إسلام ويب

شرح زاد المستقنع باب الرهن [3]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أحكام الرهن ومسائله: أن يد المرتهن يد أمانة، ما لم يتعد أو يفرط ويقصر في حفظ الرهن، أما إذا تعدى المرتهن أو قصر فإنه يضمن، ومنها: عدم انفكاك الرهن مع بقاء بعض الدين، ومنها: بيع الرهن عند انتهاء الأجل سواء من المرتهن أو من القاضي، ومنها: أنه إذا تلف بعض الرهن فباقية رهن، وغيرها من المسائل والأحكام المفصلة في هذه المادة.

    1.   

    يد المرتهن يد أمانة ما لم يتعد أو يفرط

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وهو أمانة في يد المرتهن إن تلف بغير تعدٍ منه فلا شيء عليه].

    قوله: (وهو أمانة في يد المرتهن)، هذه الجملة قصد المصنف رحمه الله أن يبيِّن فيها حُكم الرهن: هل هو أمانة أو مضمون؟ وهل يد المرتهن تُعتبر يد أمانة فلا تَضمَن إلا إذا فرَّطت، أم أن يده يد ضمانٍ فتضمن مطلقاً؟

    وتوضيح هذه المسألة: لو جئت إلى رجل وقلت له: بعني بيتك بمائة ألف أعطيكها بعد سنة، فقال: قبلت، ولكن أعطني رهناً لقاء هذا المال، فأعطيته سيارة، فهذه السيارة رهن، فلو أنها تلفت في يومٍ من الأيام، فإما أن تتلف بسبب تعدٍ منه وتقصير، كأن يحرِّكها ثم حدث لها حادث فتلفت، فحينئذٍ يده يد ضمان، هذا إذا حرّك الرهن دون إذنٍ من الراهن.

    هذا بالنسبة للحالة الأولى، وهي التي يقول عنها العلماء: إذا تصرّف في الشيء المرهون دون إذن من صاحبه، فالتصرُّف بدون إذنٍ من صاحبه تصرُّف يوجب الهلاك أو فساد السلعة، أو فساد العين، فإنه في هذه الحالة يجب عليه الضمان، لكن لو أنه وضع الرهن عنده، فجاء شيءٌ وأتلفه بدون اختيارٍ منه، كأن يكون مزرعة فاجتاحها سيل، أو ثمرة فأصابتها جائحة، فهذا الفساد والتلف الذي تلف به الرهن بدون تقصيرٍ منك، وبدون تعدٍ، هل تضمنه أو لا تضمنه؟

    للعلماء قولان في هذه المسألة: فبعض العلماء يقول: من وضع عندك رهناً، بيتاً، أو أرضاً، أو مزرعة، أو متاعاً، أو طعاماً، ثم تلف هذا الشيء أو سقط، فإنّك تضمن، وتكون يدك يد ضمان على هذا القول.

    وبناءً على هذا القول: فإنه إذا كانت قيمة البيت عشرة آلاف ريال، والدين الذي دُفِع في مقابله الرهن خمسة آلاف ريال، فحينئذٍ تكون يده يد ضمان للخمسة آلاف التي هي أصل الدين، والخمسة آلاف الزائدة يده يد أمانة، فلا يضمن إلا إذا فرّط، وهذا مذهب الحنفية رحمهم الله.

    القول الثاني: من وضع عندك رهناً ولم تتعدّ ولم تفرِّط، بل حافظت على الرهن، فجاء بلاء وأتلَف هذا الرهن، وفسد بسببه هذا الرهن، فإنك لا تضمن، ويدك يد أمانة، فلا تضمن إلا إذا فرّطت، وهذا القول هو مذهب جمهور العلماء رحمهم الله، وهو الذي سار عليه المصنِّف رحمه الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الحديث الصحيح -وهو حديث أبي هريرة -: (لا يغْلق الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه).

    فقوله: (لا يغْلق الرهن ممن رهنه) يعني: من الراهن، وقوله: (له غنمه) يعني: إذا زاد سعره فإنه يزيد على ملكه وضمانه، وقوله: (وعليه غرمه) يعني: لو تلف بآفة سماوية ودون تعدٍ، أو تلف بدون تفريط ممن ارتُهِن عنده، فإنه يتحمّل المسئولية، أعنِي: صاحب الرهن.

    وهذا القول هو الذي اختاره المصنِّف، وهو الصحيح.

    أما أصحاب القول الأول، فقد احتجوا بحديثين ضعيفين: الحديث الأول: فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الرهن بما فيه)أي: مرهون بما فيه.

    وبناءً على هذا الحديث قالوا: (الرهن بما فيه) معناه: مَن وضَع عندك رهناً بعشرة آلاف، ودينُك عليه عشرة آلاف، وتلف هذا الرهن، فإنك حينئذٍ لا تطالبه بشيء، فالرهن تلف على ضمانك، ويدك يد ضمان على هذا القول.

    الحديث الثاني: وهو حديث مرسلٌ ضعيف، وفيه: (أن رجلاً رهن عند رجلٍ فرساً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم نَفَق الفرس، فجاء الرجل يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ليس لك عليه من حق)، يعني: أن الفرس يُعتبر قيمةً لقاء الدين.

    أما الحديث الأول -وهو من حديث أبي هريرة - فإنه يُروَى مرسلاً وموصولاً، وروايته موصولاً عند البيهقي بسندٍ ضعيف، وروايته مرسلة عند أبي داود في المراسيل بسند مرسلٍ صحيح، لكن المرسل لا يُحتج به ما لم يكن متصلاً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذا فلا يقوى الاحتجاج به.

    وأما الحديث الثاني -حديث الفرس- فإنه مرسلٌ ضعيف.

    وعلى هذا: فالصحيح مذهب الجمهور: أن من وضع عندك رهناً، فإن هذا الرهن إذا لم تفرِّط ولم تتعدّ فيه فإنك لا تضمن، فلو قال لك: خذ هذا البيت واعتبره رهناً لقاء الأربعمائة ألف التي هي لك عليَّ، فأخذت البيت وسقط البيت وانهدم، فإنك لا تضمن إذا كان سقوطه بدون تفريط، لكن لو كان سقوط البيت وانهدامه بتفريط منك، كأن يعطيك البيت رهناً، فوضعت متاعاً في السطح أثقل السطح فانكسر وانهدم، فإنك تضمن؛ لأنك في هذه الحالة تعدَّيت، وحينئذٍ إذا تعدّت يد الأمانة ضمنت.

    وخلاصة ما سبق: أن الرهن إذا وُضِع عند المرتهن ولم يتصرف فيه ولم يتعدّ ولم يفرِّط؛ فإنه لا يضمن إذا تلف ذلك الرهن، سواءً تلف كله أو تلف بعضه.

    تلف الرهن مع بقاء المالية وعدم بقائها

    والتلف على قسمين: تلف لا تبقى معه المالية، وتلفٌ تبقى معه المالية.

    فالتلف الذي لا تبقى معه مالية: مثل أن يعطيك تمراً، ثم إن التمر فسد وخمج، فإنه تذهب قيمته وتذهب ماليته، ومثال الذي لا تذهب معه المالية: كأن يعطيك عسلاً يفسد بعضه ويبقى بعضه، فحينئذٍ لا تذهب المالية، ويبقى الصالح منه، أو يعطيك بيتاً رهناً، فينهدم البيت، فإن أرض البيت لا زالت لها قيمة، ولربما بقية الأنقاض لها قيمة، فحينئذٍ يكون هناك تلف مع بقاء المالية.

    أما إذا كان موازياً للدين، مثل أن يعطيك بيتاً قيمته تقدر بمليون، ثم سقط ذلك البيت، وبقيت قيمة الأرض مع الأنقاض تقارب مثلاً نصف مليون، والدين الذي له عليك نصف مليون، فحينئذٍ لا إشكال، فتبقى المالية كما هي ويبقى الرهن كما هو.

    وتارة يكون التلف لا يوازي كل الدين، ولكن يكون مُذهباً لبعضه، فيكون الدين مثلاً مائة ألف، فإذا تلفت العين صارت قيمتها تسعين أو ثمانين أو نحو ذلك.

    أقسام الأيدي وحكمها

    وقوله: [وهو أمانة].

    (وهو) أي: الرهن، (أمانة). واليد تنقسم إلى قسمين: فإما أن تكون يدك يد أمانة، أو يد ضمان.

    ويد الأمانة: أن تأخذ الشيء فتحفظه وتقوم على رعايته، ولا تتعدى ولا تقصِّر.

    مثال ذلك: رجل أعطاك عشرة آلاف ريال، وقال: يا فلان! ضع هذه العشرة آلاف وديعة عندك، فإن أخذت العشرة آلاف كما هي، سواءً كانت من فئة مائة، أو من فئة الخمسمائة، أو من فئة الخمسين أخذتها كما هي بغلافها، ونفس الأوراق التي أعطاك إياها، فوضعتها في صندوقٍ محفوظ، وقفلت عليها، وهذا الصندوق في مكان أمين، فإن يدك يد أمانة، ومتى جاءك يطلبها أعطيته إياها، فأنت لم تتعدّ؛ لأنك لم تأخذ منها شيئاً، ولم تقصِّر؛ لأنك وضعتها في نفس الصندوق الذي تحفظ في مثله.

    أما لو أعطاك عشرة آلاف ريال، وقال: يا فلان! ضعها أمانة عندك، فلما أخذت منه العشرة آلاف قلت: سأصرفها، وعندما يطلب حقه أُعطيه حقه، فأخذت العشرة آلاف وأنفقتها على مصالحك، وأنت في نيتك وتعلم أنه متى ما جاء يطلبها في أي يوم من الأيام أن تعطيه، فحينئذٍ إذا صرفت العشرة آلاف في أي شيء، فإن لك غنمه وعليك غرمه، فتتحمل وتضمن العشرة آلاف، وتصبح يدك يد ضمان، وهذا التصرف منك يدخل في التعدِّي؛ لأنه كان ينبغي عليك أن تأخذ العشرة آلاف كما هي وتقفل عليها، فإذا أخذتها لتجارة أو مصلحة خاصة فقد تعديت، فإن استأذنته صار قرضاً، وانتقل من الوديعة إلى القرض، مثاله: لو قلت له: يا فلان! العشرة آلاف التي أودعتها عندي سأصرفها في مصالحي، ومتى ما طلبتها مني أعطيتك، فقال: لا بأس، ففي هذه الحالة يُصبح قرضاً، في الحالة الأولى وديعة، والوديعة تحفظ كما هي، وفي الحالة الثانية تكون قرضاً.

    أما التفريط: فكما لو أعطاك عشرة آلاف، وقال: يا فلان! ضعها وديعةً عندك، فأخذتها ووضعتها على طاولتك أو مكتبك، وأنت في العمل أو الوظيفة، ودخلت تتوضأ فجاء شخص وأخذها، فحينئذٍ قصّرت؛ لأن هذا المبلغ بهذه القيمة لا يُوضع في هذا المكان.

    تحول يد الأمانة إلى يد ضمان

    إذاً: يد الأمانة تضمن في حالتين: التعدي أو التقصير.

    فالتقصير في الحفظ: كأن يضع المبلغ في صندوق خشبي يُمكن كسرُه، فإن هذا يُعتبر تقصيراً. وأما التعدِّي: فكأن يأخذ الأموال ويتصرّف فيها.

    مثاله: جاءك رجل وقال: يا فلان! أنا سأُسافر، فضع سيارتي هذه عندك حتى آتيك، فأخذت السيارة ووضعتها في مكانٍ أمين، فلو أنه جاء بعد السفر وأراد أن يحرك السيارة وإذا بالسيارة تالفة لا تتحرك، فحينئذٍ لا تضمن شيئاً؛ لأنك لم تتعد ولم تقصِّر، فيدك يد أمانة.

    لكن لو أعطاك السيارة وسافر، فجئت في يوم من الأيام وحركتها وخرجت بها إلى حاجة من حوائجك، فوقع -لا قدّر الله- حادث، أو تلف شيءٌ في السيارة، فإنك تضمَن؛ لأنك تعدّيت، وفي هذه الحالة تكون يدك يد ضمان.

    إذاً: هناك يد تسمى: يد أمانة، وهناك يد تسمى: يد ضمان. والأصل في الأشياء التي تكون ملكاً لك أنت أن تتحمل مسئوليتها، والأشياء التي تملكها مثل: أراضي، بيوت، أطعمة، أكسية، فالشيء الذي تملكه ربحه لك وخسارته عليك، هذا هو الأصل.

    فلو أن رجلاً استدنت منه عشرة آلاف ريال وقلت له: خذ هذه السيارة وضعها عندك، فأنت في الأصل الضامن، فإن وضعت سيارتك رهناً عنده، فإن يده يد أمانة، فإن تصرّف في هذا الشيء فحينئذٍ ينتقل بتعدِّيه أو تفريطه إلى الضمان، وهذا هو معنى قوله رحمه الله: (ويده يد أمانة).

    إذاً: يد المرتهن يد أمانة، لا تضمن إلا إذا قصّرت أو تعدّت، وهذا على أصح قولي العلماء؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد صححه الدارقطني ، وقال الحافظ ابن حجر : رجاله ثقات، وغير واحد من العلماء يميلون إلى ثبوته، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يَغْلَق الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه) أي: ما لم يتعد أو يفرِّط.

    وقوله: (إن تلف بغير تعدٍ منه فلا شيء عليه).

    أي: إذا تلف الرهن من غير تعدٍ منه فلا شيء عليه.

    فلو قال لك: أعطني مائة ريال، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: هذا التمر ضعه عندك رهناً إلى نهاية الشهر، أو نهاية الأسبوع وأسددك، فأخذت التمر فوضعته في مكان حار، أو في مخزن حار، وقفلت عليه، والتمر يفسد، إذا كان في مكان حار وخزِّن في مكان مُنْكَتم، الغالب أنه يحمض ويفسد، فإذا فسد التمر فإنك تضمن؛ لأنك في هذه الحالة قصَّرت في حفظ الأمانة، ولكن لو وضعته في مكان يُحفظ في مثله، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يأتي السوس ويتلفه، وهذا المكان ليس فيه السوس، وليس بمكان يوجد فيه السوس، ولكن تلف بإرادة الله عز وجل وقدره، فأنت لا تضمن؛ لأنك لم تقصِّر ولم تتعد.

    عدم سقوط شيء من الدين إذا هلك الرهن دون تعد أو تقصير

    قال رحمه الله: [ولا يسقط بهلاكه شيءٌ من دينه].

    وهذه فائدة يد الأمانة: وهي أن الرهن إذا وضع عندك فهو أمانة، فإذا تلف فإنه يتلف على صاحبه، ولا يسقط من الدين شيء، فهذا الرهن إذا وضِع عندك ولم تتعدّ، وتلف بآفة سماوية، كثمرة بستان قيمتها ثلاثون ألفاً، والدين ثلاثون ألفاً، فلو أن هذه الثمرة التي في البستان جاءتها جائحة، وأتلفت هذه الثمرة، فإنك لا تضمن، ولا يسقط من دينك على صاحب البستان شيء، لكن لو أن قيمة الثمرة في البستان ثلاثون ألفاً، وتعاطيت أسباب التعدي، فمنعت العمال من السقي، أو قصَّرت في حفظه، فإن تعدّيت كأن تمنعهم من أن يسقوه، فأصبحت قيمة الثمرة عشرين ألفاً، فأنت تضمن ثلث القيمة، وتكون على دينك، فإذا كان دينك ثلاثين ألفاً فتسقط منه عشرة آلاف؛ لأنك تتحمل مسئولية التعدي حينما منعته من القيام بسقي البستان.

    هذا بالنسبة للتعدي.

    أما بالنسبة للتقصير فمثاله: أن يكون من عادة صاحب البستان أن يقفله، فأنت تركته مفتوحاً، فجاء السُرَّاق، وسرقوا من ثمرته بقدر خمسة آلاف ريال، فأنت تضمن هذه الخمسة آلاف؛ لأنك قصرت في الحفظ، ويدك يد أمانة، فينزل من الدين قدر خمسة آلاف.

    إذاً: إذا كانت يدك يد أمانة، فإنه لا يسقط من الدين شيء، وإن كانت يدك يد ضمان، فإنه يسقط من دينك على قدر ما حصل من التفريط في الرهن، حتى لو استغرق الرهن كله فإنه يسقط كله.

    فلو كان تقصير المرتهِن في حدود أربعين ألفاً، والدين أربعون ألفاً، فإنه يسقط ويصير رأساً برأس، ويخرج ولا شيء عليه.. هذا بالنسبة لمسألة يد الأمانة ويد الضمان.

    فلما كان المصنف رحمه الله يميل إلى القول: بأن المرتهِن لا يضمن إلا إذا فرّط أو تعدى، فمعنى ذلك أن يده يد أمانة كما ذكرنا، فإذا تلف كله أو بعضه فإنه على صاحبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (له غنمه وعليه غرمه)، فإن كان التلف بتعدٍ من المرتهِن ضمِن على قدر ما وقع من التلف، وأُسقِط من الدين على قدر ذلك الضمان.

    1.   

    تلف بعض الرهن لا يخرجه عن كونه رهناً

    قال رحمه الله: [وإن تلف بعضه فباقيه رهنٌ بجميع الدين]

    ذكرنا أن التلف ينقسم إلى قسمين: تلف يذهب المالية، وتلف لا يذهب المالية، فإن كان التلف يذهب المالية فحينئذٍ فسد الرهن، وفسد العقد؛ لأنه فات المقصود من الاستيثاق.

    ويقول العلماء: إن كان الرهن قد فسد فساداً كلياً، بحيث لا تبقى له مالية، كما لو قال: أعطني خمسمائة ريال ديناً، فقال له: أعطني رهناً، فقال: هذه الشاة رهن، أو هذا البعير رهن، فمات البعير أو ماتت الشاة، فحينئذٍ يفسد الرهن؛ لأن الرهن إنما شرعه الله عز وجل لكي تتوصل به إلى حقك إن امتنع المديون من سداد الدين، فإذا مات وذهبت المالية فقد فسد عقد الرهن.

    وفي هذه الحالة يكون لك الخيار.

    ومسألة البيع: إذا بعته بيتاً بعشرة آلاف ريال، وأعطاك رهناً قيمته عشرة آلاف ريال، وقال لك: سأسدد العشرة آلاف ريال بعد سنتين، وأعطاك الرهن الذي قيمته عشرة آلاف، ففسد الرهن وذهبت ماليته، فإن من حقك أن تطالبه برهن جديد مكان الرهن القديم، ومن حقك أن تقول له: أنا لا أريد أن أبيعك، وترجِع عن بيعك؛ لأن حقك في هذه الحالة سيذهب، والحقوق إنما تضمن بالاستيثاق، ويكون لك الخيار في هذا، ولذلك يقول العلماء: ذهاب المالية موجبٌ للخيار.

    فإن أقام مقامه رهناً يقوم بقدره وقيمته، فحينئذٍ لا إشكال، وإلا فله الخيار في الرجوع عن البيع.

    وقوله: (فباقيه رهنٌ بجميع الدين) مثل أن يقول لك: بعني أرضاً، فقلت له: هذه الأرض بمليون، فقال: اشتريتها، ولكن سأعطيك المليون بعد سنة، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أرهنك بستاني، فأعطاك البستان رهناً لهذا المليون، فتلف النخل الموجود في البستان، وكانت قيمة البستان قبل تلف النخيل مليوناً، ثم لما تلفت صارت قيمته نصف مليون، إذاً صار نصف قيمة البستان رهناً، فإن الباقي من المالية يبقى رهناً، ومن حق صاحب الدين أن يعامله معاملة الرهن، فإذا لم يسدد باع ذلك القدر، وأخذ ما فيه من المال، قلّ أو كثُر.

    إذاً: مراده رحمه الله: أنه إذا تلف بعضه وبقي بعضه فإنه يصير مرهوناً كله بالدين، أي: يبقى رهناً للدين.

    1.   

    عدم انفكاك الرهن مع بقاء بعض الدين

    قال رحمه الله: [ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين].

    قوله: (ولا ينفك بعضه) هذه مسألة يسمونها: آثار الرهن، ومثالها: رجلٌ اشترى أرضاً بمليون، ورهن مزرعة بمليون، فلما جاء وقت السداد، سدّد نصف مليون، وبقي عليه نصف مليون، فقلنا له: هات ما تبقى عليك، فقال: ليس عندي وأنا معسر. فنقول: إن الرهن لا ينفك، ولو أنه سدّد نصف المليون قبل نهاية الأجل بشهر، وطالب بفك نصف الأرض فإنها لا تنفك، بل تبقى كل الأرض رهناً حتى تتم المدة، ويتم السداد على المتفق عليه، لا يظلم ولا يُظلم، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وهذا دين وفي ذمتك وحق واجب عليك، فحينئذٍ تؤديه على الوجه المعروف.

    فإن عجَزتَ عن السداد، فقد أخذت العهد على نفسك أن صاحب الدين يبيع الرهن ويأخذ حقه، فإذا سددت بعض الدين، لم يكن من حقك إخراج الوثيقة كاملة، ولا إخراج ما سُدِّد إلا في حالة واحدة، وهي: أن يكون الرهن متعدداً لديونٍ متعددة، فيقول -مثلاً-: عندي سيارتان، فأعطني عشرة آلاف ريال، خمسة آلاف آخذها اليوم، وخمسة آلاف آخذها غداً، والخمسة آلاف الأولى رهنها هذه السيارة، والخمسة الثانية رهنها هذه السيارة، فأصبحت الخمسة الأولى لها رهن مختص، والثانية لها رهن مختص، فإن سدد الخمسة آلاف كان من حقه أن يفك الرهن عن الأولى، لكن إذا كان المبلغ مع بعضه، والرهن مستوثَق للدين كله، فلا ينفك بسداد بعضه.

    وعلى هذا يُفصّل في الديون: فإذا كان الرهن مجزأ عليه بتجزئته، كان الاستيثاق للحق كلٌّ بحسبه.

    مثاله: أن يقول: أعطني مليوناً وأرهنك هذه الأرض على مائتين وخمسين ألفاً، وأرهنك المزرعة التي في المدينة على مائتين وخمسين ألفاً الثانية، والخمسمائة الباقية أرهن بها العمارة التي في جدة، فحينئذٍ هذه رهون متعددة لديون مفصَّلة، فإن سدد المائتين والخمسين الأولى؛ كان من حقه أن يفك الرهن عن الأرض الأولى، وإن سدّد المائتين والخمسين الثانية؛ كان من حقه أن يفك رهن المزرعة، وإن عجز عن الخمسمائة الباقية بقيت العمارة الأخيرة هي الرهن فقط.

    إذاً: ينفك الرهن إذا كان مجزأً على الدين، أما إذا كان كلاً رأساً برأس، فلا ينفك إلا به كله، فلو بقي منه ولو ريال واحد، فلا يمكن أن يُفك إلا بسداد الدين كاملاً.

    وهذا من عدل الله عز وجل بين عباده، فإن مقاطع الحقوق عند الشروط، وكأنه حينما وضع الرهن اشترط على نفسه أنه إذا لم يسدد فإنه يُباع الرهن ويسدد الحق، قليلاً كان الباقي أو كثيراً.

    1.   

    جواز الزيادة في الرهن مع عدم جوازها في الدين

    قال رحمه الله: [وتجوز الزيادة فيه دون دينه].

    قوله: (وتجوز الزيادة فيه) أي: تجوز الزيادة في الرهن.

    وهنا مسألتان:

    المسألة الأولى: لو وضعت رهناً عند شخص لقاء دين، فهل يجوز أن تزيد رهناً ثانياً في نفس الدين؟ مثلاً: الدين، فأعطيته رهناً أرضاً، ثم جئت فقلت: يا فلان! أنا رهنتك أرضي، وأريد أن أعطيك رهناً مع الأرض هذه السيارة، أو أعطيك مع هذه الأرض أرضاً ثانية، فحينئذٍ تُسمَّى هذه المسألة: مسألة الزيادة على الرهن، ويكون الذي يزيد رهناً ثانياً هو المديون، وهذا غالباً ما يصنعه الإنسان الذي عنده ورع وخوف من الله سبحانه وتعالى، أو إنسان يقدِّر حقوق الناس؛ لأن المفروض على المديون أنه إذا رأى غيره تسامح معه ويسَّر له حاجته أن يحتاط لحقه، ومن كان عنده ورع وخوف من الله عز وجل، فإنه يخاف من الدين، فيخشى أنه لو بقيت عنده هذه الأرض فلربما باعها لمصلحة نفسه، ولربما ماطل، أو تأخر سداده، فيحتاط، أو يخشى أن يموت، فيتساهل أولاده وورثته في سداد الحقوق التي عليه، فيرهن بكامل الحق حتى يستوثق للناس بحقوقهم، فأضاف إلى الأرض أرضاً ثانية، أو أضاف إلى السيارة سيارة ثانية، وسواءً كانت الزيادة من جنس الرهن الأول ونوعه، كأرض مع أرض، أو كانت مختلفة، كأن تكون عقاراً ومنقولاً، كأن يقول له: أرهنك أرضي لقاء المليون، ثم جاء في اليوم الثاني وقال: أُضيف إلى ذلك الرهن سيارةً، فقد أضاف إلى العقار منقولاً.

    إذاً: الرهن الأول من العقارات، والرهن الثاني من المنقولات، فكله جائز.

    وشدد في هذا بعض العلماء وقالوا: الرهن لا يُزاد فيه، والحق مستوثق بالرهن الأول، وهذا قول زفر بن الهذيل ، وهو إمام مجتهد رحمة الله عليه، وقد كان من كبار أصحاب الإمام أبي حنيفة المجتهدين، وكان يرى أنك إن أدخلت الرهن الثاني دخل الشيوع، والشيوع عند الفقهاء يُبطل العقد الأول.

    مثاله: إذا تم العقد الأول على رهن مثلاً بثمانمائة ألف، فقد صار الرهن الأول مستوثقاً بثمانمائة ألف، فلو أَدخل الرهن الثاني أبطل الرهن الأول؛ لأنه دخل في الشيوع، قال: وحينئذٍ لا يصح أن يزيد على الرهن الأول؛ لأن الحق مستوثق به، وقد رضي صاحب الحق بهذا الرهن، فلا تجوز الزيادة.

    والصحيح هو مذهب الجمهور؛ لأن الزيادة الطارئة كالزيادة المبتدئة؛ لأنه كما اتفق العلماء أنه يجوز أن ترهن بأكثر من الدين، كما لو أعطاك ديناً مليوناً، فيجوز أن ترهن أرضاً قيمتها أكثر من مليون؛ فإذا كان يجوز ابتداءً جاز؛ لأن هذا بالتراضي، وما دام أنه رضي أن يُدخِل الرهن الثاني على الرهن الأول، فهذا له ولا بأس بذلك.

    وقوله: (دون دينه) أي: لا يجوز أن يزيد في الدين.

    وتوضيح ذلك: لو باعك رجلٌ أرضاً بمليون على أن تدفع القيمة بعد سنة، فقال لك: أعطني رهناً، فقلت له: أعطيك عمارتي التي في المدينة الفلانية في الموضع الفلاني رهناً لقاء هذا المليون الذي اشتريتُ به الأرض، فلو أراد أن يستدين منه أو يشتري منه سلعة ثانية، وأراد أن يجعل العمارة التي رهنها أولاً رهناً لهذا الدين أو الشراء الثاني، كأن يقول: بعني أرضك الثانية، فقال البائع: الأرض الثانية قيمتها مائة ألف، فقال له: لقد رهنتك العمارة وقيمتها مليون ومائة ألف، فأدخل هذه الزيادة من المال على الدين الأول، ويصبح الدين الأول (المليون) مليوناً ومائة ألف، لقاء هذه العمارة التي قيمتها مليون ومائة ألف، أو قيمتها مليون ومائتا ألف مثلاً، فقالوا: لا يجوز ذلك؛ لأنه إذا تم العقد بالرهن وقُبِض، فمعنى ذلك: أن الرهن قد حُبِس على الدين الأول، وصار مستَحَقاً ومستَوثَقَاً به الدين الأول، ولا يقبل حينئذٍ أن يُصرف إلى الدين الثاني، بخلاف الصورة الأولى، وهي إدخال الرهنين، فإنها ليست كإدخال دين على الرهن، ولو فُتِح هذا لاستضر الناس، وصار هذا وسيلة إلى الأذية والإضرار.

    ومن الأمور التي تقوِّي هذا القول: أنه لو رهنَه عمارةً قيمتها مليوناً، وجاء ليزيد في الدين، فربما نقصت قيمة العمارة، خاصة إذا كان الرهن من العقارات، وكل شيء له قيمة فلا بد أن تتفاوت قيمه، والغالب أنه مع مضي الزمن ينقص لا أن يزيد، فهذا النقصان الأولى أن لا نُدخله على الدين؛ لأن هذا يُدخِل الضرر على صاحب الدين.

    وأياً ما كان الأصل في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، أن هذا الرهن مستَحَق بالدَّين الأول.

    وهذا كله إذا امتنع، أما لو رضي صاحب الدين، وقال: أُلغِي الرهن الأول وأعطيك إياه، ثم تُدخِله رهناً بالدينين؛ صحّ ذلك وجاز.

    فقد فك الرهن الأول، وردّه إلى صاحبه ومالكه الأول الذي هو المدين، ثم عاد ثانية وقال: هذه العمارة لقاء الدينين، فإنه يجوز، وهذا ما يسمى: بالحيلة الشرعية.

    وبهذا يمكن أن تدخل العمارة باليد الثانية، أي: بعقد ثانٍ غير العقد الأول، وتكون رهناً لقاء المليون والمائة ألفٍ، ولا بأس بذلك.

    1.   

    الرهن المشترك وصوره

    قال رحمه الله: [وإن رهن عند اثنين شيئاً فوفى أحدهما، أو رهناه شيئاً فاستوفى من أحدهما؛ انفك في نصيبه].

    قوله: (وإن رهن عند اثنين شيئاً فوفّى أحدهما).

    هذا هو الرهن المشترك، مثاله: أخذتَ من رجل خمسمائة ريال، وأخذت من آخر خمسمائة ريال، وقلت لهما: الألف التي لكما لقاء هذه الدابة، أو رهنت أرضاً، أو رهنت سيارة، فالرهن لقاء دينين، فلو أن هذه السيارة قيمتها مثلاً ألف ريال، والدين ألف ريال، فجئت إلى عبد الله الذي هو صاحب الدين الأول. فسددته قبل انتهاء الأجل، فإذا وقع السداد لحق عبد الله انفك الرهن في نصيبه، وبقي النصف الثاني في نصيب الآخر مرهوناً.

    والرهن إذا كان للطرفين، فلا يجوز أن يكون عند أحدهما دون الآخر.

    ومسألة الشيوع في الرهن: إذا أعطيت رهناً واحداً في دينين لشخصين، لم يكن لأحدهما أن ينفرد بالرهن دون الآخر؛ لأنه مشترك للحقين، وحينئذٍ يحفظانه عند عدل، أو يرضى أحدهما أن يكون الرهن عند الآخر.

    وقوله: (أو رهناه شيئاً فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه).

    مثاله: شخصان يملكان سيارة، واستدانا منك عشرة آلاف ريال، ووضعا السيارة التي قيمتها عشرة آلاف ريال عندك، فحينئذٍ إذا سدّد أحدهما خمسة آلاف ريال، فإنه ينفك الرهن في نصيبه، ويبقى الرهن في النصيب الباقي.

    1.   

    حكم بيع الرهن عند حلول الأجل حال الإذن والامتناع

    قال رحمه الله: [ومتى حل الدين وامتنع من وفائه، فإن كان الراهن أذن للمرتهِن أو العدل في بيعه باعه ووفّى الدين، وإلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن].

    قوله: (ومتى حل الدين وامتنع من وفائه).

    أي: حل الأجل، بمعنى: أن يأتي الوقت الذي تعهّد المديون بسداد الدين فيه، أو تعهّد المشتري بدفع قيمة الشيء الذي اشتراه، فإذا حلّ الأجل، فنقول له: ادفع المال؛ لأنه التزم في ذمته بالعقد بينه وبين صاحب المبيع أن يدفع له القيمة عند حلول الأجل، فلنا الحق إذا انتهى الأجل أن نطالبه بالسداد، فإن قال: ما عندي، أو أنا معسر، فحينئذٍ يجوز للمرتَهَن أن يطالب الراهن ببيع الرهن.

    وهذا مبني على العقد؛ لأن عندنا عقدين: العقد الأول: عقد البيع الذي فيه أساس الدين، أو عقد القرض الذي بينهما، فهذا اشترى منه أرضاً -كما ذكرنا- بمليون على أن يسدده في نهاية السنة القادمة، فإذا انتهت السنة القادمة، قلنا له: سدِّد، فإذا قال: لا أستطيع، أو قال: هذه نصف القيمة ولا أستطيع أن أسدِّد الباقي -وينبغي أن يُعلم إن كان صاحب الدين سمحاً رضيّاً، فقال له: رضيت أن أنتظر شهراً أو شهرين، وأعطاه مهلة، فهذا الأمر بالتراضي، ونحن لا نتكلّم فيه، إنما نتكلم عن الحقوق المطالب بها- فإذا تم الأجل ولم يؤد الدين كما وعد، فننتقل إلى عقد الرهن، في هذه الحالة يصير الرهن كأنه وثيقة، يقول العلماء: إنه استيثاق، أي: استوثق صاحب الدين لدينه بالعين، فالعمارة التي رهنها عندك وثيقة لقاء هذا الدين، بمعنى أنه إذا عجز عن السداد تبيعها وتتحصَّل مالك عليه، سواءً كل الدين أو بعض الدين.

    أما إذا كان هناك عدل الذي هو الطرف الثالث، والعدل: شخص ينصِّبه صاحب الدين والمديون، كأن يقول مثلاً: أعطني مليوناً، فيقول: أعطيكها لكن بشرط أن تعطيني رهناً، فقال: أرهن عندك عمارتي، ولكن أريد أن تكون عند زيد، فقال صاحب الدين: وأنا أرضى زيداً.

    إذاً: عندنا قرض: وهو المليون على الشخص المديون، وعندنا رهن: وهو العمارة عند زيد، فزيد هذا يُسمَّى: العدل، والعدل: هو الشخص المرضي، فيقولون: عدل؛ لأنه مَرضِي من الطرفين -حتى ولو لم يكن من العدول- من صاحب الدين ومن المديون، فلمّا رضيا زيداً ووُضِعت العمارة عند زيد، فجاء الأجل وهو نهاية السنة، فنقول: يا فلان! سدِّد، فقال: لا أستطيع، فهناك عدة أحوال:

    الحالة الأولى: أن يقول صاحب العمارة لزيد: خذ عمارتي رهناً في دين عبد الله الذي عليّ، فإن لم أُسدِّد في الوقت فبِعها وأعطه حقّه، فهذا يُسمى: إذن الراهن، فإن أذن الراهن للعدل أن يبيع فيقوم العدل مباشرةً عند ثبوت العجز ببيع العمارة، وسداد الدين كلِّه أو ما تبقّى من الدين، وهذا إذا كان العدل قد أذن له الراهن، لكن لو لم يأذن الراهن وامتنع من السداد، فبعض العلماء يقول: من حق صاحب الدين أن يرفعه إلى القاضي، ويطالبه إما بالسداد، وإما أن القاضي يأمر العدل أن يبيع.

    وقال جمهور العلماء: لا يؤذيه ولا يضره، وإنما يستدعيه القاضي، ويقول له: أده حقّه، فإن قال: ما عندي، قال: إذاً تُباع العمارة عليك ويُسدَد الدين، فإن قال للقاضي: لا أرضى؛ فجمهور العلماء على أنه يُترك ويقضي القاضي بالبيع الجبري، والبيع الجبري: هو أن تباع العمارة بدون إذنه ورضاه؛ لأن الحق متعلِّق بها، والقضاة والحكام إنّما نُصِّبوا من أجل رد الحقوق للناس.

    فإذا كان هذا يظلم هذا، فهم يقومون بردع الظالم عن ظلمه؛ لأنه من الظلم أن يقول: لا أسدد ولا تُباع العمارة، فحينئذٍ يفرض القاضي على العدل أن يبيع، هذا هو قول الجمهور.

    القول الثاني: إذا طلبه القاضي وقال له: بِع، فقال: لن أبيع، فقال له: ائذن للمرتهِن أن يبيع الرهن، فقال: لا آذن، حينئذٍ يأخذه ويعزِّره، وله الحق أن يسجنه، وأن يمنع الناس عنه حتى يأذن بالبيع، أي: يفرض عليه ذلك بالقهر والقوة.

    ومذهب الجمهور أقوى، أنه إذا لم يأذن فعلى القاضي مباشرة أن يُصدر حكماً بالبيع الذي يُسمَّى: البيع الجبري، وحينئذٍ تُباع السلعة؛ لأن هناك اتفاقاً مسبقاً، والحق متعلِّق بها، فتُباع كما تباع سلع المفلس، ومن حق القاضي أن يبيعها، وعلى هذا فكما ذكر المصنف رحمه الله يُباع الرهن ويُسدَّد به ما بقي من الدين، أو يسدد به كل الدين إن لم يكن دفع منه شيئاً.

    وقوله: (فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل في بيعه باعه ووفّى الدين)، أي: إذا قال الراهن: يا محمد! إذا جاء أول محرم ولم أسدِّدك فالعمارة بين يديك بعها وخذ حقّك، وإن بقي عليَّ شيء أكمِّله، وإن لم يبق شيء فالحمد لله حقُّك وصل إليك، وإن زاد شيء فردَّه إليَّ. فهذا إذن مسبق، سواءً أَذِن عند عقد الرهن، أو أَذِن أثناء المدة، أو أذِن عند انتهاء الأجل، فإذا أَذِن فلا إشكال، سواءً أَذِن للمرتَهَن أو أذِنَ للعدل، فالحكم واحد.

    وقوله: (وإلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن)، يعني: على القاضي أن يجبر المديون على وفائه، ويقول له: سدِّد، فإن لم يسدد، فحينئذٍ يقوم ببيعه بالبيع الجبري كما ذكرنا.

    جواز بيع الحاكم للرهن عن امتناع الراهن عند التسديد والبيع

    قال رحمه الله: [فإن لم يفعل باعه الحاكم ووفَّى دينه].

    أي: باعه الحاكم بيعاً جبرياً، وهذا النوع من البيع هو الذي يقول العلماء: يجوز مع فقد شرط التراضي؛ لأن الله يقول: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، والبيع لا يصح إلا بالرضا، لكن في هذه الحالة رضا المالك وعدمه على حدٍ سواء؛ لأنه متعلِّق به حقٌ للغير، فحينئذٍ يُستوفى هذا الحق؛ لأن هناك شرطاً وعقداً بينهما، ولا بد من إبراء ذمَّته على هذا الوجه.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الانتفاع بالرهن

    السؤال: إذا انتفع المرتهِن بالرهن، ألا يشكل عليه بأنه قرضٌ جرّ نفعاً أثابكم الله؟

    الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

    فإنه ينقسم الحق إلى قسمين: فإما أن يكون الرهن لقاء حق بالقروض، فحينئذٍ يُعتبر قرضاً جر نفعاً، وعلى هذا كره الإمام أحمد رحمه الله رهن الدور، واعتبره من الربا المحض، خاصة إذا اشترط عليه أن ينتفع به فإنه يعتبر قرضاً جر نفعاً.

    وإما أن ينتفع بالرهن لقاء القيام عليه، كما في الدواب التي تُحلب وتُركب، فهذا وردت السنة باستثنائه، قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: (الرهن يُركب بنفقته، ولبن الدر يُشرب بنفقته إذا كان مرهوناً)، فهذا يدل دلالة واضحة على أنه يجوز، وذلك مثل الناقة تحتاج إلى علَف، فتعلِفها ثم تأخذ بقدر ما علفت، فلو كان العلف قيمته مثلاً ثلاثين، تأخذ من حليبها وتركب عليها بقيمة الثلاثين، ولا تزيد على هذا، وهذا عين العدل؛ لأنه قديماً حينما كانت الدواب تُركَب وتُحلب، من الصعب أنك إذا وضعتها رهناً أن تأتي من مكان بعيد من أجل أن تضع العلف لها وتحلبها، فيسَّر الله عز وجل وجعل الرهن هذا يُحلب ويُركب بالنفقة التي يدفعها المرتَهن عليه، أما ما عدا ذلك فلا يجوز.

    ومن هنا أجمع العلماء رحمهم الله على أنه لا يجوز للمرتهِن أن ينتفع بالرهن بدون إذن من ارتهنه إلا إذا كان بعِوض، كأن يقول له: هذه الدار أجعلُها رهناً عندك، فقال له: أريد أن أسكنها، فبكم تؤجرني إياها؟ قال: بكذا وكذا، فأجّرها، فإن استأجرها انتقلت وخرجت عن يد الرهن إلى الإجارة، وهذا إن شاء الله سنفصل أحكامه في الفصل الثاني في مسألة منافع الرهن، سواءً كانت بعوض أو كانت بغير عوض، وسواءً كانت المرهون من جنس ما يُحلب ويركب، أو يركب ولا يُحلب، أو يحلب ولا يركب، أو لا يُركب ولا يُحلب كالدور ونحوها، هذا كله -إن شاء الله- سيكون الكلام عليه في المجلس القادم، نسأل الله التيسير. والله تعالى أعلم.

    حكم التصرف في الأمانات

    السؤال: مَن وُضِعت عنده أمانة فتعدّى، هل يأثم بذلك مع العلم بأنه قادر على أن ينقد المبلغ إذا طالب به صاحبه أثابكم الله؟

    الجواب: الأمانة أمرُها عظيم، وخطبها جسيم، يفر منها الصالحون، ولا يحفظها إلا الأخيار المتّقون، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في الصحيحين: (فإذا ضُرِب الصراط على متن جهنم قامت الأمانة والرحم على جنبتي الصراط).

    فقد يمكن أن يُكردس العبد في نار جهنم بأمانة خانها، أو برحمٍ قطعها، ولذلك بعض العلماء لما قرأ هذا الحديث قال: أخاف على المسلم من خيانة الأمانات وقطع الأرحام، ويقول: ما أظنه ينجو من الصراط؛ لأنه قال: (قامت الأمانة والرحم على جنبتي الصراط، وإنها تتمثل لصاحبها يوم القيامة، فإذا جاء يأخذها هوت به في نار جهنم، فلا يزال يطلبها على قدر ما ضيّع من حقوقها)، فالأمانة أمرُها عظيم، فإذا اؤتُمِنت على شيءٍ فانظر رحمك الله! إن قدرت على أن تحفظه وتقوم عليه وتصونه فالحمد لله، وأنت مأجورٌ غير مأزور، خاصة إذا كان أخوك محتاجاً إلى حفظك ورعايتك، تفرِّج كربته، وتُحسن إليه، والله يثيبك على هذا، أما إذا علمت أن نفسك ضعيفة، فإياك إياك! خاصة في الأمانات التي تكون للضعفاء والفقراء، مثل: أموال الزكوات، والتبرعات، فإن هذه أمرها عظيم؛ لأنهم سيكونون خصومك بين يدي الله عز وجل، في توزيعها والقيام عليها، فلا تتقحّم هذا الشيء إلا وأنت متمكِّن من أداء الحق على وجهه، فكما أن في هذا العمل الثواب العظيم والأجر الكبير، ففي التفريط فيه الإثم الكبير.

    والإنسان الذي يحتاط لدينه إذا جاء لأمانة في الزكوات فيكتب أسماء المستحقين، ويأتي إلى المزكي ويقول: عندي ثلاث أسر.. أربع أسر.. خمس أسر؛ لأنه سيتحمل بين يدي الله عز وجل في عدم صرفها، كأن يُبقيها عنده، فربما تأخر في صرفها وجاءت دواخل النفس، وليس هناك فتنة مثل المال والنساء، فهاتان الفتنتان من أعظم الفتن.

    فإذا اؤتمِنت على المال، فليكن على قدر ما تستطيع، فالنفس أمارة بالسوء، فلا تتحمل أمانة أحد من الأموال؛ لأن النفس ضعيفة، وعلى هذا ينبغي للمسلم أن لا يدخل نفسه في مقام الأمانات إلا إذا وثِق من نفسه، فإذا وضع شخص عندك أمانة كالمال مثلاً، فعليك أن تقول له -إن كنت محتاجاً-: أنا أحتاج هذا المال، ولا أريد أن أخون، ولا أريد أن أضيِّع، ولا أريد أن أبدِّل أمانتي، إنما أريد أن أكون من أهل الجنة، وممن غفر الله لهم، فكانوا لأماناتهم حافظين، فإن قال: قد أذنت لك أن تتصرّف فيها، فلا بأس، أما إذا قال لك: لا آذن، فحينئذٍ تحفظها يرحمك الله! أو تردّها إليه.

    وعلى هذا فلا يجوز التصرُّف في الأمانات إلا بإذن أهلها، والله تعالى أعلم.

    جواز الإقالة في البيع للبائع والمشتري

    السؤال: هل للبائع بعد بيع السلعة أن يتراجع ويطلب من المشتري أن يقيله، أم أن الإقالة خاصة بالمشتري أثابكم الله؟

    الجواب: يجوز ذلك للبائع وللمشتري، إذا ندِم وطلَب الإقالة فإنه يجوز له أن يستقيل، ومن أقال نادماً فله من الله الثواب، وحسن العاقبة والمآب، فمن فرّج عن مسلمٍ كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، وشتان بين كربة الدنيا وكربة الآخرة، فإذا جاءك أخوك وقال لك: قد بعتك، ولكني نادم على هذا البيع، فقد يستضر في أهله، وقد يستضر في عِرضه، فبدل أن يكون ساكناً في عمارته فيذهب ويستأجر، فيخاف على عِرضه، ويخاف على أهله، فهذه كربة عظيمة، خاصة وأن بعض البيوعات تتعلق بها مصالح عظيمة للناس، فإذا جاءك البائع نادماً، فإن أقلته فإن الله عز وجل يثيبك على هذا، وهو من تفريج الكربة، وقدِّم آخرتك على دنياك، فإن الشيطان حريص، فقد يقول لك: هذه العمارة وهذا الثمن والربح الكثير كيف تفرِّط فيها؟! وقد يأتيك من شياطين الإنس من يسوِّل لك، كأن يقول: إنه من الخطأ أن تغفر له أو تعفو عنه، وآخر يقول لك: هذا يتلاعب بك، وثالث يقول لك: أنت ضعيف، وآخر يقول لك: أنت تضيع حقك، أنت تضيع الربح.. أنت كذا.. أنت كذا، ومنهم من يقول لك: إن استمريت على هذا فلن تربح في تجارة.. وهكذا، ويخذلك شياطين الإنس والجن، ولكن قل: لا، واستعن بالله، فلعل في هذه العمارة بلاءً يصرفه الله عنك بتفريج كربة أخيك المسلم.

    فلا أحد يعلم العواقب في الأمور، وقل أن يأتيك مسلم في كربة إلا وادّخر الله لك من وراء تفريجها خيراً كثيراً، وهذا ضعه أمامك كالأمر اليقيني، أنك لن ترحم مسلماً إلا رحمك الله، ولن تُقدِم على أمر فيه خيرٌ لإخوانك، وتضحِّي وتؤثره على نفسك إلا جعل الله لك العاقبة كأحسن ما تظن، وفوق ما تظن، وهذا أمر مجرّب، ونشهد لله أنه أوفى ما يكون لعهده، فإن الله قد وعد من رحِم أن يُرحم، فأنت عندما تأتي وترحمه في المال، قد تقع في مثل ما وقع فيه، وإذا لم تُقَل فيها ربما أُصِبْت بمرض في نفسك، وربما أُصِبت بنكبة في أهلك، ولكن الله سبحانه وتعالى يلطف بك ويرحمك كما رحمت أخاك المسلم.

    فعلى المسلم أن يحسن إلى إخوانه، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.

    وبالمناسبة، في ذات مرة حدثني رجل كبير السن: أنه مرّ على غلام يُجر في السوق -وهذا قبل ثمانين سنة تقريباً، وقد توفي الرجل رحمه الله، وحدثني في آخر عمره وهو في الثمانينات- قال: فسألت الذي يجره: ما به؟ فقال: هذا رجل عليه دين يقدر بريال، والغلام قريب من البلوغ، قال: فأخرجت من جيبي ريالاً ودفعته إليه، واحتسبته عند الله، فصاح هذا الغلام: ما اسمك؟ قال: فقلت له: فلان، ولا أظن أني في يوم من الأيام سأحتاج إليه، قال: فمرت الأيام، وشاء الله أن خرج في تجارته عن طريق بلد، ثم اعتُدي على تجارته، وهو معها وفي ركبها، ثم أراد الله عز وجل أنه يهيم على وجهه في البر في ليلة شديدة البرد، -يحدثني بلسانه- يقول: فكنت في ليلة شديدة البرد، فأصبحت أخاف حتى على نفسي من شدة ما أجد من البرد، فإذا أنا بنار، قال: فلما قربت منها ولفحني الضوء، إذا بصائح يقول: عمي أحمد! فلما ذكرت له نكبتي، أحسن إليَّ، وقام معي وأكرمني، ورعى شئوني وتجارتي وحفظها، وردني إلى المدينة سالماً غانماً، ثم قال لي: هل تذكرني؟ فقلت: والله ما أذكرك، فقال: أنا الغلام الذي دفعت عني الريال يوم كذا وكذا.

    إذاً: فأنت لن تفرج كربة أحد إلا سخر الله لك من يفرج كربتك، أو جعل لك عاجل الدنيا وآجل الآخرة، فيحتسب المؤمن، فإذا جاءك البائع نادماً على بيعه، أو المشتري نادماً على شرائه، فقدِّم آخرتك، والله يبتلي أهل الأموال والتجارات بمثل هذه المواقف، والله تعالى ما خلقنا إلا للاختبار وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31].

    فكيف يُعرَف الصادق من الكاذب؟! وكيف يُعرف الرحيم من غير الرحيم؟! إلا بمثل هذه المواقف، فإذا جاءك أخوك نادماً عن كلمة قالها فيك، أو تصرُّف أساء إليك، فقل: غفر الله لي ولك.

    فمثل هذه المواقف الطيبة، ومثل هذه المعاملة الحسنة، وكما أحسنت إلى الناس، فإن الله عز وجل يحسن إليك، والله تعالى يقول: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77].

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007958903

    عدد مرات الحفظ

    720455820