إسلام ويب

سلسلة تفسير سورة النور [5]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من كمال حراسة الله عز وجل لفضيلة في المجتمعات الإسلامية، أن أمر بغض البصر، وحرم الاختلاط والتبرج والسفور؛ ومن حرص الشارع على نقاء المجتمع حرم حتى الكلام الذي يفضي إلى الفاحشة، وكل ما يزينها أو يسوغ وقوعها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا...)

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته والتابعين، ومَن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    يقول الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19].

    هذه الآية الكريمة اشتملت على ثلاثة أمور:

    الأمر الأول: تحريم إشاعة الفاحشة بين أهل الإيمان.

    والأمر الثاني: بيان عاقبةِ مَن أشاع الفاحشة في الذين آمنوا.

    والأمر الثالث: بيان صفةٍ مِن صفات الله تبارك وتعالى.

    تحريم إشاعة الفاحشة

    أما الأول: وهو تحريم إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا: فقد تضمنه قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) إذ بينت هذه الآية الكريمة تحريم إشاعة الفاحشة بين أهل الإيمان، وللعلماء في هذه الآية الكريمة وجهان:

    الوجه الأول: أن المراد بها طائفة مخصوصة، أو قوم مخصوصون، وهم الذين تكلموا في حادثة الإفك، أي: أراد الله تبارك وتعالى بهذه الآية الكريمة أن يزيد في تقريع المنافقين، وأولئك المؤمنين الذين تبعوا أهل النفاق في حكاية ما قالوه من الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، واتهامها بالزنا، فوصفهم الله تبارك وتعالى بهذه الصفة أنهم قوم يحبون أن تشيع الفاحشة أي: نسبة أهل الإيمان إلى فعل الزنا والعياذ بالله، وأنهم يحبون ذلك؛ لكونهم يبغضون رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لضعف إيمانٍ أوجب لهم الوقوع في هذا الأمر العظيم.

    وبناءً على هذا الوجه فإن قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ).

    يراد بقوله (الْفَاحِشَةُ): شيءٌ مخصوص وهو: التهمة بالزنا.

    وقوله (فِي الَّذِينَ آمَنُوا) أي: بنسبة عائشة رضي الله عنها وصفوان بن المعطِِّل رضي الله عنه إلى الزنا زوراً وبهتاناً.

    (يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ) فوصفهم الله تبارك وتعالى بأنهم قوم يحبون ويرضون بإشاعة الفاحشة بين أهل الإيمان.

    أما الوجه الثاني عند العلماء: أن المراد من هذه الآية العموم، أي: أن الله تبارك وتعالى أراد أن يؤدب أهل الإيمان بها، فلا يكون المؤمن ناقلاً لحديث الفاحشة، مشيعاً له بين الناس دون تَرَوٍّ ولا تَثَبُّتٍ ولا تَتَبُّعٍ لحقيقة الأمر الذي يقوله.

    وبناءً على هذا الوجه الثاني يكون قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) أراد الله منه أن يبين طائفة من الناس ابتُليت بهذا المرض والعياذ بالله، وهو نقل الأحاديث القبيحة بين الناس.

    ويكون قوله: (يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) يقال: شاع الخبر يشيع شيوعاً إذا ذاع وانتشر أي: يحبون أن تذيع الفاحشة وتنتشر بين أهل الإيمان، وهذا من أبغض الصفات، ذلك أن الفاحشة إذا سُتِرت ولم تتعد موضعها، ووئدت في مهدها بأن اقتصرت على الشخص الذي فعلها، وسُتِر إن كان الله ستره، فإن ذلك أدعى لصيانة المجتمع؛ ولكن إذا انتشر بين الناس ذكر الفواحش والكلام القبيح، ونسبة الناس إلى الأمور القبيحة فإن ذلك والعياذ بالله مظنة لفتنة الناس، وصدهم عن التخلق بالأخلاق الفاضلة.

    وبناءً على هذا الوجه الثاني تكون هذه الآية الكريمة جاءت بقصد تأديب عباد الله المؤمنين حتى يحفظ كل واحد منهم لسانَه فلا يتكلم بالأمر القبيح ولا يشيعه بين الناس، ولذلك كان من علامة المؤمن الصادق في إيمانه أنه لا يحب سماع الفحش ولا ينقل ذلك القول الفاحش، ولذلك قالوا: مَن نَقَل الفاحشة فهو أفحش، أي: إذا رضي بها واعتنى بنشرها بين الناس، والغالب أنك إذا رأيت الرجل الذي يحرص على نشر الفاحشة بين الناس أن تجده متخلقاً بصفتين:

    إحداهما: ضعف إيمانه والعياذ بالله، ونقص خوفه من الله تبارك وتعالى.

    والصفة الثانية: نقص عقله.

    ولذلك تجد نقلة الأحاديث الذين يعتنون بإشاعة الفاحشة والأخبار السيئة بين المؤمنين يتخلقون بالصفتين والعياذ بالله.

    أما أهل الإيمان فهم أعف الناس لساناً، وأثبتهم في طاعة الله جَناناً، تشاع الفاحشة فيحسنون الظن بعباد الله، ويدفعون التهمة عن أولياء الله، وهم أطهر وأعف ألسنةً مِن تهمة الناس، يحبون للمسلمين ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون لأهل الإيمان ما يكرهون لأنفسهم، ولذلك كان مِن وصية السلف الصالح رحمهم الله: أنه لا ينبغي إشاعة الحوادث التي فيها فُحش وأمرٌ قبيح؛ لأن ذلك وَهَن في المجتمع وضعف فيه، ولذلك ورد عن سفيان الثوري رحمه الله قوله: إنه لا ينبغي للمؤمن إذا سمع الأمر القبيح أن يكون ناقلاً له لأن ذلك ثلمةٌ في الإسلام، فإذا وقعت الفاحشة بين أهل الإيمان، واعتُني بنشرها ونقلها وإذاعتها كان ذلك أدعى أن يجترئ أهل الفسق على الفسق حتى يقول القائل: إنني سأفعل كما فعل فلان، ولكن إذا كان الناس أبعد عن إشاعة هذه الأخبار الخبيثة وهذه الأمور القبيحة كان ذلك أدعى للحشمة والعفة، وليس معنى ذلك السَّتْرُ على أهل الفسوق والفجور، ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية رضي الله عنه أنه قام في الناس خطيباً فقال (ألا تَرْعَوُون؟! اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس). فاستثنى أهلُ العلم رحمهم الله أن يكون الرجل مجاهراً بفسقه، فمثل هذا تُشاع شنيعته وتُفضح قبيحته، حتى يكون ذلك أدعى لبُعد الناس عن هواه، ومجانبتهم لفاحشته وطغيانه واعتدائه لحدود ربه، ولذلك إذا شُهِّر بالفاسق المجاهر بفسقه كان ذلك أدعى لكف الناس أو انكفاف غيره عن فحشه.

    فالمقصود أن النهي عن إشاعة الفاحشة مقيد بأحوال، كما سبق في النص الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ) انظر رحمك الله كيف أخبر الله عز وجل أن مجرد محبة إشاعة الفاحشة بين المؤمنين توجب عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فكيف بمن فعل؟! وكيف بمن نشر؟! وكيف بمن دعا وسهَّل؟!

    وللعلماء في هذه الآية الكريمة -بناءً على الوجه الثاني- وجه آخر؛ وهو: أن إشاعة الفاحشة المراد بها أن يدعو الإنسان غيره إلى الفاحشة، فيحب أن يصبح المجتمع والعياذ بالله مجتمعاً فاسقاً، لا يرعى ديناً ولا حرمةً من حرمات ربه والعياذ بالله.

    وعلى هذا يكون قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) المراد منه تحذير المسلم أن يقول قولاً أو يفعل فعلاً يدعو غيره به إلى فعل الفاحشة، كما يفعل أهل الفسوق والفجور والعياذ بالله، فأخبر الله تبارك وتعالى أن مَن دعا إلى الفحش أنه سيذيقه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وعْداً مِن الله مفعولاً.

    ولذلك حذر العلماء رحمهم الله عند الكلام على الآداب والأخلاق -كما هو منهج الشريعة- من أن الإنسان يَسُنُّ السُّنَّة القبيحة التي تفضي بوقوع غيره والعياذ بالله في الفحشاء والمنكر، ولقد بين بعض العلماء أن الدعوة إلى الفاحشة تكون باللسان، وتكون كذلك بالجوارح والأركان والعياذ بالله الرحمن، فقالوا: إن الإنسان قد يدعو غيره إلى الفاحشة بلسانه، ولذلك قالوا: لو أن إنساناً أشاع الفاحشة في قوم فإنه يلقى الله بآثامهم، فعلى سبيل المثال: الرجل يأخذ الشباب والصبية الصغار في السن يسهِّل لهم السبيل لحدود الله، ويحببهم في فعل معاصي الله، فهذا يعتبر من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وصاحبه موعود بعذاب الدنيا والآخرة والعياذ بالله! ولذلك قرر بعض العلماء رحمهم الله أن الإنسان إذا دعا إلى الفاحشة بلسانه فسهل سبيلها لغيره كأن يدعوه إلى الزنا أو إلى شرب الخمر أو غير ذلك من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فإنه لن يفعل تلك الفواحش أحد، ولن يتأثر مخلوق بمقاله إلا لقي الله بوزره وإثمه، ولذلك قال الله عز وجل في الشعراء: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224] قال بعض العلماء: لِمَا في الشعر من مفاتن الغزل التي تدعو إلى تعدي حدود الله وانتهاك محارمه، فأخبر الله تبارك وتعالى أنهم بهذا الصنيع قد غَوَوا وضلوا وأضلوا والعياذ بالله.

    فالمقصود: أن الإنسان قد يدعو إلى الفاحشة بلسانه وبأفعاله، فالمرأة إذا خرجت على عفة وصيانة ملبسها ولم تكن حافظةً لحدود الله في قيلها وكلامها، فإنها داعيةٌ إلى الفحشاء بقولها وفعلها، ولذلك قال سبحانه وتعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً [الأحزاب:32].

    فالمقصود: أن الإسلام يراعي كفَّ أبواب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن هذه الآية الكريمة سواءً قلنا: إنها نزلت في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وصفوان بن المعطل رضي الله عنه وأرضاه، أو قلنا: إن المراد بها العموم، فإن المقصود منها والعبرة فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فعموم لفظها: يشمل كل مَن دعا إلى الفاحشة، فكل مَن تكلم عليه أن يراقب الله في كلامه، وأن لا يتكلم بالحديث الذي يدعو إلى الفحش والعهر، أو يسهل السبيل للفاحشة وانتهاك حدود الله عز وجل، وكم مِن متكلم تكلم بكلمة وقعت في قلوبٍ أغوتها عن سبيل الله، وحببت لها معاصي الله عز وجل، وانتهاك حدود الله ومحارمه.

    نسأل الله السلامة والعافية.

    فالمقصود: أنه ينبغي على المسلم أن يصون لسانه، وأن يحفظ جوارحه وأركانه عن أن يقول أو يفعل ما يدعو إلى الفاحشة، ولذلك نهى الله عز وجل المؤمنة أن تضرب برجلها ليُعْلَم ما تخفي من زينتها؛ لأنها إذا ضربت بقدمها على هذا الوجه التفتت الأنظار إليها، فكان ذلك أدعى للفتنة، ومِن ثم يعتبر هذا من قفل الأبواب المفضية إلى الفحشاء، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة أن تمر على القوم فيجدوا ريحها، وأنها إذا فعلت ذلك فهي زانية والعياذ بالله، أي: زانيةٌ باعتبارٍ، أو زانيةٌ مِن وجه، ذلك أنها إذا تعطرت وأحسنت ذلك في ثيابها، وشُعِر به أثناء مرورها بالناس دَعَت إلى النظر والفتنة بها، فكان ذلك دعوة إلى الفحشاء وهي فاحشة النظر.

    فالفحش كما يقع بالأفعال المتعلقة بالفروج من الشهوات يقع أيضاً باللسان والسمع والبصر.

    ولذلك حذر الله تبارك وتعالى من محبة إشاعة الفاحشة.

    والذي نستفيده من هذا الأمر الأول الموجود في هذه الآية الكريمة:

    - أنه ينبغي لكل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكره الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن لا يحبها، ولا يحب أن تشيع في الذين آمنوا.

    - وأما الأمر الثاني: فالخوف من هذه الخصلة المذمومة والبعد عنها بأن يحفظ الإنسان لسانه، فلا يشيع ولا يذيع بين الناس أن فلاناً فعل، وأنه ينبغي علينا إذا سمعنا أن رجلاً وقع في فاحشةٍِ ما، ألا نعجل في اتهامه بذلك، وأن نستثبت، ولو تثبت الإنسان وأمكنه أن يستر حتى يعين العاصي على التوبة والإنابة فإنه ينبغي له ذلك، ولا يشيع إلا في الأحوال المستثناة التي يُقْصَد منها تحذير المجتمع من الوقوع في حدود الله ومحارمه.

    وهنا أمر أحب أن أنبه عليه: وهو أن بعض الإخوة أصلحهم الله من باب حسن النية قد يعلمون أن رجلاً فعل أمراً منكراً أو ذنباً بينه وبين الله عز وجل فقد يبرز أحدُهم أمام الناس ويقول: إن فلان بن فلان فعل كذا.. وكذا.. وهذا ليس من هدي السنة، وليس من الأدب الذي أدب به نبيُّ الله صلوات الله وسلامه عليه أهلَ الإيمان، فليس من آداب الدعوة أن يُشاع أمر أى إنسان على سبيلٍ لا يُعان فيه على التوبة والرجوع إلى الله، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد أن ينبه على خطأ إنسانٍ قال: (ما بال أقوام...) (ما بال رجال...) كمالاً في الأدب، ومراعاةً لأعراض الناس، وهذا كما قلنا هو الأصل، أن تصان أعراض الناس، وأن تستر ما أمكن الستر، فإن ترتب على التشهير مصلحة شرعية فحينئذ ينبغي أن يراعَى ذلك بقدر الضرورة، وينبغي أن نفرق بين أمرين:

    - أحدهما أن الإنسان قد تأخذه حمية الدين فيشهِّر بفاسق.

    - وقد يكون تشهيره على سبيل الغيظ لا على سبيل الحمية للدين.

    وفرقٌ بين حمية الدين وحمية الدنيا.

    فينبغي للإنسان أن يفرق بين المقصدين؛ مقصد يثاب فاعله ويؤجر قائله، ومقصد بخلاف ذلك.

    وأُنبه أخيراً على أنه ليس معنى هذا أن يترك الحبل على الغارب لأهل الفجور يسرحون ويمرحون، ونقول: استروا؛ لأن الله يحب الستر!

    لا. إنما المراد أن يوضع الستر في محله، وأن يوضع التشهير في محله، ولو أراد أن يشهر يشهر بقدر ومصلحة شرعية مترتبة على التشهير، وإلا تركه فلا خير فيه، ولذلك الغالب في الإنسان أنه إذا شُهِّر بالمعصية أن يزداد فجوره وغيه وتعنته، وهذا ليس من مصلحة الدعوة في شيء؛ لأن المقصود من الداعية أن يحقق أحد الهدفين:

    - امتناع العاصي من عصيانه.

    - أو على الأقل يمنعه، أو يحجره بقدر معين.

    فإذا أصبحت دعوته تعين الفاجر على الفجور، وعلى التمادي كان ذلك بخلاف المصالح الشرعية.

    وعلى العموم: فينبغي لكل من تقلد أمراً في تنبيه الناس ودعوتهم كطلاب العلم ونحوهم أن يفرقوا بين المقصدين، وأن يُنْزِلوا الأمور منازلها؛ لأن العامة تنظر إلى الخطيب والموجه والإمام ونحوهم من الدعاة بمنظار الشرع، ولا تنظر إليهم أنهم اجتهدوا، وعليه فلا ينبغي إشهار الفاسق إذا كان يزيد من تمرده وإصراره وتوسع غيِّه ويفتن الناس به، كل ذلك طلباً للمصلحة الشرعية التي يقصد منها كف الناس عن الأذى، وصيانتهم عن الوقوع في حدود الله جل وعلا، وبعدهم عن سبيل الغي والهوى، والفحش والردى، فإن كان ذلك فحيَّ هلا، وإلا فلا.

    فالمقصود أنه ينبغي أن يفرق المسلم بين الأمرين.

    عاقبة من أشاع الفاحشة بين المؤمنين

    أما الأمر الثاني: قوله تعالى: لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:19]: فهذا المقطع من الآية الكريمة دل على أن من أحب انتشار الفاحشة في المؤمنين أن الله عز وجل يعاقبه في الدنيا والآخرة، وللعلماء في هذه الآية وجهان، كلاهما مركبان على ما سبق في صدر الآية الكريمة عند بيان الأمر الأول، وهما:

    - أن الآية إما أن يراد بها الخصوص أي: قَذَفَة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فنقول: إن قوله تعالى: (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) المراد منه أن من قذف أم المؤمنين عائشة وصفوان بن المعطل رضي الله عن الجميع فإن الله سيعذبه في الدنيا والآخرة، أما عذاب الدنيا: فحد القذف الذي أقامه النبي صلى الله عليه وسلم، وأما عذاب الآخرة: فلأن الإنسان إذا قذف غيره ولم يتب إلى الله فإن الله سيعذبه في الآخرة، نسأل الله السلامة والعافية، ولذلك سيأتي في الآيات الكريمة التالية بيان أن الله عز وجل يعذبهم في الآخرة بعذابين عظيمين:

    أما العذاب الأول: فهو أن يفضحهم كما فضحوا أولياءه، ويشهِّر بهم على رءوس الأشهاد أمام الأولين والآخرين، فيقيمهم في عرصات يوم الدين، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ [الشعراء:88] فتشهد عليهم الألسنة بأنهم كذبوا على عباد الله، واتهموا أولياء الله، وأنهم أشاعوا الفاحشة بين عباد الله، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما سعوا به في ذلك.

    فلذلك أخبر الله عز وجل عن هذا العذاب الأول، ثم أخبر عن العذاب الثاني وهو: عذاب النار وبئس القرار، نسأل الله عز وجل أن يعيذنا من ذلك، وأن يرزقنا عفة اللسان عن عباده وخلقه، والأدب في نقل الحديث عنهم وترويج الأخبار عنهم، فالمقصود: أن هذا المقطع الثاني من الآية الكريمة إن كان المراد مِن صدرها أم المؤمنين وصفوان بن المعطل ، فالمراد بقوله: (عَذَابٌ أَلِيْمٌ) أي: حد القذف في الدنيا، وعذاب الآخرة بعذاب النار والفضيحة أمام الأشهاد؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فمن فضح عباد الله وتتبع عورات المسلمين وشهَّر بهم بالزور والبهتان، كان حقاً على الله عز وجل أن يعامله بما فعل، فكما شهر بالمؤمن في الدنيا يشهر الله به في الآخرة، وكما فضح المؤمنين يفضحه الله على رءوس الأولين والآخرين، وشتان ما بين الفضيحتين! وشتان ما بين العذابين!

    - ثم هناك وجهٌ ثانٍ في قوله: لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:19]: وهو أنه إذا قيل: إن المراد بالآية غير قَذَفَة عائشة ، فيكون المعنى: كل مَن روَّج الشائعات التي تفضي بحصول الفحشاء، وانتشارها بين أهل الإيمان، أو كان داعية إلى الفجور كدعاة الزنا ودعاة الخمور ونحو ذلك ممن ينشرون ما حرم الله، ويدعون إليه، ويسهلون السبيل لبلوغه والوصول إليه، هؤلاء لهم عذاب أليم في الدنيا، ولهم عذاب أليم في الآخرة، فشهد الله عز وجل أنه سيعذبهم بعذابين، ولذلك تجد دعاة الباطل والهوى وأصحاب الفسوق والردى في عذابٍ وقلق نفسي لا يعلمه إلا الله عز وجل، فيعذبهم الله في أنفسهم، فإذا فتشت عن قلب أحدهم وجدته أشد ما يكون احتراقاً والعياذ بالله من داخله، يتلذذ بالشهوات في جسده، يصيب الزنا والخمور واللواط والعياذ بالله وغيرها من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وفي داخله يحترق جحيماً والعياذ بالله، في قلق واضطراب لا يعلمه إلا الله عز وجل جَزَاءً وِفَاقاً [النبأ:26]، وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:33] ولذلك تجدهم مهما تلذذوا بالشهوات يسلبهم الله عز وجل لذتها، فيشربون الخمر ليجدوا لذة الساعة، وبعدها يجدون عذاب الدهر والعياذ بالله، فهذا هو عذاب الدنيا، ولربما يعذبهم الله عز وجل في الدنيا بصرف القلوب عنهم، والأنظار، ولذلك تجد أهل الفحش والعياذ بالله في سُخْط من الناس، مهما عجبت الناس من أفعالهم وأقوالهم لكنهم لهم كارهون، ولسبيلهم مجانبون، فالمقصود أن الله يعذبهم بذلك في الدنيا، وأما عذاب الآخرة: فعند لقاء الله عز وجل فيعذبهم الله تبارك وتعالى بما شاء من فتن القبور وأهوالها، وفتن النشور وشدائدها، وكذلك فتن جهنم وعذابها، نسأل الله السلامة والعافية من جميع ذلك.

    فالمقصود: أن الآية إذا حُملت على العموم فإن المراد بها: أن الله يعذب كل مَن آذاه بإشاعة الفاحشة بين عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة.

    ولذلك قال بعض العلماء رحمهم الله: إن الغالب في الإنسان إذا دعا إلى الشهوات والفواحش ألاَّ يسلم له عقله، ولذلك قال الله عز وجل حينما نهى عن الفواحش: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُوْنَ) والغالب أن صاحب الفاحشة مع دعوته إليها أن تجد فيه خفةً وطيشاً في العقل والعياذ بالله؛ لأن العقل يَعْقِلُ صاحبَه عن الأمور الرذيلة، فإذا اجترأ على حدودَ الله عز وجل سلبه الله نورَ العقل، ولذلك كم رأينا وسمعنا من عواقب كُتَّاب وشعراء وغيرهم ممن دعوا إلى الفواحش، كانت أوبأ العواقب وأسوأها والعياذ بالله، حتى ولو كان ذلك بمجرد كلمة يشيعها ويذيعها نسأل الله السلامة والعافية من جميع ذلك.

    في الآية بيان صفة من صفات الرحمن

    الأمر الثالث الذي اشتملت عليه هذه الآية الكريمة: فصفة تدل على عظمة الواحد الديان، ختم بها هذه الآيات الكريمة حتى ينبه العباد بفضل هذا الكتاب، وأنه سبيل الخير والهدى والصواب.

    يقول الله تبارك وتعالى مشيراً إلى هذه الصفة الكريمة: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] وللعلماء في تفسير خاتمة هذه الآية الكريمة وجهان:

    - منهم مَن قال: إن المراد بها الخصوص، أي: أن الذي تقدم مِن قولنا: إن المراد بالآية قَذفَة عائشة وإشاعة الفاحشة عنها، يكون قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) أي: يعلم أن هؤلاء كاذبون ومفترون فيما قالوه، وأن الذين يشيعون الفاحشة في الذين آمنوا أنهم أهل كذب، لا حقيقة لما قالوه ولا صدق لما أذاعوه، فالله يعلم كذبهم، وأنتم لا تعلمون. هذا هو الوجه الأول.

    - وأما الوجه الثاني: فهو أن قوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) أي: يا عبادي! هذا حكمي أن أعذب أهل الفواحش، الدعاة إليها والممهدين لسبيلها، وأنا أعلم بخلقي، وأعلم بالحكم الذي شرعته لهم من عذاب الدنيا إذا قذفوا، وعذاب الآخرة إذا صاروا إلى الله ولم يتوبوا، فقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) يكون معناه على هذا الوجه الأخير، أي: أن هذا الشرع الذي شرعته لكم مِن عقوبة مَن يشيع الفاحشة في الدنيا والآخرة إنما هو شرع العليم الذي يعلم عواقب الأمور، وفي هذا إشارة إلى العواقب الوخيمة التي تتأتى أو تحصل بسبب إطلاق الناس لألسنتهم بالفواحش، أي: والله حرَّم ذلك لعلمه بما يئول إليه الأمر من أذية المسلمين، ولذلك لو أن إنساناً اتُّهم في عرضه لم ينم ليلته، ولم يرتح في يومه، وكذلك لم يرتح في عبادته وصلاته لربه، بل إن عائشة رضي الله عنها لما بلغها قذفُها مكثت ثلاث ليالٍ لا تنام لها عين، ولا يجف لها دمع من البكاء والدموع.

    فاتهام الناس في أعراضهم، وإشاعةُ الفاحشة عنهم أمرٌ خطير، ولا يعرف قدره إلا الله عز وجل علام الغيوب، ولربما أن الإنسان إذا أشاع الفاحشة عن رجل أنها تضر بيته كله، فلا تُنْكَح بناتُه ولا أخواتُه، ولربما يسترسل ذلك إلى عواقب لا يعلمها إلا الله، فلا يستغرب المؤمن من هذا الوعيد الذي توعد الله به أهل إشاعة الفاحشة! فلا تعجب -أيها المؤمن- من ذلك فالله عليم بخلقه، حكيم في أمره ونهيه! وهذا يدل على أنه ينبغي للمسلم أن يسلم لله عز وجل ويذعن له، فإذا بلغه الحكم عن الله علم أن شرع الله هو الغاية، وأنه هو النهاية في العدل وفي اللطف بالعباد والرحمة. والله أعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم)

    قال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [النور:20]:

    الفضل في اللغة: الزيادة، وفي هذا المقطع من الآية الكريمة دليل على أن العباد لا يستوجبون على الله شيئاً، وأن الفضل لله عز وجل، فإن أعطى الهداية فبمحض فضله، وإن وهب النعم والمنن والآلاء فبمحض جوده وكرمه، لا حق للعباد عليه سبحانه وتعالى في نعمه وفضائله الدينية والدنيوية والأخروية، يحكم ولا معقب لحكمه، ويقضي ولا راد لقضائه سبحانه وتعالى.

    (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) إشارة إلى عظيم المنن، وجليل النعم التي يرفل بها المؤمن من نعم الدنيا والآخرة، قال بعض العلماء: إن المقصود من هذه الآية الكريمة أن ينبه طائفتين: منهما الطائفة الأولى التي تكلمت في أم المؤمنين عائشة زوراً وبهتاناً، أي: أتتكلمون في الناس وتتهمونهم في أعراضهم وكأنكم تزكون أنفسكم، ولولا الله ما زكت أنفسكم ولا عُصِمت جوارحكم من حدود الله، ولا ابتعدت عن محارم الله عز وجل؟!

    الرحمة والرأفة صفتان من صفات الله تعالى

    وقوله: (وَرَحْمَتُهُ): الرحمة ضد العذاب، وكم لله عز وجل من رحمةٍِ بالعباد، وأعظمها رحمة الدين والهداية، والبعد عن سبيل الضلال والغواية! فهذه أجل النعم وأعظمها، وهي النعمة التي لا يعطيها الله عز وجل إلا لمن أحب، أي: لولا أن الله تفضل عليكم ورحمكم، كيف يكون الحال؟! وكيف يكون شأنكم؟!

    وقوله: (وَرَحْمَتُهُ): فيه إثبات صفة الرحمة لله تبارك وتعالى، وهي الصفة التي بلغت الكمال والغاية، فلا أرحم من الله ولا أحلم بخلق الله عز وجل منه، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل قسم الرحمة إلى مائة جزءٍ، ثم أنزل منها جزءاً واحداً يتراحم الخلق به).

    فهذا الجزء الواحد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن شاهدٍ مِن شواهده، وهي: أن الدابة لترفع قدمها لرضيعها حتى لا تطأه، فهذا من ذلك الجزء من الرحمة، حتى إذا كان يوم القيامة جمع ما عنده إلى ذلك الجزء فرحم به عباده وهو أرحم الراحمين، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله عز وجل كتب كتاباً عنده قبل خلق السموات والأرض أن رحمتي تسبق عذابي) فرحمته سبحانه وتعالى بعبيده وخلقه أعظم وأجل من كل رحمة، ولا رحمةَ إلا مِن رحمةِ الله تبارك وتعالى!

    وكم لهذه الرحمة من شواهد ودلائل! رحم العباد فسخر لهم الأرزاق والنعم والمنن: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6] وما ماتت دابة من الدواب تحتسب رزقها على الله عز وجل.

    وكذلك رحمهم بألفة بعضهم لبعض، حتى رحم الصبي إذ أوجده، فعطفَ قلبَ أمه عليه إنساناً كان أو حيواناً.

    ورحم العباد فجعل قلوبهم متفاوتة، فمنهم الحليم الرحيم الرفيق الرقيق، ومنهم من هو بخلاف ذلك، فإن كانت الشدة صَلُح لها قوي القلب، وإن كانت الرقة صلح لها رقيق القلب بإذن الله، وكل ذلك من شواهد رحمته.

    وأما رحمته بالعبد فقد رحمه وهو في الظلمات -في بطن أمه- تقلب في طور الخلق طوراً بعد طور، يكلؤه بعنايته، ويحفظه برعايته، ويشمله برحمته، فأعطاه الغذاء، وأعطاه ما ينبت لحمه وينشز عظمه، وما من حركة له في تلك الظلمات إلا قدَّرها عليه، وما من سكون له في ذلك المكان الذي لا يعلمه سواه إلا وهو لطيف رحيم به سبحانه وتعالى.

    وأغرب ما يكون أنك ترى المرأة وهي في حَملها وقد حان وضعها لو أنها عُرِّضت بفجيعة واحدة لأسقطت جنينها ولمات ذلك الجنين! فسبحانك ما أرحمك وما أحلمك وما أرأفك بخلقك! فرحم الإنسان في تلك الأحوال، ولو أنها ضُربت على بطنها ضرباً لربما سقط جنينَها ميتاً، ولربما ماتت معه من ذلك الإسقاط، فهذه رحمة سبقت قبل وجود الإنسان.

    ثم جاءت تلك الساعة العصيبة الرهيبة ساعة وضعه، فأعطاه رحمته وأولاه عنايته، فكانت ساعةً يرى فيها الموت، وترى أمُّه فيها الموت، حتى إن مريم بنت عمران كما يقول الله: فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي [مريم:24] وذلك عندما جاءتها تلك الساعة وقَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [مريم:23].

    ورحم الله عز وجل العبد بعد أن أخرجه إلى هذه الدنيا، فسخَّر له الشراب السائغ يغتذي به ليله ونهاره، وصباحه ومساءه، فهل عدم يوماً من الأيام رزق الله؟! وهل فقد يوماً من الأيام هذه الرحمة من الله؟!

    ثم تقلب في طور بعد طور، ومرحلة بعد مرحلة، يغذوه بنعمه ومنّه وكرمه، حتى أصبح بشراً سوياً جَلْداً قوياً قال: لا رب لي، ولا إله لي والعياذ بالله! فكان أعظم ما يكون فجوراً وكفوراً وإعراضاً عن الله! وبالنفس غروراً! ومع ذلك يرحمه، فيطعمه من طعامه، ويسقيه من شرابه، ويظله بظله، ويشمله برحمة لا يعلمها إلا هو سبحانه، مع أنه عاصٍ متمرِّد على الله عز وجل، نسأل الله السلامة والعافية.

    وهذا من أبلغ ما يكون من الرحمة.

    فكل هذه النعم لو لم تكن كيف يكون حال الإنسان؟! بل إن الإنسان لو أن الله عز وجل تركه طرفةَ عين يمشي دون رحمةٍ لَهَلَكَ والعياذ بالله، ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: (يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) أي: لا تحرمني هذه الرحمة وهذا اللطف والرحمة منك سبحانك وتعاليت، فالمقصود: أن الله عز وجل نبه العباد بهذه الآية إلى أنهم حقراء فقراء إلى رحمته، لولا الرحمة من الله واللطف منه عز وجل: كيف سيكون حالكم؟!

    وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [النور:20]: رءوف بكم! رحيم بكم! لا تستوجبون عليه من ذلك شيئاً؛ ولكنه صاحب الفضل والكرم.

    وقوله: (رَءُوفٌ رَحِيمٌ): فيه إثبات صفتين لله عز وجل:

    - صفة الرأفة.

    - وصفة الرحمة.

    ورأفة الله عز وجل غاية الرأفة، ولا تكون الرأفة إلا بالعطف الشديد على الإنسان، فيقال: فلان يرأف بفلان إذا عطف عليه عطفاً شديداً، والله تبارك وتعالى على أكمل ما يكون رأفةً بالعباد، ولذلك صح في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما كان في الغزاة ففقدت امرأة صبيها فولهت من فقده، فجاء صبيها يعدو فانتشلته ورفعته، فقال عليه الصلاة والسلام: (أترون هذه طارحةً ولدَها في النار؟! قالوا: لا. قال: لَلَّهُ أرحم بخلقه من هذه بولدها) فهذا يدل على عظيم رأفته وجليل رحمته سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان...)

    وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:21]:

    هذه الآية الكريمة ابتدأها الله تبارك وتعالى بنداء أهل الإيمان يحذرهم من اتباع سبيل الشيطان، أي: يا أهل الإيمان! يا أهل الطاعة للرحمن! لا تتبعوا خطوات الشيطان، والخطوة: ما يخطوه الإنسان، وأصلها: المسافة بين القدمين، يقال: خطا إذا وضع قدمه على الأرض، وما بين الموضع والموضع خطوة.

    وقوله: (لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) هذه الآية الكريمة يقول بعض العلماء رحمهم الله: جمعت النهي عن جميع الشرور، فكل الشرور مبدؤها من الشيطان، وسبيل الوقوع فيها وسوسة الشيطان، فالإنسان لا يمكن أن يصيب حدود الله، ولا يجترئ على محارم الله عز وجل إلا بدافع من نفسه، وذلك هو تسويل الشيطان، ووسوسته له في صدره، فجمع الله عز وجل النهي في هذه الآية الكريمة الشرور كلها، ولذلك قال بعض العلماء رحمهم الله: مَن وفَّقه الله عز وجل فعصمه الله من وسوسة الشيطان ومتابعته فقد فلح وفاز فوزاً عظيماً، ولذلك بيَّن الله تبارك وتعالى في هذه الآية أمرين:

    الأمر الأول: أن الشيطان داعية الردى، وأنه المحبِّب في سبيل الغي والهوى.

    وأما الأمر الثاني: أنه أطلع العباد على عاقبة دعوة الشيطان.

    ففي هذه الآية الكريمة كشف الله عز وجل حقيقة العدو اللدود للإنسان -الشيطان-، الذي لا يمكن أن يرتاح إلا إذا أوقع الإنسان في حدود الله ومعاصيه ومحارمه والعياذ بالله!

    يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يا من آمنتم بي! وصدقتم بكتبي! واتبعتم رسلي! إن كنتم مؤمنين حقاً فلا تتبعوا خطوات الشيطان، ثم انظر إلى أسلوب القرآن! حيث قال: (لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) ولم يقل: لا تتبعوا الشيطان؛ لأن الشيطان إذا أراد أن يغوي الإنسان أخذه بتدرجٍ مِن حكمته وحنكته والعياذ بالله في الغواية، فيبتدئ مع ولي الله المؤمن فيصيب محقرات الذنوب، ثم يسترسل معه من ذنب إلى ذنب حتى تأتي عليه الساعة التي ينسلخ فيها من دينه -والعياذ بالله-، بعد أن كان من خيار عباد الله وأصلح خلق الله، وبعد أن كانت المرأة من الصالحات القانتات، إذا به يفاجأ -بعد تتبعه خطوات الشيطان في دعوته، واسترساله معه من دركة إلى دركة- عند أن تأتي الساعة -والعياذ بالله، ونسأل الله العصمة منها- التي ينسلخ فيها من دينه خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11].

    فالشيطان يبتدئ بالمعاصي اليسيرة وبالأمور الحقيرة في نظر الإنسان، فمثلاً: إذا أراد أن يوقع الإنسان في معاصي اللسان: تدرَّجه في المعصية اليسيرة من اللسان، وإذا أراد أن يوقعه في معصية البصر: تدرج معه في أخف معاصي البصر، ثم الشراب، ثم النكاح، ثم غير ذلك من الفواحش والمعاصي.

    فيبتدئ مثلاً في معاصي اللسان -إذا كان الرجل من عامة الناس جاهلاً- فيقول له: لا حرج عليك إذا اغتبت شخصاً أو طعنت في شخص، فيتكلم بتلك الكلمة فيُفتح له باب من أبواب الشيطان: لأن من عصى الله بجارحة فتح على نفسه شعبة تلك الجارحة، وهكذا يأتي إنساناً صالحاً لا يتكلم إلا فيما يعنيه، فيقول له: يا هذا! قد ضيقت على نفسك، فأنت تزعم أنك من الصالحين ومن عباد الله المتقين! والدين يسر ورحمة، لماذا لا تتكلم في فضول الدنيا؟

    وقد كان شخصاً حافظاً للسانه لا يتحدث في فضول الدنيا ولا يتكلم إلا فيما يعنيه، فيتدرج معه حتى يتكلم فيما لا يعنيه، فيبتدئ معه في فضول الدنيا، فيصبح يسأل عن هذا وذاك مما لا يعنيه، ثم يتدرج معه بعد ذلك إلى السؤال عن المحرمات، والوقوع في الحدود والسيئات التي نهى الله عز وجل عنها، حتى يأتي ذلك اليوم -والعياذ بالله- الذي يكون فيه من أفحش الناس لساناً، وأقذعهم بياناً نسأل الله السلامة والعافية.

    ولذلك ينبغي للإنسان إذا أراد أن يسلم لسانه أن يحفظ كل أمر فيه حد من حدود الله، وأن يبتدئ بالكمال بعصمة اللسان عن فضول الحديث، ولذلك كان بعض السلف رحمهم الله يحصي الكلمات التي يتكلمها من الجمعة إلى الجمعة، وقال بعضهم: والله! ما تكلمت بكلمة منذ ثلاثين عاماً أو أربعين عاماً إلا وأعددت لها جواباً بين يدي الله عز وجل. وبهذا قد يكون الإنسان قد تتبع خطوات الشيطان بلسانه.

    ثم يأتيه في البصر، فيكون الإنسان -مثلاً- أعف الناس بصراً، ربما إذا شعر بالشيء لم يتبيَّنه اتقاء أن تكون امرأة أو شيئاً مما حرم الله فيبتدر قبل التبين ويغض بصره، فيقول له الشيطان: ما هذا التشديد على نفسك؟! وما هذا التنطع في الدين والدين يسر؟! فيبتدئ معه بالنظرة اليسيرة التي تبتدئ ربما بنظرة إلى القدم، ثم يعلو معه رويداً رويداً حتى يصبح لا خلاق عنده، ولا دين عنده يحفظ به بصره عن عورات المسلمين، ولربما يسترسل به إلى أقرب الناس إليه وهو جاره، فيطلع على أستاره ويهتك ستر الله عليه والعياذ بالله العظيم من كل ذلك.

    فالمقصود: أن الشيطان متفنن في غواية الناس والعياذ بالله، والله من حكمته قال: لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21]: فكل معصية داعية إلى أختها.

    وكذلك بالنسبة للسمع، يقول له: ما بالك لا تسمع فضول أحاديث الناس؟! وما بالك لا تجلس مع الناس فتسمع أحاديثهم فتروِّح عن نفسك؟! فالدين يسر لا تنطع فيه، حتى إذا ابتدأ معه في ذلك جلس مع الناس فقال له: إذا ذكرت الغيبة قال له: استمع إليها كما يستمع إليها غيرك، فيسترسل معه والعياذ بالله حتى تأتي الساعة التي لا يبالي بها بسماع ما حرم الله عز وجل عليه.

    وقس على ذلك الرجل، واليد، والفرج، وغير ذلك من الجوارح.

    نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا وإياكم من متابعة الشيطان في جميع ذلك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046352518

    عدد مرات الحفظ

    735473806