إسلام ويب

يا من تريد الهدايةللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل تكفل لمن جاهد وصابر في طاعته أن يهديه صراطه المستقيم، وقد جعل سبحانه هذه الهداية سهلة وميسرة لمن طلبها، وصعبة وشاقة لمن حاد عنها ولم يبذل الأسباب المشروعة الجالبة لها، كمجالسة الصالحين وتحويل حماسه العاطفي إلى واقع عملي علمي يدعو فيه إلى الله عز وجل.

    1.   

    أهمية الاستقامة على طاعة الله

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه، وعن الند، وعن المثيل، وعن النظير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، واعلموا أن لا نجاة إلا بها: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    معاشر المؤمنين: إن الهداية غاية العقلاء ووظيفة الأنبياء، ومنتهى آمال السعداء، وإن الاستقامة أولى وأجل مطالب العقلاء، فأما الهداية، فنحن نسألها ربنا في كل يوم سبع عشرة مرة في سبع عشرة ركعة فضلاً عن الرواتب والنوافل وغيرها: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] وأما الاستقامة فأمرنا بها، وأمر بها نبينا صلى الله عليه وسلم: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112] وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله الوصية، ويسترشده النصيحة، ويطلب منه قولاً لا يسأل عنه أحداً قبله ولا بعده، فقال صلى الله عليه وسلم موجهاً ذلك السائل: (قل آمنت بالله، ثم استقم).

    أيها الأحبة في الله: إن الاستقامة على طاعة الله، والهداية بأمر الله ورسوله لمن أعظم أحوال السعداء، ومنازل العقلاء تلكم -والله- سعادةٌ من ذاقها بهداية واستقامة، ذاق شيئاً عجز عن ذوقه الأثرياء، وقصر دونه ذوو المناصب، ولم يبلغه ذوو الأحساب والأنساب، أليست الهداية والاستقامة جعلت بلالاً وهو عبد حبشي من أهل الجنة؟

    ألم تجعل صهيب الرومي من أهل الجنة؟

    ألم تجعل سلمان الفارسي من أهل الجنة؟

    وما نفع أبا لهب أن كان ذا حسبٍ ومالٍ، وذا منصبٍ وجاهٍ في عشيرته، حيث قال الله عز وجل عنه: سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد:3-4].

    من أراد السعادة، فليعلم أنها في طاعة الله، ومن أراد السعادة فليعلم أنها في لزوم أمر الله، ومن أراد السعادة، فليعلم أنها في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خالف ذلك فاته من السعادة بقدر ما خالف، وإن ظن أنه نال سعادة وهمية بمجاملة ممن حوله، أو بابتسامات زائفة، أو بضحكات مؤقتة، إذ القلب لا يملؤه إلا زاده، ولا يشبعه إلا طعامه، ولكل شيء مادةٌ تحركه، فالناقلات وقودها النفط، والطائرات وقودها النفط وما اشتق منه، والبطون وقودها الطعام يملؤها فيحرك الجوارح فيها، والظمأ يطفؤ بالمياه، وأما القلوب فليس وقودها بنفط ولا بطعام ولا بشراب، أما القلوب التي هي ملكة الجوارح إذا صلحت صلح الجسد كله بكل حواسه وجوارحه، وإذا فسدت، فسد الجسد كله بكل حواسه وجوارحه، فطعامها ووقودها ومادتها التي تحركها ذكر الله جل وعلا، فالسعادة مصدرها اتباع أمر الله ورسوله، والشقاء سببه كل إعراض عن الله ورسوله: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124].

    1.   

    الهداية سهلة على من طلبها وشاقة على من تجنبها

    أيها الأحبة في الله: إذا كانت السعادة مطمعاً، والهداية أملاً يرنو إليه كل عاقل، فيا ترى هل السبيل إلى ذلك عسير أم يسير؟

    الهداية يا عباد الله! سهلة ممتنعة، قريبة بعيدة، سهلة ميسرة، شاقة وحاصلة، فهي شاقة وبعيدة وعسيرة على من أراد أن يترك شهواته، وأن يترك ما عنده، وأن يترك ما تعلقت نفسه به من دون أن يعلق نفسه بطمع في ثواب الله، أو يخوف نفسه بعقاب من عذاب الله، أو يعلق نفسه برضى من عند الله جل وعلا، فمن ظن أن الهداية تسلك كيفما اتفق، وتنال بأي جهد من غير تفكر وتدبر في طلب ما عند الله من النعيم، والخوف مما عنده من العذاب والجحيم، وطلب ما عنده جل وعلا من الرضا التي إذا حصلت، فلا يضر العبد غضب الخلق وتغيرهم عليه:

    إذا صح منك الود فالكل هينٌ     وكل الذي فوق التراب ترابُ

    من طلب السعادة والاستقامة والهداية بغير أن يفكر أنه ينال فيما يترك جنة عرضها السماوات والأرض، ورضاً من رب رحيم لا سخط بعده، وجنة لا يحول أهلها ولا يزولون، ونجاةٍ من عذاب أبدي سرمدي مقيم، فإن الهداية تكون عليه شاقة، تكون صعبة، تكون عظيمة: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] وتكون الهداية سهلة، وتكون الاستقامة ميسورة، وتكون قريبة، وتكون حاصلة لمن إذا رأى حراماً تركه رغبةً أن يرى نعيماً مقيماً، وإذا عرض له حرامٌ تركه رغبةً أن ينال ثواباً عظيماً، ومن إذا دعي إلى حرامٍ، تركه طلباً لرضاً لا سخط بعده، ومن إذا تزخرفت له معصية تذكر نعم الله عليه: قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:17] ومن إذا تزينت له المعصية، قال: مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23].

    من جعل الهداية والسعادة والاستقامة بين عينيه في مقابلة رضا الله، وطلب نعيمه، والخوف من عذابه، وشكر نعيمه وآلائه، فإن الاستقامة أسهل ما تكون، وإن الهداية أيسر ما تكون، ولعل هذا -أيها الأحبة- مما يبين، أو يوضح، بل يدل عليه قول الله جل وعلا في وصفه ورضاه وتكريمه لصفوة خلقه وهم أنبياؤه ورسله حيث قال عنهم: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [الأنبياء:90] ما الذي وحدا بهم إلى الاستقامة، وإلى الهداية، بل والمسارعة في أسبابها، وطلب كل فعل مآله مرضاة الله؟

    إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [الأنبياء:90] بل ويخضعون ويتضرعون لربهم: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].

    إن هذه المسائل مرتبطة ببعضها، فالمسارعة إلى الخيرات من أسبابها: الإلحاح في الرغبة، وفي طلب الجنة، والإلحاح في الرهبة، والاستعاذة من النار، والدوام على الخضوع والخشوع.

    وعبادة الرحمن غاية حبه     مع ذل عابده هما قطبان

    وعليهما فلك العبادة دائرٌ     ما دار حتى دارت الفلكان

    1.   

    أسباب البعد عن الهداية

    أيها الأحبة: هذه مقدمة يسيرة نسوقها لكثيرٍ من أحبابنا وشبابنا وإخواننا وبناتنا وزوجاتنا، ولأقاربنا وقريباتنا يوم أن نرى منهم بعداً عن الهداية، وجفاءً عن الاستقامة، وتسويفاً للتوبة، وبعداً عن صراط الله المستقيم؛ فإننا نقول لهم: متى الهداية؟ ومتى الرجوع؟ ومتى الأوبة والتوبة؟

    الاستقامة العاطفية والحماسية

    وإنا لنبين أسباب بعدهم، بل ومن أسباب انحراف بعض المهتدين بعد هدايتهم، وانتكاس بعض المستقيمين بعد استقامتهم يعود إلى أمورٍ منها: أن العبد ربما بدأت استقامته عاطفة، وبدأت هدايته مشاركة، وبدأت توبته حماسةً دون أن ينظر إلى أنه بهذا ينال رضا الله، ويدع ما يشتهيه لأمر الله، ويترك ما يحبه لمحبوب الله، ويدع رغباته لما أمر به الله ورسوله؛ فإن من نظر إلى هذا الأمر بادئ ذي بدء، وتذكر أنه لا يمشي خطوة إلا لأن الله رضيها أو أمر بها، ولا يتقهقر خطوة إلا لأن الله نهى عن الإقدام إليها، من نظر أنه لا يلفظ كلمة، ولا ينفق ريالاً، ولا يكف يداً عن مال، ولا يسعى إلى مقصدٍ، ولا يحجم عن أمرٍ إلا لأن الله أمره أو نهاه، لأن رسول الله أرشده أو حذره، فحينئذٍ تكون هدايته واستقامته فوق مستوى استقامة الحماس العاطفي، والنشوة المؤقتة، والتأثير الآني الذي ربما زال بعد دقائق من الخطبة والمحاضرة والموعظة، إذا علم هذا وتحقق فإن من كانت هدايته مرتبطةً بالطمع فيما عند الله، والخوف من عذابه، فمهما تزخرف وتزين له من الأمور، فإن ضميراً حياً يعيش معه، وإن نفساً لوامةً تحاسبه، وإن قلباً رجاعاً يخاف به، وإذا ابتعد عن ذلك، فربما بكى حال الموعظة، وخضع حال المحاضرة، وأنصت حال الخطبة، فإذا خرج وولى نظر إلى معصية ولم ينظر ما حولها من عذاب توعد الله به من فعلها، وإذا نظر فاحشة أقبل إليها بشهوته، ولم يتذكر وعيداً توعد الله من اقترفه.

    أقول هذا أيها الأحبة! لكي نجعل استقامتنا خاضعةً منبعثةً هادفةً إلى أن كل فعلٍ فيها بأمر من الله، وكل إحجامٍ فيها بنهي من عند الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ تجد المستقيم والمهتدي يعتز باستقامته سواءً كان بين إخوانه المتدينين المستقيمين، أو بين إخوانه من سائر المسلمين، ولو كان فيهم العصاة، أو كان فيهم الظلمة، أو كان فيهم من هو بعيد البون والمسافة عن الاستقامة والهداية.

    إن من دلائل الاستقامة الثابتة، والهداية الصحيحة أن تجد العبد فخوراً متشرفاً معتزاً باستقامته في أي مكان، وفي أي مقام، وبين أي قوم، وعند كل أناس، وتحت كل سماء، وفوق كل أرض، لأنه مرتبط بأمر الله: يا عبد! أن افعل، وبأمر رسول الله: يا عبد الله! أن افعل، ومنـزجرٌ بنهي الله: يا عبد! لا تفعل، وبنهي رسول الله: لا تفعل، حينما يكون العبد مرتبطاً بهذا فلا يضيره، ولا يتردد أن يقيم شعائر دينه في كل مقام، وفي كل موقع، أما من كانت هدايته مشاركة جماعية، أو حالة حماسية، أو موجة عاطفية، نعم. سينافس بين إخوانه من المتدينين، سيتحمس بينهم وعندهم ومعهم وإليهم ومنهم، ولكن بعد أن يخلو في مقامٍ قل فيه النصير، وندر فيه المعين، ولم يجد فيه من يعينه، ربما انتكس واستحى ظناً منه أن هذا حياءً، وربما تردد وتقهقر وتراجع، لأنه هناك لم يتذكر أنه إنما يقيم أمر الله ورسوله في أي موضع، وفي أي موقع، وفي أي حال.

    هذه من أهم الأسباب التي من أراد بها هدايةً لا زيغ بعدها، واستقامةً لا انحراف بعدها، واستمراراً لا انتكاس فيه عليه أن يتذكر دائماً أن استقامته لله وبأمر الله، ومن الله وإلى الله، ومع ذلك كله، فلا حول له ولا قوة إلا بالله جل وعلا.

    مجالسة قرناء السوء

    الأمر الآخر يا عباد الله! الذي يلاحظ ملاحظة جلية، بل ويقطع بقوة أثره، وبأثر فعله على النفوس بين الذين يريدون الاستقامة، أو بين من استقاموا، فربما انحرفوا بعد ذلك: الجلساء، وليس هذا الأمر بغريب عليكم، ولكن ربما تساهل البعض به، فظن أنه بلغ منزلة لو خالط من خالط، أو جالس من جالس، فإنه لن يتأثر أبداً، وقد ظن جهلاً، وتوقع خطأ إذ أنه لا يوجد عبدٌ لا يتأثر إلا النبي صلى الله عليه وسلم المعصوم من تأثير الناس عليه:

    وبلوت أخبار الرجال فلم أجـد     رجلاً يؤثر دون أن يتأثرا

    إلا النبي محمدٌ فجعلته     علماً وسرت على هداه مكبرا

    فيا أيها الأحبة: ربما أصيب العبد بانتكاسة بعد استقامة بسبب جلسائه، فإن المرء من جليسه، والطبع استراق، والبهائم -مع أنها أقل بدرجات كثيرة في وسائل العلم والمعرفة والتلقي ألا وهي الأسماع والأبصار- تتأثر ببهائم عجماوات، ليست من فصيلتها، وليست مما يشاكلها أو يشابهها، فما بالك بابن آدم الذي يجالس بني جنسه ينطق كما ينطقون، ويبصر كما يبصرون، ويأكل ويشرب كما يأكلون ويشربون، ويشتهي ما يشتهون، وله من المطامع مثلما لهم، أوليس هذا بأقوى دليلٍ على أنه يتأثر؟!

    والله إنه يتأثر إلا من ألح على ربه مستعيناً بخالقه سائلاً ربه خاصةً في سجوده: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك؛ لأن العبد على خطر عظيم، لا تأمننَّ على مهتد ضلالة، ولا تستبعدن على ضال هداية، وإن رأيت أحداً مهما كثرت ذنوبه، وتنوعت جرائمه، وتعددت خطاياه، وأسرف ومضى في المعصية إياك أن تتألى أو تستبعد هدايته، فما يدريك أن يكون أقرب منك وأقوى منك في الحق الذي بعث الله به نبيه، ولا تأمننَّ على مهتد ضلالة، أو معصية، أو صغيرة أو كبيرة، فإن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإن من استعان بنفسه ضل، ومن توكل على ما عنده انقطع، ومن اتصل بحبل البشر انقطع، ومن استعان بالله وتوكل على الله واستهدى بالله، هداه الله ووصله الله وكفاه الله وأعانه الله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [الطلاق:3].

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الأسباب الجالبة للهداية والاستقامة

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    حسن اختيار الجلساء

    يا عباد الله: إن من أسباب الاستقامة وحصول الهداية وتحصيل السعادة على أمر الله، ولزوم طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم: أن يعتني العبد بجلسائه، إن جالست من هم دونك، انحدرت إليهم انحداراً لا يقف عند حد، وإن جالست من هم أعلى منك قدراً في علمهم تعلمت منهم، وإن جالست منهم أعلى منك قدراً في عبادتهم، اجتهدت أن تصل إلى درجتهم في العبادة، وإن جالست من هم أعلى منك قدراً في سمتهم وتقواهم، نافستهم في الخشية في السر والعلانية، وإن خالطت غوغاء الناس وسذجهم وبسطائهم بمعنى: جعلتهم جلساءك في كل صباح، وفي كل مساء، وفي كل ذهاب وإياب، وفي كل حضر وسفر، ما زال عقلك في انحدار حتى تبلغ درجةً ربما لو سمعت من كلامك شيئاً قبل سنين، لأنكرت ما تقوله الآن بالنسبة لما قلته قبل سنين، وما ذاك إلا أن العصمة لرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، وأما سائر العباد، فإن اجتهدوا في طاعة، نالوا الهداية: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] ومن ضيع نفسه فقد خاب بتضييعها: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] فمن ضيع النفس وأهملها وما زكاها، بل دساها، وتهاون بها، وجعل مرتعها في كل مجلس غيبة ونميمة، وجعل مناها وطربها في كل ذهاب لا فائدة فيه، وفي كل إياب لا مثوبة بعده، فإنه بذلك يتدسى، وينزل إلى منحدرات بعيدة، فالعاقل إذا طلب الهداية، عليه أن يعلم بأن هدايته استجابةً لله، وطاعةً لله، واستقامةً على أمر الله حتى لو ضل من ضل من العقلاء، أو انحرف من انحرف من الصالحين، أو تغير من تغير من الناس، لا تربط هدايتك بهداية فلان، ولا تجعل استقامتك باستقامة فلان، اجعل هدايتك لأن الله أمرك، واجعل بعدك عن المعصية، لأن الله نهاك هذا أولاً.

    المحافظة على الجلساء الصالحين

    والثاني: أن تحرص كل الحرص على من تجالس، لا يعني هذا الكلام أن يتكبر الصالحون، أو أن يتورع طلبة العلم والعلماء عن مجالسة العامة، لا. لابد أن ينفر من فيه خيرٌ وصلاح لدعوة من ضل من العوام، ولدعوة من ضل من سائر الناس، بل والدخول عليهم في مواقعهم شريطة أن يكون العبد متحصناً بخيرٍ كثير، مستعداً بما عنده من علم وعبادة قبل أن يرد مواقع الذين يدعونهم، أما رجل اهتدى بالأمس، فأصبح يدعو الناس في مجلس فسق ولهو، سرعان ما ينحرف وينتكس ويتغير، أو شاب لم يطلب العلم إلا منذ أشهر، فذهب ليناظر أقواماً يسوقون ويمررون الشبهات الواحدة تلو الأخرى، فسرعان ما يزل ويزيغ وتصيبه الشبهة، وتقتله في مقتل قد يضل بعده، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أعني أن العبد لا يمنع حينما يكون عنده العلم والعبادة أن يدعو الناس، بل يصل إليهم في مواقعهم إذا أمن نفسه، وكلٌ بنفسه أدرى: بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة:14] قد تجد من نفسك في يوم من الأيام قوة عظيمة وقدرة على غشيان مجالس الفساق والسفهاء لدعوتهم ونصحهم وتخويفهم وتذكيرهم وإنذارهم، وقد تكون بعد هذا في يومين، أو ثلاثة أعجز من أن تقابل ولو معصية صغيرة، فإياك أن تذهب إذا وجدت من نفسك ضعفاً، أو من قلبك خوفاً، أو وجدت في حالك تردداً، إذ العبد لا يأمن أن يذهب غازياً، فيعود أسيراً مهزوماً، والعاقل من أدرك أن صلاح نفسه، وتحصيل نجاة نفسه مقدمٌ على سائر الناس أجمعين، هذا من الأمور المهمة.

    ألا وإن مجالسة الناس على درجات، فجالسوا واحرصوا على مخالطة من ينفعونكم، وعلى غشيان مجالس تذكركم بالله، تجعلكم تديمون ذكر الله، وتستغفرونه وتسبحونه وتحمدونه وتكبرونه، فتلك مجالسٌ قد حفظت لكم من الخير شيئاً كثيراً، وإن الدقائق زائلة، والثواني ماضية، والساعات منقضية، فتخيل دقيقة الآن بين عينيك لك أن تقول في هذه الدقيقة: سبحان الله، والحمد لله والله أكبر، فتزول الدقيقة بهذه الكلمات، ولك أن تقول في هذه الدقيقة: فلان قال، وفلان قام، وفلان أعطى، وفلان منع، فتتولى وتمضي هذه الدقيقة بهذه الكلمات، وستجد يوم القيامة: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ [آل عمران:30] ستجد الخير والسوء، ستجد الخير والشر بين عينيها محضراً، ستجد هاتين الدقيقتين إن قلت فيها: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، وستجد الأخرى إن قلت فيها: فلان أعطى وقام وعزل ومنع وولى، وغير ذلك.

    فالعاقل من ينتبه لهداية نفسه، أوليس مقاصد العلماء في طلب العلم أن يعرفوا الحلال والحرام، لئلا يقعوا في معصية الله، أن يصيبوا أمر الله، أن ينالوا ثواب الله؟

    فإن الإقبال على النفس، وتحصيل هدايتها هو من مقاصد ومطامع العلماء الأجلاء، إذ قد يقول قائل: إن الإقبال على النفوس، وتزكية الأنفس إنما هو من مقاصد علماء السلوك، أو علماء الأخلاق، أما العلماء الذين تخصصوا في الحلال والحرام، فأولئك ربما كان بحثهم في مسائل غير هذه، لا وألف لا. مقاصد العلماء وعلماء السلوك وعلماء الحلال والحرام، وعلماء الأخلاق، مقاصدهم الجليلة ألا يعصى الله، وأن يطاع الله، وأن يسير العبد على أمر الله ورسوله.

    أقبل على النفس فاستكمل محاسنها     فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ

    يا عامراً لخراب الدهر مجتهـداً     أفنيت نفسك فيما فيه خسران

    من طلب الهداية والاستقامة، فليحذر كل الحذر من مجالس إنما هي تردية تؤذيه ولا تنفعه، والعاقل أدرى بنفسه، فإن كنت يوماً قوياً فاغش من تسعى لجهادهم بالكلمة والموعظة والنصيحة، وإن وجدت نفسك ضعيفاً، فاحرص أن تنـزجر أو تتقهقر حتى تجد من نفسك قوة.

    كان بعض السلف إذا دعي إلى بعض المواقع والمجتمعات أو المقامات، وعلم أنه مقدمٌ على مجتمع يعظ فيه، أو يناظر فيه، أقام ليلته كلها قبل أن يغشى القوم، يسبح ويهلل ويكبر، ويصلي ويسجد ويقرأ القرآن، يتزود بزاد حتى إذا نزل ساحة من يدعوهم، نزل إليهم قوياً مؤثراً لا متأثراً، وكان بعضهم يسبق ذلك بصيامٍ وصدقات حتى يقوي نفسه بالطاعة؛ لأن النفس إذا قويت بالطاعة كانت قادرةً على الدعوة إليها، وإذا ضعفت في الطاعة، كانت عاجزةً عن الاستمرار عليها فضلاً عن أن تدعو غيرها إليها.

    المجالس المجالس يا شباب الإسلام! المجالس المجالس يا أيها المسلمون! من جالس أقواماً نال صفاتهم شاء أم أبى، وإن المعصومين هم رسل الله، ومن أعانه الله وحفظ نفسه، فلينتبه لهذه المسألة.

    لما رأت أختها بالأمس قد خربت     صار الخراب لها أعدى من الجربِ

    تحويل الاستقامة العاطفية إلى برنامج عملي علمي دعوي

    والمسألة الثالثة في مسائل الاستقامة والهداية ألا وهي: تحويل وصرف هذه العاطفة والاستقامة والهداية إلى برنامج عملي علمي دعوي منظم، فما أكثر الذين استقاموا سنة أو سنتين، شهراً أو شهرين، ثم انتكسوا بعدها بيوم أو يومين!! وما السبب في ذلك إلا لأن استقامتهم أو توبتهم كانت بكاءً في ليلة سبع وعشرين في رمضان، أو بكاءً وحنيناً وخنيناً في ليلة تسع وعشرين، أو كانت لمجرد رحلة حج مع أقوام صالحين تأثر بعد ذلك، نعم. وفي البكاء خير، وفي صحبة الصالحين في سفر العبادة خير، ولكن جاء الشر من جهة أنه لم يوظف هذا الخير، ولم يجعل هذا الخير في برنامج عملي، فمن ذاق الهداية والاستقامة، فعليه أن يحولها إلى برنامج علم وعمل، بمعنى أن تجعل لنفسك ومن نفسك في كل أسبوع محاضرتين، أو ثلاث تحضرها باستمرار كواجباتك اليومية من طعام وغداء، درسين أو ثلاثة من دروس التوحيد والفقه والسيرة، أو اللغة والفرائض، وغير ذلك حتى تستمر على الهداية، فإن من جعل مع الهداية طلباً للعلم، وحرصاً عليه، واجتهاداً فيه، تفتحت له آفاق بعيدة، وأدرك أن طريق الهداية طويل، وطريق الاستقامة طويل، من لم يتزود فيه بالعلم والعبادة، فربما انتكس في يومٍ، أو بعد قريب أو بعيد من الزمن.

    فيا أيها العقلاء! ويا معاشر الشباب! أحذركم من التزام العاطفة، وأحذركم من استقامة مفاجأة، وأحذركم أن تكون استقامتكم والتزامكم بهذه العواطف المؤقتة الآنية التي تشبه شموعاً تجمعت، فلما قابلتها حرارة الفتنة والشهوة ذابت، أو كجبال من جليد يظن العبد حال بكائه وحال تأثره أنه مستعد أن يريق الدم في سبيل الله، وأن يبذل النفس والنفيس والغالي والرخيص في تلك اللحظات المشحونة المتأججة بالعاطفة، فلما زالت لحظة العاطفة التي كان فيها لو طلبت روحه لقدمها، جيء ليطلب منه كفٌ عن معصية، أو إعراضٌ عن خطيئة، ذابت تلك الجبال الثلجية أمام حرارة صغيرة من الصغائر، أو كبيرة من الكبائر، فالعاقل ينتبه لهذا، ويستعين بالله صباح مساء، ويلح على ربه في سجوده خاصة؛ أن يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك.

    ألا وإن من أعظم النعم الاستقامة، ومن أخزى الخزي الحور بعد الكور، والزيغ بعد الهداية، والضلالة بعد الاستقامة.

    التخلص من آثار المعاصي

    ثم بعد هذا في مسائل الاستقامة والهداية: أن تكون صادقاً جاداً في الإقلاع والبعد عن كل معصية تبت منها، وعن كل ما يذكرك بهذه المعصية، وعن كل جليس يذكرك بها ما دمت في بداية هذه المرحلة، إذ النفس تتأثر تأثراً سريعاً، نعم. إن من الناس من استقام شهرين، أو سنتين، ثم بعد ذلك زاغ، ولو فتشت وقلبت ونقبت في حقيقة استقامته، لوجدته تاب توبةً في تلك اللحظة، لكنه لم يتخلص من آثار ما تاب منه، لم يتخلص من بقية أشرطته، لم يتخلص من بقية أفلامه الخليعة، لم يتخلص من بقية مجلاته الماجنة، لم يتخلص من غنائه ولهوه، لم يتخلص من عاداته وسهره، لم يتخلص من كذا وكذا، فعادت من جديد تجذبه وتغزل له غزل النسيج بالمغزل حتى صارت بعد أن كانت خيطاً رفيعاً يقاومها، أصبحت حبلاً متيناً استطاعت أن تجره إلى الضلالة من جديد، فالعاقل ينتبه، العاقل يتخلص من كل ما يذكره بالمعصية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة:208].

    خل الذنوب صغيرها     وكبيرها ذاك التقى

    واصنع كماشٍ فوق أرض     الشوك يحذر ما يرى

    لا تحقرن صغيـرةً     إن الجبال من الحصى

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء المسلمين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءً، فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء!

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007964870

    عدد مرات الحفظ

    720719561