إسلام ويب

فقه الأسرة - حقوق الأرحامللشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صلة الأرحام من الحقوق التي فرضها الله عز وجل لكي تستقيم بيوت المسلمين، وتتم الألفة والمحبة بينهم، وإن من أعظم هذه الحقوق حقوق أقارب الزوجين، فإن لهم حقوقاً لابد لكل من الزوجين أن يقوم بها وأن يؤديها، ولقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحق على أتم الوجوه وأحسنها وأفضلها وأكملها، فمن كان متأسياً فليتأس به صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    أهمية صلة الأرحام

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فسيكون حديثنا اليوم عن أمرٍ عظيم وحق جليل كريم، عن حق من الحقوق التي فرضها الله على الأزواج والزوجات، فلا يمكن أن تستقيم بيوت المسلمين وأن تتم الألفة والمحبة والمودة إلا بالقيام بهذا الحق وأدائه على الوجه الذي يرضي الله عز وجل، هذا الحق وصّى الله عز وجل به عباده من فوق سبع سماوات أن يتقوه، وأن يتقوا الله في الأرحام، فقال سبحانه وتعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    إنها الرحم خلقها الرحمن، واشتق لها اسماً من اسمه، فهو الرحمن وهي الرحم، من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله، ومن قطعه الله فلا تسأل عن حاله، في ضيعةٍ وخسارةٍ ووبال والعياذ بالله!

    هذا الحق هو حق الأرحام والدا الزوج ووالدا الزوجة فقد فرض الله عز وجل على المؤمن أن يتقيه سبحانه في الرحم، وواجب على كل زوج إذا أراد أن يوفقه الله في زواجه وأن يسعده في أهله ونكاحه أن يحفظ حق قرابة زوجته، وواجب على كل زوجة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تتقي الله في والدي زوجها وفي قرابته، قال صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه).

    فجعل الله عز وجل صلة الرحم من الإيمان به؛ لأنه لا يحفظ زوجاً حق رحمه ولا تحفظ زوجة حق رحمها إلا بباعث من الإيمان بالله عز وجل.

    هذا الحق وهو حق الأرحام قام به النبي صلى الله عليه وسلم على أتم الوجوه وأكملها وأفضلها وأحسنها فكان يصل قرابة زوجه.

    وفي السير: أنه صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فسمع صوت امرأةٍ تستأذن، فقام صلى الله عليه وسلم كالفزع، فإذا بها امرأةٌ كبيرة وإذا به يقول: (إنها هالة ، إنها هالة أخت خديجة ) ذكّرته عليه الصلاة والسلام بحبه وزوجه، بما كان بينه وبين أهله.

    1.   

    حقوق أقارب الزوجة على الزوج

    هذا الحق فرضه الله على الزوج؛ لكي يكون كريماً مع أهل زوجته، ولن يستطيع الزوج أن يحفظ هذا الحق إلا إذا كان في نفسه من صفاء القلب وحفظ العهد ورعاية الحق ما يعينه على ذلك.

    حفظ المعروف لوالد الزوجته

    فأول ما ينبغي على الزوج: أن يتذكر حق والد الزوجة عليه، حقه يوم اختاره من بين الناس زوجاً لابنته، ويوم اختاره من بين الناس كفئاً كريماً يستر عورته، يسترها ولا يفضحها، ويكرمها ولا يهينها، ولذلك أشبه الناس بالأب بناته كما ذكروا، حتى قيل: إن البنت الكبرى تشبه أباها.

    ذكرت عائشة رضي الله عنها كما في الصحيح مثالاً على ذلك، فقالت رضي الله عنها: (جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما تخالف مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    فالذي يختار الزوج ويرضى به زوجاً لابنته، فإن هذا يدل على حسن النية وعن حسن الظن، الأمر الذي يوجب على الزوج أن يحفظ هذا الحق وأن يعتبره ديناً عليه.

    ولذلك كان بعض الفضلاء، إذا أوذي من زوجته، لا يقف يوماً من الأيام على أبيها يشتكي، فلما عظمت أذيتها واشتدت بليتها، قيل له: هلا اشتكيتها إلى أبيها؟ قال: زوجني وأكرمني فأستحي أن أقف على بابه شاكياً.

    فإذا كان الإنسان حراً كريماً أعظم الإحسان وردّه بمثله وأفضل منه، وتلك سنةُ الأخيار، وإذا تذكر الإنسان اختيار أهل زوجه له، قابل ذلك بحسن المكافأة وردّ الجميل، وذلك من الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام: (حفظ العهد من الإيمان).

    صلة والدي الزوجة والأدب معهما

    كذلك أيضاً: عليه أن يتقي الله في حقوق والديّ الزوجة من الصلة والبر، فصلة أهل الزوجة واجبةٌ على الزوج، كما هي واجبةٌ على ابنتهم أي: زوجته، فلا يقطعهم من زيارة، وإذا زارهم زارهم كريماً محباً مشتاقاً يُظهِر المودة والمحبة، ويجعل من هذه الزيارة تأكيداً لما بينه وبين هذه الرحم من صلة؛ فإذا نظر الله إلى ذلك، رضي عنه، وجعل له الخير في حياته، فنعمت عين الزوجة وهي ترى أهلها في كرامةٍ من بعلها، الأمر الذي ينعكس بالآثار الحميدة في معاملتها لأهله.

    وإذا زار رحمه فإن عليه أن يتوخى الآداب، يتوخى آداب الزيارة في مواقيتها، وكذلك في الدخول والاستئذان، وفي الجلوس، فيراعي الحرمات، ولا يبالغ في الدخول إلى البيت والجلوس ساعات طويلة، والدخول في عورات البيت، إلى غير ذلك مما لا يليق بالكريم ولا ينبغي للمؤمن، بل عليه أن يزور زيارة يحفظ بها ماء وجهه، ويكون متسربلاً بسربال التقوى الذي يحبهُ الله ويرضى.

    وإذا جلس مع والد زوجته، أجلّه وأكرمه، فإذا لقيه تبسم في وجهه، حافظاً لعهده، فالغالب أن والد الزوجة ينزل منزلة الوالد؛ إما لكبر السن أو لعظم الحق، وهو جد لأبنائه وبناته فعليه يجله ويكرمه ويقدره وينزله منزلته.

    فإذا ما اجتمع معه في مجلس فمن حقه عليه أن يحفظ العورة، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (كنت رجلاً مذاءً -أي: كثير المذي- فكنت أغتسل حتى تشقق ظهري، فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني). استحييت أن آتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أواجهه وأقول: إني مصابٌ بكذا وكذا، مع أنه مضطر، ومع أنه في دين وعبادة، ولكن الكريم كريم، كريم في أدبه ووده وحفظه لماء وجهه.

    فينبغي على الزوج أن يحفظ حق رحمه، فلقد ضيع بعض الناس في هذا الزمان الحياء، فأصبح المجلس يجمعه بوالد زوجته فلا يستحي ولا ينكف عن ذكر أمورٍ يخجل من ذكرها أمامه، وهذا لا شك أنه إساءة، يقول بعض العلماء: (أجمع العقلاء على أن هذا من باب الإساءة والإهانة لوالد الزوجة، أن يذكر الزوج عنده ما يستحيا من ذكره)، فهذه آداب ومكارم وأخلاق ينبغي حفظها والعناية بها.

    تفقد أحوال والدي الزوجة والإحسان إليهما

    ومن حقه: أن يتفقد حاله، وينظر إذا كان محتاجاً إلى معونةٍ ومساعدة، يقول العلماء: (صلة الرحم لم تأت من فراغ)، أي: أن الإنسان حينما أمر بصلة رحمه وبرهم وزيارتهم، فليست خالية من معنى ومقصد وهو: أن يتفقد حالهم؛ فإن كانوا محتاجين ويستطيع المساعدة بذل، ولو بالقليل الذي يستطيعه، وإن كانوا مفتقرين إلى معونة معنوية كأن يدعوهم إلى الثبات على مصيبة أو بلية ثبتهم، ومن ذلك إذا كان مريضاً عاده، وإذا كان في نكبةٍ ثبته على الصبر واحتساب الأجر، ونحو ذلك مما يحتاج إليه عند الشدائد والملمات.

    ومن أكمل ما يكون من الزوج: أنه إذا نزلت بأهل زوجه بلية أو مصيبة وجدوه أول رجل يطرق بابهم. وإذا أُصيبَ والد زوجته بحاجةٍ وفاقة كان أسبق الناس بالوقوف معه ومعونته ومساعدته؛ لعلمه أن الله يرضى عنه، ولعلمه أنه إذا وصلهم وصله الله، وأنه إذا أعطى أخلف الله عليه في دينه ودنياه وآخرته، فحري بالزوج أن يسمو إلى الكمالات، وأن يبذل ما يستطيع من التضحيات والمواقف الطيبة التي تنبئ عن طيب معدنه وزكاة نفسه وحبه للخير، وما يريده لأهل زوجه.

    وعليه: إذا وجد من أهل زوجته إذا قام بهذه الحقوق ووجد من أهل زوجته ما ينتظر من تقدير معروفه وتقدير سعيه أن يحمد الله عز وجل وأن يشكره، وإذا وجد منهم نكران الجميل وكفران النعمة ونسيان الفضل فليعلم علم اليقين أن الله تعالى يقول في كتابه: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف:30].

    فأكمل ما يكون الأجر إذا بُليَ الزوج برحمٍ يصلهم فيقطعونه، ويعطيهم فيحرمونه، ويرفعهم فيضعونه، فإن كان كذلك فكأنما يسفهم الملّ، فمن أفضل ما تكون الصدقة والإحسان والبر للقريب الكاشح، وهو القريب الذي يكاشحك العداوة وتجد منه السوء والضر وأنت تبذل له الخير والنفع، ولا شك أن ذلك أعظم ما يكون أجراً، وأثقل ما يكون عند الله عز وجل صلةً وبراً؛ لأن الذي يصل في مثل هذه المواقف، ويبذل لمثل هذا النوع، إنما يريد وجه الله ولا يريد شيئاً سواه، واعلم أنك تعامل الله وأن هذا واجب عليك دعاك إليه الله جل جلاله، فإن قصروا في حقك فلا تقصر في حقهم، قال صلى الله عليه وسلم: (أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك).

    ذكر بعض العلماء: (أن بعض طلابه كان يأتيه والد زوجته فيسبه ويؤذيه، ويذكر عند الشيخ أموراً عجيبة مكذوبةً ملفقة على هذا الطالب، والطالب لا يعلم أن والد زوجته يأتي إلى هذا الشيخ، فكان والد زوجته يقول الزور والكذب ويتهم الزوج بما ليس فيه، من أجل أن يقول له: انصحه وذكره، وهذا لا خير فيه وهذا كذا وكذا.. فإذا جاء الطالب سأله الشيخ كيف حاله مع رحمه؟ فقال: نِعمَ الرحم ونعم الناس، وهو من بالغ ما يكون في الإحسان إليهم والتودد والملاطفة لهم، فاستحلفه بالله يوماً من الأيام، فقال له: والله ما غششت ولا كذبتُ عليك، ليس بيني وبينهم إلا الود والمحبة، وإني قائمٌ بكذا وكذا، وذكر ما يكون من بره وإحسانه، قال: فتأثر الشيخ تأثراً كبيراً مما كان من حال والد الزوجة، فقال له: أي بني إن والد زوجتك يقول كذا وكذا، فاتق الله عز وجل فيه إن كنت كاذباً، وإن كنت صادقاً فاصبر على ما يكون منه، فبكى ذلك الطالب وحلف بالله العظيم أنه صادقٌ فيما يقول، فلما حلف بالله العظيم انتظر الشيخ مجيء والد زوجته، فقال له: إنك زعمت كذا وكذا، فقال له: إي والله، إنه كان كذا وكذا، قال: وتحلف بالله؟! قال: نعم، وأحلف بالله، فدعا عليه الشيخ: وقال: أسأل الله العظيم ألا تمسي سالماً يومك هذا إن كنت كاذباً، يقال، فما غربت الشمس إلا وهو مشلول والعياذ بالله!

    فالظلم ظلمات، فإذا كنت ترى من والد الزوجة الإهانة والإذلال فاعلم أنك تعامل الله، وأنك تتقي الله في رحمٍ وصّى الله به من فوق سبع سماوات.

    1.   

    حقوق والدي الزوج على الزوجة

    وكما أن على الزوج أن يحفظ حق والد الزوجة، كذلك على الزوجة الصالحة أن تحفظ حق والدي الزوج، وأن تعي وتدرك أن حنان الوالدين وأن ما في قلبي الوالدين من الرحمة والصلة بالولد فوق الخيال وفوق التصور، فينبغي أن تقدر هذه العاطفة، وأن تقدر هذه الرحمة التي قذفها الله في قلب الوالد والوالدة، ولا يكون هناك ما يبعث على الغيرة أو على قطع الولد عن والديه، ولتكن على علم أنها إذا أرادت أن يبارك الله لها في زوجها وأن يقر عينها به فلتعنه على بر والديه، وإذا كان والدي الزوج بحاجةٍ إلى قرب الولد أن تكون قريبةً منهما، وأن تقابلهما بالمحبة والإجلال والوفاء، ولقد أباح الله وجعل والد الزوج محرماً لزوجة ابنه، حتى يحصل التواد والتراحم والتواصل، وتنظر المرأة لوالد زوجها وكأنه والدٌ لها، فتشفق عليه، وترعى أموره، وتحسن إليه، وكذلك لوالدته.

    وأكثر ما تقع المشاكل بين الزوجات والأمهات، والسبب في ذلك واضح وهو: أن أبلغ الحنان وأكمل ما تكون الرحمة من أمةٍ لعبدٍ أو من عبد لعبد أو من أمةٍ لأمة إنما هو حنان الأم لولدها، ولا تلام في ذلك، قال صلى الله عليه وسلم لما دمعت عيناه على ابنه إبراهيم قيل: (ما هذا يا رسول الله؟ قال: رحمةٌ أسكنها الله في قلوب عباده) ، فالله أسكن في قلب الأم رحمة تحن بها إلى ولدها، وتصبح فارغة الهم إلا من ولدها، فما على الزوجة إلا أن تقدر ذلك، فإذا انطلقت من منطلق الغيرة أو وسوسة الشيطان لها بالوساوس والخطرات قطعت الوالدة عن ولدها، وقطعت الزوج عن أمه وأبيه، وعندها تتأذن بسخط الله -والعياذ بالله- وغضبه.

    الله أعلم كم من قلب أمٍ تقرّح بسبب أذية الزوجة وإضرارها، وكم من عينٍ بكت ودمعت بسبب ظلم الزوجة وأذيتها لوالد الزوج، الله الله! على المرأة المؤمنة أن تخاف الله وتتقيه، وإذا كانت تعين بعلها على الظلم وعلى القطيعة فلتعلم أنه سيأتي يوم يؤذنها الله هي وبعلها بالعقوبة، فالعقوق لا خير فيه، وإنه من الذنوب التي يعجل الله به العقوبة، ويقول بعض العلماء: (إذا كانت المرأة تعين زوجها على عقوق الوالدين فإنها تجمع بين ذنبين وبين إساءتين، الذنب الأول: أنها شريكةٌ له في عقوق الوالدين، والعياذ بالله! والذنب الثاني: أنها قاطعةٌ للرحم) وجاء في الخبر أنه: (ما من ذنبٍ أحرى أن تعجّل عقوبته في الدنيا، مع ما ادخره الله لصاحبه من عقوبة في الآخرة من قطعية الرحم)، فقطيعة الرحم عذابها عاجل؛ ولذلك قال الله في كتابه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23] ، يقول بعض العلماء: (من قطع رحمه ختم الله على قلبه، فمهما مرت عليه المواعظ ومرت عليه الآيات فلا يتعظ)، نسأل الله السلامة والعافية! ولو اتعظ يتعظ إلى حين، ولذلك كان بعض العلماء: إذا اشتكى أحدٌ من قسوة القلب سأله، وقال له: كيف أنت والرحم؟

    فالمرأة التي تعين بعلها على قطيعة الرحم وعقوق الوالدين قاطعةٌ لرحمها، لا تخاف الله عز وجل في زوجها، ولا تخاف الله في رحمها، وإذا كانت المرأة ترى من والدي الزوج أموراً توجب لها أن تضر بوالدي الزوج فما عليها إلا أن تبذل كل ما تستطيع بالصبر واحتساب الأجر، وعليها أن تسأل العلماء حتى تعلم ما الذي يجب عليها فعله، ففي بعض الأحيان يتدخل والد الزوج ووالدته أو يتدخل والد الزوجة ووالدتها في شئون البيت، الأمر الذي يحدث النفرة من الزوج أو يحدث النفرة عند الزوجة.

    والواجب في مثل هذه المواقف أن ينظر الزوج والزوجة إلى المفاسد، فإن وجد الزوج مفسدة تدخل والدي الزوجة أعظم من مفسدة إبعادها عنهما، فحينئذٍ يبعدها عن والديها، ويأذن لها بالزيارة في حدودٍ ضيقة، حتى تصلها وتقوم بحق البر مع الأمن من الأذية والإفساد والإضرار، وكذلك أيضاً إذا كان والدا الزوج يتدخلان في شئون الزوجة وفي شئون البيت بالإفساد والإضرار والأذية فالمرأة مخيرةٌ بين أمرين: إما أن تصبر وتحتسب الأجر، فهذا أحسن وأفضل وأكمل، وإما أن تنظر إلى المفاسد، فإن غلبت مفسدة التدخل سألت زوجها أن يبعدها عن والديه.

    وعلى الأزواج أن يتقوا الله في زوجاتهم، فإذا نظروا أن تدخل الوالدين في شئون البيت يُحدث للمرأة أذيةً وإضراراً لا يسعها الصبر عليهما فعلى الزوج أن يتق الله في زوجته، وأن ينصفها من أهله ووالديه، وإذا قام بإبعاد زوجته عن والديه فلا يُعدّ عاقاً لوالديه، ولو سكن بعيداً عن والديه في هذه الحالة المشتملة على الإضرار والأذية، مع تفقد الوالدين؛ لأن الله عز وجل لا يأمر بالظلم ولا يرضى به، فلا يأمر الله عز وجل بالظلم، فيقال للرجل: أبق هاهنا إرضاءً لوالديك، والوالدان سوطا عذاب على المرأة في أذيةٍ وإضرار وظلم وإجحاف، والعكس كذلك.

    وعليهما -على الزوج والزوجة- أن يتقي الله كلٌ منهما في الآخر، وأن ينظر للأمور بمنظارها الشرعي، من حيث ترتب المفاسد ووجود المصالح، وإذا كانت المرأة ترى المفاسد عظيمة واختارت الصبر، فهذا أفضل وأعظمُ أجراً؛ لأن الله تعالى يقول: فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر:17-18]، قالوا: أحسنه أي: أحسن القرآن؛ لأن القرآن فيه حسن وفيه أحسن، فحسنُ القرآن أن ترد المرأة الإساءة بالإساءة، والرجل يرد الإساءة بالإساءة؛ ولكن الأحسن أن يرد الإساءة بالإحسان؛ وذلك لمن قال الله عنه: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35] هذا من جهة والدي الزوجة ووالدي الزوج.

    1.   

    حقوق بقية أقارب الزوجين

    أما بالنسبة لبقية القرابة: كالإخوان والأخوات ونحو ذلك، فعلى كلا الزوجين أن يتقوا الله في القرابة، والأخ قد ينزل منزلة الوالد، يقول بعض العلماء وهو مذهب الحنفية وطائفة من أهل العلم: (إن الأخ الكبير إذا مات الأب ينزل منزلة الأب في حفظ وده ورعايته وإكرامه وبره). فالأخ الكبير إذا مات الأب يكون له من الحق في البر والصلة كمنزلة الأب.

    وقال بعض العلماء: (الأعمام ينزلون منزلة الآباء، والأخوال ينزلون منزلة الأمهات)، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الخالةُ بمنزلة الأم) ، فإذا كان للزوجة أخٌ كبير أو هو الذي قام بتزويجها ورعايتها يكون له من حفظ الحق والود والإكرام والإجلال مثل الذي ذكرنا، وليس الأمر مختصاً بوالد الزوجة؛ ولكنه يشمل كذلك الإخوان والقرابات ولو كان عمها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن عم الرجل صنو أبيه) فنزل العم منزلة الأب، ونزل الخالة منزلة الأم، فقال: (الخالةُ بمنزلة الأم) ، لما اختصموا في ابنة حمزة رضي الله عنه وأرضاه، فأمر بحضانتها للخالة، وقضى بذلك وقال: (الخالة بمنزلة الأم) كما ثبت في الصحيح.

    فهذا كله يدل على أن القرابة لها حق، وأن الأمر لا يختص بالوالد والوالدة، وإذا رأى الزوج حنان الزوجة لأخيها الأكبر وإكرامها له فليعذرها في ذلك؛ خاصةً إذا تربت يتيمة في حجره، وهو الذي قام عليها، فعليه أن يقوم بإكرامِ أخيها والقيام بحقه، كما ذكرنا في حقوق الوالدين.

    نسأل الله العظيم أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل.

    1.   

    ضياع حقوق الأرحام في واقعنا المعاصر

    وهذه الحقوق -أعني حقوق الأرحام- أكثر ما يحتاج إليها في التطبيق، والذي دعانا أن نفردها بهذا المجلس؛ شدة الحاجة، فقد كان الناس يحفظون حقوق قرابات الزوج والزوجة؛ لأن الفطر لم تتلوث، وكان الناس يربون أبناءهم وبناتهم على حفظ حقوق الأرحام، ولكن لما ساءت التربية في هذه الأزمنة المتأخرة، وأصبحت هذه الحقوق ضائعة، احتجنا للتنبيه عليها، ويحتاج إلى التنبيه عليها، والدعوة إلى التزامها والقيام بها أكثر وعلى الخطباء وطلاب العلم أن يعتنوا بذلك، فقد بلغ ببعضهم أن يُجلس والد زوجته وهو حطمة في آخر عمره لكي يقاضيه.

    يقول بعض القضاة: من أصعب ما أراه من القضايا ومن أصعب ما يؤلمني ويزعجني في الفصل بين الناس أن أرى شيخاً كبيراً في آخر عمره له مكانته وجلالته، ثم يجلس معه حدث السن السفيه الجاهل لكي يسب ابنته في وجهه، ويكشف عورته، ويهينه ويذله، لا يرعى فيه إلاًّ ولا ذمة. يقول: حتى أني أتشوش في بعض الأحيان، ولا أستطيع أن أفصل، مما أرى ومما أسمع، فأين الذي وصى الله به وأين الذي يفعله الناس؟!!

    تراه في آخر عمره وتجد الزوج يصب عليه البلايا، وكل يومٍ وهو واقف على بابه يشتكي من ابنته، ويذكر عوراتها وسوءاتها وزلاتها وخطيئاتها، وقد يكون رجلاً مريضاً؛ فلا يرحمه في مرضه، ولا يرعى كِبرَ سنه، فهذه أمور تتفطر لها القلوب، ويحزن لها كل مؤمن، فالواجب أن يعنى بمثل هذا، ولا يمكن لنا أن نتلافى مثل هذه السلبيات إلا بأمرين مهمين:

    الأمر الأول: التربية الصالحة، أبناؤنا وبناتنا إذا زجّ بهم إلى الزواج، يعلمون ويوجهون ويربون على الأخلاق الحميدة والآداب الكريمة، على حفظ الحقوق، ورعاية الذمة، فيصبح الابن بمجرد أن يزوج كأنه مدينٌ بالفضل، ويصبح يرعى حق والد زوجته وقرابتها، والبنت كذلك، تعلمها أمها وترعاها، وتجلس معها وتوجهها التوجيه الكامل الفاضل، الذي يبعثها على مكارم الأخلاق، وعلى محاسن العادات.

    وأما الأمر الثاني: فالتواصي بالحق، ولقد كثرت هذه المشاكل الزوجية بين الناس، وقلّ أن تجد من ينصح، وقلّ أن تجد من يعظ، أو يذكر، بل تجد الصاحب يجلس مع صاحبه والصديق مع صديقه والقريب مع قريبه يسمع بملء أذنه الزوج يسب أهل زوجته ولا يقول له: اتق الله، ولا اذكر المعروف، ولا يقول له ما قال الله: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237] .

    فيا أيها الأحبة في الله! واجب أن نتناصح، واجب أن نحيي ما أمر الله بإحيائه من تقوى الله في الرحم، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1]، وقد كانت العرب في جاهليتها الجهلاء وضلالتها العمياء، إذا اشتد الأمر بين الرجل والرجل فأراد أن يذكره ويخوفه حتى يعود إليه قال له: نشدتك الله والرحم، فينكسر الرجل ويمتنع، فإن كان يريد منه ألا يفعل شيئاً تركه، وإن كان يريد منه أن يفعل هذا الشيء فعله؛ لأنه يحس أن هذه الرحم شيءٌ كبير، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لهم رحماً) وهي مصر.

    فـأم إسماعيل هاجر وهي من مصر، وكذلك أيضاً أم إبراهيم مارية من مصر، فقال عليه الصلاة والسلام: (استوصوا بأهلها خيراً) مع أنها رحم النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولكن جعله رحماً للأمة: (استوصوا بها خيراً، فإن لهم رحماً)، هذا كله في الرحم مع بُعدها، فكيف إذا قربت الرحم؟!!

    فلذلك ينبغي التواصي بمثل هذه الحقوق، وإحياؤها في النفوس، وإذا جلسنا في المجالس ورأينا من يذم أهل زوجه ذكرناه بالله وخوفناه بالله، وإذا سمعنا بمشكلة بين قرابة منا -بين أرحام- وصلت إلى قطيعة الرحم فليتدخل العقلاء والحكماء، وليتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم؛ وذلك هو الذي يرضي الله، وهو الذي وصّى الله به من فوق سبع سماوات.

    نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن الأحوال، وأن يحسن لنا ولكم الخاتمة والمآل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    حكم طلاق الزوجة لأمر الوالدين بذلك

    السؤال: ما الحكم فيما إذا طلب أحد الوالدين من الابن طلاق زوجته؟

    الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فإذا كانت الزوجة سيئة في دينها أو سيئة في خلقها ووجد الموجب لتطليقها، فأمر الوالد أو أمرت الوالدة، فعلى الابن أن يَبُرّ والديه؛ وذلك لأن هذا الأمر مبنيٌ على تقوى الله عز وجل، وعليه أن يطيع والديه ويطلق زوجته، والله سيبدله خيراً منها، وقد ثبت في الصحيح في قصة إبراهيم: (لما أتى إلى زوجة إسماعيل، فسألها عن حالها، فذمته وعابته وانتقصته، فقال: إذا جاء إسماعيل أقرئيه مني السلام، وقولي له: ليغير عتبة داره، فلما جاءها أخبرته فسألها عن صفاته، فأخبرته فقال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أطلقكِ فطلقها.

    ثم جاء بعد ذلك إلى المرأة الثانية وهي لا تعرفه، فسألها عن حالها، فحمدت وأثنت على بعلها -وهذه عاقبة من يتقي الله عز وجل ومن يصبر ولا شك أن الثناء في محله، فإنه نبي أثنى الله عليه وزكاه من فوق سبع سماوات- فلما أثنت عليه، قال لها: أقرئيه مني السلام، وقولي له: ليثبت عتبة داره، فلما جاءها وقصت عليه القصة، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أحسن إليكِ، وأن أبقيكِ، فأبقاها) .

    فالأب له حق، والأم لها حق، ويمكن أن يشك الإنسان أو يدخله الريب في نصيحة أحد؛ ولكن الوالدين لا يستطيع أن يشك أو يمتري في حُسنِ نظرهما له، بمعنى أن عاطفة الوالدين في الغالب ترجو للولد كل خير، فلا يمكن أن يتهم الولد والديه أنهما يريدان السوء به، فإذا رأى الوالد أو الوالدة يشيران عليه بطلاقها، وهي على غير خير وعلى غير استقامة، فإنه يبر والديه ويطلق المرأة، ويبدلهُ الله بفضل البر خيراً منها.

    وأما إذا كانت المرأة صالحة ومستقيمة، والوالدان يأمران بطلاقها، فحينئذٍ يبر والديه ويمسك زوجته، فنأمر بما أمر الله به، (يبر والديه) بمعنى: أن يتلطف ويُحسن التذكير لهما بالله؛ لأن من البر أن يأخذ بحجزهما عن النار، فإذا هُدم البيت تشتت شمل الأسرة، ونال الوالدان الإثم، فيبر والديه؛ ويُذكرهما بالله، ويخوفهما من عذاب الله، حتى يستطيع أن يصل إلى رضاهما والقناعة ببقائها، فيبقي زوجته، ما دامت أنها صالحة دينة مستقيمة، فمثلها يكرم ولا يُهان ويُستمسكُ به ولا يفرط فيه. والله تعالى أعلم.

    ذكروا عن الإمام أحمد رحمةُ الله عليه، أنه جاءه رجل وقال: إن أبي يسألني أن أطلق زوجتي، فسأله عن زوجته فإذا هي صالحة، فقال: أمسكها، فقال: أوليس عمر قد أمر ابنه عبد الله أن يطلق زوجته فطلقها، فقال: إذا كان أبوك مثل عمر فطلقها. أي: إذا كان أبوك يتقي الله مثل عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه ويأمر بالطلاق لموجب ولأمر صحيح، فطلقها، أما أن يستغل وجوده، وتصبح نساء المؤمنين يطلقن، وتهدم بيوت المسلمين على السفه وعلى غير روية وبالظلم وبالاضطهاد، ويُجمع للمرأة بين ظلمها وهي زوجة وظلمها وهي مكسورةٌ مطلقة، فهذا لا شك أنه لا يرضي الله عز وجل، ولا يرضى الله بمثل هذا. والله تعالى أعلم.

    صلة الأرحام بالهاتف

    السؤال: نرجو من فضيلتكم بيان هل يكفي لصلة الرحم ما سخره الله عز وجل في هذا الزمان بالهاتف؟

    الجواب: أخي في الله! لو كانت الصلة بالهاتف تكفي لما اقتنع المؤمن ولا رضي المسلم أن يحرم نفسه الخير بتغبير أقدامه في طاعة الله ومرضاته، ولو كانت الصلة تكفي بالهاتف أو تكفي بالرسالة أو ببعث السلام فلن يرضى المسلم حتى يطلب الأكمل والأفضل، والصحابة كانوا يأتون ويسألون عما يقرب إلى الجنة، حتى ولو كان من مشاق النفوس ومما تبذل فيه المهج والأرواح ونحنُ على العكس من ذلك نبحث فقط على القدر الواجب وقدر الإجزاء فما دون، وهذا لا ينبغي، وخاصة لطلاب العلم، ولذلك أوصي طلاب العلم في صلتهم لأرحامهم وقرابة زوجاتهم، فعندما تكون المرأة صالحة ولها أخوات عند أناس أقلّ منك صلاحاً وأقلّ منك ديانة أو أناس من العوام، فينبغي أن تكون أنت أكمل وأفضل منهم، وأن تكرم زوجتك الصالحة الدينة.

    بعض الأخيار والصالحين قد يكون سبباً في الشماتة؛ لأنه يقتصر على قدر الواجب، وما يدري هؤلاء العوام عن الواجب، لو كانت الصلة بالهاتف تكفي، إنما يرجعون إلى العرف ويقولون: هذا طالب علم لا يأتينا، وهذا طالب علم إنما يتصل بالهاتف، حتى ولو كان ذلك جائزاً لفُسِّر أنه تكبر واستعلاء، بالله لو كنت والداً للزوجة وكان قريبك يفعل بك ذلك أكنت ترضى؟! أكنت ترضى أن يقوم بصلتك بالاتصال ولا يغبّر قدمه بالوقوف على بابك؟! لن ترضى ذلك، ولا يرضاه الصالحون من عباد الله الأخيار؛ لأن الإنسان مجبول بفطرته على حب الكمال.

    فينبغي على طلاب العلم ألا يبحثوا على قدر الإجزاء فقط، بل عليهم أن يسعوا إلى الكمالات؛ لأنه إذا رضي الله عنك في برك لوالديك وصلتك لرحمك كانت صلة الله لك أكمل، وإذا كنت تبحث عن قدر الإجزاء وتبقى عليه، فهذا حد ما فرضه الله عليك، ولكن يعطيك الله ويجزيك قدره، ولكن إذا كنت تريدُ الصلة بالله على أتم الوجوه وأكملها وأفضلها وأحسنها فصل رحمك على أتم الوجوه وأكملها وأحسنها.

    وإذا كان الإنسان عنده مشاغل ومع ذلك ينزل الزوجة لزيارة أمها وأبيها، ويقف ويسلم على والدها ويسلم على والدتها، والله يعلم أنه مشغول وأنه متأخر، ولكن يصبر؛ لعلمه أن الله يرضى منه ذلك.

    وقد ترى الرجل إذا كان في تجارة، لو جاء لزيارة تاجر لجلس واستحيا أن يقوم، وإذا قال له: أنت مشغول؟ قال: لا، حقك أكبر، وأخذ يجامله، ويقول له الكلمات المكذوبة، والله يعلم أنه لا يقولها من قلبه، وهو يتمعر على فوات شغله، ولكنه يريد أن يجامل الناس، أما الرحم فلا، تجدنا أكمل ما نكون مع الأجانب ومن هم أبعد منا، وتجدنا أنقص ما نكون مع أقرب الناس منا، وهذا والله من الحرمان، ومن الخذلان أن تجد الرجل يبر خالته ويعق أمه، كما ذكروا في المثل.

    وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند

    فينبغي للإنسان ألا يرضى فقط بقدر الإجزاء، ويبحث عن الرخص؛ ولذلك يقول بعض العلماء: قد يكون العلم وبالاً على العالم، قيل: كيف ذاك؟ قال: يأتي إلى العبادة، فيقول: هذا ركن وهذا واجب وهذه سنة، إذاً ما دام أنها سنة نتركها، فيصبح لا يفعل إلا الواجبات والفرائض، ويصبح علمه بالسنة وبالاً عليه نسأل الله السلامة والعافية! بدلاً من أن يكون علمه بالسنة سبباً في التمسك والحرص على الخير، صار -والعياذ بالله- سبباً في حرمان الخير، وتجد العامي ينظر إلى هذه السنة كأنها واجب، فيحرص على فعلها فينال فضلها، وتجد طالب العلم يقول: هذه ليست بواجب، فيتركها، فإذا بالعوام قد يفوقوا طلاب العلم في ذلك! إذاً لا تسأل عن قدر الإجزاء، بل ابحث عن الأكمل والأفضل، وكم ترى عينك وكم تسمع أذنك من زوج كثير المشاغل يأتي إلى أهل زوجته، يصلهم ويبرهم، وكلهم يعلم أنه مشغول، وأنه يتكلف المجيء، فيخرج من عندهم والأكف تُرفع إلى الله أن الله يوفقه ويسدده.

    فلذلك حري بالمسلم أن يسعى إلى الكمالات، وأن يبحث عن الأفضل والأكمل، خاصةً إذا كان من طلاب العلم وكانت عنده زوجة صالحة، فليكن أكرم بعل في الإحسان لأهلها وإكرامها رعايةً لصلاحها، فالزوجة الصالحة في هذا الزمان درةً ثمينة عزيزة غالية.

    نسأل الله العظيم أن يوفقنا إلى كل خير. والله تعالى أعلم.

    العمرة عن الغير

    السؤال: فضيلة الشيخ! رجلٌ اعتمر لنفسه، فهل يجوز له أن يخرج إلى المقيات ويحرم ويعتمر لأمه، علماً بأن أمه ميتة؟

    الجواب: إذا كانت الأم قد ماتت ولم تعتمر فإنه يعتمر عنها، فإن من البر بالوالدين بعد الموت أن يحج ويعتمر عنهما، وفيه تفصيل:

    إذا خرج -مثلاً- من المدينة إلى مكة يريد العمرة، وليس في قلبه أن يعتمر عن والدته، فلما طاف وسعى أو لما وصل إلى مكة طرأ له أن يعتمر عن والدته، فيجوز له بعد فراغه من العمرة الأولى أن يخرج إلى التنعيم ويأتي بعمرة.

    وأما إذا كان قد صحب نيته أن يعتمر عن أمه من المدينة، فيلزمه بعد الانتهاء من عمرته الأولى أن يرجع إلى المدينة؛ لأنه مرّ بالمدينة وهو ناوٍ أن يعتمر عنها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث ابن عباس وابن عمر : (من مر بالميقات وهو ناوٍ نسكاً أن يحرم من الميقات) ، فيلزمه بعد فراغه من عمرته أن يرجع إلى ميقاته الذي مر به مستصحباً النية مع العمرة الأولى ويأتي بها من الميقات، وإلا لزمه الدم إن أحرم من دون. والله تعالى أعلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3027872465

    عدد مرات الحفظ

    725752133