إسلام ويب

شرح كتاب الإبانة - الإيمان خوف ورجاءللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان خوف ورجاء، والخوف والرجاء بمثابة الجناحين للسائر إلى الله عز وجل، فلا يصح أن يعبد الله بالخوف فحسب؛ لأنه يؤدي إلى القنوط واليأس من رحمة الله عز وجل، كما لا يصح أن يعبد بالرجاء فحسب؛ لأنه يؤدي إلى الاتكال وترك العمل.

    1.   

    باب الإيمان خوف ورجاء

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    فمع باب جديد من أبواب الإيمان، وهو باب: الجمع بين الخوف والرجاء، إذ إن الخوف والرجاء بمثابة الجناحين للسائر إلى الله عز وجل، بل لا يصح للمؤمن أن يعبد الله تعالى بالخوف فحسب، كما أنه لا يصح منه أن يعبد الله تعالى بالرجاء فحسب.

    فالخوف من الله بغير رجاء يؤدي إلى اليأس من رحمة الله عز وجل، كما أن الرجاء دون الخوف من الله يؤدي إلى التفريط والتقصير في جنب الله عز وجل.

    ولذا عقد الإمام هنا باباً في أن الإيمان خوف ورجاء، إذ إن الخوف من شعب الإيمان، كما أن الرجاء من شعب الإيمان، فلا يستكمل إيمان العبد إلا بالخوف والرجاء معاً.

    الآيات القرآنية الدالة على أن الإيمان خوف ورجاء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتخوف العقلاء من المؤمنين على أنفسهم سلب الإيمان]. أي: هكذا أهل الإيمان يتخوفون على أنفسهم من أن يسلبوا الإيمان.

    قال: [وخوفهم النفاق على من أمن ذلك على نفسه]. أي: خافوا أن يكون الذي أمن مكر الله عز وجل، وأمن عذاب الله عز وجل، أن يؤدي به ذلك إلى النفاق.

    قال: [وبذلك نزل القرآن وجاءت به السنة النبوية المطهرة، قال الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57]]، (يرجون رحمته) يمثل جانب الرجاء، (ويخافون عذابه) يمثل جانب الخوف، ومحل ذلك كله إنما ظهر في أنهم يدعون ربهم، ولذلك قال الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57]، ولهذا فالسنة شاهد فيما أخرجه الترمذي من حديث أنس بن مالك أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله عز وجل في الحديث القدسي: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني قبلتك على ما كان منك ولا أبالي).

    قال العلماء: الدعاء بسبب الخوف، وهذا النص في الحديث شمل الخوف والرجاء، (إنك ما دعوتني ورجوتني قبلتك على ما كان منك ولا أبالي)؛ لأن الله عز وجل إليه عاقبة الأمور فلا يحاسبه أحد، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].

    [وقال الله عز وجل: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة:16]]، أي: خوفاً من عذابه ومن ناره وعقابه، وطعماً في جنته ومغفرته ورضوانه.

    [وقال الله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ [الزمر:9]]، وهذا الخوف، والرجاء: [وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9]]، فهذه الآيات وغيرها كثير جداً إنما تحمل هذين الجناحين: الخوف والرجاء معاً، كما أن أحاديث كثيرة ذكرت الخوف فقط، أو ذكرت الرجاء فقط، فالذي يقف على آيات وأحاديث الخوف دون أن يقف على آيات وأحاديث الرجاء، ربما هلك من فرط خوفه وفزعه من عذاب الله عز وجل، والذي يقف على آيات وأحاديث الرجاء فقط، ربما اتكل على رحمة الله عز وجل فترك الصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر الطاعات، ووقع في سائر المحرمات اتكالاً على رحمة الله عز وجل، فلا هذا قد حقق الإيمان، ولا ذاك قد حقق الإيمان، وإنما يحقق الإيمان من حقق الخوف والرجاء معاً، وإنما يحقق الرجاء من حقق الخوف، ويحقق الخوف من حقق الرجاء، أما إذا اقتصر على أحدهما فليس بمؤمن على الحقيقة.

    ذكر بعض الأحاديث في أن الإيمان خوف ورجاء

    قال: [وعن أنس بن مالك قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على شاب وهو في مرض الموت فقال: كيف تجدك؟]، أي: ما هي أخبارك؟ [قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي)]، (أرجو الله) جانب الرجاء، (وأخاف ذنوبي) جانب الخوف، وحتى في هذا الموطن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)، وقال الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)، وفي رواية: (فلا يظن بي إلا خيراً)؛ لأن الله تعالى عند حسن ظن العبد، قال: [(فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال عليه الصلاة والسلام: لا يجتمع هذا في قلب عبد في مثل هذا الموطن)]،أي: موطن القدوم على الله عز وجل، وترك الدنيا والإقبال على الآخرة، [(إلا أعطاه الله الذي يرجو وأمنه الذي يخاف)؛ لأنه حقق جانبي الإيمان: الخوف والرجاء.

    1.   

    آثار في خوف السلف من ذهاب إيمانهم وخوفهم النفاق على من أمن ذلك على نفسه

    قال: [وعن أبي إدريس الخولاني قال: ما على ظهرها من بشر لا يخاف على إيمانه إلا ذهب]. وكأنه أراد أن يقول: ليس من أحد إلا ويجب عليه أن يحذر فوات إيمانه، وأن من أمن فوات الإيمان فلا بد أن يفوته حقيقة، إذ المرء إنما يعمل على تحصيل الإيمان وزيادته وكماله وتمامه، أما من أهمل إيمانه فهو كمن أهمل في زرعه أو في صناعته أو حرفته، فلا بد أنها إلى زوال، والإيمان من باب أولى.

    إذ إن الإيمان كالشجرة التي تنبت في القلب، والمعلوم أن الشجرة ما لم تحطها برعاية ولطف لا بد أنها إلى زوال، وكذلك الإيمان ينبغي أن يراعيه صاحبه في قلبه.

    قال: [وعن الحسن البصري قال: والله ما مضى من مضى، ولا بقي من بقي إلا يخاف النفاق].

    حتى المبشرون بالجنة كانوا يخافون على أنفسهم من النفاق، فهذا عمر رضي الله عنه المبشر بالجنة يلقى حذيفة ، وهو يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أخبر حذيفة بأعلام وأعيان وأسماء المنافقين، فيقول له: أنشدك الله يا حذيفة ! أعدني رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين؟! عمر يخاف على نفسه من النفاق، فمن باب أولى أن يخاف أحدنا من ذلك، أو أن يقف الواحد منا مع نفسه وقفة جادة لمعرفة ما إذا كان منافقاً أو فيه شعبة أو خصلة من خصال النفاق، فيراجع نفسه ويتخلص منها، ويعمل على كمال وتمام وزيادة الإيمان في قلبه بإتيان الطاعات واجتناب المنهيات.

    فقال حذيفة لـعمر رضي الله عنهما: لا يا عمر ! ولا أزكي أحداً بعدك، أي: لم يذكرك النبي عليه الصلاة والسلام في المنافقين، ولكني أرجوك ألا تفتح هذا الباب حتى لا يسألني أحد غيرك فيكون منهم، فاضطر اضطراراً إلى إخباره بأنه من المنافقين، فتكون الفتنة بعد ذلك بيني وبين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: [وما أمنه إلا منافق]. أي: ما أمن النفاق على إيمانه إلا إنسان قد استهتر بهذا الإيمان.

    وقد ورد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله. وهذا يدل على وجود الإيمان من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو كذلك حقاً، ولذلك قال غير واحد: ما سبق أبو بكر الأمة بكثير صلاة ولا صيام، وإنما سبقها بشيء وقر في قلبه، ألا وهو الإيمان.

    قال: [وقال طريف بن شهاب : قلت للحسن البصري : إن أقواماً يزعمون ألا نفاق]، أي: أنه ليس هناك شيء اسمه نفاق، قال: [ولا يخافون النفاق! قال الحسن : والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهباً]. أي: يرد عليه فيثبت النفاق، بدليل أن الحسن يتمنى لو أنه أخبر أنه ليس فيه شعبة من النفاق، وأن ذلك أحب إليه من أن تنبت الأرض ذهباً، فيقول الحسن: فيشتري الخبر بطلاع الأرض كلها ذهباً، على أن يخبر أنه ليس من المنافقين، أو أنه ليس على شعبة من النفاق.

    قال: [وعن الحارث بن معاوية قال: إني لجالس في حلقة وفيها أبو الدرداء وهو يومئذ يحذرنا الدجال]. وكما تعلمون أن الدجال أعظم فتنة إلى قيام الساعة، وما من نبي إلا حذر أمته الدجال ، فـأبو الدرداء رضي الله عنه في حلقته يحذر الأمة الدجال .

    قال: [فقال له الحارث بن معاوية : والله لغير الدجال أخوف على نفسي من الدجال]، أي: أنا أخاف على نفسي شيئاً هو أعظم من الدجال.

    [فقال أبو الدرداء : وما الذي أخوف في نفسك من الدجال ؟ قلت: إني أخاف أن يسلب مني إيماني ولا أدري]. أي: أخاف أن يذهب إيماني دون أن أدري.

    [قال: لله أمك يا ابن الكندية!] أي: كأنك أتيت بشيء عظيم حقاً، وجدير بالاهتمام، فقال: [لله أمك يا ابن الكندية! أترى في الناس مائة يتخوفون مثل ما تتخوف؟ لله أمك يا ابن الكندية! أترى في الناس خمسين يتخوفون مثل الذي تتخوف؟ لله أمك يا ابن الكندية! أترى في الناس عشرة يتخوفون مثل ما تتخوف؟ لله أمك يا ابن الكندية! أترى في الناس ثلاثة يتخوفون ما تتخوف؟ والله ما أمن رجل قط أن يسلب إيمانه إلا سلبه، وما سلبه فوجد فقده]. أي: إذا سلب الإيمان فإنه يصعب جداً أن يعود إلى صاحبه مرة أخرى، وكأن أبا الدرداء أقر الحارث بن معاوية على أن رعاية الإيمان أعظم بكثير جداً من الانشغال بفتنة المسيح الدجال .

    قال: [وعن أم الدرداء قالت: كان أبو الدرداء كثيراً ما يقول: إذا هلك الرجل على الحال الصالحة هنيئاً له، ليت أني بدله]! أي: إذا مات المرء على حال صالحة مرضية فهنيئاً له.

    [فقالت أم الدرداء -وهي امرأة أبي الدرداء -: يا أبا الدرداء كثيراً مما تقول تعني هذا]، أي: كثيراً ما تقول هذا الكلام فماذا تعنى به؟ [فقال: وما علمت يا حمقاء أن الرجل يصبح مؤمناً ويمسي كافراً؟]، أي: أما قد بلغك النصوص التي تقول: (يصبح المرء مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي كافراً ويصبح مؤمناً

    وهذا يدل على أن المرء متقلب في إيمانه وكفره ونفاقه وفسقه وغير ذلك، فلأن يموت المرء على حال صالحة حسنة أحب إلي من الحياة والبقاء.

    [قالت: وكيف ذلك؟ قال: سلب إيمانه وهو لا يشعر، لأنا لهذا بالموت أغبط مني بالبقاء في الصوم والصلاة]. أي: لو أني مت على حال حسنة وإيمانية يطمئن بها المرء، ويلقى بها ربه عز وجل، خير وأحبُّ إليَّ من أن أحيا مصلياً أو صائماً؛ لأنه على كل حال حياة، وإن كان يحيا بالطاعة لكنه لا يدري إلى ماذا يتقلب؟

    قال: [وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه كان يقول: اللهم تقبل مني صوم يوم، اللهم تقبل مني صلاة، اللهم تقبل مني حسنة].

    وهكذا كان يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لو علمت أن الله تعالى تقبل مني ركعتين لاستراح قلبي، فقيل له: كيف ذلك؟ قال: ألم تسمعوا قول الله عز وجل: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]، فلو أنه علم أو أيقن أن الله تقبل منه الطاعة لكان هناك بصيص من الأمل أنه من أهل اليقين أو من أهل التقوى الذين يتقبل الله عز وجل منهم.

    1.   

    ذكر الآثار عن السلف في الخوف والرجاء

    أثر أبي بكر الصديق: (والله لو قيل: لا يدخل الجنة ...)

    وهذا الباب يكمله بعض النصوص التي سبقت هذا التبويب مباشرة.

    قال: [وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: والله لو قيل لا يدخل الجنة إلا رجل واحد لرجوت أن أكون أنا هو]. في هذا الموقف الرهيب يحقق جانب الرجاء، قال: [ولو قيل: لا يدخل النار إلا رجل واحد لخفت أن أكون أنا هو]. أيضاً في هذا الموقف الرهيب يحقق جانب الخوف، وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

    أثر عون بن عبد الله: (قال لقمان لابنه: (يا بني أرج الله)

    قال: [وعن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يا بني ارج الله رجاءً لا تأمن فيه مكره]. أي: أرجه؛ لكن لا تأمنه أن يمكر بك، إذ إن الله عز وجل يمكر بالعبد إذا رجاه بغير عمل، لكن إن حقق العمل أولاً ثم رجا الله تعالى كان رجاؤه رجاءً شرعياً صحيحاً، فرجاء بغير عمل إنما هو تمن، أما عمل يعقبه رجاء فهو الرجاء الشرعي الممدوح عند أهل السنة.

    قال: [يا بني ارج الله رجاءً لا تأمن فيه مكره، وخف الله خوفاً لا تيأس فيه من رحمته]. أي: لا بد أن يحقق العبد جانب الرجاء، لكن رجاءً لا يعطله عن العمل، كما أنه يجب عليه أن يخاف الله تعالى، لكن خوفاً منضبطاً بضوابط الشرع لا يؤدي به إلى اليأس والقنوط من رحمة الله عز وجل، فالأول شكر، والثاني كفر.

    [فقال ابن لقمان لوالده: كيف أستطيع ذلك يا أبت! وإنما لي قلب واحد؟ قال: يا بني! إن المؤمن هكذا له قلبان: قلب يرجو به، وقلب يخاف به]. وهو في الحقيقة قلب واحد، لكنه يقوم بالوظيفتين: وظيفة الرجاء، ووظيفة الخوف.

    أثر بكر المزني: (لو انتهيت إلى هذا المسجد ...)

    قال: [وعن بكر بن عبد الله المزني قال: لو انتهيت إلى هذا المسجد وهو غاص بأهله مفعم من الرجال]، أي: قد امتلأ بالرجال، [فقيل لي: أي هؤلاء خير؟ لقلت لسائلي: أتعرف أنصحهم لهم؟ فإن عرفه عرفت أنه خيرهم، ولو انتهيت إلى هذا المسجد وهو غاص بأهله، مفعم من الرجال، فقيل لي: أي هؤلاء شر؟ لقلت لسائلي: أتعرف أغشهم لهم؟ فإن عرفه عرفت أنه شرهم، وما كنت لأشهد على خيرهم أنه مؤمن مستكمل الإيمان، ولو شهدت له بذلك شهدت أنه في الجنة، وما كنت لأشهد على شرهم أنه منافق بريء من الإيمان، ولو شهدت عليه بذلك شهدت أنه في النار]، ثم قال: وهذا الموقف الثاني: [ولكني أخاف على خيرهم، فكم عسى خوفي على شرهم، فإذا رجوت لشرهم فكم رجائي لخيرهم؛ هكذا السنة]!

    فهذا الإمام يقعد قاعدة إيمانية عظيمة جداً كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، هذه القاعدة هي: أن أهل السنة لا يشهدون لأحد بالجنة إلا من شهد له القرآن والسنة بذلك، كـأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من الصحابة الكرام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد شهد لهؤلاء جميعاً بالجنة، فلا أتوقف أنا قط في دخول هؤلاء الجنة، ولو شهد القرآن والسنة بأن فلاناً في النار فلا أتوقف في اعتقادي أن فلاناً في النار، مثال ذلك: أبو طالب في النار، مع أنه عم النبي عليه الصلاة والسلام، وعبد المطلب في النار، وأبو لهب في النار؛ لأن القرآن والسنة قد شهدا بأن هؤلاء في النار، والنبي عليه الصلاة والسلام قد أخبر عن بعض من كان يجاهد معه أنه في النار بسبب بعض المعاصي التي وقع فيها وارتكبها، فأشهد أنه دخل النار لكنه لا يخلد فيها؛ لأن المؤمن أو المسلم العاصي إنما يدخل النار فيأخذ جزاءه أو يعفو الله عز وجل عنه، بخلاف المنافق فإنه في الدرك الأسفل من النار، ونحن نعتقد أن هذه الثلة المنافقة الذين كانوا في زمن النبوة خمسة عشر أو ستة عشر رجلاً كانوا من المنافقين، وهم في الدرك الأسفل من النار، وقد عدهم الإمام مسلم عدداً مجملاً ستة عشر شخصاً، وهؤلاء هم رءوس النفاق في زمانه عليه الصلاة والسلام.

    لكن يبقى بعد ذلك أنني أرى أن هذا الرجل من أهل الصلاح؛ فهل ذلك يستوجب له القطع بالجنة؟ ولذلك أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يحل لنا أن نزكي على الله أحداً، لكن نقول: فلان نحسبه على الخير والله حسيبه، أي: إلى الله تعالى سره، فظاهره يحتمل الصلاح، وأعماله أعمال الخائفين، لكن هل هو محق في هذا؟ والأعمال القلبية كما قال عليه الصلاة والسلام: (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، والعكس بالعكس، ففيما يبدو لي أن فلاناً من أهل الصلاح، لكن هل هو كذلك عند الله؟ أنا أرجو ذلك، ولا أقطع بهذا؛ لأني لو قطعت بأنه من الصالحين فلا بد أن أقطع له بالجنة؛ لأنه صالح، والجنة يدخلها الصالحون، فأقول: هو صالح، لكن الله حسيبه، وأما إن كان فاسداً فهل يحكم له بالفساد، وبالتالي يحكم له بالنار؟ لا أدري، فأنا أخاف عليه ذلك، ومعتقد أهل السنة والجماعة أنهم لا يزكون على الله عز وجل أحداً، وإنما يرجون الثواب للطائع ويخافون على العاصي، يرجون رحمة الله عز وجل للطائع، ويخافون على العاصي، أقول لك: يخافون على العاصي، ولا يتهمونه ولا يسبونه ولا يدعون عليه، وإنما يخافون عليه العذاب، ويتمنون لو أنه انتقل من حال الفساد إلى حال الصلاح والطاعة، أما الحكم له بجنة أو نار فهذا ليس لأحد.

    ولذلك لما رأى أحد الصالحين رجلاً من أصحاب المعاصي على معصية فقال: والله لا يغفر الله لفلان، غضب الله تعالى من هذا القول غضباً شديداً وقال: (من ذا الذي يتألى عليَّ؟)، والتألي هو: الحلف والقسم، أي: من ذا الذي يحلف على الله أنه لا يغفر لفلان؟ وقال الله تعالى: (أشهدكم أني قد غفرت لفلان وأحبطت عمله)، أي: أن الله تعالى غفر لهذا المذنب، وأحبط عمل هذا الصالح؛ لأنه خالف منهج أهل السنة والجماعة في أنهم يتمنون الرأفة بالصالح، ويخافون على العاصي، ولا يقطعون عليه بحكم؛ لأن هذا القطع ليس لأحد إلا لله عز وجل، فمن باب التألي على الله عز وجل أن يقال: إن فلاناً من أهل النار، وإن فلاناً من أهل الجنة، كما أن منهج أهل السنة والجماعة أنهم لا يقطعون لأحد بعينه بمثل هذا، وإنما يرجون أن يكون شهيداً، وهذا لا يمنع إطلاق الشهادة العامة لا الخاصة، فنقول: شهداء بدر، شهداء أحد، شهداء الثورة؛ لأنه ليس في هذا قطع لفلان بعينه أنه من أهل الجنة، لكن لو قلت: فلان شهيد، فبهذا أكون قد قطعت له بالجنة، وبالتالي فلا بأس بإطلاق الحكم العام الذي لا يخص به أحد من بين هذه العموم، دون بقية من شاركه في ذلك.

    ولذلك فهذا باب عظيم جداً من معتقد أهل السنة والجماعة، أنهم لا يقطعون لأحد بجنة كما لا يقطعون لأحد بنار، ويقولون: الأعمال بالخواتيم، وفوق ذلك كله فضل الله عز وجل، فإذا كان المرء على معصية وإن كانت كبيرة؛ مصراً عليها غير مستحل لها، فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

    أثر معاوية بن حرمل: (لو نادى منادٍ من السماء ...)

    قال: [وقال معاوية بن حرمل : لو نادى مناد من السماء: لا يدخل الجنة غير رجل واحد لرجوت أن أكون أنا هو، ولو نادى مناد من السماء: لا يدخل النار إلا رجل واحد لم أزل أخاف أن أكون أنا هو، حتى أعلم أأنجو أم لا]، أي: حتى يأتيني الخبر اليقين المتعلق بي أنا، قال: [ولو نادى مناد من السماء أن معاوية بن حرمل من أهل النار لم أزل أعمل حتى تعذرني نفسي]. وهذا كلام عظيم جداً يرد به على الذي يتكلون على المكتوب والمقدر ويتركون العمل، فالنبي عليه الصلاة والسلام أجاب عن هذا السؤال فقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، أي: أنت مهدي إلى طريقك الذي كتبه الله عز وجل لك في اللوح المحفوظ، إذ كل يعمل بهذا الأجل المحفوظ، وبهذا القدر المكتوب، والله عز وجل ما كتبه عليك ظلماً، فحاشاه سبحانه أن يظلم عباده ذرة أو أقل من ذلك، ولكن الله تعالى أعذر العباد من أنفسهم بأن جعلهم عقلاء، ولما مدحهم مدحة العقل كلفهم، ولم يكلفهم إلا بعد أن أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة، فقامت الحجج على الخلق، وليس للمرء إلا أن يجتهد في الطاعة بإتيان الأمر وترك النهي، ولازم عليه بعد ذلك أن يرجو رحمة الله تعالى وأن يخاف عذابه.

    أثر وهب بن منبه: (الرجاء قائد ...)

    قال: [وعن وهب بن منبه أنه كان يقول: الرجاء قائدك]، أي: يقودك إلى الله، [والخوف سائق]، أي: يسوقك من الخلف، [والنفس حرون]، أي: تحرن عليك وتمتنع عن العمل، كما يقال: هذا الحمار حرن مني، أي امتنع عن السير والعمل، وهكذا النفس، فالرجاء يقودها إلى الله، والخوف يسوقها من الخلف، إذاً النفس في الوسط، أمامها الرجاء وخلفها الخوف.

    قال: [إن فتر قائدها]، وهو الرجاء، [صدت عن الطريق فلم تستقم لسائقها، وإن فتر سائقها لم تتبع قائدها، فإذا اجتمعا استقامت طوعاً وكرهاً]. وكأنه قال: الخوف والرجاء لا بد منهما للنفس التي ترغب أن تصل إلى الله عز وجل؛ خوفاً من عذابه وناره، وطمعاً في جنته ورحمته.

    أثر علي بن أبي طالب: (ألا أخبركم بالفقيه)

    قال: [وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ألا أخبركم بالفقيه كل الفقيه؟] أي: ألا أخبركم بالفقيه حقاً؟ قال: [من لم يقنط الناس من رحمة الله]، وهذا كلام الدعاة والوعاظ، [ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله. وذكر الحديث]. فالذي يكون كل كلامه في الجنة حتى يوقن الرجل أنه ليس هناك شيء اسمه: عذاب ولا عقاب ولا نار، وأن الله غفور رحيم، وبالتالي فلماذا نصلي ونصوم ورحمة الله قد وسعت كل شيء حتى اليهود والنصارى؟ هكذا يقول! بل هكذا اعتقد أحد المسلمين وقال لي: أتظن أن رحمة الله تعالى لا تشمل اليهود والنصارى؟ قلت: والله لا تشملهم، قال: يلزمك التكفير عن هذه اليمين! فقلت: الذي لا يكفر اليهود والنصارى فهو كافر، وإن كان يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويزعم أنه مسلم؛ لأنه قد كذب الله تعالى في آياته، وكذب النبي صلى الله في حديثه، والقرآن والسنة قد ملئا بالآيات والأحاديث التي تدل على أن كل من لم يؤمن بالله رباً، وبمحمد عليه الصلاة والسلام نبياً ورسولاً، ويعمل بمقتضى هذا الإيمان؛ فإنه كافر، ولعل الوقت يسمح بسرد ذلك بإذن الله إذا تكلمنا عن الإيمان.

    فالفقيه الحق هو الذي يعطي الناس جرعة خوف مع جرعة رجاء، فيخرج المرء من مجلس الوعظ بين الخوف الذي يحمله على العمل، وبين الرجاء الذي لم يقنطه من رحمة الله عز وجل، النبي صلى الله عليه وسلم وهو أول من تنشق عنه الأرض، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو سيد الأولين والآخرين، ومع هذا كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فلما قالت عائشة: (يا رسول الله! أليس الله تعالى قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أفلا أكون عبداً شكوراً)، والشكر باب من أبواب الرجاء لله عز وجل، كما أنه باب من أبواب الخوف لله عز وجل.

    1.   

    دخول الجنة لا يكون إلا برحمة الله

    قال: [وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل أحداً منكم عمله الجنة، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل، ووضع يده على رأسه عليه الصلاة والسلام)].

    يا إخواني! مهما عمل العاملون، فإنهم لا يكافئون الله تعالى في أدنى نعمة أبداً.

    وعند الحاكم من حديث أنس بسند لا بأس به أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كان رجل فيمن كان قبلكم عبد الله ستمائة عام)، فهل هناك أحسن من هذا؟ ستمائة عام وهو في عبادة مستمرة، ما بين قائم وراكع وساجد وداع وتال وغير ذلك.

    قال: (فقال الله له: تمن، فتمنى أن يموت وهو ساجد، فمات وهو ساجد، ثم أمر به فجاء بين يدي الله عز وجل، فقال الله: أدخلوا عبدي الجنة بفضلي، فقال العبد: لا يا رب! بعملي، فأمر الله تعالى الملائكة أن يزنوا عبادة ستمائة سنة في مقابل نعمة البصر فقط، فلما وضعوا البصر في كفة والعمل في كفة طاشت عبادة ستمائة عام، فقال الله عز وجل: أدخلوا عبدي النار، فقال: يا رب! أدخل الجنة بفضلك، فدخل الجنة بفضل الله عز وجل).

    فلا بد أن يحاسب الواحد منا نفسه، وأن يرد الفضل إلى الله، إذ إنه الذي قواه على العبادة، وإذا استمر هذا العبد في عبادة الله ستمائة سنة فمن الذي قواه عليها؟ ومن الذي هداه إليها؟ إنه الله تعالى مصدر كل خير، فلا يغتر المرء بعمله؛ لأن المرء لا يدخل الجنة بعمله، إنما العمل سبب لدخول الجنة أو دخول النار، أما دخول الجنة فهو بفضل الله عز وجل، ودخول النار بعدل الله عز وجل.

    1.   

    موقف السلف من المرجئة وتخويفهم من معتقدهم

    قال: [وعن ابن أبي مطيع قال: شهدت أيوب وعنده رجل من المرجئة]. وأيوب هو أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري الإمام الكبير، والمرجئة يقولون في الإيمان إنه تصديق القلب، والعمل ليس من الإيمان، ولذلك دفعهم هذا إلى أن يقولوا لزاماً بهذا النص: إن إيمان أفسق الخلق كإيمان جبريل وميكائيل؛ لأن العمل لا علاقة له بالإيمان عندهم، فيستوي مع جبريل عندهم من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وصدق بهذه الكلمة بقلبه، ولو ترك كل الأوامر وارتكب كل النواهي؛ فهذا إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، وهذا كلام دعاة الفساد والمجلات، فالعمل عندهم لا علاقة له بالإيمان البتة.

    قال: [فجعل يقول: إنما هو الكفر والإيمان]، أي: أن هذا المرجئ يقول لـأيوب إمام السنة في زمانه: الإنسان إما كافر! وإما مسلم، وليس هناك غير هذا.

    قال: [وأيوب ساكت، فأقبل عليه أيوب فقال: أرأيت قول الله عز وجل: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التوبة:106]]، فهذه الآية هل يمكن أن تكون نزلت في الكافرين؟ أليست المسألة كلها عند المرجئة إيماناً أو كفر؟ أيضاً هل هذه الآية موافقة للقواعد التي قعدها المرجئة لأصل مذهبهم، أم أن هذه الآية تشهد لمذهب أهل السنة والجماعة؟ وَآخَرُونَ ، أي: من الخلق مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ ، أي: يوم القيامة إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ .

    ثم مستحيل أن هذه الآية في صفات الكفار؛ لأن الكفار في عذاب الله يقيناً، وأنه لا تلحقهم التوبة أبداً إذا ماتوا على الكفر، فهذه الآية وردت للعقوبة أو العفو عنهم يوم القيامة، وهل يكون عن الكافر عفو يوم القيامة؟ لا يمكن العفو عن الكافر يوم القيامة، وقد يأتي من يقول: أليس الله على كل شيء قديراً؟ بلى، ونحن مؤمنون بهذا؛ لكن الله عز وجل الذي هو على كل شيء قدير خلق الجنة وخلق النار، وجعل لكل منهما قسماً، وقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت! والله عز وجل أخبرنا أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، فإذا جاء شخص وقال: هل يمكن أن الله لا يجعل المنافقين في الدرك الأسفل من النار؟ نقول: نعم؛ الله عز وجل قادر على كل شيء، لكنه لما كان قادراً أخبرنا أنه بقدرته سيجعل المنافقين في الدرك الأسفل من النار. إذاً: هناك أمور تدل على المستويات الأخرى أبداً؛ لأن القرآن والوحي انقطع بموت النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بد أن تستقر مسائل الإيمان والكفر في قلب العبد وذهنه.

    فهذا النص: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ معناه: مؤخرون بمشيئة الله عز وجل يوم القيامة، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم أي: فإما أن يعذبهم بعدله، وإما أن يتوب عليهم ويغفر لهم ويدخلهم الجنة بفضله.

    وهذه مسألة متعلقة بالعمل، ولذلك أرجأهم الله تعالى، وأخرهم إلى يوم القيامة، وهم في مشيئته، إن شاء عذب وإن شاء غفر، وهذا بسبب أعمالهم المخالفة لأوامر الشرع، وارتكابهم لما نهى عنه الشرع.

    فهم في مشيئة الله، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، وإنما كان ذلك بسبب أعمالهم، إذاً: هذا العمل متعلق بالإيمان.

    [قال أيوب : أمؤمنون أم كفار؟] أي: هل هذه الآية أنزلت في المؤمنين أم في الكفار؟ [فسكت الرجل.

    فقال له أيوب : اذهب فاقرأ القرآن، فكل آية فيها ذكر النفاق فإني أخافها على نفسي]. أي: أنه يخاف أن يكون من أهلها، لكن ليس صحيحاً أن يعتقد أنه من أهل النفاق. يأتي أخ يقول لك: والله العظيم أنا منافق، طيب هذا النفاق هل هو أكبر أم أصغر؟ يقول لك: أكبر. إذاً: لماذا لا تتوب إلى الله عز وجل؟ يقول لك: أنا يئست! أقول: فماذا ستعمل؟ يقول: أنا من أهل النار فلن أعمل إذاً!

    فهو يوطن نفسه على أن يترك طاعة الله عز وجل ثم يقع في معاصيه، وهذا على أية حال خلاف عقيدة أهل السنة والجماعة.

    قال: [وقال ابن أبي مليكة : قد أتى علي برهة من الدهر وما أراني أدركت رجلاً يقول: أنا مؤمن]. أي: أن ابن أبي مليكة قد أدرك عدة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يجد أحداً منهم يقول: أنا مؤمن، وإنما رجل يخاف على نفسه من النفاق.

    قال: [وما أراني أدركت رجلاً يقول: أنا مؤمن، فما رضي بذلك حتى قال: إيماني مثل إيمان جبريل]. وهذا يخوف المرجئة، إذ يقول: حينما لقيت الصحابة كلهم لم أجد فيهم أحداً قال: أنا مؤمن، وإنما كان كلهم خائف على نفسه من النفاق، وأنت غارق في المعاصي وتقول: أنا مؤمن وتتبجح بذلك، كما تترك الأوامر وتقع في النواهي وتزعم أنك مؤمن! هذا شيء عجيب جداً، وليس عليه مذهب السنة.

    قال: [وما كان محمد صلى الله عليه وسلم يتفوه بذلك، وما زال الشيطان يتقلب بهم حتى قال: مؤمن وإن نكح أمه وأخته وابنته!] أي: أن نكاح الأم والبنت والأخت عندهم معاص، وعندهم أن صاحب المعاصي إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، فينكح أمه ويقول: أنا مؤمن! وينكح ابنته ويقول: أنا مؤمن! لأن هذه كلها معاصٍ، والمعاصي متعلقة بالعمل، والعمل لا علاقة له بالإيمان، فهو بعد ذلك يقول: أنا يوم القيامة في الجنة لا محالة، مع وجود هذه المعاصي كلها، كيف؟ يقول لك: هو هكذا؛ لأنه من نطق بالشهادتين وصدق بهما ولم يعمل بمقتضاهما، فإيمانه كإيمان جبريل وميكائيل.

    إذاً: جبريل وميكائيل في الجنة، وبالتالي أنا معهم في الجنة. لكن جبريل وميكائيل قد قاما بما كلفا به من عمل، وما من شبر في السماء إلا وفيه ملك راكع أو قائم أو ساجد، يسبحون الله تعالى الليل والنهار لا يفترون، والملائكة قد جبلوا على طاعة الله عز وجل.

    إن هذا المذهب الذي جاء به المرجئة في غاية الفساد.

    قال: [والله لقد أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً، ما مات منهم أحد إلا وهو يخشى النفاق على نفسه]. مع أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام هم أعظم هذه الأمة عملاً، وأقلها تكلفاً، وأكثرها إيماناً وغير ذلك، ومع هذا كانوا يخافون على أنفسهم النفاق، فنحن أولى بذلك.

    قال: [وعن أبي الدرداء قال: ما أمن أحد على إيمانه إلا سلبه، ولا سلبه فيجده]. أي: إذا سلب المرء الإيمان فلعله لا يعود إليه مرة أخرى.

    1.   

    كلام علماء أهل السنة في الخوف والرجاء

    كلام الطحاوي في الأمن والإياس

    قال الإمام الطحاوي في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة: والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام. والأمن مصدره الرجاء فقط، والإياس مصدره الخوف فقط، والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، واعلم أن هذا ليس كفراً أصغر، بل هو كفر أكبر.

    يعني: لو أن المرء أمن مكر الله عز وجل لابد أنه يوقن أنه من أهل الجنة وإن ترك العمل، كما أن المرء لو خاف الله عز وجل بغير رجاء في رحمته وطمع في ثوابه وجنته، فلا شك أن سييأس ويقنط من رحمة الله عز وجل.

    قال: وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة. أي: وسبيل الحق بين الخوف والرجاء، فلا الرجاء فقط مذهب أهل السنة، ولا الخوف فقط مذهب أهل السنة، وإنما مذهب أهل السنة الجمع بين الخوف والرجاء.

    كلام ابن أبي العز الحنفي في الخوف والرجاء

    قال ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية: يجب أن يكون العبد خائفاً راجياً -وهذا أمر واجب ليس مندوباً ولا مستحباً- فإن الخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله. فهذا هو الخوف الحقيقي، وليس الخوف أنك تخاف ثم تترك الصلاة، إنما الخوف الحق هو الذي يحملك على طاعة الله عز وجل.

    قال: فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط. أي: الخوف الحقيقي هو الذي يحول بينك وبين معاصي الله عز وجل، فمثلاً: لو أن امرأة اعترضتك ذات منصب وجمال، فقلت: إني أخاف الله، فهل هذا هو الخوف الحقيقي أم أنه كذب؟ هذا هو الخوف الحقيقي.

    وخوف يوسف عليه السلام لما اعترضته امرأة العزيز كان خوفاً حقيقياً.

    قال: والرجاء المحمود: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله. أي: أنه عمل أولاً بطاعة الله، ولم يقل: والله أنا أملي في الله أن يغفر لي كبير جداً، فإذا سألته عن العمل يقول لك: والله أنا لا أصلي، وفي شهر رمضان أدخن في النهار! فإذا قيل له: يا فلان! اتق الله، يقول لك: أنت ليس لك علم بمقدار رحمة الله، يا سلام! وهل رحمة الله قالت لك: أن تترك الفرائض والأركان؟

    قال: والرجاء المحمود: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله، فهو راج لثوابه، أو رجل أذنب ذنباً ثم تاب منه إلى الله فهو راج لمغفرته، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:218]، أي: أول شيء حققوه هو الإيمان، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:218]، فهم لم يؤمنوا فقط، بل بعد أن آمنوا هاجروا وجاهدوا، والهجرة عمل، والجهاد عمل، إذاً هم ضموا إلى الإيمان العمل الذي هو مقتضى الإيمان، وأجازوا الإيمان، أما إذا كان الرجل متمادياً في التفريط والخطايا والذنوب والمعاصي، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب.

    إذاً الواحد لا يقول: أنا راج إلا بعد تقديم العمل أولاً.

    قال أبو علي الروذباري رحمه الله: الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه.

    أي: أن الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا، كأن يكون جانب الرجاء مثلاً (70 %)، والخوف (70 %)، وإذا حقق جانب الرجاء على أعلى درجاته (100 %)، وحقق جانب الخوف (100 %)، فهذه منزلة الأنبياء والمرسلين، وقل أن يصل عبد من العباد إلى هذه المنزلة، لكن المرء يتعبد بالخوف والرجاء، فيغفل ويسهو عن عذاب الله أحياناً، وعن رحمة الله أحياناً، ولذلك أنتم تعلمون حديث حنظلة لما قال لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه: نافق حنظلة ، فقال له: وما ذاك؟ قال: نكون بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام كأننا نرى الجنة والنار رأي العين، فإذا رجعنا إلى دورنا وعافسنا الأزواج والضيعات، نسينا ذلك. فظن أن غفلته عن ذكر الجنة والنار في انشغاله المباح بأعراض الدنيا شعبة من شعب النفاق، فقال أبو بكر : وأنا مثل ذلك. وتعال بنا نذهب إلى المعلم الكبير النبي عليه الصلاة والسلام لنقص عليه هذه القصة، فلما ذهبا إليه وأخبراه بما كان من الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام: (لو دمتم على ذلك لصافحتكم الملائكة)، وهذا شيء جميل جداً، لكن هل غفل النبي عليه الصلاة والسلام عن الجنة والنار للحظة واحدة؟ الجواب: لا.

    ولذلك كان كثيراً ما يقول: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)، فمصدر الضحك رحمة الله عز وجل، ومصدر البكاء عذاب الله عز وجل، وهذا تأصيل علمي لقاعدة استواء الرجاء والخوف، وأنهما يمثلان الجناحين للطائر أو السائر إلى ربه، ولا يصح من العبد أن يعبد الله بجناح واحد، وهو جناح الرجاء، أو بجناح الخوف.

    قال: الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت. أي: إذا ذهب الخوف والرجاء من قلب العبد فإنه هو والموت سواء.

    قال: وقد مدح الله عز وجل أهل الخوف والرجاء فقال: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9]، وقال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة:16]، فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمناً، والخوف يستلزم الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطاً ويأساً، وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله تعالى فإنك إذا خفته هربت إليه، فالخائف هارب من ربه إلى ربه. لأن الواحد إذا أراد أن يهرب من ظالم يذهب إلى رئيسه، ثم إلى الرئيس الأعلى، ثم الأعلى، ثم الأعلى، حتى إذا انتهت أسباب اللجوء إلى من يمكن أن يدافع عن حقه لا بد أن يلجأ المرء إلى الذي لا يخاف وهو سبحانه وتعالى، فكل إنسان يهرب من الظالم إلى من يتوقع أنه يأتي له بمظلمته، فإذا كان هذا لا يتوقع جنة ولا ناراً من العباد فلا بد أن يهرب المرء في آخرته إلى الله عز وجل.

    كلام ابن القيم في الرجاء

    وقال صاحب المنازل وعقب عليه كذلك ابن القيم عليه رحمة الله: الرجاء أضعف منازل المريد. وفي كلامه نظر، بل الرجاء والخوف على الوجه المذكور من أشرف منازل المريد. أي: السائر إلى الله عز وجل.

    وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء).

    وعند مسلم من حديث جابر قال: سمعته عليه الصلاة والسلام يقول قبل موته بثلاث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه).

    ولهذا قيل: إن العبد ينبغي أن يكون رجاؤه في مرضه أرجح من خوفه، لأنه مودع، ولأن العبد في المرض لا يرجى منه العمل، إذ إن عمله في هذه الحال قليل جداً، ولذلك ينبغي أن يزداد رجاءً.

    والعلماء يقولون: في حال الصحة ينبغي أن يزيد جانب الخوف على جانب الرجاء زيادة طفيفة تحمله على العمل، أما إذا كان مريضاً فيستحب أن يزيد رجاؤه على خوفه؛ لأن العمل منه غير مرجو والحالة هذه، وأنه قادم على الله عز وجل، فينبغي أن يحسن الظن بربه.

    وقال بعضهم: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق. أي: يقول لك أنا لا أصلي ولا أصوم ولا أزكي ولا أحج، ولكن قلبي مفعم بالإيمان! وأنت إذا كنت تصلي فأنا أحب الله أكثر منك، ما هذا الحب؟!

    الحب الحقيقي هو الذي يحملنا على العمل، وأنت لو أحببت عبداً عملت كل ما يمكن القيام به مما يحبه المحبوب، والله عز وجل فوق كل محبوب، فيجب أن يتقرب إليه من أحبه بكل ما يحبه سبحانه وتعالى.

    والله تعالى إنما أخبرنا بما يحب في كتابه وفي سنة نبيه، كما أخبرنا بما يكره في كتابه وفي سنة نبيه، فمراد الله تعالى من العباد محدود، أي: مراد العباد من العباد لا حدود له، أما مراد الله تعالى منا فمحدود بالأوامر والنواهي الواردة في الكتاب والسنة، فإذا فعلت الأمر واجتنبت النهي فقد حققت المراد لله عز وجل، وأتيت بالعبادة على أكلمها وأتمها.

    كلام الإمام الهروي في الخوف والرجاء

    ويقول كذلك الإمام الهروي في كتابه منازل السائرين: إن القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل طائر وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف، وهذه طريقة أبي سليمان وغيره.

    قال: وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإن غلب عليه الرجاء فسد.

    وقال أيضاً: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف. أي: أكمل أحوال العبد أن يكون الخوف والرجاء عنده معتدلين؛ لأن تغليب جانب الرجاء يؤدي إلى التفريط في حق الله، وتغليب جانب الخوف يؤدي إلى اليأس من رحمة الله عز وجل.

    قال: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حاد، والخوف سائق، والله الموصل بمنه وكرمه سبحانه وتعالى.

    وهناك كلام كثير جداً في الخوف والرجاء بإمكانك أن تطلع في أي كتاب من كتب الاعتقاد المشروحة أو غير المشروحة، والنصوص كثيرة في هذا الباب، وإنما أردنا التنبيه على أصل أصيل من أصول أهل السنة والجماعة، وهذا هو منهج أهل السنة، أن الإيمان فلا يصلح أن يكون خوفاً فقط، كما لا يصلح أن يكون رجاءً فقط، بل الإيمان خوف ورجاء، ولا بأس أن يزداد الخوف في حالة الصحة شيئاً يسيراً على الرجاء ليحمل المرء على العمل، ولا بأس أن يزداد الرجاء في حال المرض والقدوم على الله، حتى يلقى العبد ربه وهو حسن الظن به، لكن على أية حال أكمل أحوال السائر إلى الله عز وجل اعتدال جناحي الخوف والرجاء، خوف يؤدي به إلى العمل أو يحمله على مزيد العمل، ورجاء لا يقنطه من رحمة الله عز وجل.

    إذاً: خوف لا يقنطه ولا يجعله يترك العمل، ويقول: علام العمل إذاً؟ إذا كان الله تعالى قد أعد ناراً فيها كيت وكيت من أنواع العذاب، إذاً فلم العمل؟! أنا من أهل النار، وداخل النار لا محالة! نقول: من الذي أخبرك بأنك من أهل النار ابتداء؟ فربما تكون من أهل الجنة، ثم من الذي أخبرك بأنك من أهل الجنة؟ فربما تكون من أهل النار، فإذا اختار المرء بين المنزلتين عمل لأفضلهما وأشرفهما، وهي جنة عرضها السماوات والأرض.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    خلاف أهل العلم في خلود الثنتين والسبعين فرقة في النار

    السؤال: هل الاثنتان والسبعون فرقة في النار مخلدون فيها؟

    الجواب: هذا محل نزاع عظيم بين أهل العلم، مع أن هناك فرقاً كاملة في نار جهنم خالدة فيها، وهؤلاء الذين خالفوا الأصول والفروع لأهل السنة والجماعة، أما بقية الفرق التي شاركت أهل السنة في كثير من المسائل فإن المنظرين لهؤلاء أو أصول هذه الفرق بلا شك من أهل النار، ويغلب عليهم الكفر، أو هم إلى الكفر أقرب منهم للإيمان، بخلاف عامة الناس.

    حكم مقولة: (فلان رحمه الله)

    السؤال: ما الحكم في قولنا: إن فلاناً رحمه الله، أو يرحمه الله؟

    الجواب: هذا الكلام -يا أخي- من باب الدعاء وليس من باب القطع، فإذا قلت: فلان رحمه الله أو فلان يرحمه الله فليس هذا قطعاً بأنه قد أدركته رحمة الله عز وجل، وإنما هذا من باب الدعاء فقط، فقولك: فلان رحمه الله، أي: أرجو أن يرحمه الله عز وجل.

    حكم قراءة الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأول

    السؤال: ما هو الراجح لديكم في التشهد الأول هل تقرأ فيه الصلاة الإبراهيمية؟

    الجواب: النبي عليه الصلاة والسلام علم أصحابه التشهد أولاً إلى قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فلما نزل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، (قالوا: يا رسول الله! هذا السلام عليك فما بال الصلاة عليك؟ أي: كيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ... إلى آخر الدعاء، وقال: واجعلوها في صلاتكم).

    فذهب الجمهور إلى أن التشهد يقرأ إلى حده الأول في التشهد الأول، وإلى قوله: إنك حميد مجيد في التشهد الثاني في الصلاة الرباعية.

    وذهب الظاهرية والشافعية: إلى وجوب قراءة التشهد كاملاً إلى قولك: إنك حميد مجيد في التشهد الأول، أي: في الصلاة التي فيها تشهدان.

    وفي الحقيقة هذا هو المذهب الراجح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام علم أصحابه أن يسموا الصلاة الإبراهيمية تشهداً، فمن قال: إنما ذلك في التشهد الثاني، فنقول له: ائتنا بالدليل الذي يفرق بين التشهدين، فإنهم كانوا يقرءون أولاً التشهد الأول فقط دون الصلاة الإبراهيمية قبل أن يعلمها إياهم في التشهدين الأول والثاني.

    فينبغي أن يلحق الصلاة الإبراهيمية بالتشهد الأول والثاني كذلك، ومن فرق بين الاثنين فليأتنا بالدليل.

    حكم زواج الرجل من زوجة أخيه بعد طلاقها

    السؤال: هل يجوز زواج الرجل من زوجة أخيه بعد طلاقها من أخيه، سواء كان لها أبناء من أخيه أم لا؟

    الجواب: نعم يجوز، وذلك إذا انقضت عدتها من زوجها الأول.

    بيان معنى حديث: (اللحد لنا والشق لغيرنا)، وحديث: (لا ضرر ولا ضرار)

    السؤال: ما معنى هذين الحديثين: (اللحد لنا والشق لغيرنا)، ثم يسأل عن حديث: (لا ضرر ولا ضرار

    الجواب: الحديثان صحيحان ابتداءً، ومعنى ( اللحد لنا ): اللحد هو شق الأرض شقاً رأسياً ثم حفره أفقياً، وأن يكون الدفن باتجاه القبلة على الجانب الأيمن، ويهال التراب في هذا الشق، ويبقى هذا اللحد بجانبه الذي حفر باتجاه القبلة, ووضع الميت على جنبه الأيمن باتجاه القبلة.

    أما الشق الذي هو لغير المسلمين فإنما هو شق الأرض شقاً رأسياً دون اللحد الأفقي الذي هو إلى جهة القبلة، فالميت يرمى فيه إلقاءً ويهال عليه التراب.

    أما معنى (لا ضرر ولا ضرار)، أي: يحرم الضرر والضرار في الإسلام، فالضرر الذي يوقعه الإنسان على نفسه حرام؛ لأنه ليس ملكاً لنفسه، كما أنه يحرم عليه أن يلحق الضرر بالغير، وهو الضرار، فلا ضرر يوقعه الإنسان على نفسه، كما أنه يحرم عليه أن يوقع الضرر على غيره.

    وإذا أردت مزيد بيان وتفصيل فعليك بكتاب جامع العلوم والحكم.

    حكم لعن المعين وإن كان كافراً

    السؤال: هل يجوز لعن المعين وإن كان كافراً؟

    الجواب: لا يجوز لعن المعين حتى وإن كان كافراً، وقد ذكر الإمام النووي اختلاف أهل العلم في المسألة وقال: لا يدعى عليه إلا إذا مات على الكفر، أي: لا نلعنه إلا إذا مات على الكفر.

    وعلى أية حال أليس اللعن هو الطرد من رحمة الله، أو الحكم بالطرد من رحمة الله؟ تصور لو أن شارون دخل علينا في هذا الوقت المسجد وقال: أنا أريد أن أسلم، فماذا نعمل؟ أما نفرح جميعاً بهذا؟ إذ إنها ضربة قاصمة للكفر وأهله، وأعظم منها قصماً أن يدخل علينا مثلاً بابا الفاتيكان ويقول: يا إخواني! أنا أريد أن أسلم، فماذا نعمل؟ أما نفرح بذلك جميعاً؟

    ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرح إذا دخل في الإسلام صنديد من صناديد الكفر، وهو الذي أرسل رسالة إلى هرقل ملك الروم وقال له: (أسلم تسلم)؛ لكن لماذا لم يوجه الرسالة إلى أي جندي من الجنود؟ لأن هذا كبيرهم، ولو أسلم لأسلم من وراءه، والنبي لم يلعنه ولم يسبه، وإنما قال له كما في البخاري: (أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين)، أجرك أنت وأجر الأريسيين، أي: الفلاحين الذين يمشون خلفه، والرهبان الذين يمشون معه، والجند الذين حوله، فأنت لو أسلمت أسلم الكل، وكاد أن يسلم إلى أن جمع البطارقة وقوات الجيش، ووضعهم في بيت في الشام وقال لهم: إن محمداً قد بعث إلي برسالة وقال فيها: كيت وكيت، فما رأيكم في هذا الرجل؟ أنا أرى أنه صادق.

    ولذلك العلماء اختلفوا: هل أسلم هرقل أم لم يسلم؟ لأن كلامه هذا يدل على أنه أسلم، لكن هناك كلاماً آخر ناقضاً لهذا الإسلام وهذا الإيمان.

    وانظر إلى المكر والخداع، وكيف أن هذه السلطة بلاء ومحنة؟! فقال لهم: ما هو رأيكم في الذي يقوله محمد؟ أما أنا فأرى أن الرجل صادق، وقال لهم: على أية حال هو يضرنا!

    فلما رأى البطارقة أن هرقل يميل إلى جهة محمد قاموا عليه، قال لهم: كفى كفى، إنما أنا أردت أن أختبركم، يريد أن يخرج من المأزق، أنا أريد أن أختبركم، وهو في الحقيقة لو أنهم شجعوه على الإسلام لأسلم، لكن لما قاموا عليه قومة رجل واحد قال: لا. فأنا في الحقيقة أريد أن أتأكد من موقفكم، وبقي على الكفر حتى مات عليه.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007958305

    عدد مرات الحفظ

    720439996