إسلام ويب

شرح الوصية الكبرى [3]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للصوفيه أقسام ودرجات ذكرها أهل العلم والمقالات، فهناك صوفية الحقائق، وصوفية الرسم، وصوفية الأرزاق، أما من حيث الحقائق فهناك صوفية أهل الحديث، وصوفية المتكلمين، وصوفية المتفلسفة، ولكل أقوال وأحوال يختلف بها الحكم على كل منها بحسبها، فينبغي فقه هذه الأقوال والأحوال على حقيقتها لمن يريد الحكم على أي منها أو على أي أحد ينتسب إليها.

    1.   

    أقسام الصوفية ودرجاتهم

    ثمة تقاسيم لأهل العلم والمقالات -بل وللصوفية أنفسهم- لدرجات المتصوفة، ونقف باختصار مع بعض التقاسيم التي ذكرها الإمام ابن تيمية رحمه الله.

    فقد ذكر في كلامه جملاً من التقاسيم، ومن أخصها تقسيمان:

    التقسيم الأول: يقول فيه شيخ الإسلام : "الصوفية ثلاثة أقسام:

    صوفية الحقائق، وصوفية الرسم، وصوفية الأرزاق".

    صوفية الحقائق

    ومقصوده بصوفية الحقائق: من قصدوا إلى تحقيق معاني التصوف بطرقهم أو بالطرق التي يعتبرونها، فإن قيل: فما هي الطرق التي قصدوا إلى تحقيق معاني التصوف والسلوك والتعبد بها؟

    قيل في جوابه: هذا مما يختلفون فيه كثيراً، فإن منهم من هو في تصوفه على طريقة المتفلسفة، ومنهم من هو في تصوفه على أصول كلامية، ومنهم من هو في تصوفه على أصول مجملة من الكتاب والسنة وهدي السلف الأول، لكنه أخطأ في ذلك.

    فصوفية الحقائق درجات، ولكن مقصوده بذكرهم أنهم المشتغلون بنظم التصوف وتطبيقه وتفسيره، ويغلب على صوفية الحقائق أنهم يستعملون لتفسير هذا أسماء كثيرة، كالفناء والبقاء، والجمع والتفرقة، والكشف والوجد، والسكر والصحو، وما إلى ذلك.

    فإن قيل: فما تفسير هذه؟

    فأقول: لا ينبغي لمن أراد أن يكتب جواباً أو تعريفاً أو ما إلى ذلك أن يبني على مثل تعريفات الجرجاني لمثل هذه الأسماء؛ فإن هذه الأسماء أو هذه المراميز -كما يسميها الصوفية كـابن سينا من المتفلسفة أو كـأبي حامد الغزالي - هذه المراميز كل طبقة أو كل مدرسة من الصوفية تفسرها بدرجة تختلف عن غيرها.

    فمثلاً: إذا استعمل أبو إسماعيل الأنصاري الهروي الحنبلي كلمة (الجمع) فإنه لا يصلح أن تفسر بالتفسير الذي يفسره التلمساني ؛ فإنه لما صنف منازل السائرين -وهي رسالة له في التصوف- وذكر فيها الأحوال وما إلى ذلك، شرح هذه الرسالة العفيف التلمساني ، والعفيف التلمساني هو من متفلسفة الصوفية، بل يقول ابن تيمية : "ليس فيهم من هو أجلد منه في هذا الباب"، بل يجعل تمسكه بفلسفة الصوفية أكثر من تمسك ابن عربي بها، لكن ابن عربي كان أشهر عند العامة.

    فالمقصود: أن التلمساني لما فسر كلام أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ، فسره تفسيراً غالياً مقارباً لطريقة متفلسفة الصوفية، لكن لما جاء من ليس صوفياً في المفهوم بالكلمة وهو ابن القيم رحمه الله، فشرح رسالة الهروي في كتابه مدارج السالكين، تباعد عن كثير من مقاصد الصوفية، ليس المتفلسفة بل حتى من دون المتفلسفة، بل حاول أن يقرب مقاصد الهروي بمراميزه وجمله وحروفه إلى المعنى المعروف عند أئمة السنة والجماعة المتقدمين.

    وهذا يدلك على أن تفسير كلام الصوفية ينبغي أن يكون بعلم وعدل، فلا ينقص عن قدره الذي كتبوا عليه حتى لا يخدع العامة بإنقاص، ولا يزاد في العدوان فيفسر الكلام تفسيراً غالياً من قائل لم يكن على هذه الدرجة.

    إذاً: هذه صوفية الحقائق، وهم المشتغلون بنظم التصوف وتفسيره، ثم هم درجات شتى.

    صوفية الرسم

    القسم الثاني: صوفية الرسم، ومقصود ابن تيمية بصوفية الرسم يبينه بقوله: "هم الذين اهتموا بشعار التصوف من حيث اللباس والآداب الوضعية"، وليس المقصود بالآداب الوضعية أنها خارجة عن أصول الإسلام مطلقاً، وإنما المقصود أنها آداب يختص المتصوف بها، ويختص كل صاحب درجة بشيء منها، فالمريد له آداب معينة أمام العارف، وهذه يسمونها بالآداب الوضعية لحركة الجلوس والحضور وما إلى ذلك.

    وفي الغالب أن هؤلاء ليسوا مرحلة تاريخية انتهت، بل ما زال هذا قائماً إلى الآن وبشكل كثيف، والإمام ابن تيمية لم يرد أن صوفية الرسم ليس عندهم من التصوف إلا اللباس والآداب الوضعية، لكن المقصود أنهم لم يدخلوا في عمق التصوف، بل يعنون بالذكر، ويعنون بالصلاة، ويعنون ببعض القربات، ويعنون ببعض الانتفاء عن بعض الملذات، وما إلى ذلك من الطرق التي يرسمها الصوفية، ولكن الغالب عليهم أنهم يعنون بالرسم وبالآداب الوضعية، أي: اللباس والآداب التي درج عليها المتصوفة.

    صوفية الأرزاق

    القسم الثالث: وهم من سماهم بصوفية الأرزاق، وهؤلاء أقل تأثراً بحقيقة التصوف ونظمه من القسم الثاني فضلاً عن القسم الأول.

    وهؤلاء تسموا بالتصوف وانخرطوا في بعض حضور مجالس التصوف كسباً للأوقات؛ فإنه من المعلوم أن الوقف في الشريعة أحد أوجه البر والإحسان، وله نظم معروف في الفقه، لكن لما كان بعض المسلمين والصالحين والقاصدين للخير من أهل المال يوقفون -وهذا جرى عليه عمل كثيرين في كثير من الأمصار- بعض الدور وبعض الأماكن وبعض الأرزاق على الصوفية، أو يقولون: على فقراء الصوفية، أو ما إلى ذلك، ولقلة ذات اليد في كثير من بلاد الإسلام؛ صار كثير من العامة يقصد إلى أن ينتسب ويدخل في هذا الاسم حتى يجرى عليه شيء من الوقف، فيكون داخلاً في الحكم شرعاً.

    وعليه: فصوفية الحقائق هم الخاصة وفي الغالب هم من المتصوفة أصحاب النظم والمعرفة، ثم كثير من العامة أكثر ما يكونون عليه هم من صوفية الرسم وإن أصابوا شيئاً من تصوف الحقائق، وكثير من العامة أيضاً هم من صوفية الأرزاق وإن أصابوا شيئاً من تصوف الرسم وتصوف الحقائق.

    فليس مقصود الإمام ابن تيمية وليس المقصود من القول أيضاً هنا أن نقول: إن صوفية الرسم عندهم براءة مطلقة من تصوف الحقائق، ولا أن صوفية الأرزاق كذلك، إنما المقصود أن يفقه طالب العلم أنه قد ينتسب إلى التصوف من يكون الغالب عليه شعار التصوف لسبب عاشه في بيئته أو إلف عاشه في مجتمعه، فيكون عنده بعض الغلط، وبعض السقط، وربما انتسب لاسم من الأسماء التي عندهم بدع مغلظة، لكنه ليس عليها ولا يعملها ولا يفقهها ولا يصل إلى درجتها، فمثل هؤلاء يقربون إلى السنة والجماعة؛ لأنهم في جملة أحوالهم على السنة وإن انتسبوا إلى من انتسبوا إليه وهم يجهلون كثيراً من حاله، أو يظنون في حاله كثيراً من الخير.

    إذاً: في تقييم التصوف يراعى هذا التقسيم، وهو من أهم التقاسيم التي ينبغي أن تطبق اليوم، إلا أنه ليس كل من حمل هذا الاسم يلزم أن يكون ضالاً مضلاً خارجاً عن السنة إلى البدع المغلظة في الإسلام، بل قد يكون عنده وجه من الضلال أو وجه من الخطأ أو وجه من الابتداع، لكن لا يلزم أنه قد استحكم في البدعة، وقد أشرت إلى أن جمهور العامة من المسلمين برآء من الاستحكام في البدعة، والإقامة عليها، بل إذا دعوا إلى أصول الهدى والحق فإنهم مقاربون لها، وليس عندهم تمسك مطلق بما يخالفون ذلك.

    1.   

    أقسام الصوفية من حيث الحقائق

    التقسيم الآخر: وهو يتعلق بمفهوم التصوف ومعانيه، وقبل أن نذكر هذا التقسيم نبين أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا ذكر الصوفية تارة يذكرهم بالاسم العام، فيقول: الصوفية أو المتصوفة، وتارة يذكرهم في سياق إضافي، وإذا ذكرهم في سياق إضافي نجد أن الإضافة يتباعد قدرها، فمثلاً: نجده تارة يقول: مقتصدة الصوفية، وتارة: محققو الصوفية، وتارة: فضلاء الصوفية.. إلى أمثال ذلك.

    ومن الملاحظ في هذه التعبيرات أنها تعبيرات مقاربة، بل ربما يستعمل ما هو أكثر من ذلك.

    ولكنه بالمقابل يستعمل جملاً وسطاً حينما يقول مثلاً: مبتدعة المتصوفة، ومنحرفة المتصوفة، هذا نعتبره إضافة تقرير تمثل الدرجة الثانية، ليس فيها وصف بالغلو المطلق، ولكنه أيضاً ليس كالألفاظ والاستعمالات الأولى.

    ثم نجد كذلك أنه يستعمل إضافات أشد، وهي الإضافات القوية، وذلك حينما يقول مثلا:ً غلاة المتصوفة، ضلال المتصوفة، وربما يستعمل سياقاً فيه لفظ الزندقة، وربما يحكم على بعض المقالات بحكم تام في القوة، كأن يقول: إن هذا القول مخالف لأصول دين المسلمين، وهو من البدع المغلظة المخالفة لقول عامة المسلمين من الصوفية وغيرهم.. فلماذا هذا؟

    لأن هذا هو الواقع من حيث الحقائق؛ فإن التصوف اسم عام قد يدخل تحته المقتصد، ويدخل تحته المتوسط -إن صح التعبير- ويدخل تحته الغالي.

    فليس التصوف بسائر أوجهه غالياً، وفي المقابل ليس التصوف بسائر أوجهه مقتصداً، بل من بعد القرن الثاني -أي: من القرن الثالث إلى اليوم- ما زال التصوف منه ما هو قد يكون مقتصداً، ومنه ما هو فوق ذلك، ومنه ما هو من التصوف الغالي الذي لا يجوز بحالٍ من الأحوال أن يخفف في شأنه؛ لمنافاته لأصول مقاصد دين الإسلام.

    هذه الاستعمالات لكلام شيخ الإسلام لما ذكر التقسيم من حيث الحقائق قال: "إن الصوفية ينقسمون إلى ثلاثة أقسام"، وهذا التقسيم مبني على مقدمات، فإنه من المعلوم في منطق الكلام أنه يقال: المقدمات والنتائج، فهذه النتائج جاءت عن ثلاثة أنواع من المقدمات:

    فيقول: صوفية أصحاب الحديث، هذه درجة أو طبقة.

    وصوفية أصحاب الكلام، أو صوفية المتكلمين.

    وصوفية المتفلسفة.

    الآن جعل المصنف منهج أهل الحديث والسنة والجماعة مقدمة بنى عليها بعض الصوفية فأنتجوا التصوف تحتها، فأصبحت المقدمة في الجملة مقدمة سنية، والنتيجة التصوف الذي أنتج من هذه المقدمة.

    وثمة تصوف أنتجه أصحابه تحت مقدمات من المعرفة الكلامية، وثمة تصوف أنتجه أصحابه أو حصلوا نتيجته تحت مقدمات فلسفية.

    صوفية أهل الحديث

    أما التصوف الذي أنتجه أصحابه تحت مقدمات سنية فهذا في كتب الصوفية بخاصة أهله نوعان:

    النوع الأول: أعيان من العلماء والعباد المتقدمين الذين لم ينتسبوا إلى الصوفية أو إلى اسم التصوف، ولا يحفظ عنهم بإسناد متصل صحيح إليهم أنهم كانوا يسمون أنفسهم صوفية، ومن أمثلة هؤلاء: الفضيل بن عياض ؛ فإن كتب الصوفية تذكره وتجعله من طبقاتها وأئمتها، كما في حلية الأولياء، وطبقات الصوفية وغيرها، مع أنه لا يحفظ -فيما أعلم- أن الفضيل بن عياض كان ينتسب هذه النسبة، وإن كان قد اشتهر بمقامات من الزهد والعبادة، لكن لم يعرف عنه أصل أو فعل -ولو دون الأصل- يخالف مقاصد الشريعة أو دلائلها، بل عامة ما نقل عنه حتى ولو خالفه غيره من الأئمة فهو مما يسع فيه الاجتهاد، فلا يصل إلى باب البدع.

    فإنه من المعلوم أن المسألة إذا قبلت الاجتهاد لا يسمى أحد قولي المجتهدين بدعة، فإن البدعة ما خالف السنة الصريحة، أما ما خالف السنة باجتهاد معين فإنه لا يجوز أن يسمى بدعة، وإلا للزم أن مالكاً إذا رأى رأياً في الشريعة فخالفه الشافعي أن يسمى قول الشافعي عند المالكية بدعة، ويسمى قول مالك عند الشافعية بدعة، وهذا لا معنى له ولا وجود.

    فالبدعة: هي ما خالف صريح السنة، وليس ما خالف السنة باجتهاد مجتهد، حتى لو كان المجتهد إماماً فرأى أن السنة مضت بهذا فينظر، فإن كان غيره من المجتهدين ولا سيما من السابقين له قد خالفه في هذه المسألة، ولم يروا أن السنة مضت بها وجاءت بها أو حكمت بها؛ فإن المسألة تبقى على الاجتهاد، ويختار المقلد بل وغير المقلد ما يراه أقرب إلى الدليل وأقرب إلى مقاصد الإسلام.

    والمقصود من هذا أن ثمة جملة من متقدمي العباد سماهم الناس صوفية، ولم يحفظ أنهم كانوا يتسمون بهذا الاسم.

    النوع الثاني: صوفية أصحاب الحديث والسنة، وهم قوم تسموا بهذا الاسم، ولكنهم لم يستعملوا أصولاً مختصة خارجة عن السنة والجماعة كالفلسفة أو علم الكلام ونحو ذلك، وإن كانوا لما حصلوا تصوفهم هذا بمقدمات السنة والجماعة، أخطئوا في كثير من التحصيل.

    والإشكال الذي وقع عند هذه الطبقة -مع أن مقدماتها في الجملة هي مقدمات السنة والجماعة- هو أنهم اجتهدوا في فقه بعض إشارات القرآن -إن صح التعبير؛ لأنهم يسمونها كذلك- ففسروا بعض مقامات التعبد التي في القرآن أو في حديث النبي صلى الله عليه وسلم بأوجه يعلم عند المحققين من الأئمة أنها ليست في السنة، فضلاً عن أن هؤلاء العباد وإن بنوا على مقدمات السنة والجماعة لم يكن كثير منهم -ولا سيما بعد المائة الثالثة- من المعروفين بعلم الرواية والتفريق بين الصحيح والضعيف، بل التفريق بين الحديث وبين الموضوع، أي: الحديث الثابت المضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو من الموضوعات، فبنوا كثيراً من المقامات والأحوال على أحاديث موضوعة، فجاءهم الإشكال من هذه الأوجه:

    غلط في تفسير بعض كلام الله سبحانه وتعالى.

    غلط في تفسير بعض أوجه التعبد بالسنة.

    روايات موضوعة بنوا عليها.

    فدخل على مثل هؤلاء كثير من البدع حتى تحولت إلى نوع من الالتزام والانتظام في مذهبهم.

    ولذلك يغلب على هؤلاء أنهم لا يخرجون بأصول مغلظة على السنة والجماعة، وإن كان عندهم كثير من البدع في الأقوال، وكثير من البدع في الأفعال، ومحققوهم يتباعدون عن أكثر هذا، فيكون عندهم سلامة في الجملة من كثير من هذه البدع، وإن كانوا لا ينفكون عنها مطلقاً.

    ثم تحصيل أحوال الأعيان هذا مما يضيق الإنسان عنه، ولا أقول: مما يضيق المقام عنه، بل مما يضيق الإنسان عنه لتعذر الوصول إلى تمامه في الجملة.

    صوفية المتكلمين

    أما صوفية المتكلمين فمراد المصنف بهم: أن علم الكلام أسسه أئمة الجهمية وأئمة المعتزلة، وهو العلم الذي استعملوه في مسائل معرفة صفات الله وغيرها، وهذا العلم الشائع في كتب التعاريف وفي مقدمة ابن خلدون وفي غيره من الكتب أنهم يقولون في تعريفه: "هو تحصيل العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية"، أو ما يقارب هذا المعنى، وهذا ليس بصحيح؛ فإن العقل لم يذم عند السلف ذماً مطلقاً، ولا نجد في القرآن ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ذم العقل، بل في القرآن أن الله سبحانه ذكر العقل محركاً وموجباً للهداية، فنجد في قول الله تعالى في الكفار: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ [الملك:10] أنه لم يذكر العقل منافياً للديانة أو منافياً للإيمان، بل محركاً إليه، ولهذا لما وصف المعاندين قال الله سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا [الأعراف:179].

    ولا شك أن ثمة عقلاً فاسداً وهو ما سماه القرآن ظناً؛ ولذلك لما ذكر الله تعالى حال المشركين قال سبحانه: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ [النجم:23].

    وأما العلم العقلي فليس منافياً للقرآن ولا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن الشريعة مضت على أن الإنسان إذا سقط عقله سقط تكليفه، فكيف يقال: إن العقل معارض للأدلة؟!

    والمقصود أن علم الكلام يمكن أن نعرفه بأنه: علم مولد من الفلسفة، مع جملة من كليات العقل، ومجمل الشريعة. هذا هو علم الكلام الذي نظمه المعتزلة وأمثالهم كمقدمة لتحصيل المعرفة: هو علم مولد في جمهور مقدماته من الفلسفة، وأدخل عليه أصحابه تقريراً له بعض المقدمات الكلية من العقل الصحيح، وبعض الكلمات المجملة من القرآن، ولكن المقدمات التفصيلية فيه ليست مقدمات قرآنية ولا مقدمات عقلية صحيحة، بل هي مقدمات فلسفية، وإنما قيل: إنه علم مولد؛ لأنه ليس فلسفة صريحة منقولة، فالفلسفة المنقولة ما ظهرت إلا بظهور المتفلسفة الصرحاء كـأبي نصر الفارابي ، والحسين بن سينا ، وقبل هؤلاء يعقوب بن إسحاق الكندي ؛ فهؤلاء صرحوا باسم الفلسفة وانتسبوا للفلسفة انتساباً صريحاً.

    والمعتزلة والجهمية -وهم الذين ابتدءوا علم الكلام في الإسلام كمقدمة للديانة وتحصيل معرفة الله وصفاته وأفعاله- كانوا مائلين عن التصوف؛ لأن هؤلاء يبنون أمورهم على العقل، والتصوف ينبني على المقدمات أو على أحوال النفس، فكانوا مائلين عنه، لكن لما ظهرت المدارس الكلامية فيما بعد والتي تسمى بمدارس متكلمة الصفاتية، وهي المدارس التي ينتسب أئمتها للسنة والجماعة، ويجافون المعتزلة وقدماء المتكلمين في أصول كثيرة، ولكنهم متأثرون بهذا العلم، بل متقلدون لجملة من أصوله، وقد انتظم هذا في مدارس مشهورة في بلاد العراق، وفي بلاد ما وراء النهر على يد أبي منصور الماتريدي في بلاد العجم.

    المهم أنه ظهر في بعض شيوخ هذه المدارس من جمع بين التصوف وبين علم الكلام، ومن أوائل هؤلاء الذين مزجوا بينهما مزجاً بيناً: القشيري؛ فهو ينظم علم الكلام نظماً ويستعمله كمقدمات وكنتائج، مع أنه من كبار الصوفية.

    قد يقول قائل: قبل ذلك كان الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله.

    فيقال: الحارث بن أسد غلب عليه التصوف، واستعمل نتائج بعض المتكلمين وهو عبد الله بن سعيد بن كلاب ، وهو يعد مقدم متكلمة الصفاتية، وهو ممن ينتصر للسنة والجماعة، وإن كان بقي عليه بقية من علم الكلام؛ ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام له علم وفقه ودين، فكان له انتصار مشهور للسنة، وأن القرآن ليس مخلوقاً، والرد على المعتزلة القائلين بخلق القرآن، لكنه قال مقالته المشهورة في الصفات، أن القرآن حكاية أو عبارة، وهي مقالة لا أصل لها في كلام السلف".

    المهم أن الحارث بن أسد المعروف بزهده وعبادته وأحواله أخذ نتائج ابن كلاب الكلامية، وإن كان متصوفاً، لكنه ليس كالحال التي سار عليها القشيري في جمعه بين التصوف وعلم الكلام.

    ثم جاء بعد ذلك الإمام أبو حامد الغزالي فصنف كتاباً على طريقة المتكلمين من الصفاتية، أو على طريقة الأشعرية من أتباع أبي الحسن الأشعري ، وهو من المنتسبين للسنة والجماعة.

    فلما صنف أبو حامد الغزالي بعض هذه الكتب -ككتاب قواعد العقائد وقانون التأويل وما إلى ذلك- نظمها نظماً كلامياً على الطريقة التي تقلدها أبو المعالي الجويني وأمثاله من النظار والمتكلمين، ولكنه اشتغل بالتصوف حتى غلب عليه، وفي تلك الأثناء وكأن هذا بدأ من المائة الرابعة وما بعدها- ومن يدرس في كتب أبي حامد قد يقول: إنه قد تغيرت أحواله فترك هذا العلم إلى التصوف وما إلى ذلك، فنقول: كلا! الغزالي صرح بطريقة كان ابن سينا يستعملها، وهي أن المذهب الشخصي لا يلزم أن يكون واحداً؛ ولذلك صنف أبو حامد كتباً في الوعظ معروفة وهي التي غلب بذكرها في الإتيان.

    وصنف كتباً كلامية وصنف كتباً في السلوك والتصوف الخالص، ولذلك يقول ابن تيمية : "إنه من خاصة المسلمين -يعني: أبا حامد - في التأله والعبادة، وله رجوع مشهور في آخر أمره إلى الحديث والعناية به".

    فيقول الغزالي مجيباً عن هذا الاختلاف في مقولته وتصانيفه: "إن المذهب ثلاثة:

    المذهب الجدلي -ويعني به: مذهب المجادلة- وهذا لدفع صول الصائلين على الإسلام، ويكون بالطرق النظرية، فندفع عن الإسلام صول أهل البدع المغلظة"، ويقصد بهم الغزالي إلى المعتزلة، ثم يقول: "وندفع صول من ليسوا من أهل الإسلام"، ويقصد بهم المتفلسفة أو الفلاسفة القدماء.

    ولذلك لما رد أبو حامد على الفلاسفة قال في بعض كتبه: إنا في ردنا على الفلاسفة استدعينا كلام أصحابنا المتكلمين، وكلام النظار من غيرهم، وإن كانوا يخالفونهم؛ لأننا أمام عدو قد صال على مقاصد الإسلام وأصوله. ويقصد بهم: المتفلسفة الذين قالوا بقدم العالم ونحو ذلك، فـالغزالي يسمى هذا المذهب: مذهب الجدل، أي: للمجادلة.

    ثم يقول: "المذهب الثاني المذهب العام"، ويجعله للعامة، يقول: "ويكون هذا بالزواجر والدواعي"، يعني بالترغيب والترهيب، يقول: "هذا هو الذي يناسب حال أكثر العوام".

    ثم يقول أبو حامد : "المذهب الثالث هو مذهب اليقيني"، يقول: "وهذا سر بين العبد وبين ربه، ولا يكشف منه العبد إلا القدر الذي يجوز كشفه لمن هو أهل له"، حتى إنه فصل بعض الكلام في جواب له لمن سأله عن بعض أحواله في التصوف ذكر بعض الأحوال حتى وقف ثم قال:

    فكان مما كان مما لست أذكره فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر

    ولـأبي حامد ترقيات في هذا الباب من التصوف اشتد في بعضها إلى أوجه مستغربة عليه.

    فالمقصود: أن مثل هذه الطريقة التي حصلت وجد من ينظر في أصوله العلمية النظرية على طرق المتكلمين، وفي مسائل السلوك ينظر على طرق الصوفية.

    ومن هنا اندمج علم الكلام مع التصوف، وصار كثير من المتصوفة في أصولهم النظرية على أصول كلامية، وفي مسائل السلوك على طرق صوفية معينة تختلف درجاتها، وهذا التصوف سماه الإمام ابن تيمية رحمه الله: صوفية المتكلمين.

    صوفية المتفلسفة

    أما صوفية المتفلسفة فإنه يشير بهم إلى الصوفية الذين نقلوا مقدمات فلسفية كان بعض فلاسفة الفرس أو الهند أو اليونان يتقلدونها لتحصيل التعبد الذي كانوا يعيشونه، وهو التعبد -تعبد أولئك الهند أو الفرس أو ما إلى ذلك- التعبد الشركي الذي لم يكن يقصد به وجه الله سبحانه وتعالى، فاستعملوا بعض هذه الطرق والأوجه وأدخلوها لتحصيل معرفة الله وعبادته سبحانه وتعالى.

    فهذا هو التصوف الفلسفي، وقد ظهرت له نظريات من أشهرها: نظرية وحدة الوجود، ونظرية الحلول والاتحاد، وبين الحلول والاتحاد بعض الفرق المعروف، ولهؤلاء أسماء مشهورة، وقد اشتهروا عند العامة أنهم صوفية، ولكنهم من حيث المقدمات بنوا على مقدمات فلسفية دخلت عليهم من الفلسفة التي ترجمت وانتشرت في العالم الإسلامي في أواخر دولة بني أمية وما بعد ذلك.

    ومن أخص هؤلاء: ابن سبعين ، والحلاج ، والتلمساني المسمى بـالعفيف ، ومحيي الدين ابن عربي الأندلسي ، وجملة من هؤلاء.

    فهؤلاء تقلدوا التصوف الفلسفي، وهذا هو أشكل مراحل التصوف؛ لأنه انحرف عن مقاصد التعبد الأولى التي كان عليها الشيوخ العارفون من قدماء المنتسبين إلى التصوف، كـالفضيل بن عياض ، وإبراهيم بن أدهم ، ومعروف الكرخي ، وشقيق البلخي ، وسهل بن عبد الله التستري ، بل والجنيد بن محمد ، وحتى مثل أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ، وإن كان الهروي متأخراً، لكن كان القدماء كـإبراهيم بن أدهم ، وشقيق البلخي ، ومعروف الكرخي ، والفضيل بن عياض ، وعطاء الواسطي ، وصفوان بن سليم ، وأمثال هؤلاء من العباد، ممن قد يسلم اسم التصوف بحقهم، وممن لا يسلم اسم التصوف بحقهم، بل كانوا بعيدين عن هذه الحال، بل حتى الصوفية الذين تباعدوا عن ذلك لم يصلوا إلى هذه الدرجة كتصوف الهروي أو حتى كتصوف أبي حامد الغزالي.

    وينبه إلى أنه قد يدخل على بعض أصحاب هذه الدرجات كلمات أو إشارات من الدرجة الثانية، ولربما استعمل بعضهم ما هو من الدرجة الثانية كـأبي حامد الغزالي؛ فإنه ربما استعمل بعض الكلمات أو الإشارات التي لا توجد إلا في تعبيرات صوفية المتفلسفة.

    1.   

    كيفية الحكم على الأشخاص

    أقول: إنه كقاعدة عامة -ولا سيما في التصوف- يحكم على قول الشخص، من حيث المعرفة بحقائق الأقوال.

    وقد يقول قائل: إن هذا يطول تتبعه.

    فأقول: إن الأمر كذلك، بل ربما نقول: لا ينتهي تتبعه، ولهذا فإن الفقه الصحيح الذي ينبغي أن يربى عليه الخاصة والعامة من المسلمين هو أن يعرفوا حقائق السنة والهدي الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العلم والعمل، فمن عرف الهدي الذي بعث به الرسول عليه الصلاة والسلام، وفقه سبيل السنة والجماعة، فإن هذا يستطيع أن يميز ما يخالفه من جهة، بل ويستطيع أن يبين درجة هذه المخالفة من جهة أخص.

    فهما أمران يحصل عنهما أمران:

    أولاً: أن يعرف أصول السنة والجماعة بالعلم والعمل، ولكن المعرفة اللفظية الجملية لا تكفي وحدها، بل لا بد أن يعرف ذلك ويفقهه، وإلا لو أردنا أن نأتي على جمل الاعتقاد كجملة: الإيمان قول وعمل، فهذه الجمل بعمومها لا بد منها، لكن من يتكلم في الكلمات المخالفة أو المذاهب المخالفة أو يريد أن يصحح لأصحابها لا يكفي في حقه العلم المجمل الذي قد يكفي للعامة، بل لا بد أن يفقه هذه الجمل من السنة، فيكون عالماً فقيهاً في هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أصول السنة التي أجمع عليها السلف، فإذا ما كان فقيهاً عالماً استطاع بعلمه في الجملة وبفقهه لها أن يعرف ما يخالف ذلك، ولا يكفي هذا، بل ويعرف -وهذا هو الأهم- درجة المخالفة؛ لأن بعض البدع وإن سميت بدعة كما يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: "لا تكون موجبة للخروج عن السنة والجماعة"، فمثلاً: قول مرجئة الفقهاء، وهو القول الذي تقلده حماد بن أبي سليمان ثم أبو حنيفة وجملة من أهل العلم، هذا القول يقول الإمام ابن تيمية عنه أنه من بدع الأقوال، وليس من بدع العقائد التي يضلل فيها المخالف، ومعنى يضلل المخالف أي: يخرج عن السنة، حتى يقال: هذا من أهل البدع والضلال.

    مع أن حماد بن أبي سليمان يقول: إن العمل لا يسمى إيماناً، ومن المعلوم أن من بدع الإرجاء بدع الجهمية الغالية، وهي بدعة قد نص الإمام أحمد وابن مهدي ووكيع بن الجراح رحمهم الله على أن القول بها كفر، فهذه تسمى إرجاء وهذا يسمى إرجاء، وبينهما أقوال وسط دون هذا وفوق ذاك.

    إذاً: الذي أوصي به طلبة العلم أن لا يعرفوا أصول السنة والجماعة علماً مجملاً أو ككلمات مجملة، بل لا بد من فقه ذلك، والعناية بمقام الفقه، وهو مقام -مع الأسف- قد قل اليوم، ومن الأدلة على قلته، ولاسيما في هذا العصر: أنه يوجد كثير من تصادم -إن صح التعبير- أهل السنة بعضهم مع بعض، أو بعبارة ربما هي الأشجع عند البعض أو أكثر شيوعاً: من تصادم السلفيين بعضهم مع بعض، ليس في قضايا هينة، بل في قضايا مثل مسألة الإيمان، ومسائل من هذا القبيل، وأحياناً خوض يقبل الاجتهاد مع ما لا يقبل الاجتهاد، وما هو ضابط مذهب السلف، وما هو الذي ليس بمنضبط مع مذهب السلف، حتى ربما بدّع بعضهم بعضاً وضلل بعضهم بعضاً، وربما اكتملت الأمور إلى نوع من الإغلاق الأخلاقي، فهذا يرمي هذا بأنه متأثر بأصول كذا، وهذا يرمي هذا بأنه متأثر بأصول المرجئة، وما إلى ذلك.

    وهذا سببه قلة الفقه، ومع قلة الفقه أحياناً تكون قلة الدين والورع عند بعض الناس، وإلا فإن من صدق مع الله في تدينه، واجتهد في طلب الحق يهدى ويسدد إليه؛ لأن الله يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا [العنكبوت:69] أي: بذلوا الجهد فِينَا [العنكبوت:69] أي: المخلصين لله لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69].

    إذاً: هذه هي الدرجات الثلاث، وعليه كنتيجة لهذا يقال: إن التصوف تأثر إما بأصول كمقدمات من السنة والجماعة، فأخطأ من أخطأ من الصوفية في تفسيرها، أو غلوا ببعض مقاماته عليه الصلاة والسلام التي ظهر فيها زهده وانفكاكه عن الدنيا، حتى جعلوها أحوالاً عامة، أو عطلوا بعض مقامات سنته أو هديه ببعض.

    فإنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يتكلف في مطعمه ومشربه ومأكله، ولربما تقلل من الحال، وهذه أحوال معروفة له عليه الصلاة والسلام، وربما صادف شيئاً من سعة الحال فأصابها، وكذلك في لباسه عليه الصلاة والسلام، وفي كثير من شأنه، فلربما أخذ البعض منهم وجهاً وترك وجهاً آخر.

    إضافة إلى معنى أشار إليه بعض أهل العلم، وذلك أنه يوجد في كتب التراجم -كما في تاريخ بغداد أو في كتب الذهبي ولاسيما المطولة بقصد التراجم كالسير ونحوه- في تراجم بعض الأئمة الذين لم يضافوا إلى التصوف كالإمام أحمد والشافعي وبعض أئمة بغداد ونحوهم من المحدثين أحوال نقلت عنهم، مثل أنه بقي على لباس معين كذا من السنين، أو أنه ترفع عن كذا، أو أنه تباعد عن لبس بعض أنواع الملابس، فهذه أحوال أصدق ما يقال فيها: إنها ليست سنة، وليس فلان وفلان من الناس محلاً للاقتداء به، ولكن لا يشنع على من ذكر عنه ذلك لأنه قد خالف السنة؛ لأن مثل هؤلاء الكبار كـأحمد رحمه الله وأمثاله ما كانوا يأمرون الناس بها، بل كما يقول ابن تيمية رحمه الله: "بعض النفوس الصالحة لا ينتظم صلاحها إلا بترك بعض المباحات"، يقول: "وترك بعض المباحات لا على وجه التحريم لها، بل على وجه إصلاح النفس بتركها، وأن النفس إذا انطلقت إلى ترف مباح تأثرت به"، يقول: "هذه أحوال تحصل لبعض الخاصة من الأئمة، فهي ليس محلاً للاقتداء، ولكنها إذا صدرت من مثل أحمد وأمثاله فليست محلاً للإنكار؛ لأنهم لم يفعلوها على وجه التغيير للسنة، ولا على وجه الدعوة إليها، وإنما هي من فقه إصلاح الحال، والناس يختلفون في ذلك".

    فبعض الناس إذا اغتنى صلحت حاله، واستقر دينه، وبعض الناس إذا كان فقيراً صلح حاله واستقر دينه، فإذا اغتنى تكبر، وبعض الناس إذا كان فقيراً ربما انشغلت نفسه عن العبادة بطلب المال أو بالتفكير فيه.. وهلم جرا، وهذه أمور يختلف الناس في وضعها.

    لا يحكم على أحد بأنه صوفي بمجرد انتسابه إلى الصوفية

    إذاً: التصوف قسم عام، والأسماء الحادثة أو التاريخية لا يجوز أن يصنف أصحابها الذين ينتسبون إليها بسبب أنهم كتبوا إلى فلان من الناس، ولنفرض أن زيداً من الناس -حتى نبتعد عن الدخول في أسماء معينة- له كتاب في التصوف، فصل فيه كلاماً غالياً، ثم توفي وصار رجلاً مشهود الحال في مصر من الأمصار، فصار كثير من العامة فيما بعد ينتسبون إلى زيد هذا، فهل يلزم بالضرورة أن من انتسب إليه يكون على معتقده وعلى حكمه؟

    الجواب: لا يلزم، وحينما نقول: لا يلزم، ليس معناه أنه لا يمكن أن يوجد، بل قد يوجد، فبعض الأتباع قد يكونون أضل من بعض الشيوخ، وهذا موجود؛ فإن بعض المتأخرين أبعد من بعض متقدميهم، وهذا مثاله في أتباع عدي بن مسافر الأموي ، فإنه كما يشير المصنف في كلامه أن عدي بن مسافر في جمهور أمره على السنة، وإن كان عليه بعض الأخطاء في مسائل من العلم أو العمل.

    لكن لما جاء من بعده وهو من أهل بيته بعد وفاته، وتولوا خلافته في دعامة هذه الطائفة وهذه الرتبة، جاء من بعده من المقتصدين، ثم جاء من بعده مقتصداً، ثم جاء الثالث فغلا في مذهب عدي بن مسافر غلواً زائداً، وانحرف به إلى بدع مغلظة، ودخل عليه شيء من الكلام في وحدة الوجود، وغلا في يزيد بن معاوية حتى وصل بـيزيد بن معاوية إلى مقامات غالية نقلت فيه أحوال منكرة مستغربة، فهؤلاء الذين تأخروا من المنظرين لطريقته زادوا عليه، فالعامة الذين ينتسبون إلى المسافرية أو إلى عدي بن مسافر أو ما إلى ذلك، لا يلزم بالضرورة أنهم بهذا اللاحق الذي غلا ولا بـعدي بن مسافر الذي كان من المقتصدين في الجملة.

    إذاً: النسبة إلى الأسماء الحادثة وحدها لا تكفي في درجة الحكم، لكن قد تكفي في إعطاء حكم عام، كأن تقول: الانتساب إلى هذا الاسم بدعة، فهذا نسميه حكماً عاماً، لكن أن نصل إلى حكم مفصل أو تطابق الحكم على الغالي مع غير الغالي، فإن هذا ليس وجهاً من العدل الذي جاءت به الشريعة.

    وتوضيح ذلك: أن الباطنية في التاريخ انتسب إليهم كثير من العامة، ومن المعلوم أن العامة في نظام الباطنية لا يكشف لهم الباطن، وقد يكشف شيء من الباطن بقدر يسمونه بما تحتمله النفوس، ولا يكشف لهم سائر ما في الباطن، فهؤلاء وإن كان انتسابهم مذموماً، لكنهم لا يصلون إلى درجة أئمة القائمين بهذا الغلو من البدعة.

    فالتصوف اسم ظهر في أثناء المائة الثانية، وانتسب إليه قوم صالحون مقتصدون هم في الجملة على السنة والجماعة، وانتسب إليه قوم دون ذلك عندهم بدع كثيرة في مسائل العمل، وانتسب إليه قوم أدخلوا عليه شيئاً من الأصول العلمية المولدة في الإسلام كعلم الكلام ومقدماته، وإن كان أثره ليس مباشراً، أو كالفلسفة الصوفية التي نقلوها عن بعض فلاسفة الفرس ونحوهم، وإن كانوا لم ينقلوها نقلاً مطلقاً في سائر مواردها، ولكنهم تأثروا بتلك النظريات الغابرة في التاريخ التي كان عليها بعض الفلاسفة، وهذا ما مثله باطنية المتصوفة المتفلسفة، وإن كان لفظ الباطنية ليس مطابقاً بالضرورة للفظ المتفلسفة، فإن الباطنية انتسب إليها من الصوفية من ليس فلسفياً، فالمتفلسفة من الصوفية هم أضيق الدرجات وأشكالها.

    1.   

    موافقة الإسلام للفطرة وسهولة أحكامه ومسائله

    كتوجيه عام: فإن الإسلام معرفة وعبادة جاء على الفطرة وعلى أصول العقل، وجاءت محكماته في العلم والمعرفة أو في العمل والتعبد كمسائل لا تستدعي محاولة وتطويلاً في الاجتهاد.

    وهذا يظهر في الصحابة زمن النبوة وزمن الاستجابة الأولى، فقد كان الإسلام أصوله ومعانيه -ولا سيما المعاني المحكمة، كأصول العلم والإيمان المتمثلة في الإيمان بالله وملائكته... إلخ، وأصول العمل كالصلوات الخمس والجمعة ورمضان والحج وأصول الأخلاق، وأصول المعاملات- كان يفقهها الصحابي المقارب للنبي صلى الله عليه وسلم من الخلفاء وأئمة الصحابة، وكان يعرفها ويفقهها كذلك الأعرابي الوافد، كان يعرفها بسيط العلم، وكبير العلم، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، ولم يكن في زمن النبوة تفسير الإسلام أمراً مشكلاً.

    ولو جمعنا سؤالات الصحابة في مجالس النبي صلى الله عليه وسلم لوجدنا أنها سؤالات خاصة وسؤالات قليلة، حتى في مسائل النفس وأحوالها كان لدى أئمة الصحابة من الاستقرار والظهور شيء كثير.

    وقد حصل في بعض الأحوال -كما في حديث أبي هريرة وابن مسعود في الصحيح- أن أناساً قالوا: (يا رسول الله! إنَّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان) وهذا ليس إشارة منه إلى طلب هذه الدرجة، فإن هذه الدرجة لم تحصل لـأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، بل لم تحصل لرسول الله وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحصلت لبعض المؤمنين صادقي الإيمان لكنهم دون درجة الصديقين وأئمة الصحابة المقدمين كالخلفاء الأربعة، ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام: (ذلك صريح الإيمان) من حيث أن الشيطان انقطع عن التأثير في الحقيقة فرد الله كيده إلى الوسوسة، كما في رواية ابن مسعود : (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة).

    فلم يكن عند الصحابة رضي الله تعالى عنهم إشكال، بل حتى الأعراب الذين كانوا يفدون كانوا يفقهون الإسلام فقهاً مباشراً، وبهذا يتبين أن تحويل الإسلام في القرون التي مضت أو في هذا العصر في طريقة تعبده أو في معارفه وعلومه وعقيدته إلى نوع من التطويل والتعقيد، سواء الذي تمثل في نظريات المتكلمين حتى كتبوا نظريات لا يستطيع أن يستوعب ما فيها المتعلمون فضلاً عن العامة، وكذلك في مسائل التعبد بطرق متكلفة مرتبة لا يستطيع أن يسلك السالك فيها وحده، فأولى للمسلمين خاصة وعامة في كل مكان من أرض الإسلام أن يقصدوا إلى ترك التعصب للأسماء والطوائف، وأن يقصدوا إلى التعصب لمن لا يجوز التعصب شرعاً إلا له من الأشخاص وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الاقتداء باسم القرآن، فيقتدوا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ويقصدوا إلى سنته الصحيحة المحفوظة، ويتباعدوا عما ليس معروفاً عنه عليه الصلاة والسلام في كتب الحديث المعروفة عند المسلمين، كالكتب الستة ومسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك وأمثالها.

    وإن كان قد يقع في السنن أو المسند أو الموطأ ما لا يكون من الصحيح، لكن في الجملة أن هذه الكتب السبعة وموطأ الإمام مالك هي دواوين الإسلام الجامعة للسنة، بخلاف بعض الكتب المتأخرة التي غلب عليها المتروك أو الموضوع، مما أدخل في كتب كثير من شيوخ الصوفية، وإن كان كثير منهم قد لا يكون عارفاً بذلك.

    ومثال ذلك: أبو حامد الغزالي رحمه الله، فإنه مع علو درجته في العلم، فهو فقيه شافعي وأصولي من كبار الأصوليين، وله معارف وعلوم معروفة في الإسلام، ومع ذلك نجد أنه يستدل بموضوعات، حتى إنه قال عن نفسه -ولم يقل هذا عنه غيره-: أنا مزجى البضاعة في الحديث. فنجده يأتي بالصحيح والضعيف وأحياناً يأتي بالموضوع، لكن مع ذلك في كلام أبي حامد خير كثير لمن أحسن القصد إليه والوصول إليه.

    ولذلك لما سئل شيخ الإسلام عن كتابه إحياء علوم الدين قال في جوابه: "أما الإحياء فغالبه جيد، لكن فيه ثلاث مواد فاسدة، فيه مادة من ترَّهات الصوفية -الترهات أي: شبه الأساطير- ومادة من الأحاديث الموضوعة، ومادة فلسفية"، وهي من تأثر أبي حامد بالفلسفة التي كان إماماً في الرد عليها.

    هذا جملة التعليق على ما يتعلق بطبقات الصوفية، ومقصود هذا التعليق أن الداعي إلى السنة والجماعة يجب أن يكون داعياً بعلم وعدل، وأن من انتسب لهذا الاسم -يعني: التصوف- يجب عليه أن يكون قاصداً لاتباع الكتاب والسنة وهدي السلف الأول من الشيوخ والعباد الصالحين الذين كانوا على مقصدٍ بين، وعناية بينة في اتباع ما هو معروف من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، وقد ذكرت لذلك أمثلة من الشيوخ المتقدمين المسمين بالتصوف، كـإبراهيم بن أدهم ، وسهل بن عبد الله التستري ، والجنيد بن محمد ، وإن كان الأبين شرعاً-إنما نقول هذا الكلام لأن التعصب والإلف استهلك نفوس كثير من العامة- والأوجب أن التعبد يكون بما مضى به الدليل من كلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم أن يكون من مشكاة فلان أو فلان من الناس، فإن التعصب للأعيان -حتى لو كان للصالحين الأبرار- لا يصح.

    إنما الذي يتعصب له هو الحق الذي بعث الله سبحانه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ ولذلك كان من فقه الأئمة المتقدمين رحمهم الله أنهم إذا أجمع الصحابة أخذوا بإجماعهم، وإذا اختلف الصحابة إما أنهم يتخيرون في اختلافهم، وإما أنهم يقيسون المسألة، ويقيسون أحد قولي الصحابة بما هو الأشبه بأصول الشريعة.

    فليس المقصود أن يصحح الانتساب مطلقاً، ولكن الاقتصاد في التصحيح أيضاً مطلوب من حيث الحكمة والعدل، وإلا فإن من انتسب لأشرف الأسماء، وهو الإيمان والإسلام الذي وصف الله به الأنبياء، فلا نعلم نسبة في شرع الله، بل وليس في الكتاب المنزل اسم أشرف من هذين الاسمين وما رادفهما، مما ذكره الله سبحانه أو سمى به أولياءه؛ فإن الله تعالى سمى إبراهيم عليه السلام مسلماً، ولما ذكر الله درجات المؤمنين قال: فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:69] هذه هي الأسماء الشرعية التي ينبغي للمسلمين أن يقولوا بها، وهي: اسم الإيمان والإسلام والصديق والشهيد والصالح والولي وما إلى ذلك.

    أما الأسماء المبتدعة والمصطلحات المبتدعة في الإسلام فهذه لا تزيد المسلمين خيراً ولا قرباً إلى السنة، ولا إلى هدي أصحاب الرسالة عليهم الصلاة والسلام، وإمامهم الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007969751

    عدد مرات الحفظ

    720801034