن أن يركبها في الغالب، فهذا مما يُحلب ولا يركب.

    النوع الرابع: أن يكون مما يركب ولا يحلب، كالفحل من الإبل، فإنه يركب عليه ولكن لا يحلب.

    حكم الانتفاع بالرهن الذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة

    إذاً: هذا هو القسم الثاني: أن يكون من جنس ما يحتاج إلى مئونة وكلفة من طعام وشراب وقيام عليه.

    وبهذا نكون قد عرفنا أن الرهن فيه ما يحتاج إلى مئونة وكلفة، وفيه ما لا يحتاج إلى مئونة وكلفة، فنبدأ بالذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة، كالبيوت والدور والأرضين إذا وُضِعت رهناً، فإنه لا يجوز أن يأخذ صاحب الدين -الذي هو المرتَهِن- أي منفعة منها إلا بحقها، هذا من حيث الأصل، أو إذنِ صاحبها.

    ويرد التفصيل في هذا النوع، وهو الذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة: فقالوا: لا يجوز للمرتهن أن ينتفع بالرهن إذا لم يأذن له صاحب الرهن، مثاله: رجل استدان خمسمائة ألف، ورهن في مقابلها عمارة، فلا يجوز لصاحب الدين أن يسكن العمارة، ولا يجوز له أن يؤجرها للغير، ولا أن ينتفع بأي منفعة موجودة في العمارة، هذا من حيث الأصل.

    وما هو الدليل على أنه يحرم عليه أن يأخذ ذلك؟

    نقول: إن الأصل في الرهن أنه ملكٌ لك أنت أيها المديون، والأملاك لا يجوز أن يؤخذ منها -أي: من منافعها- إلا بإذن أصحابها ورضاهم، فإذا كان صاحب الرهن -وهو الذي أعطاك العمارة- لم يأذن لك بتأجيرها، ولم يأذن لك بمنفعتها، فلا يجوز لك أن تأخذ منها، وهذا بإجماع العلماء.

    أما لو أذن لك أن تتصرف في هذا المال، وأذن لك أن تنتفع به، فلا يخلو سبب الرهن من حالتين:

    الحالة الأولى: إما أن يأذن بحقه، فيقول: أجِّر العمارة، ولكن الأجرة لي، وليست لك، فأذن لك بتأجيرها على أن تكون الأجرة له، فقلت له: أريد أن أستأجرها أنا، فقال لك: انتفع أنت بالعمارة على أن تدفع الأجرة، فالحكم حينئذٍ أنه انتفع بالرهن بإذن صاحبه، فإن أذِن له بعوض فلا إشكال في الجواز، وحينئذٍ تكون إجارة.

    لكن السؤال: هل الأصل في العمارة أنها رهن أو عين مؤجرة؟

    الأصل أنها رهن، وقد ذكرنا في أول باب الرهن يكون لازماً بالقبض، فإذا قبض صاحب الدين الرهن وحازه عنده فإنه يكون لازماً.

    وإذا لم يقبض الرهن، وأردت أن لا تعطيه الرهن، فإن هذا من حقك؛ لأن الرهن لا يصير لازماً إلا إذا قُبِض، فمثلاً لو قلتُ لك: أعطيك سيارتي، ولم تقبِضها، فمن حقي أن أرجع عن رهن سيارتي؛ لأن الرهن لا يصير لازماً عليّ إلا إذا قبضتَه، وفائدة ذلك: أنه إذا صار لازماً فلن يستطيع صاحبه أن يغيِّره أو يبدِّله، لكن إذا لم يكن لازماً جاز له أن يغير ويبدل.

    فالعمارة إذا قُبِضت من صاحب الدين فجاء وقال للمديون: أريد أن أستأجر منك العمارة، بدلاً من أن تكون فارغة فأنا أريد أن أسكن فيها وأستأجرها، فقلنا: ذلك، وحينما قلنا بالجواز انتقلت من الرهن إلى الإجارة، فإذا انتقلت من الرهن إلى الإجارة فللعلماء وجهان:

    قال بعض العلماء: يزول اللزوم للرهن، وتصبح اليد يد إجارة وهي يد ضمان، بخلاف اليد الأولى فإنها يد أمان لا تضمن إلا إذا فرّطت، فإذا انتقلت إلى عين مؤجرة أُلغيت يد الرهن.

    وفائدة ذلك: أنه إذا استأجرها شهراً، والرهن لسنة، أنه بعد شهر إذا انتهت الإجارة، وأراد صاحب العمارة أن يمتنع من تسليمها رهناً، كان له ذلك؛ لأنه قد زال لزوم الرهن، وعلى هذا يُحكم بزواله لوجود الانتقال في اليد.

    الحالة الثانية: أن يأذن بغير عوض، فهذا لا يجوز؛ لأنه قرض جر نفعاً، وكذلك لو انتفع بالرهن بإذن الراهن، لكن بأجرة فيها شيء من المحاباة والمراعاة، فحينئذٍ لا يجوز؛ لأنه دخلت شبهة قرض جر نفعاً.

    1.   

    حكم انتفاع المرتهن بالرهن

    قوله: (فصلٌ وللمرتَهِن أن يركب ما يركب ويحلب ما يحلب).

    شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان ما يتعلق بالانتفاع بالرهن، ومن المعلوم أن الرهن تكون فيه منافع، وقد يحتاج إلى مئونة يقوم بها الراهن أو المرتَهِن، ومن هنا يرد السؤال عن هذه المنافع التي تكون في الرهن: هل يجوز للمرتهن أن ينتفع بالرهن أو لا يجوز؟

    وقد سبق أن ذكرنا أن الرهن له أحوال: فتارةً يكون من الأشياء التي لا تحتاج إلى مئونة، وتارةً يكون من الأشياء التي تحتاج إلى مئونة، ثم فصّلنا في النوع الثاني، وهو الذي يحتاج إلى مئونة، فذكرنا أنه منه ما يكون محلوباً مركوباً، ومنه ما يكون مركوباً غير محلوب، ومنه ما يكون محلوباً غير مركوب، ومنه ما يكون غير محلوب وغير مركوب؛ كالأرقاء.

    والسؤال في هذه المسألة يقوم على قضية انتفاع المرتَهِن بالرهن هل يجوز أو لا يجوز؟

    فمثلاً: قد تضع سيارةً عند شخصٍ رهناً لقاء دين، فتقول: يا فلان! أعطني مائة ألف قرضاً إلى نهاية العام مثلاً، فقال لك: أعطني رهناً، فأعطيته السيارة، أو أعطيته أرضاً، أو أعطيته عمارةً رهناً، فالسؤال: هل يجوز أن ينتفع صاحب الدين من رهنك الذي وضعته عنده أو لا؟ وكل الذي سنتكلم عليه الآن مسألة انتفاع المرتهن بالرهن، وهناك قاعدة عامة ثم فروعٌ تفصيلية.

    أولاً: أجمع العلماء على أن منافع الرهن من سيارة، أو عمارة، أو أرضٍ، أو دابة، ملكٌ للراهن في الأصل، ولا يحل مال المسلم إلا بطبيب نفسٍ منه، فمن حيث القاعدة العامة، وأصول الشريعة، كلها تدل على أن منافع الرهن سواءً كان من العقارات أو المنقولات ليست من حق المرتهن، أي: لا يجوز للمرتهن أن يعتدي عليها، فينتفع بها بحجة أنها رهنٌ عنده؛ بل إن يده يد أمانة كما ذكرنا، وينبغي عليه أن يحفظ الرهن كما هو بمنافعه.

    أما لو استأذنك فأذنت له، كأن قال لك: هذه العمارة أريد أن أستأجرها منك مدة الرهن، ومدة الرهن شهر، أو سنة، فقال: أريد أن أستأجرها سنة، فدفع العِوض عن المنفعة، فالسؤال: هل يجوز أن يأخذ المنافع إذا أذنت له أو لا يجوز؟

    والإجابة على هذا السؤال تستلزم بيان أنواع الأشياء التي تُرهن، ثم نفصِّل متى يجوز أن ينتفع المرتهن إذا أذن الراهن، ومتى لا يجوز أن ينتفع إذا أذِن الراهن أيضاً.

    والرهن ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما لا يحتاج إلى مئونة، وهذا القسم مثل: الأرضين، والدور، فالعمارة مثلاً إذا وضعتها رهناً لقاء دينٍ أخذته، فإنها تقفل، ثم هي لا تحتاج إلى مئونة، فلا تحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، وإنما تغلق حتى إذا جاء وقت السداد فإن أعطاك الدين وإلا قمت ببيع العمارة، صحيح أنها تحتاج إلى كنسٍ ونحو ذلك إذا كان الإنسان يريد أن ينتفع بها، هذا النوع الذي لا يحتاج إلى مئونة.

    مثال آخر للذي لا يحتاج إلى مئونة: كأن يقول المرتهن: أريد أن أسكن العمارة، وهو لا يريد أن يدفع العِوض، فهل يجوز؟ أو يقول: أريد أن أسكن العمارة، وهو يريد أن يدفع العِوض، فهل يجوز؟ لذلك حالتان:

    حكم الانتفاع بالرهن بعوض وبدون عوض

    الحالة الأولى: كأن يقول: يا فلان! هذه العمارة التي رهنتها عندي، أريد أن أسكنها مدة الرهن، أو شهراً مثلاً، فهل يجوز إذا استأذنك؟ إن لم تأذن له فلا يجوز بالإجماع، لكن لو أذنت له فهل يجوز ذلك أم لا؟

    الجواب: إذا استأذنك وأذنت له أن يسكن بدون عوض، ففيه تفصيل: فإن كان الرهن لقاء دين فإنه لا يجوز أن ينتفع به، وإن كان الرهن لقاء قيمة مبيع فإنه يجوز الانتفاع به.

    إذاً: الذي لا مئونة له إذا كانت له منفعة، وطلبها المرتهن، ولم يأذن صاحب الرهن، فلا يجوز بالإجماع.

    وإن استأذنه وأذن له فعلى صورتين: إما أن يكون بدون عوض، وإما أن يكون بعوض.

    فإن كان بدون عوض فلا يخلو سبب الرهن: إما أن يكون قرضاً، أو غير قرض، فالقرض: مثل أن تقول له: أعطني مائة ألف وعمارتي رهن عندك، وغير القرض: مثل أن تقول له: بعني أرضك هذه، فيقول: بمائة ألف، فتقول له: اشتريتها منك بمائة ألف إلى نهاية السنة، فيقول: قبلت، ولكن أعطني رهناً، فقلت: هذه عمارتي، أو سيارتي... إلخ.

    إذاً: الرهن إما أن يكون لقاء دين، أو غير دين، فإن كان لقاء دين، وأذِنت له أن يأخذ المنفعة بدون عوض، فإنه لا يجوز؛ لأنه قرضٌ جرّ نفعاً، وهو من الربا، ووجه ذلك: أن العمارة إذا سكنها شهراً وقيمة أجرتها ألف ريال، فكأنه ديّنك مائة ألف وألفاً، فيكون أخذ فائدة على ذلك القرض؛ لأنك إنما أعطيته لكونك مستديناً منه، فصار قرضاً جر نفعاً.

    وعلى هذا فالصورة الأولى: إذا كان يريد منفعة الدار أو منفعة الشيء المرهون بدون عوض في لقاء قرضٍ فلا يجوز؛ لأنه يئول إلى قرضٍ جر نفعاً.

    الصورة الثانية: أن يقول لك: أنا أريد أن آخذ هذه المنفعة وأسكن في الدار بأجرتها، فإذا قال لك: بعوض، أو قلت له: لا أعطيك إلا بعِوض، فأيضاً لا يخلو من ضربين:

    الضرب الأول: أن يكون بمثلها، بمعنى: أجرة المثل، لا وكس فيها ولا شطط، فيجوز.

    الضرب الثاني: أن تكون الأجرة فيها شيء من المراعاة والمحاباة، فدخلت شبهة قرضٍ جر نفعاً.

    إذاً: مسألة الانتفاع بالرهن -سواءً كان بعوض أو بدون عِوض- إذا كان الرهن لقاء دين، فإنه لا يجوز أن يأخذ المرتَهِن العين المرهونة فينتفع بها، أو بعوض دون مثلها، فإنه في هذه الحالة لا يجوز الانتفاع بها أيضاً.

    أما لو أخذها في رهن الدين بعوضٍ مقابلٍ لمثلها لا ظلم فيه، فإنه يجوز.

    فالخلاصة: أن الرهن إذا أُعطي لقاء الدين، وكانت فيه منفعة، وطلبها صاحب الدين، فأخذها بعوض مثلها جاز، ولكن إن طلبها بدون عوض، أو طلبها بعوض دون حقها، لم يجز؛ لأنه قرضٌ جر نفعاً.

    هذا في الحالة الأولى وهي: أن يكون الرهن لقاء قرض.

    حكم الانتفاع بالرهن لقاء ثمن المبيع

    الحالة الثانية: أن يكون الرهن لقاء ثمن مبيع، مثل أن يبيعك قطعة من الأرض في مخطّط ويشترط رهناً، فتعطيه عمارةً رهناً، فهذه العمارة أعطيت رهناً لقاء قيمة مبيع، فإذا كانت لقاء قيمة مبيعٍ فالمشهور أنه يجوز أن يأخذ المنفعة بدون عوض، وأن يأخذها بعوض مثلها أو دونه؛ لأن شبهة الربا في هذا منتفية، ومن هنا قالوا: كأنه باعه بالثمن المؤجل، ودخول المنفعة لا يضر على أصل الاستحقاق.

    هذا بالنسبة لحالة ما إذا كان للرهن منفعة وأراد المرتهن أن يأخذها.

    إذاً: الخلاصة: أنه إذا طلب صاحب الدين منفعة الرهن، فإن طلبها بدون عوض أو بعوض دون حق مثلها في قرضٍ لم يجز، وإن طلبها بعوض مثلها في قرض جاز.

    وأما في رهن غير القروض، فإن طلبها بعوض مثلها، أو بدون عوض مثلها، أو بدون عوضٍ أصلاً؛ فإنه يجوز.

    انتقال العقد من الرهن إلى الإجارة

    وإذا كنا نقول: إنه يجوز له أن ينتفع بالرهن بعوض بعوض مثله في حالة القرض، فمثال ذلك: رجل أعطاك مائة ألف ديناً فأعطيته عمارة، فطلب منك أن يأخذ منفعتها في الموسم، وأجرة هذه العمارة إذا أجِّرت في الموسم على من يريد استغلالها مثلاً خمسون ألفاً، فإذا أعطاك خمسين ألفاً فإنه يجوز؛ لأنه أخذ الرهن لقاء إجارة، وقد ذكرنا في أول باب الرهن أن يد المرتَهِن تكون يد أمانة، فهو الآن أراد أن يستأجر الرهن، فهل تنتقل يده من يد الأمانة إلى يد الضمان؟ الجواب: نعم؛ لأنه بالإجارة حينئذٍ يصبح ضامناً، فتخرج يده من يد أمانة إلى يد ضمان، فلو تلف شيءٌ في العمارة فإنه يضمنه.

    هذا بالنسبة إذا قلنا: إنه تنتقل بالإجارة، ويجوز أن يستأجره، وهناك عقدان: العقد الأول: الرهن، والعقد الثاني: عقد الإجارة، سواءً استغرق عقد الإجارة مدة الدين، كأن يكون مدة الدين سنة، وعقد الإجارة سنة، فلا إشكال، أما دون السنة كشهرين، أو مدة الموسم، أو ثلاثة أشهر، ففي هذه الحالة، عندما أخذها إجارةً انتقلت اليد وزالت يد الرهن، وأصبحت عيناً مؤجرة، وإذا انتهت المدة فهل تعود رهناً؟ الجواب: لا، إذا انتهت المدة فإن صاحب العمارة بالخيار، فإن شاء ردها رهناً، وإن شاء رهن غيرها، وفائدة ذلك: أنه ربما ترهن العمارة وقيمتها مثلاً خمسمائة ألف، وخلال الشهرين تصبح قيمتها مثلاً مليوناً، ويكون من الضرر أن تجعلها رهناً، وقد ترهنها وأنت لا تحتاج إلى أن تستغلّها، ثم لما صار الشهر والشهران بانتفاعها بالإجارة طرأ استغلال لك عليها أو حاجة لك عليها، فحينئذٍ بعد انتهاء المدة أنت بالخيار، فإن شئت أن تعيد العمارة أعدتها، وإن شئت أن تدخل عيناً رهناً بدلاً عنها كان لك ذلك، فكأن صاحب الدين هو الذي ضيّع حقه بزوال اليد، وحينئذٍ يزول لزوم الرهن؛ لأننا اشترطنا أن اللزوم يستديم فيه ببقاء اليد.

    فإذا كانت اليد دخلت عليها الإجارة، وانتقل الرهن من كونه رهناً إلى إجارة؛ فحينئذٍ يزول لزوم الرهن، هذا هو معنى لزوم الرهن.

    لزوم الرهن: لو أنك رهنت العمارة وقيمتها مثلاً مائة ألف، والدين لثلاث سنوات، وبعد شهر أو شهرين أصبحت قيمتها مليوناً، فتبقى لازمة عليك، أي: تبقى رهناً، ولو أصبحت بالملايين، لكن إذا أدخلت الإجارة عليها ورضي صاحب الدين، فحينئذٍ انفك اللزوم؛ لأنه قد سبق أن ذكرنا أن المذهب -وهذا مذهب طائفة من العلماء- على أن الرهن يلزم إذا قُبِض واستديم القبض، لكن عندما دخلت الإجارة رفعت استدامة اليد، وحينئذٍ ينتقل من كونه لازماً على المديون، إلا أنه بعد انتهاء مدة الإجارة فهو بالخيار، إن شاء أدخله رهناً مرة ثانية، وإن شاء امتنع عن إدخاله، وأدخل عيناً أخرى مكانه، على ما يتفقان عليه.

    هذا بالنسبة إذا كانت العين لا تحتاج إلى مئونة كالعمائر والأرضين، فخلاصة ما فيها: أن الأصل العام أنه لا يجوز لصاحب الدين أن يأخذ منفعة من الرهن إلا بإذن صاحبه، فإذا اعتدى على ذلك ضَمِن، ويتفرع تفرّع على هذا لو أنه استأذنه بعوض وكان العوض لمثل العين جاز، سواءً كان في رهن القروض أو غيرها.

    وإن استأذنه بعوض دونه، أو بدون عوض في عينٍ مرهونة لقاء دينٍ لم يجز؛ لأنه قرض جر نفعاً، وأما إذا كان في غير رهن القروض، فإنه يجوز؛ لزوال الشبهة الموجبة للتحريم، والقاعدة: أن الحكم يدور مع علّته وجوداً وعدماً، فقد منعنا انتفاعه بدون عوض أو بدون عوض المثل إذا كان في القرض؛ لخوف الربا، وذلك منتفٍ في رهن غير القروض، فيصبح جائزاً على الأصل.

    انتفاع المرتهن بالرهن المحتاج إلى مئونة إن أنفق عليه

    القسم الثاني: أن يكون الرهن يحتاج إلى مئونة، فمثلاً: عندك من هذه الدواب: من الإبل، أو البقر، أو الغنم، فهذه تحتاج إلى مئونة، فهي تحتاج إلى طعام، وتحتاج إلى شراب، ففي هذه الحالة هل يجوز لصاحب الدين أن ينتفع بها؟

    هذه المسألة فيها تفصيل:

    فإن كانت العين المرهونة تحتاج إلى نفقة، وقال صاحبها: أنا أنفق عليها، وقام بالنفقة على عينه، فلا إشكال، مثلاً جاء وقال لك: أعطني ألف ريال، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: هذه الناقة رهن حتى أسدد، فأخذت الناقة وأصبح كل يوم -كأن يكون جارك- يقوم على الناقة ويعلفها، أو تكون الناقة عنده ورضيت له بذلك على أن يعلفها ويقوم عليها، فهذا لا إشكال فيه، لكن المشكلة إذا كانت العين تحتاج إلى مئونة وصاحبها غير موجود، أو يتعذر على صاحبها أن يقوم بالنفقة عليها، فأنت تريد الرهن أن يكون عندك، وصاحبها في بلد غير بلدك، فغير معقول أنه كل يوم يأتي ويعلفها أو يقوم عليها، وقد يكون في البلد الواحد، ومن المشقة أن يأتي فيعلفها ويقوم عليها، فحينئذٍ إذا كانت العين المرهونة عندك تحتاج إلى نفقة من طعام أو شراب أو نحو ذلك، فلها أربع حالات:

    الحالة الأولى: أن تكون محلوبة مركوبة، مثل الناقة.

    الحالة الثانية: أن تكون محلوبة غير مركوبة، كالشاة فإنها تحلب ولكن لا يمكن الانتفاع بالركوب عليها، وكذلك البقرة تحلب ولكن لا يركب عليها.

    الحالة الثالثة: أن تكون مركوبة غير محلوبة؛ كفحل الإبل، فإنه يُركب ولا يحلب.

    الحالة الرابعة: أن تكون غير محلوبة ولا مركوبة، مثل فحل الغنم، فإنه غير محلوب ولا مركوب، وكذلك الأرقاء. فهذه أربعة أحوال وفيه هذه المنافع.

    ويرد السؤال: إذا كان صاحب الدين يُنفق على هذه العين المرهونة وهي الناقة، فهل يجوز له أن ينتفع في حدود نفقته أو لا يجوز؟ ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن الرهن إذا كان يُركب أو يحلب، أو يجمع بين منفعة الركوب والحليب، فإن من حقك إذا أنفقت عليه أن تركبه وتحلب منه بقدر ما أنفقت عليه.

    مثال ذلك: لو قال لك: هذه الناقة رهنٌ عندك مقابل الألف التي لك عليّ، فقمت على الناقة وعلفتها بما قيمته مثلاً خمسون ريالاً، فحينئذٍ يجوز لك أن تشرب من حليبها بقدر الخمسين، وأن تركب على ظهرها بقدر الخمسين، ويجوز أن تجمع بين الحليب وبين الركوب بقدر الخمسين، فتجعل -مثلاً- ثلاثين للحليب وعشرين للركوب، فتقدر أن ذهابك على ظهرها إلى داخل المدينة والرجوع بعشرين، عشرة ذاهباً وعشرة آيباً؛ وهذا يتقدَّر بالعُرف، ثم حليبها هذا الذي احتلبته في اليوم الذي أنفقت عليها، قيمته ثلاثون، فحينئذٍ تكون الثلاثين مع العشرين مساوية لنفقتك عليها.

    فتُقدِّر ما أنفقته وتركب وتحلب على قدر ما أنفقت، فإن كان مركوباً تمحّض انتفاعك بالركوب، وإن كان محلوباً تمحّض انتفاعك بالحليب، وإن كان محلوباً مركوباً جمعت بين الأمرين، أو أخذت منفعة من المنفعتين بقدر حصتها من النفقة، هذا من حيث الأصل الذي ذكرناه.

    والدليل عليه ما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)، أي: عليه أن يعلف الدابة، ويقوم عليها في حدود ما أنفق، وهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، لا يُظلم صاحب الرهن، ولا يُظلم صاحب الدين، ولا تتلف العين؛ لأنها لو تُركت بدون طعام ولا شراب لتلفت.

    وعلى هذا أخذ المصنف رحمه الله هذا الحكم، فبيّن أنه يجوز للمرتَهِن ومن له الدين أن يركب الرهن وأن يشرب منه بقدر ما أنفق عليه في طعامه وشرابه.

    جواز الانتفاع بالرهن المحتاج إلى مئونة بدون إذن الراهن

    وقوله: (بقدر نفقته بلا إذن).

    الفائدة هنا أنه لا يحتاج إلى إذن؛ والسبب في ذلك: أن الإذن موجودٌ من الشرع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً)، فهذا إذنٌ شرعي، والله عز وجل يملك العباد وما ملكوا، فالله ملّكنا ذلك، وبيّن أنه إذا رهن أحدٌ عندك عيناً تُركب وتحلب، وأنفقت عليها، وركبت وحلبت بقدر ما أنفقت؛ فقد عدلت وأقسطت، والله يحب المقسطين، ولا تحتاج في ذلك إلى إذن المالك، هذا بالنسبة للشرب والركوب.

    حكم انتفاع المرتهن بالرهن غير المحلوب

    يبقى السؤال: غير المركوب وغير المحلوب إذا احتاج إلى نفقة، فهل يُقاس على المركوب والمحلوب؟

    جماهير العلماء على أنه لا يُقاس ولا يُلحق، وحتى الإمام أحمد رحمه الله لما قال بهذه السنة وعمل بها، سُئِل عن غيرها، فخصّص الحديث بما ورد؛ لأن الأصل يقتضي أنه لا يجوز لك أن تنتفع بمال غيرك إلا بإذنه، وبحقه، فلما جاءت السنة تستثني هذا الأصل فيما يُركب ويحلب، بقي ما عداه على الأصل الذي يوجب عدم ملكية المنافع إلا لأصحابها، ولا يجوز لمن له الدين أن ينتفع إلا بإذن المالك الحقيقي.. هذه خلاصة ما ذُكِر.

    فالحاصل: أنه يجوز في القسم الثاني إذا كان الرهن يحتاج إلى مئونة وكان مركوباً محلوباً، جامعاً بينهما، أو فيه إحدى الخصلتين يجوز لمن له الدين أن ينتفع في حدود ما أنفق.

    فإن كان غير محلوبٍ ولا مركوب، فإنه لا يجوز أن ينتفع به، وحينئذٍ يفصل فيه من ناحية إذا أنفق فإنه يحتسب قدر ما أنفق على ذلك المرهون، ثم يطالب المالك الحقيقي بنفقته، كما سيأتي إن شاء الله.

    1.   

    الإنفاق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكان الرجوع إليه

    قال رحمه الله: [وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع].

    قوله: (وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه) إذا استأذنه فلا إشكال، وقد ذكرنا المحلوب والمركوب، فالمحلوب والمركوب لا يحتاج إلى إذن، وغير المحلوب والمركوب -كما كان في الأرقاء في القديم ونحوهم- إذا احتاج إلى نفقة، فإنه إذا أنفق عليه بدون إذن صاحبه مع إمكان أن يستأذنه، فإنه لا يُعطى نفقته؛ والسبب في ذلك: أن المطالب في الأصل هو المالك، فكونه لم يستأذن ولم يأمره أحد أن يُعطي بل أعطى تلقائياً، دلّ على أن العطية محض تبرّع، وهذا يسمونه: الاستناد إلى الظاهر؛ لأن المالك الحقيقي موجود، فكونه موجوداً ويمكنه أن يتصل به أو يرسل إليه، أو يأتيه بنفسه ويقول له: إني سأنفق على الرهن فهل تأذن لي؟ فكونه لم يفعل ذلك، هذا يسمونه: دلالة الظاهر، وقد سبق أن ذكرنا الظاهر والأصل، فهذا من الظاهر فيُعمل به، ويقال: هذا محض تبرّع.

    وقال بعض العلماء: يرجع إلى نيته، فإن كان نوى أنها تُحتسب احتسبت، وإن كان نوى أنها لا تحتسب فإنها لا تحتسب، وتكون محض التبرع.

    والمراد بقوله: (لم يرجع)، أي: ليس من حقه أن يرجع على المالك الحقيقي فيطالبه، فيقولون: رجع، لم يرجع، وعليه أن يرجع، هذا هو المراد به، أنه إذا دفع مثلاً ما قيمته خمسمائة ريال نفقة، وكان بإمكانه أن يستأذن المالك الحقيقي ولم يستأذنه، فحينئذٍ ليس من حقه أن يرجع ويطالب المالك الحقيقي بالنفقة.

    النفقة على الرهن عند تعذر الرجوع إلى الراهن

    قال رحمه الله: [وإن تعذّر رجع ولو لم يستأذن الحاكم].

    قوله: (وإن تعذر) أي: إن تعذر عليه أن يرجع إلى المالك الحقيقي، وإن لم ينفق صارت الدابة معرضة للموت، والوقت ضيق، فتعذّر عليه أن يرجع؛ وذلك لصعوبة الاتصال به، أو سافر الراهن، وتعذر أن يتصل به أو يجد وكيلاً عنه، فقام وأنفق، فإنه يرجع؛ لأن الشبهة هنا قائمة، والأصل أن نفقته محسوبة، وقد قلنا هنا: إنه يرجع؛ لأنه لما أنفق هذا المال، فالأصل أن يرجع في ضمانه، هذا هو الأصل، ولما تعذّر عليه الرجوع سقط تأثير الظاهر؛ لأن في الظاهر ما يدل على الشبهة لوجود العذر، وحينئذٍ لا نلزمه، ولا نقول له: يسقط حقك؛ بل نقول: إن من حقك أن ترجع عليه بقدر النفقة.

    فلو أنفق عليه مثلاً في حدود خمسمائة ريال، وقيمة الرهن عشرة آلاف ريال، والدين تسعة آلاف ريال، فلما انتهى الوقت جاء وسدد تسعة آلاف ريال، وقال له: أعطني الرهن، فقال: بقي خمسمائة تكفّلتُها نفقة على الرهن، فإن قال: لا أعطيك، فحينئذٍ من حقه أن يطالبه، ويقول له: أعطني هذه الخمسمائة وهي تابعة للدين، فيُلزم بإعطائه، ويجب عليه أن يعطيه، سواءً استأذن الحاكم أو لم يستأذنه.

    وبعضهم يقول: عليه أن يستأذن الحاكم والوالي، والمراد بالحاكم هنا القاضي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فالسلطان ولي من لا ولي له)، فجعل القضاة والحكام إنما يُرجع إليهم إذا تعذّر الرجوع إلى الأصل، فهم يقومون مقام الناس في القيام على مصالحهم، وعلى هذا قالوا: إنه يرجع إلى الحاكم فيستأذنه أولاً ثم ينفق، ولا شك أن الرجوع إلى القاضي متى أمكنه الرجوع إلى القاضي أحوط.

    1.   

    النفقة على الوديعة مع إمكان الاستئذان من المالك وعدمه

    قال رحمه الله: [وكذا وديعة].

    أي: إذا أنفق على وديعة، ومثاله: رجلٌ أعطاك وديعة، فإذا احتاجت هذه الوديعة إلى نفقة، وأمكنك الاتصال به، فإنه يجب عليك أن تتصل به وتستأذنه، وإن لم يمكنك الاتصال به على التفصيل الذي ذكرناه في الرهن، فمن حقك أن تطالبه بنفقتك على وديعته، سواءً قلنا باستئذان الحاكم أو بدونه، وأما إذا أمكنك أن تستأذنه ولم تستأذنه، فإن نفقتك على الوديعة تعتبر محض التبرّع، وليس من حقك أن تطالب بالنفقة.

    1.   

    النفقة على العارية مع إمكان الاستئذان من المالك وعدمه

    قال رحمه الله: [وعارية].

    أي: إذا استعار شخصٌ شيئاً، واحتاج هذا الشيء إلى نفقة، فإنه يرجع إلى مالكه الحقيقي ويستأذنه، فإذا لم يستأذنه مع إمكان الاستئذان، فإنه يتحمل مسئولية النفقة، وأما إذا لم يمكنه وتعذر عليه الاستئذان وقام بالنفقة، فإنها تضمن على التفصيل الذي ذكرناه في استئذان الوالي وعدم استئذانه.

    1.   

    النفقة على الدواب المستأجرة الهارب صاحبها

    قال رحمه الله: [ودواب مستأجرة هرب ربها].

    وذلك مثل الإبل في القديم، فإذا أستأجرها الإنسان من أجل الركوب، ثم هرب صاحبها، فهذه الدواب ستبقى عندك، وتكون يدك عليها قائمة، يد حفظ، فتحفظها لأخيك المسلم، وبعض العلماء يُلزمك بالحفظ هنا، ولا خيار لك، تُلزم بحفظها، وتقوم عليها حتى يأتي ربها وصاحبها، ثم تنفق عليها منها، فإذا أنفقت عليها منها فلا إشكال، وأما إذا لم تجد منها شيئاً وقمت أنت بنفسك وأنفقت من مالك، فحينئذٍ يكون من حقك الرجوع على مالكها الحقيقي إن جاء يطالبك يوماً من الأيام؛ لأنه تعذر عليك أن تتصل به وتطالبه، فيجوز لك حينئذٍ أن تؤاخذه بضمان؛ لأن هذه العين التي هي الإبل أو الدواب التي تُستأجر للركوب أو نحو ذلك مثل الثيران، فقد كانت في القديم تستأجر للحراثة، وفي زماننا لو كانت السيارة مستأجرة، ثم حصل ظرف لصاحبها وغاب فجأة، وأصبحت السيارة عندك واحتاجت إلى نفقة، أو إلى رعاية، فأنفقت عليها مع تعذر الاتصال بصاحبها، فإنه حينئذٍ إذا رجع طالبته بضمان ذلك الشيء الذي أنفقته على عينه؛ ووجه ذلك: أن هذه العين غُرمها وغنمها على مالكها الحقيقي؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: (الخراج بالضمان)، فغرمها وغنمها لمن يضمن، أي: يأخذ الغنم وعليه الغرم، فلما كان ربحها له، كذلك أيضاً غرمها ونفقتها وخسارتها وأعباؤها وتكاليفها على مالكها الحقيقي، أما يدك فإنها يد حفظ.

    ففي هذه الحالة -في العارية، وفي الرهن، وفي العين المستأجرة- إذا لم يتيسر الاتصال بمالكها الحقيقي وكنت معذوراً، جاز لك أن تقوم بالمعروف بالنفقة عليها، ثم تطالبه بضمان ما أنفقت.

    1.   

    تعمير المرتهن لخراب الدور والأراضي المرهونة ونحوها

    قال رحمه الله: [ولو خرِب الرهن فعمّره بلا إذن رجع بآلته فقط].

    الخراب: ضد العمار، فلو أن العين المرهونة -كالمزارع، والأرضين ونحوها- أصبحت خراباً، أو اخترب بعضها، فقام المرتهن باستصلاحه، فإنه في هذه الحالة العين والرقبة موجودة، ويمكن أن تبقى وتبقى ماليتها بحالها، بخلاف الإبل والبقر والدواب، فإنه إذا لم تنفق عليها فستموت وتتلف وتذهب ماليتها، فهناك فرق بين الاثنين، ثم في هذه الحالة يكون الدفع هنا دفع إجارة، وفيه مبايعة من جهة المئونة، فيلتزم به فقط بقيمة الآلة التي تم بها الاستصلاح، ولا يطالبه بالفضل، وليس له أن يقايضه على ذلك منفعة، وذلك بالعرف، فتكون مثلاً بناء هذه الدار واستصلاحها بخمسين ألفاً، وتكلفتها بالعرف أربعون ألفاً، وعشرة آلاف تكون ربحاً لمن يقوم باستصلاحها، فهنا ليس له أن يربح، وإنما يكون له فقط أجرة الآلة التي استصلح بها، فيملك فقط المئونة، وليس من حقه أن يقايض على ما فيه مصلحة ونماءٌ زائد.

    وهذا بالنسبة لمنفعة الاستصلاح، بخلاف منفعة النفقة التي تبقى بها العين، فهنا محض تبرع فيه نوع من الفضل؛ فأرضي إذا انهدمت فإن من حقي أن أبنيها أو لا أبنيها، لكن الدابة إذا ماتت ففي الغالب أنني لا أرضى بموتها، فكونه في هذه الحالة عندما خربت الأرض أتى وعمرها، فأنا قد أرضى أن تسقط وتخرب وتبقى على حالها، لكن الإبل والبقر والغنم التي حياتها وماليتها موقوفة على النفقة لا أرضى بتلفها.

    فهناك فرق بين الحالتين، فالنفقة في الأولى مستحقة ولازمة، وتبقى المالية عليها، وكأنه محض التصرف الرشيد، وفي موضعه، أن تنفق لبقاء الإبل والغنم والبقر ونحوها من الرقاب المرهونة أو المستعارة أو المؤجرة، لكن في حالة ما إذا كانت العين داراً فانهدمت، أو مزارع مثلاً فعطشت، فأصلح آبارها أو نحو ذلك، فإنه لا يأخذ إلا نفقة الآلات التي بها تحققت المنفعة، وليس من حقه أن يقايض أو يطلب الربح أو النماء الزائد.

    أما لو استأذن فإنه يملك مطالبته بجميع ما أذن له به، وذلك في حدود الإذن، فلو قال له مثلاً: ابن هذا دورين، فبناهما دورين على نفس الصفة المتفق عليها، فله أن يطالبه بالنفقة كاملة.

    1.   

    الأسئلة

    جواز إدخال الإجارة على الرهن ومباينته لعقد البيعتين في بيعة

    السؤال: أشكل عليَّ انتقال يد الراهن من الأمانة إلى الضمان، وذلك إذا استأجر الرهن، فهنا ابتدأ بعقد الرهن وانتهى إلى الإجارة، فوسع هنا في هذه المسألة، وحرم في البيوع عن بيعتين في بيعة، وتردد العقد بين البيع والإجارة، فهل من حكمة في التوسيع هنا، والتضييق هناك؟

    الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

    فأما بالنسبة لمسألة الرهن وانتقاله إلى الإجارة فليس هو على سبيل التشريك، فينبغي أن يُفرّق بين هذا وبين عقد البيعتين في بيعة، وعقد الإجارة الذي ينتهي بالتمليك عقدان في عقد.

    أما الرهن مع الإجارة فعقدان منفصلان: الرهن عقد منفصل له شروطه وله ضوابطه، والإجارة عقد مستقل له شروطه وله ضوابطه، فإذا تعاقدا على رهن وأبقيا يد الرهن على ما هي عليه فرهن، وإن رفعا الرهن باختيارهما ورضاهما فهذا جائز، فمثلاً: لو أنني أخذت رهناً منك، ثم جئتني وقلت: يا فلان! أنا محتاج للرهن وأريد أن أنتفع به، فهلا سامحتني وأقلتني، فقلت لك: قد سامحتك، وأخذتَ الرهن، فإنه يجوز بالإجماع.

    فانتقلت يد الرهن من الرهن إلى عقد آخر، دون أن يجتمعا.

    لكن العقد في بيعتين في بيعة هنا اجتمع العقدان في عقد واحد، كأن يقول لك: أبيعك هذه الدار بعشرة آلاف حاضرة، أو بعشرين إلى نهاية السنة، وتفترقا قبل التحديد، أما لو حددتما فليس هناك إشكال، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما -كما روي عنه في مصنف ابن أبي شيبة وغيره-: أما إذا بت فلا إشكال.

    فجمهور السلف رحمهم الله على أنه إذا قال له: بعني بمائة حاضرة أو بمائتين إلى أجل، وأخذ بإحدى البيعتين، فإنه خرج عن بيعتين في بيعة، وليس هناك خلاف إلا قول سماك ورواية عن طاوس رحمهما الله؛ وذلك لأن العقدين لا يدخلان في عقد واحد إلا إذا افترقا، فإن افترقا، وقد أعطاه البيعتين ولم يحدد، فقد أدخل العقدين في عقد، أما هنا -في عقد الرهن والإجارة- فإنه لم يدخل العقدين في عقد؛ لأن عقد الرهن على حدة، ثم اتفقا على انتقاله من الرهن إلى الإجارة، كما لو اتفقا على أن يعود على صاحبه.

    إذاً: ليس هناك أي إشكال، فهذا شيء وهذا شيء، ولا يعتبر هذا من تداخل العقود.

    وهكذا لو قال لك: استأجِر العمارة عشرين شهراً بعشرة آلاف كل شهر، ثم بعد سنة تملكها، فهو ليس بعقد إجارة، وليس بعقد بيعٍ محض، وإنما أدخل البيعتين في بيعة، أو أدخل العقدين في عقد، على القول بأن الإجارة بيع، ولا شك أنها نوع من البيع الذي هو بيع المنافع، فأدخل البيعتين في بيعة من جهة بيع منفعة، وبيع عين، أدخلهما في عقد واحد، وقد استأجرتَ العمارة وفي نيتك أن تملكها، والتزم لك أن يملكَك في نهاية العام، فأدخلتما عقدين في عقد واحد، فالغرر في هذا واضح.

    وهكذا لو قال له: أبيعك بعشرة حاضرة وبعشرين إلى أجل، وافترقا قبل التحديد، فقد أدخلا الصفقتين في صفقة واحدة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في تتمة حديث البيعتين في بيعة: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)؛ وذلك لأنه إذا قال له: بعني بمائة حاضرة وبمائتين إلى أجل، وفارقك قبل أن يحدد، فإما أن يعطيك الوكس وأنت ترجو المائتين إلى أجل، فيقول لك: أريد أن أشتريها بمائة حاضرة، فضيّع عليك المائتين إلى أجل، وأنت تحب أن تكون إلى أجل، وهذا هو أوكسهما، أو أخذها وهو يريد أن يدفعها مائة، ثم قال: هلا خففت عليَّ فجعلتها إلى أجل، فوقع في الربا، فعاوض عن المائة التي في نيته أن يشتري بها إلى المائتين في أجل، فتحقق فيه ما ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) ، أما لو بتَّ، واشترى بمائة حاضرة أو بمائتين إلى أجل، كما هو موجود في بيع التقسيط، فليس هذا ببيعتين في بيعة؛ لأنه ليس له أوكسهما ولا الربا؛ ولأن العقد تم على سعرٍ معيّن، فالسلعة قيمتها حاضرة بمائة، وقيمتها إلى أجل بمائتين، ستشتريها بمائة حاضرة أو بمائتين إلى أجل، فهذا ليس من بيعتين في بيعة في شيء.

    ولو قلنا: إن كونه يعرض عليه القيمتين في الصفقة يدل على أنه بيعتين في بيعة، لدخلت جميع البيوعات في المساومات؛ لأنه في المساومة يقول له: بعني بعشرين، فيقول: لا، بل بثلاثين، كما لو قال له: بعني بعشرة حاضرة أو بعشرين إلى أجل، فالمعنى في هذا واضح.

    وعلى هذا لا يُعتبر إدخال الإجارة على الرهن كالبيعتين في بيعة، ولا يعتبر هذا موجباً للإشكال؛ لأن الرهن مستقل وعقدٌ قصد به الاستيثاق على وجه شرعي معتبر، وتم وبت على الصفة المشروعة، ثم اتفق الطرفان على إلغائه وإنشاء عقد الإجارة، وليس هذا من التداخل في شيء، وعليه فإنه يزول الإشكال، والله تعالى أعلم.

    حكم تلف الرهن عند المرتهن

    السؤال: إذا رهن عندي رجلٌ بعيراً، ثم مات هذا الرهن عندي قبل السداد، ثم طالبني به، فما الحكم أثابكم الله؟

    الجواب: إذا مات البعير، فلا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يموت بدون تفريط منك، فليس من حقه أن يطالبك، ويدك يد أمانة.

    الحالة الثانية: أن يموت بتفريطٍ منك، فإنك تضمن، وعلى هذا يفصّل في مسألة ضمان الرهن.

    مثاله: قال لك شخص: أعطني مائة ريال ديناً، فقلت له: أعطني رهناً، فأعطاك ساعة أو مسجلاً أو كتاباً، فتلفت الساعة، أو تلف الكتاب، أو تلف المسجل، فإنه لا يضمن إلا إذا فرّط، فإن كان تلف هذه الأعيان بسبب تفريط منه فإنه يضمن، وأما إذا لم يفرِّط في ذلك فإنه لا ضمان عليه، وحينئذٍ تكون يده يد أمانة على التفصيل الذي سبق بيانه، والله تعالى أعلم.

    حكم استصلاح الدور المؤجرة من قبل المستأجر

    السؤال: من كان مستأجراً لدار، وأراد أن يصلح فيها ما خرب، فهل لا بد أن يستأذن من المالك عموماً، أم يصلح مرافقها ويحتسب ما أنفقه من قيمة الإيجار؟

    الجواب: إذا استأجرت داراً فليس من حقك أن تتصرف في عين الدار، فتغير فيها أو تُحدث فيها إلا إذا استأذنت مالكها، أما ما يكون من جنس المنافع ومن حقك عرفاً أن تفعله، فإنك تفعله، فإذا كان هذا الذي تفعله فيه ضرر أو فيه زيادة أو نقصاً أو تغيير لصفة العين المؤجرة، فلابد أن تستأذن.

    فلو استأجرت داراً مكونة من أربع غرف، وكان بالإمكان أن تفتح كل غرفتين على بعضها، فلابد أن تستأذن، ولا تنقل الجدار الحائل إلا بإذن، وكذلك أيضاً لو أردت أن تحدث أشياء، كوضع المسامير في الجدار أو نحوها، فلابد أن تستأذن، فإن لم يأذن لك وفعلت ذلك من عندك، فإنه يجب عليك شرعاً إذا فرّغت الدار أن تسلمها بالصفة التي استلمتها عليها.

    وهذه مسألة من أعظم المسائل التي يعظم فيها الضرر، وأحبِّذ للخطباء وأئمة المساجد أن يذكِّروا الناس بالله عز وجل، فإن حقوق العيون المؤجرة -في هذا الزمن- ضائعة بين الناس إلا من رحمهم الله، فالمستأجر إذا انتهى وخرج من البيت، أو خرج من الدكان أو العين المؤجرة، فإنه يخرج منها بحالة قد تحتاج إلى استصلاح يقارب نصف قيمة الأجرة، ومما لا يخفى أنه قد تكون هذه العين أو هذه العمارة ملكاً لأيتام، وقد تكون ملكاً لأرامل وقفاً عليهم، ولذلك يعتبر هذا المال الذي أفسده المستأجر في ذمته ورقبته يوم القيامة، فلو أفسد العين المؤجرة، وأحدث وغيّر وتصرّف فيها، فإنه يجب عليه أن يعيدها على الصفة التي استلمها بها، حتى ذكر العلماء الكنيف الذي هو محل قضاء الحاجة، فقد كان في القديم ينزح وينظف، فقالوا: إذا استلمه نظيفاً، فلابد أن يخرج وهو نظيف، بمعنى أنه لا يبقيه بفضلته، وذلك كله من باب التشديد في الحقوق.

    وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن الناس في عرصات يوم القيامة تطيش عقولهم من الذنوب والمظالم؛ لأنه يؤتى بالمظالم مثل الخردلة وأدنى من ذلك: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، والله عز وجل قد أمر العباد برد الحقوق إلى أهلها، فهذا حق، فإذا استأجرت العين كاملة فتردها كاملة، وإذا استأجرتها سليمة فتردها سليمة، أما لو أضر بأرضيتها، أو بسقفها، أو بجدارها، أو بأي شيء فيها، فإنه يضمن ذلك ويرده كاملاً إلى صاحبه.

    فينبغي تنبيه الناس في هذا الأمر؛ لأنها من الحقوق التي تضيع بين الناس، ويُنبَّهون على الأمور التي ينبغي أن يراعيها المسلم مع أخيه المسلم في مثل هذه العقود؛ من ضمان الحقوق، وعدم الظلم، وعدم الأذية، وعدم الإضرار، فليتق الله المسلم في حقوق إخوانه، خاصة الأوقاف المؤجرة؛ لأنها تكون ملكاً لأناس مستحقين؛ كالضعفة والعجزة، وتصرف غلّتها عليهم، فإذا أُفسِدت هذه الأوقاف وضُيِّعت، فحينئذٍ تضيع حقوق من تصرف لهم.

    والناظر هو المسئول أمام الله عز وجل؛ لأن تساهل الناظر وسكوته يمكِّن المفسد من إفساده، فإذا جاء الناظر ليستلم العين المؤجرة، فعليه أن يطالب المستأجر أن يسلمها كما استلمها، أما أن يتركه يفسد فيها ويغيّر فيها ويعبث على مرأى منه ومسمع، فإذا سلمها سلمها ناقصة، ثم صرف من غلة الوقف لاستصلاحها؛ فهذا ظلم لأصحاب الحقوق، وينبغي التنبه لمثل هذه الحقوق والتنبيه عليها؛ لما فيها من الأذية والإضرار الذي نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، نسأل الله العظيم أن يجنبنا الزلل، وأن يعصمنا في القول والعمل، والله تعالى أعلم.

    جواز انتفاع المرتهن بصوف البهيمة إن أذن له الراهن

    السؤال: هل يدخل في الانتفاع صوف الشاة، فله أن يجزّه ويبيعه أثابكم الله؟

    الجواب: ظاهر النص الانتفاع بالحليب والركوب، هذا الذي ورد به النص، سواءً أذن أو لم يأذن، ويبقى فيه الحكم على التفصيل الذي ذكرناه، أما صوف البهيمة وشعرها، فليس من حقه أن ينتفع به بدون إذن إذا أنفق عليها؛ بل يبقى على الأصل من وجوب الاستئذان على التفصيل الذي ذكرناه، والله تعالى أعلم.

    حكم القراءة في الكتب المرهونة بإذن وعدمه

    السؤال: إذا كان الرهن كتباً للعلم، فهل القراءة فيها من باب الانتفاع، ويدخل في مسألة القرض الذي جر نفعاً أثابكم الله؟

    الجواب: مسألة قراءة الكتب، بعض العلماء يرى أن العلم لا يُملك، فكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ليس ملكاً لأحد، ولذلك قال تعالى: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الفرقان:57]، فقالوا -بناءً على هذا الأصل-: يجوز أن تقرأ في كتاب الغير ولو لم تستأذنه.

    ومن ذلك: القصة المشهورة بين سحنون وهو عبد السلام الفقيه المالكي المشهور، وبين أسد بن الفرات ، وأسد بن الفرات من الفقهاء الأجلاء الذين ارتحلوا إلى ابن القاسم في مصر، وكان أسد بن الفرات يريد أن يلقى الإمام مالكاً بنفسه ويسأله، فتوفي الإمام مالك وهو في مصر، فسأل عن أعلم أصحابه، فقيل: ابن القاسم ، فجاء إلى ابن القاسم ، وقال: إني سائلك، فما كان عندك من قول مالك فأخبرني عنه، وما لا قول لـمالك فيه فأخبرني عن الأشبه بقوله، -ويسمَّى: التخريج على القواعد والأصول-، فأفتاه وبيّن ما يُسمى: بالمدونة، ثم رجع إلى المغرب، فجاء سحنون ، وهو عبد السلام ، ويقال: سُحنون وسَحنون، قال الناظم:

    وسين سَحنون بفتح قد ترام وقد تضم واسمه: عبد السلام

    الشاهد: أن سحنون جاء إليه وقال له: أعطني مدوّنتك أنقل ما فيها، فقال له: لا أعطيك، فقال: إنه لا يجوز لك أن تخفي هذا العلم عني، فقال له: كتابي، ولي الحق أن أعطيه من أشاء وأمنعه ممن أشاء، فقال: لكن العلم ليس ملكاً لك، فاختصما إلى القاضي، فقال أسد بن الفرات : الكتاب كتابي، والمداد مدادي، والقلم قلمي، يعني: أنا الذي كتبت، وهذا الشيء المكتوب ملكٌ لي، فأنا لا أدعي ملك العلم، ولكني أدعي ملكية الكتاب، والكتاب يُملك، الذي هو الصفحات والأوراق والجلد، والمداد ملكٌ لي، والقلم الذي خط ملك لي، وهذا هو الذي يفرِّعون عليه الآن حقوق الطبع.

    فقال سحنون : إن العلم لا يُملك، فقال القاضي: إن الكتاب كتابه -ولكن هذا لحكمة من الله، وقل أن يبخل إنسان بالعلم إلا محق الله بركته-، فلما قضى القاضي لـأسد بن الفرات ، ارتحل سحنون إلى ابن القاسم في مصر، فأخبره القصة، فدوّن له مدوّنة أخرى، ورجع عن مسائل في مدوّنة أسد ،وسأل الله أن ينزع البركة من مدوّنة أسد ، فتلِفت وضاعت وما بقيت إلا مدوّنة سحنون إلى يومنا هذا.

    إذاً: العلم ما يبخل به أحد إلا محقت بركته، نسأل الله السلامة والعافية.

    فالشاهد: أن مسألة ملكية الكتاب بذاته، إذا قلنا: إن العلم لا يملك؛ كان من حقه أن يقرأ، ويقرأ باستحقاق شرعي خارج عن العين المرهونة، وإن قلنا: إن الكتاب يُملك، فحينئذٍ تكون العين مملوكة، وليس من حقه أن يفتحها ويقرأ إلا بإذن من المالك.

    وفي الحقيقة: النفس تميل أكثر إلى أن العلم لا يُملك، وهذا هو الذي تقرِّره النصوص وتدل عليه.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046356073

    عدد مرات الحفظ

    735993742