إسلام ويب

رسالة من طالب علمللشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن طالب العلم إذا أحب أن يرتقي بعلمه، فيصبح من أهل العلم الأمناء على دين الله وشرعه، المجانبين لأهوائهم، المتبعين لكتاب الله وسنة رسوله؛ فعليه أن يلازم أهل العلم، ويأخذ علمه وسمته من المشايخ قولاً وعملاً، وهنا ثمة وصايا يحتاجها طلاب العلم في حياتهم، ليتأدبوا بآداب العلماء، وليتخلقوا بالكتاب والسنة.

    1.   

    وصايا لطلاب العلم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل الحج مبروراً، والسعي مشكوراً، والذنب مغفوراً.

    اللهم اجعلنا مرحومين لا محرومين! واجعلنا فائزين غانمين! برحمتك يا أرحم الراحمين!

    في بداية هذا الدرس الأول من النصف الثاني من العام الدراسي، سيكون حديثنا عن بعض الأمور التي يحتاجها طالب العلم؛ حتى يستطيع أن يقوم برسالته؛ ويؤدي أمانته على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى.

    ولاشك أن النفوس محتاجة دائمة إلى التذكير بالله عز وجل، وأي نفس مؤمنة صحبها التذكير بالله أنست بربها، واستقامت على سبيل خالقها؛ لأن الله تعالى شهد لها بالانتفاع بالذكرى فقال سبحانه وتعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55].

    الإخلاص أساس الدين وطريق الخلاص

    خير ما يوصى به طالب العلم بل ويوصى به الناس جميعاً، وينبغي أن يكون في نفس كل مؤمن في كل لحظة أن يكون مخلصاً لله عز وجل؛ لأن الإخلاص هو أساس الدين، وطريق الخلاص، وطريق النجاة في الدنيا والآخرة.

    فمن عرف الله وعمل لله نال ولاية الله جل جلاله، ومن كان لله قلباً وقالباً بارك الله قوله وعمله؛ وشكر سعيه؛ وجعل له حسن العاقبة التي لا تكون إلا لأهل التقوى كما قال سبحانه: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128]، وقال سبحانه: وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132].

    فحري بطالب العلم دائماً أن يسأل نفسه ويحاسبها عن حق الله في قوله وعمله، وظاهره وباطنه، وسريرته وسيرته، فإذا جد واجتهد في تكميل نقصه بالإخلاص، وجبر كسره بإذن الله عز وجل في ذلك نال سبيل الخلاص.

    إنه الإخلاص الذي لا يمكن أن يقبل القول أو العمل إلا بتحقيقه، والقيام بحقوقه: أن يراد به وجه الله ولا يبتغى شيء سواه سبحانه وتعالى.

    الجد والاجتهاد في طلب العلم

    حري بطالب العلم أن يجد ويجتهد، ولا يسأم ولا يمل من حمل هذه الرسالة، وضبط هذه الأمانة، والعناية بالعلم حفظاً ومراجعة ومذاكرة؛ كل ذلك لكي يعظم أجره، ويثقل ميزانه، فأعظم الناس أجراً في طلب العلم أعظمهم تعباً، وأكثرهم مشقة ونصباً، وقرن الله العلم بالتعب، وجعل أهله أهل جد واجتهاد، فما نظر طالب علم في سيرة العلماء والأئمة الفضلاء إلا وجدهم قد اكتحلوا السهر، وجدوا واجتهدوا في طلب هذا العلم حتى نالوا بفضل الله وحده ما نالوه من الخير والبركة.

    إن الجد والاجتهاد في العلم يعني المسئولية، والشعور بالمسئولية يعني إكرام العلم، والمحبة الصادقة له، لا يجد ولا يجتهد في مراجعة العلم وضبطه وإتقانه إلا الأمين، الذي يستشعر أنه مؤتمن -من أمة محمد صلى الله عليه وسلم- على قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فالعلم لا ينال بالتشهي ولا بالتمني، ولا بالدعاوى العريضة، ولا بالألقاب الفارغة، إنما هو منحة لها أسباب بفضل الله لا بفضل أحد سواه، الجد والاجتهاد لا يمكن أن يكون إلا من إنسان استشعر المسئولية والأمانة، واستشعر أن العلم ثقيل كما قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5].

    الأسباب المعينة لطالب العلم على ضبط العلم وإتقانه

    ولذلك يجب على كل طالب علم أن يبحث عن الأسباب التي تقوي روحه ونفسه على ضبط العلم وإتقانه.

    ومن أعظم هذه الأسباب: أن يستشعر أن كل آية وحديث وحكم شرعي يسمعه في مجلس عالم أو في فتوى أو يقرؤه في كتاب إنما هو أمانة في عنقه، وأن العالم إذا بين العلم فقد وضع الأمانة في رقاب طلابه، ومن حضر واستمع فقد حمل الأمانة.

    قال صلى الله عليه وسلم -يشير إلى هذا المعنى-: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب) فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أمناء على دين الله وشرعه، وأنهم مطالبون بتبليغ الرسالة، وجعل اجتماعهم وشهودهم أمانة عليهم، وعليهم مسئولية عليهم أن يبلغوا، وهذا لا شك أنه يحفز نفس طالب العلم إلى ضبط العلم وإتقانه.

    وعلى كل طالب علم أن يهيئ الأسباب، وينظم وقته ويرتبه للمذاكرة وللجد والتحصيل، ويبحث عن طالب علم يثق في دينه وأمانته وجده واجتهاده، فيذاكر ويراجع معه، وإذا لم يجد فإن الله نعم المولى ونعم النصير، فيكون له من ربه معين وظهير؛ لكي يضبط هذا العلم ويقوم بحقه وحقوقه.

    ضرورة التعرف على العوائق والشواغل المثبطة عن طلب العلم واجتنابها

    إذا أخلص طالب العلم لله وجد واجتهد في ضبط هذا العلم وإتقانه، عليه أن يعلم أن هناك عوائق تحول بينه وبين هذه الغاية، وبين الوصول إلى هذه المراتب العالية في ضبط العلم وإتقانه.

    وهذه العوائق والشواغل تثبط العباد عن طاعة الله عز وجل، وهي من امتحان الله لخلقه؛ لأنه ما من عمل صالح إلا وقد جعل الله بين العبد وبينه ابتلاءات، وبقدر هذه الابتلاءات ترتفع الرتب وتعلو الدرجات، كما قال صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره) .

    ومن أعظم ما يجابه المسلم وطالب العلم في طلبه للعلم عدم تقدير العلم والعلماء، الذي يكون من النفس الأمارة، تكون من إنسان لا يعرف حق العلم ولا قدره ولا قدر العلماء، فتارة يستهزئ بالعلم الذي يتعلمه، وقد يشكك في الحق الذي تتعلمه، وتارة يستهزئ في جلوسك في مجالس العلم والعلماء.

    ولذلك تجد بعض العوام والجهلة يستخف بطلاب العلم.. وأين يذهب؟! وأين يجلس؟! ويقول له: إنه يضيع عمره؛ لأنه لم يجده في تجارة ولا بيع ولا شراء، لا يريده إلا في حطام الدنيا! فيستخف به، وربما وجد من الناس من يقول له: لماذا تضيع وقتك مع العلماء، وهؤلاء العلماء فيهم.. وفيهم؟! فينتقص العلماء ويتكلم فيهم.

    وإن أعظم ثلمة في الدين -بعد ضياع حق الله عز وجل- إضاعة حق الرسل وحق ورثتهم من العلماء، فالتشكيك في العلماء، والطعن في مكانتهم وأمانتهم، وتتبع عثراتهم وزلاتهم، ونزع ثقتهم من قلوب الناس أمر لا خير فيه، بل هو شر، وبلاء لا عافية، وما عاشت هذه الأمة إلا على حب علمائها، وحسن الظن بصلحائها، واحترامهم وتقديرهم وحملهم على أحسن المحامل، فإذا نزعت هذه الثقة من قلوب الناس، من الذي يعلم الناس دينهم؟! ومن الذي يدلهم على ربهم؟! ومن الذي يرشدهم على خالقهم؟!

    وهب أن عند العلماء أخطاء، فهل معنى ذلك أن تتبع عوراتهم، وأن تكشف سوآتهم والعياذ بالله؟!

    فعلى طالب العلم أن يوطن نفسه بمحبة أولياء الله، وليعلم أن أهل العلم بشر يخطئون ويصيبون؛ ولكن لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ولا يمكن أن يسوى من وضع الله في قلبه أنوار التنزيل بمن كان جاهلاً بدين الله عز وجل، ولا يفقه شرعه، ولا يعرف حكمه؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].

    فإذا وجدت من ينتقص العلماء ويثبطك عن طلب العلم في هذا الزمان فاحذر! إنها الفتن التي أصبح الإنسان فيها غريباً في كل شيء فيه طاعة الله ومرضاته، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ) فمن غربة الإسلام أن يصبح العلماء غرباء لا يسلمون من العامة، ولا من الخاصة، إن تكلموا وبينوا ثلبوا، وإن سكتوا رعاية لمصالح نظروا إليها باجتهادهم ثلبوا، فهم لا يسلمون لا من هؤلاء ولا من هؤلاء: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227].

    عليك أن تحذر من هذه الآفة التي أصبح الناس يخبطون فيها خبط عشواء، وقل أن تجد إنساناً يتقي الله يكف لسانه عن ذلك، فضلاً عمن يدافع عن أهل العلم ويحسن الظن بهم.

    فإذا وجد طالب العلم مثل هذا التخذيل فلا يلتفت إليه، ولو أن الأمة -في أزمنة الفتن والمحن- التفتت إلى هذه الفتن، وشغلت علماءها بها، وأصبحت تشكك في علمائها؛ لما انتقل الدين إلينا.

    حاصر الحجاج بن يوسف مكة ورمى الكعبة بالحجارة، وكان العلماء في مساجدهم يعللون ويبينون، ومنهم من آثر ما آثر من رعاية المصالح ودرء المفاسد مما يراه قربة لربه، وسيلقى الله باجتهاده، وفيهم من الصحابة رضوان الله عليهم أئمة العلم والفتوى وغيرهم، وهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه، الذين أمرنا باتباع سنته، المحدث الملهم- كان يمنع الفقهاء من الصحابة أن يخرجوا إلى الجهاد والأمة بحاجة إليهم، وكانت الأمة أحوج ما تكون إلى خروجهم إلى ثغور الشام للفتوحات.

    كان يحرم على الصحابة الذين كانوا على علم بالسنة أن يخرجوا من المدينة؛ لعظيم حق العلم وشدة الحاجة إليه، فلا يمكن للأمة أن تستغني عن علمائها، ولا يمكن للأمة أن تصيب الحق إذا نزعت الثقة من علمائها، علينا أن ندرك ذلك، وأن نعلم أنه لا خير في طعن بعضنا في بعض، وتشكيك بعضنا في أمانة ونزاهة بعض.

    علينا أن نجد ونجتهد في محبة هذا العلم، والتضحية من أجله، والصدق في رغبته؛ لعل الله سبحانه وتعالى أن يرى منا ما يرضيه.

    ابتاع العلم بالعبادة والقول بالعمل

    كذلك أيضاً مما ينبغي لطالب العلم: أن يشوب علمه بالعبادة، والقول بالعمل، وأن يحرص على أن تكون بينه وبين الله عبادات من الحرص على ذكر الله عز وجل، وحسن عبادته، ومن ذلك كثرة تلاوة القرآن، فما عرف لأهل العلم شيء أعظم بركة ولا خيراً من كتاب الله عز وجل.

    فطالب العلم ينبغي عليه أن يكون له حظ من كتاب الله وافر، فيكثر من تلاوة القرآن وتدبره، والخشوع عند سماعه وتلاوته، فإن الله يبارك له في علمه، وإذا استطاع طالب العلم ألا يمر عليه أسبوع أو لا تمر عليه ثلاث ليالٍ إلا وقد ختم القرآن فذلك خير كثير.

    كم من الأوقات يجد الإنسان نفسه فيها في سراب! كم من الأوقات يجد الإنسان فيها نفسه صامتاً! وكم من الأوقات يجد الإنسان نفسه فيها متحدثاً بما لا خير فيه من فضول أحاديث الدنيا! فليشغل وقته بذكر الله، وأطيب الذكر وأفضله كتاب الله عز وجل؛ لأن الله يحفظ به دينه؛ ويسدد به قوله؛ ويصوب به عمله.

    القرآن نعم المؤنس في الوحشة! ونعم المعلم من الجهالة! ونعم الهادي من الضلالة! فهو نور من الله ورحمة، فمن استبصر بالقرآن سلمت بصيرته، ومن اهتدى بالقرآن تمت هدايته.

    اللهم اجعلنا من أهل القرآن، واجعله ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا يا حي يا قيوم!

    وأسعد الناس نجاة من الفتن من أكثر من تلاوة القرآن، وبالأخص أن يكون له حظ من قيام الليل، وليسأل كل طالب علم كم للقرآن من حظ في ليله؟! وكم يعطي القرآن في قيامه بالليل ومن ساعات ليله؟! فإذا وجد خيراً حمد الله عز وجل، وسأل الله الثبات، وإذا وجد التقصير كمل نقصه وجبر كسره.

    يا طالب العلم: لابد لك من قيام الليل؛ فإنه روحك ومدد من الله لك؛ وفيه خير لك في الثبات إذا عظمت الفتن وكثرت المحن؛ لأن الله يحفظ عبده بدعائه وسؤاله وعبادته، فمن تهجد بالليل حفظ الله له دينه في النهار وعصمه، ولذلك قال تعالى: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6].

    وكان العلماء والأئمة يوصون طلاب العلم بالمحافظة على قيام الليل، فليسأل كل طالب علم نفسه كم يقوم من الليل؟! وفي كم يختم كتاب الله عز وجل؟!

    عيب على طالب العلم ألا يكون قواماً لليل! وعيب على طالب العلم ألا يكون ذكاراً لله! وألا يكون صواماً للإثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر! وألا تكون عنده عبادات بينه وبين الله.. فكيف يذكر الناس غداً؟!

    ولذلك تجد بعض من يتصدر للوعظ وتذكير الناس في إمامته وخطبته أو في بعض مجالسه -وليست عنده عباده- تجده يقول قولاً لا يجد طعمه في قلبه، وكثيراً ما يشتكي البعض، يقول: أنا أذكر الناس وأجد الغفلة! نعم، لم يذكر الناس أحد بلسانه! ولن تنفع الذكرى إذا كانت باللسان دون الجوارح والأركان! فكيف يُخشع الإنسان القلوب ويذكر بالله علام الغيوب وهو أغفل الناس عن ربه؟!

    وكيف يكون هادياً مهدياً واعظاً مؤثراً إذا كان لا يقوم الليل، ولا يصوم النهار، ولا يتلو القرآن إلا هجراً أو بعد مدة طويلة؟! كيف يكون لأقواله ومواعظه أثر في النفوس؟! نسأل الله السلامة والعافية!

    ولذلك استضاف الإمام أحمد بعض طلابه، فوضع عنده الماء بعد صلاة العشاء ثم نام الإمام أحمد ، فلما كان الفجر وجد الماء لم يتغير، فعلم أن هذا الطالب لم يقم الليل، فصار يتعجب الإمام أحمد ويقول: طالب علم لا يقوم الليل!

    فمن يريد أن يطلب العلم عليه أن يعلم ما هي حقوق طلب العلم؟! وأين مكان طالب العلم في العبادة وفي النزاهة وفي التحفظ وفي الصيانة؟!

    إن الجلوس في مجالس العلماء له حق، والتأدب بصحبة العلماء له حق، فأنت غداً الأمل فيك -بعد الله عز وجل- أن تكون للأمة في قولك وعملك، فمن اختار الخير في بداية طلبه للعلم، واختار الذكر والطاعة والاستقامة، وأصبح له لسان ذاكر، وقلب شاكر، وإنابة صادقة لله عز وجل، وخشية لله سبحانه وتعالى، ووطن نفسه على محاسن الأمور من العبادات الصالحة والكلمات الطيبة، واستقام لربه كما ينبغي أن تكون الاستقامة، فإنه بإذن الله سيبارك له في علمه ودعوته غداً.

    إن الله مطلع على القلوب والقوالب، ومطلع على السرائر والضمائر، والله لا يخادع، ولن ينال الله من عباده القول والعمل فالله غني عن خلقه، قال تعالى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37].

    فعلى طالب العلم أن يوطن نفسه بأن يكون كما ينبغي أن يكون عليه من طلب العلم، تجد من ينتسب إلى العلم من طلاب العلم يقول: أنا في قسوة! أنا في غفلة! أجد ضيقاً! أجد هماً! حتى أصبح بعض طلاب العلم مثل العوام يشتكي مما يشتكي منه العوام! نعم.. لأن أحوالنا كأحوال العوام وقد تكون أردأ، وقد تجد في العامة من ذكر الله والخوف منه مالا تجده في بعض طلاب العلم.

    فعلينا أن نتقي الله عز وجل، وأن نوطن أنفسنا لطلب العلم، وعلى طاعة الله عز وجل.

    قال الإمام إبراهيم النخعي -يحكي حال السلف في طلبهم للعلم-: كان الرجل إذا طلب العلم ظهر في وجهه وسمته ودله.

    مجرد ما كان يجلس الشخص في مجالس العلماء تجد في وجهه نور العبادة، ومن الخشوع والسكينة والوقار مثل ما تجده في العلماء؛ لأن أشبه الناس بالعلماء هم طلاب العلم.

    إنها وصية لكم ولأنفسنا المراد بها المعونة على طاعة الله عز وجل.

    وجوب التمسك بالكتاب والسنة

    وآخر ما نختم به هذا المجلس: وصية بالتمسك بالكتاب والسنة، وعدم الالتفات إلى الفتن والمحن، والاستعصام بحبل الله عز وجل، فإن الله عز وجل وصى عباده بالرجوع إلى دينه، والاستمساك بحبله، والاستعصام به، وقرن النجاة في ذلك، فقال لنبيه عليه الصلاة والسلام -والأمر له ولأمته-: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ [الزخرف:43] فمن أراد النجاة من الفتن الظاهرة والباطنة فليستمسك بكتاب الله عز وجل، وليعلم أن الله جعل القرآن نوراً وشفاءً وهدى ورحمة لمن استهدى به.

    والاستعصام بكتاب الله والسنة يعني الرجوع إليهما في الصغير والكبير والجليل والحقير، وتطبيق ما قال الله وقال رسوله؛ حتى يكون الإنسان المسلم مستسلماً لله ومنقاداً لشرعه كما أمر الله عز وجل، وأي حكم من أحكام الله عز وجل في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يبلغك تطبقه بكل تسليم وإذعان، كما قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65].

    ولا يمكن للإنسان أن يحكم كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بمحبة العلماء، والرجوع إلى العلماء الربانيين الموثوق بدينهم وعلمهم، وسؤالهم، والعمل بما يقولون، وأن يحرص طالب العلم عند سؤال العلماء على الأدب، ورعاية الحرمة، وعدم التشويش والتضييق عليهم؛ فإن أذية العلماء عواقبها وخيمة، وكم من مصاحب للعلماء رفع الله قدره بصحبتهم! وكم من صاحب لعالم جعله الله في سفال في صحبته من الأذية له والتضييق عليه، وعدم الإحسان في السؤال، وعدم التهذب في الألفاظ، وعدم رعاية الحرمة.

    ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يوطن نفسه بالرجوع إلى الكتاب والسنة، وإذا كان العالم يرى من سائله ما يعينه على أداء الحق وبيان الحق بين له.

    إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما

    فاقنع بدائك إن جفوت طبيبها واقنع بجهلك إن جفوت معلما

    فعلى الإنسان أن يحرص على الرجوع إلى الكتاب والسنة، ففيهما نجاة من الفتن والمحن، حتى إن طالب العلم الموفق السعيد قد جعل القرآن أمام عينيه في جميع أموره، ولذلك الفتن لا تجد سبيلاً لما قد يقال بالعلم، الموفق المسدد يخرج من بيته فيرى فتنة من الفتن أمام عينيه يتذكر أن الله يقول له: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] فيغض بصره.

    يجلس في مجلس فيسمع أحداً يغتاب مسلماً يقول له: لا تغتب. فإن امتنع قام من المجلس؛ لأنه يعلم أن الله نهاه أن يغتاب مسلماً، ونهاه أن يجلس في مجلس فيه ظلم للمسلمين، وخوض في آيات الله، وانتهاك لحرمة أولياء الله.

    هكذا إذا حرص الإنسان على تطبيق الإسلام -كما ينبغي- في نفسه وأخلاقه وشئونه وفقه الله وسدده، وجماع الخير كله في تقوى الله عز وجل، ومن اتقى الله وقاه وجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية.

    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، ونسألك أن تبلغنا مقام الرضا، اللهم اعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تقدمنا إلى شر ولا تؤخرنا إلى شر، اللهم احفظنا بحفظك واكلأنا برعايتك وعنايتك، سدد أقوالنا.. وصوب آراءنا.. يا حي يا قيوم! وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وكمل نقصنا، والطف بنا، يا حي يا قيوم!

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    التفصيل فيمن اعتمر متمتعاً إلى الحج ثم خرج إلى جدة

    السؤال: إذا ذهب المتمتع إلى جدة بعد عمرته، فهل يبقى حكمه حكم المتمتع أثابكم الله؟

    الجواب: بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    التمتع يشترط فيه أن يؤدي الإنسان العمرة في أشهر الحج أي: بعد دخول شهر شوال من ليلة العيد، فإذا أدى العمرة بعد دخول شهر شوال وفرغ منها يبقى بمكة إلى أن يحج من ذلك العام، فإذا رجع بعد العمرة نظرنا في رجوعه: فإن كان رجوعه إلى بلده فهو مفرد بإجماع العلماء إلا قولاً شاذاً وهو قول طاوس بن كيسان تلميذ ابن عباس أنه متمتع وإن رجع إلى بلده.

    وظاهر القرآن يرد هذا القول، كما ذكر الأئمة في قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة:196] ومن رجع إلى بلده لم يتمتع بالعمرة، ولذلك يعتبر مفرداً وليس عليه دم التمتع.

    وأما إذا رجع إلى غير بلده فإن كان آفاقياً -يعني: من أهل الآفاق من أهل المواقيت- فما فوق، فإنه اختلف فيه العلماء، وأصح الأقوال أن العبرة بمسافة القصر؛ لأنه إذا سافر سفراً بعد عمرته الأولى فقد قطع السفر الأول للعمرة، ولم يتمتع بسفره الأول، وحينئذ يكون مفرداً لا متمتعاً.

    وتوضيح ذلك: لو أنه قدم -مثلاً- من المدينة، وأدى العمرة في أشهر الحج، ثم رجع إلى الطائف وأحرم بالحج من الطائف فهو مفرد؛ لأنه في هذه الحالة قطع السفر الأول بالسفر الثاني، ويحرم من ميقات الطائف ويصبح مفرداً.

    وأما إذا رجع إلى جدة فهي ليست على مسافة القصر في زماننا، وكانت في القديم على مسافة القصر؛ وعلى هذا فإن رجوعه إلى جدة لا يسقط دم التمتع؛ وأيضاً يتفرع على قولنا: إن جدة ليست على مسافة القصر أن أهل جدة يتمتعون، ويكونون في حكم حاضر المسجد الحرام؛ لأنهم دون مسافة القصر، فإذا تمتعوا لم يلزمهم دم؛ لأنهم من حاضري المسجد الحرام، وهذا هو مذهب طائفة من أئمة العلم رحمهم الله.

    وعليه: فإنه من رجع إلى جدة ننظر فيه:

    إن كان من أهل جدة صار مفرداً، وإذا أراد أن يتمتع يأتي بعمرة ثانية قبل حجه.

    وإن كان من غير أهل جدة من الذين هم آفاقيون فإنه حينئذٍ يكون متمتعاً، ورجوعه إلى جدة لا يسقط سفره الأول؛ لأنها ليست مسافة قصر.

    وأما إذا كان دون المواقيت مثل أن تكون مسافة بيته وأهله بينها وبين مكة كما بين جدة ومكة فإنه أيضاً مفرد، كما لو كان من الجموم وجاء بعمرة ثم سافر إلى جدة؛ فإنه ليس بمتمتع، وعليه أن يأتي بعمرة ثانية.

    والله تعالى أعلم.

    حكم من شك في طواف الإفاضة بعد انتهائه منه

    السؤال: بعد الانتهاء من طواف الإفاضة أصبت بشك هل الطواف كاملاً أم ناقصاً فما هو الواجب عليَّ أثابكم الله؟

    الجواب: إذا كان الشخص مبتلى بالوسواس، ويجد أن الشيطان متسلط على عبادته، فإن الموسوس على حالتين:

    الحالة الأولى: إن جاءته هذه الوسوسة بعد فراغه من الطواف وانتهائه منه، وخرج من المسجد أو وصل إلى بيته، فجاءه الشيطان؛ فهذا الشك ساقط، والشك بعد العبادة بالوسوسة لا مقام له، كأنه غير موجود؛ لأن هذا حديث النفس، وتسلط الشيطان الذي لا يسلم منه.

    الحالة الثانية: وأما إذا كان الشك في أثناء العبادة وهو يطوف حصل عنده شك أهو ستة أم خمسة أشواط، فإنه يبني على الأقل، وحينئذ إذا بنى على الأكثر ننظر فيه:

    إن كان قريباً وجاء فسألنا بعد الطواف مباشرة نقول له: ارجع وأكمل هذا الشوط السابع. قال: شككت أهي ستة أشواط أو سبعة؛ فالواجب عليه أن يبني على أنها ستة، فإذا بنى على أنها سبعة أشواط نقول له: ارجع وطف الشوط الأخير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين، فليبن على واحدة؛ فإن لم يتيقن اثنتين صلى أو ثلاث فليبن على اثنتين؛ فإن لم يدر أثلاث صلى أو أربع فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم) الحديث.

    فهذا يدل على أنه ينبغي في العدد أن يبني على الأقل لأنه اليقين، فإذا قال: أنا بنيت على الأكثر خالف السنة والحكم الشرعي؛ فنقول: لا زال عليك شوط. فإن كان وقت سؤاله قريباً بحيث لا يقطع شرط الموالاة؛ لأن من شروط صحة الطواف بالبيت: أن يكون على طهارة، وأن يتم عدده، وأن يتم الطواف بالبيت، وأن يجعل البيت عن يساره، وأن يستر عورته، وأن يوالي بين الأشواط؛ فإذا كان هناك فاصل: طاف اليوم شوطاً، ثم ذهب فتغدى وتعشى ثم جاء يطوف بقية الأشواط.. لا يصح! لابد أن يوالي بين الأشواط؛ لأنها عبادة وقعت بالموالاة فلابد منها، فإذا قطع الموالاة لزمه أن يستأنف طوافه، وأن يعيد الطواف تاماً كاملاً.

    وهذا مذهب الجمهور رحمهم الله خلافاً للحنفية الذين يعتدون بأكثر الطواف، ويوجبون عليه دم، يقولون: إذا طاف أربعة أشواط وكان الشك بعد الأربعة وجب عليه دم جبراً لهذا النقص إن شك في التمام. والصحيح مذهب الجمهور.

    وعلى هذا فإنه ينظر:

    إن كان طواف إفاضة نقول: إذا قطعت التتابع لزمك أن ترجع، ولا يزال في ذمتك هذا الطواف -الركن- ولو رجعت إلى بلدك، ويلزمك أن ترجع ولو بعد سنوات من أجل أن تطوف هذا الطواف الركن الذي أجمع العلماء أنه لا يتم الحج إلا به لقوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29].

    والله تعالى أعلم.

    حكم من طاف للوداع وخرج من مكة ثم رجع لغرض نسيه

    السؤال: طفت طواف الوداع، ثم ذهبت إلى المطار، فوجدت أني نسيت بعض الأغراض فرجعت إلى مكة، فهل يجب علي أن أعيد طواف الوداع؟

    الجواب: من طاف طواف الوداع ثم صدر ورجع مرة ثانية؛ فالعبرة بخروجه الأول، وعند العلماء وجهان:

    بعض أهل العلم رحمهم الله يقول: إذا صدر إلى مسافة القصر ثم رجع ثانية؛ فإنه قد انتهى طواف الوداع ولا يلزمه طواف وداع ثانٍ؛ لأنه قد أنشأ سفراً بعد السفر الأول، وحينئذ يلغى، ولو قلنا: كل شخص يعيد لكان كل شخص خرج من مكة ورجع إليها مرة ثانية يلزمه أيضاً أن يعيد طواف الوداع، ولا قائل بهذا.

    ومن هنا قالوا: إنه إذا صدر عن البيت فالعبرة بطواف الوداع عند صدوره الأول.

    وأما إذا كان دون مسافة القصر وخرج فعلى ضربين:

    الضرب الأول: أن يخرج خروجاً قاصداً به الانفصال عن البيت؛ كأن يكون له غرض، أو يكون عنده أهل في الجموم، أو أهل -مثلاً-في عسفان، أو له قرابة أو جماعة في منطقة تبعد عن مكة دون مسافة القصر، خرج فزارهم ثم رجع، فأيضاً العبرة بالصدور الأول؛ لأن الخروج إلى هذا الغرض يعتبر خروجاً.

    وفي الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها -في صحيح مسلم وغيره- أنها قالت: (كان الناس يصدرون من فجاج منى وعرفات؛ فأمروا أن يجعلوا آخر عهدهم بالبيت طوافاً) وهذا قد صدر وخرج، ولذلك صح طوافك للوداع الأول ويجزيك إن شاء الله.

    والله تعالى أعلم.

    مداخلة: مثلاً شخص يخرج لمجرد خروجه من حدود مكة يتذكر غرضاً له في الفندق، أو عند جماعة، أو يتصل عليه شخص ويقول له: اذهب إلى فلان في مكة وخذ من عنده الحقيبة أو غرضاً، فيرجع مرة ثانية، فإن رجع مرة ثانية بعد خروجه من مكة وبقي بعد هذا الخروج بقاءً يقطع الوداع -وهو الذي ذكره العلماء: بقاء القصر- فإنه حينئذ يلزمه أن يعيد طواف الوداع.

    أما في الأول وقد قال: خرجت إلى المطار، وصدرت صدوراً صادقاً للحاجة، ثم بعدما ذهبت وخرجت تبين أن الرحلة متأخرة فرجعت. فحينئذ قد انقطع جلوسك الأول، وصح طوافك الأول للوداع، ولا تأثير لرجوعك الثاني.

    ولا يستثنى إلا هذه الحالة التي ذكرناها: إن رجع قريباً من مكة -وأشار إليه بعض الأئمة رحمهم الله، وفي كلام الإمام ابن قدامة رحمه الله ما يشير إلى ذلك- يعني: بمعنى أنه ما بلغ مسافة القصر، ومثلاً خرج من مكة، ولما كان في التنعيم رجع مرة ثانية مباشرة وجلس، فمثلاً بات بمكة أو جلس أو تغدى عند الرجل أو تعشى عنده فحينئذ انقطع الوداع، ويلزمه أن يعيد الوداع مرة ثانية.

    أما إذا كان الخروج لحاجة وغرض، وبلغت هذا المقصد الذي تريده، وأنت في خروجك الأول قد قطعت العلائق عن مكة، وليس عندك نية للرجوع، ثم حصل طارئ ويجب عليك الرجوع؛ فالعبرة بخروجك الأول لا بخروجك الثاني.

    والله تعالى أعلم.

    من اعتمر لغيره وحج لنفسه في أشهر الحج لا يعتبر متمتعاً

    السؤال: إذا اعتمر رجل عن غيره وحج عن نفسه، وكان ذلك في أشهر الحج هل يعتبر حجه تمتعاً أم ماذا؟

    الجواب: الأشبه في هذه المسألة أنه مفرد وليس بمتمتع، ويلزمه إن مر بالميقات الأبعد ناوياً للنسكين أن يرجع بعد عمرته؛ لأن الله تعالى يقول: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة:196] الأشبه: أنه مفرد، وهذا أحوط وأبرأ للذمة.

    والله تعالى أعلم.

    حكم من خرج من مكة ولم يطف طواف الوداع لأجل الزحام ثم رجع بعد يومين وطاف

    السؤال: ما حكم من ترك طواف الوداع وهو من أهل جدة؛ لأنه رأى الازدحام فرجع إلى جدة فجلس يوماً أو يومين ثم رجع فطاف للوداع؟

    الجواب: إذا خرج ولم يطف لزمه دم؛ لأن من خرج من أهل جدة قبل أن يطوف خوف الزحام، أو رأى المشقة في جلوسه ثم ذهب وجلس في جدة إلى أن خف الزحام، ثم رجع وطاف، فإن الطواف الثاني طواف نافلة وليس بطواف وداع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اجعلوا آخر عهدكم بالبيت طوافاً) وهذا صدر إلى أهله ورجع قبل أن يطوف بالبيت، ومن هنا يجب عليه دم الجبران بهذا الواجب، وأهل جدة على الصحيح أنه يلزمهم طواف الوداع، والسبب في ذلك: أن الوداع ليس واجباً لمسافة القصر، بل إنه واجب لكل من يغادر مكة بعد حجه.

    ولذلك حتى أهل مكة فلو أن المكي بعد الحج عنده عمل ووظيفة مثلاً في عسفان أو في مكان آخر، وخرج إلى هذا العمل والوظيفة بعد انتهاء حجه لزمه أن يطوف طواف الوداع، وهذا منصوص عليه عند الأئمة رحمهم الله؛ فدل على أن الأمر راجع إلى مفارقة البيت سواءً كان على مسافة القصر أو دون مسافة القصر، فأهل الجموم وأهل جدة وأهل عسفان كل هؤلاء يطوفون طواف الوداع؛ فإذا خرج الجداوي أو غيره من مكة ممن لزمهم طواف الوداع، وجلس في بلده حتى خف الزحام ورجع فطاف طواف الوداع؛ فإنه يلزمه دم الجبران؛ لأنه صدر قبل أن يجعل آخر عهده بالبيت طوافاً.

    والله تعالى أعلم.

    تقديم نية طواف الإفاضة ويجعل نية طواف الوداع تبعاً له

    السؤال: من أدرك طواف الوداع مع الإفاضة، فأيهما يقدم في النية أثابكم الله؟

    الجواب: أولاً : ينبغي تحري السنة، واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    الإفاضة طواف ومن السنة أداؤه يوم النحر، فيحرص المسلم على التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأداء هذا الطواف هو يوم النحر، والوداع يكون عند مفارقة البيت والرجوع إلى الأهل، فهذا طواف وهذا طواف؛ فإذا كان عنده عذر كالحائض تطهر آخر أيام التشريق تنزل وتطوف الطوافين وتأخذ بالرخصة، لكن أن يتقصد ذلك دون وجود حاجة أو عذر، فمثلاً الشيخ الكبير، والمرضى والعجزة، والناس الضعفاء يمكن أن يقال: أنهم يجمعوا.

    لكن بالنسبة للقوي السوي، والإنسان الذي جاء للحج حتى ولو كان امرأة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول في النساء: (عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة) فجعل الحج جهاداً، ومعنى ذلك أنه مشقة وعناء، فيحرص على اتباع السنة واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    فإذا كان هناك عذر: المرأة تحيض ثم تطهر آخر أيام التشريق فطافت للإفاضة عند خروجها فيغنيها طواف الإفاضة عن طواف الوداع.

    أما النية: أول شيء نية طواف الإفاضة، ويجعل طواف الوداع تبعاً للإفاضة؛ لأن طواف الإفاضة ركن، وطواف الوداع واجب، ولا يندرج الركن تحت الواجب، وإنما يندرج الواجب تحت الركن؛ لأن الأصغر يندرج تحت الأكبر.

    ونقول بصحة ذلك؛ لأن مقصود الشرع من طواف الوداع أن يكون آخر العهد بالبيت طوافاً، وهذا يتحقق لو طافت طواف الإفاضة عند خروجها أو طاف الرجل طواف الإفاضة عند خروجه، فقد صار آخر عهده بالبيت طوافاً، فينوي النيتين: ينوي الإفاضة وينوي تحتها الوداع، وحينئذ يجزيه.

    فإن نوى الوداع واندراج الإفاضة تحته، فهذا له وجهان:

    قال بعض العلماء: يجزيه عن الإفاضة؛ لأن ذمته مشغولة بالأكبر والأصغر يجبره، وهذا مبني على مسألة مشهورة، وهي: أنه لو نوى أن يصوم غير رمضان في رمضان أنه ينقلب إلى رمضان، ولكن هذا القول مرجوح والقول الثاني أرجح؛ لأن محل ذلك أن لا يسع المحل للعبادتين، لا يسع إلا لعبادة واحدة كما في أيام رمضان، لا يمكن إلا أن تتسع إلا صوم واحد، أما هنا فالوقت متسع وقد قال صلى الله عليه وسلم : (وإنما لكل امرئ ما نوى) .

    ومن هنا نقول: إنه لا يصح ولا يجزي، وهو القول الثاني وهو مذهب الجمهور القائلين بطواف الوداع، ويلزمه أن يطوف، وهذا القول قول ضعيف، وهو لبعض أصحاب الإمام مالك رحمهم الله، وحينئذٍ يلزمه أن يطوف للإفاضة طوافاً مستقلاً.

    وعلى هذا: النية للأكبر، والأصغر يندرج تحت الأكبر إذا تحقق مقصود الشرع، فالأكبر هو الإفاضة، والأصغر الوداع، ومقصود الشرع أن يكون آخر عهده بالبيت طوافاً، وهذا يحصل على هذا الوجه؛ فلذلك كان مشروعاً.

    والله تعالى أعلم.

    لا يلزم التتابع في صيام فدية الحج

    السؤال: من ارتكب محظوراً من المحظورات وأراد صيام ثلاثة أيام، فهل تكون متتالية أو متفرقة أثابكم الله؟

    الجواب: صيام الثلاثة الأيام في فدية الحج متفرقة، ولا يجب فيها التتابع على الصحيح، وذلك لأن الكتاب والسنة ثابتان بالإطلاق، الله تعالى يقول: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196] ولم ينص على التتابع في الصيام، وثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه، حينما رآه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ما كنت أرى أن يبلغ بك الجهد ما أرى! ثم قال له: أطعم فرقاً بين ستة مساكين، أو انسك نسيكة، أو صم ثلاثة أيام) قال: (أو صم ثلاثة أيام) ما قال: متتابعة، والأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه، والتتابع صفة زائدة يحتاج إلى التنبيه عليها، ولم ينبه الشرع عليها، فمن صام ثلاثة أيام متفرقة فقد صام ثلاثة أيام، ومن هنا تبرأ ذمته، وتصح فديته، ولا يلزمه التتابع.

    والله تعالى أعلم.

    حكم من تمتع بالعمرة إلى الحج يوم التروية

    السؤال: كنت متمتعاً واعتمرت عمرة التمتع صباح اليوم الثامن ثم أحرمت للحج، فهل عملي هذا صحيح أثابكم الله؟

    الجواب: إذا وقعت العمرة قبل الوقوف بعرفة فهي عمرة تمتع، والسنة: أنك تحرص على صلاة الظهر بمنى، فلو وقعت العمرة في يوم التروية فأصح الأقوال -وهو مذهب الجمهور- صحت العمرة، وهناك بعض العلماء من شدد في العمرة في يوم التروية، وبعضهم يشدد في العمرة يوم النحر، ولكن بالنسبة للعمرة على هذا الوجه فهي عمرة صحيحة؛ لأن الوصف الشرعي بكونك تمتعت بعمرتك إلى الحج واقع وحاصل بها، ولذلك يلزمك ما يلزم المتمتع وعمرتك مجزئة.

    والله تعالى أعلم.

    من تعجل بالخروج من منى قبل غروب الشمس ثم عاد بعد الغروب لأخذ متاعه

    السؤال: رجل أراد أن يتعجل فخاف أن تغرب عليه الشمس فرمى وخرج من منى، ثم عاد بعد الغروب لأخذ متاعه.. هل فعله صحيح أثابكم الله؟

    الجواب: هذا لم يتعجل! التعجل: أن يخرج بمتاعه وجسده، أو الخروج التام، الله تعالى يقول: فَمَنْ تَعَجَّلَ [البقرة:203] فالإنسان يفقه عن الله وعن رسوله، وهذا يقتضي أنه قد خرج كاملاً بمتاعه وبنفسه من حدود منى.

    أما إذا خرج من حدود منى وانتظر حتى تغرب الشمس ورجع مرة ثانية فهذا لم يتعجل، ولذلك قرن الحكم بوصف لابد من تحقيقه على الصفة الواردة الشرعية، فمن خرج وليس معه متاعه غابت عليه الشمس لم يتعجل! بدليل أن أغراضه لا زالت باقية بمنى، ومن هنا نأخذ الصفة الشرعية كما وردت، وهذا من العبث والاحتيال والتلاعب على الشرع، الله يقول: (لمن اتقى) وعلى هذا لا يكون الاحتيال على الله وعلى الأحكام الشرعية، فالتعجل ينبغي أن يكون تاماً كاملاً بحيث -فعلاً- إذا رأيت صاحبه قلت: قد تعجل.

    يقول بعض مشايخنا رحمة الله عليه: من خرج من حدود منى قبل غروب الشمس ومتاعه بمنى، ثم رجع مرة ثانية؛ فإنه في هذه الحالة لم يتعجل حقيقة؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الفعل -وهو فعل التعجل- يستلزم أن تغيب عليه الشمس وقد أدى أفعالاً يصدق عليها أنه استعجل فيها.

    كيف يكون تعجل.. يعني بجسمه؟! من دقة هذا الآن يقول: لو خرج قبل غروب الشمس. ما الذي وقع منه؟ هل وقع منه الخروج الحقيقي، وتعجل بمتاعه ونفور حقيقي؟

    الواقع: لا، ما خرج إلا جسده، ومتاعه بمنى، فهل فعل ما أمره الله؟

    أصلاً الذي يريد التعجل قبل أن تغرب عليه الشمس يكون قد أدى أفعالاً معينة، ورتب نفسه ووضعه وجميع أموره على أنه يريد أن يخرج، أما أن يجلس إلى غروب الشمس..! أصلاً ما يقع هذا الشيء إلا من إنسان مسوف ومتساهل، تجده يجلس ويتغدى وينبسط إلى قبل غروب الشمس بنصف ساعة أو بساعة -خاصة إذا كان عند الجمرات- خرج إلى آخر حدود منى ثم رجع مرة ثانية، وما شاء الله متعجل! ولا بأس ولا حرج وانتهى الأمر..! هذا ما يصح.

    ولذلك الله تعالى يقول: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203] واللام للتخصيص، أي: هذا الحكم لمن اتقى، والذي اتقى يأخذ بالأسباب والأوصاف التي يصدق على مثله أنه اتقى الله عز وجل، أما أن يجلس ويماطل وينتظر إلى قبل غروب الشمس بشيء يسير، يقف على حدود منى ثم يخرج ثم يرجع مرة ثانية ويأخذ متاعه.. فهذا ليس بمتعجل! وإنما هو متحايل، وقاصد لترك المبيت، حتى إن بعض العلماء يقول لقوله تعالى: لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203] معناه: أنه يخرج من منى وهو يحب العبادة، ولكن يخرج يريد أن يتعجل إلى أهله، عنده ظرف! عنده استعجال! عنده عجزة! عنده ضعفة! عنده رفقة! عنده عمل ودوام... ما يخرج كارهاً للمبيت ونافراً من العبادة، فالذي يخرج كارهاً للمبيت ونافراً للعبادة فهذا -نسأل الله السلامة والعافية- لم يتق الله عز وجل.

    ومن هنا نجد أن الآية أعطت رخصة مقرونة بصفة شرعية، وأنها جاءت على وجه مخصوص، فينبغي التقيد بالوارد والحكم بالرخصة لمن كان من أهلها، وقام بها على وجهها.

    والله تعالى أعلم.

    لزوم طلب العلم على أيدي المشايخ لا الأشرطة والكتب

    السؤال: أنا في بداية طلب العلم، وأحفظ شيئاً من كتاب الله تعالى وبعض المتون، وأسمع شرحها من الأشرطة فهل هذه الطريقة صحيحة؟ علماً أن الدروس لا يوجد مشايخ يشرحونها حالياً.. أثابكم الله.

    الجواب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    العلم سنة متبعة تؤخذ من أفواه الرجال، ولابد لطالب العلم من شيخ يتتلمذ عليه، ويحصل العلم على يديه، ويأخذ من منهجه الفعلي كما يأخذ من منهجه القولي، لابد من هذا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء -بعد إذ وعوه- ولكن يقبضه بموت العلماء) .

    قال الإمام الحافظ وغيره: إن في هذا دليلاً على أن العلم لا يؤخذ من الكتب، وإذا لم يؤخذ من الكتب لا يؤخذ من الأشرطة؛ بمعنى أن طالب العلم لا ينحصر فيها، وينبغي لطالب العلم أن يجلس في مجالس العلماء إذا لم يوجد عالم في قريتك ومدينتك تنظر إلى العطلة وإلى أوقات الفراغ، فتسافر إلى منطقة فيها علماء، تقرأ عليهم متوناً أو كتباً تستطيع أن تحصل بها العلم وتستطيع أن ترجع بها إلى أهلك، ولو على فترات، تسافر إلى الشيخ تقرأ عليه كتاب الطهارة، كتاب الصوم، كتاب الحج، كتب العبادات، كتب المعاملات، لابد من هذا، لابد من وجود العالم، ولا يصح العلم بسماع الأشرطة فقط مجردة عن حضور العلماء.

    ولذلك كثير من الآفات وجدناها: طلاب العلم الذين يتخرجون عن طريق الأشرطة يخطئون أخطاءً بشعة؛ والسبب في هذا عدم جلوسهم على أيدي علماء، وعدم تربيتهم، وعدم تلقيهم للعلم كما ينبغي ظاهراً وباطناً بالجلوس على أيدي العلماء ومعرفة منهج العلماء وكيفية فتواهم وتعليلهم، ونحو ذلك مما يستفاد من مخالطة أهل العلم، ولا أشك أنه إذا سمع الشريط ونزلت عليه -مثلاً- مشكلة أو نازلة لا يستطيع أن يسأل سؤالاً مباشراً، ولا يستطيع أن يجد جواباً لهذا الإشكال.

    لكن لو أن الإنسان يحضر دروساً، ثم إذا غاب الشيخ وسمع الشريط لا بأس؛ لأنه قد استفاد من طول مجالسته للعلماء، والغالب أنه يباشر السماع للعالم، والغياب هذا في فترات لا يقدح، ومن هنا كان الصحابة إذا غاب أحدهم سمع من أخيه، فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يستنيب رجلاً حينما كان يذهب إلى مزرعته بالعوالي، وهذه طريقة من طرق السلف؛ لكنه استناب رجلاً يسمع ويعلم، وحينئذ يكون التلقي كالتلقي المباشر؛ لأن الفرع تابع لأصله.

    وعلى كل حال: ينبغي الحرص على أخذ العلم مشافهة من العلماء ما أمكن.

    والله تعالى أعلم.

    من علامات الساعة اتخاذ الناس الجهال أمناء على الدين

    السؤال: لقد انتشر في هذا الزمان بعض ممن ينتسب للعلم وأهله، ويتحدث بغير علم ويفتي في دين الله بلا دراية، فهل من توجيه لهؤلاء أثابكم الله؟

    الجواب: الشكوى إلى الله عز وجل.

    العلم دين! ولا يؤخذ الدين إلا من أهله، وعلى الناس أن يتقوا الله عز وجل في هذا الدين، فلا يأخذوه إلا من العلماء الأمناء، وكون كل إنسان يتكلم ويفتي هذا من أمارات الساعة، ومن علاماتها: كثرة الجهل، وقلة العلم، وقبض العلماء؛ لأنه لو كان العلماء موجودين وكثيرين لخرست أفواه الجهلاء، ولما استطاعوا أن ينطقوا؛ لأن العلم حق يقذف به على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.

    ولكن حينما يقبض العلماء يسترسل الناس في دين الله وشرعه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس) وانظر إلى كلمة (اتخذ الناس) ما اتخذه رب العالمين، الله تعالى يقول: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:269] (اتخذ الناس) هذه الأساليب اللغوية الجميلة البديعة!

    (اتخذ الناس) تجدهم يضعونه في الفضائيات، ويشهِّرون به، وهو الإمام! وهو الشيخ وهو المفتي! وهو المنظر! وهو الذي يعرف الدين.. وهو الذي يعرف كيف يؤصل ويقعد؛ لأنه على الهوى وعلى ما تشتهي الأنفس، وعلى ما يريدون، فهم يريدون الدين كيف شاءوا وكيفما أرادوا، لا كما أراد الله عز وجل؛ لأنهم لو كانوا يريدون الدين كما أراد الله لرفعوا مكانه العلماء الربانيين الذين يرجع إليهم ويؤخذ عنهم، وينصحون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في إظهارهم للناس وبيان علمهم.

    (اتخذ الناس) اتخاذ الناس من أكثر ما يوجد بالمدح والثناء، وإعطاء الألقاب الكبيرة، والأوصاف المفخمة التي والله لو أعطيت لعالم جهبذ من علماء السنة والسلف وهو أهل لذلك لجثا على ركبتيه؛ خوفاً من الله عز وجل أن يقال له! ومع ذلك تجد الإنسان -والعياذ بالله- يغتر بها وينجرف وراءها، وهذا هو شأن الجهلاء.

    فعلينا أن نحذر من هؤلاء الذين تقمصوا ثوب العلم والدعوة.

    العلم نور والله! ولو أطبقت شموس الدنيا على أن تضيء ظلمة أظلمها الله ما استطاعوا، ولن يظلموا على الحق؛ فإن عليه ضياء، ولو أطبق أهل السماوات والأرض على قول باطل وأرادوا أن يفتوا به ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

    ليتكلم المتكلمون! وليفتي المفتون! وليفعلوا ما شاءوا! وليقولوا ما شاءوا! فلا يبقى إلا الحق الذي أراده الله فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ [الرعد:17] لا يبقى إلا الحق، ليسوا أول من تكلم ولا آخر من تكلم، ولا يتكلم المتكلمون، ولكن لا يبقى إلا ما أريد به وجه الله، وهذه سنة ماضية.

    السلف الصالح رحمهم الله عانوا من ذلك ومنهم: ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ الإمام مالك الذي كان يقال له: ربيعة الرأي من قوة رأيه وفتواه واجتهاده، والذي تتلمذ على يديه الإمام مالك ، وقالت أم مالك لـمالك : اذهب إليه فخذ من سمته ودله قبل أن تأخذ من علمه. فرزق السكينة والعلم والوقار بهذا العالم الرباني بعد فضل الله عز وجل.

    هذا العالم ماذا كان يقول؟ ليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا رجلين يعني: قريب العهد في المدينة المنورة دار النبوة ودار الهجرة! وفي زمن القرون المفضلة! ومع ذلك دخل عليه مالك وهو يبكي فيقول: والله إن فلاناً يتكلم في العلم أحق أن يقطع لسانه من يد السارق.

    يبكي من كثرة القول على الله بغير علم، وهذا في الزمان الأول، فكيف بزماننا نحن؟!

    ولذلك لا يبالي الإنسان بهذا، دين الله منصور وكلمة الله ماضية، الله عز وجل يقول: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء:18] الذي عند الناس سيبلى ويفنى، والذي عند الرحمن يبقى، ولا يبقى إلا ما أريد به وجه الله.

    وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام:115] ستبقى كلمة الله! ويبقى دينه وشرعه، فلا يحزن الإنسان هذا؛ لأن الله يقول: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127] يأتون بالفتاوى ويتتبعون بها رخص العلماء، ويخرجون الأمة من دينها بأشياء من عزائم الدين ويرخص فيها؛ فيصبح الدين سهلاً على رأيهم ونظرهم، وكأنه ليس في الدين شيء مع عزائمه والعياذ بالله، يسلقون الدين -والعياذ بالله- وينقضونه عروة عروة في الآداب والأخلاق والشيم! حتى أنك تجد العالم من يتسمى منهم بالعلم ويدعي العلم، الأمة بحاجة أن تنصح في أمور عظيمة، ومع ذلك يخرج يتكلم عن رخصة من الرخص قد يكون لا يقول بها إلا الشذاذ، ويقعد لها وينظر.. لماذا؟ لأنهم يتبعون الهوى، ما خرجوا غيرة لله ولا لدينه وشرعه.

    فهذه الآفة الموجودة من كثرة المفتين والقائلين على الله آفة عظيمة! لكن ليس البلاء على هؤلاء أن يتكلموا، البلاء كل البلاء على من ينصت لهم ويستمع إليهم ويعمل بقولهم، فإياك إياك! أن تعطي سمعك إلا لمن تثق بدينه وأمانته.

    كان أيوب بن أبي تميمة السختياني -من تلامذة ابن عمر رضي الله عنهما ورحم الله الجميع- من أصلح خلق الله، وكان ديواناً من دواوين العلم والعمل في حفظه للسنة عن ابن عمر رضي الله عنه، من خيار أصحاب ابن عمر ، كان ابن عمر يقول لأصحابه: أيكم الأبيض المشرب بحمرة؟ قالوا: أيوب. قال: أراه أصلحكم. كان يتفرس ابن عمر أنه أصلح طلابه، وكان كذلك في الصلاح والخير والصيانة، نحسبه ولا نزكي على الله أحداً.

    هذا الإمام العالم الصالح كان إذا جاءه شخص من أهل البدع القدرية وأهل الأهواء يريد أن يناظره -وهو عالم رباني متمكن- يقول له: أريدك أن تسمع مني. فيضع أصبعيه في أذنيه. يقول: اسمع مني، فقط اسمع مني. يقول: ما شاء الله! حرية الرأي والمناقشة، نريد نناقش.. من تناقش؟ أتركك تقول على الله بدون علم، أُجرئك على أن تقول؟! قل لي من أنت؟ أين طلبت العلم؟! ما الذي تحفظ من كتاب الله؟! ما الذي تحفظ من سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟! سم لي رجالاً حتى أصغي إليك وأعرف ما عندك، أما إذا كان ما عندك علم فمثلك ما يستمع إليه؛ لأن مثلك ليس بأهل بأن يتكلم في هذا الأمر.

    يخرج العالم الرباني ليتكلم في مسألة فتجد شخصاً يقول: عندي مداخلة يا شيخ! عندي إضافة يا شيخ! يا لله ياللأسف!! ذهبت حرمة العلماء والعلم، وهذا كله من غربة الدين..!

    والناس تنظر إلى هذا، كما قال أنس : (إنكم لتفعلون أعمالاً هي أدق في عيونكم من الشعر، كنا نراها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثال الجبال).

    توقير دين الله وشرعه أمر عظيم، واحترام أهل العلم والفتوى، كان الناس إذا تكلم العالم بالفتوى لم يراجع، مؤتمن على دين الله عز وجل وشرعه محبوب! مهاب! مكرم! المرأة تأتي إلى بيت زوجها وأبيها وأخيها وابنها وتقول: سأفعل كذا وكذا.. يقال لها: من قال لك؟! كيف تشقين على نفسك؟! تقول: الشيخ أفتى. يقولون: سمعنا وأطعنا.

    ما أحد يتقدم ولا يتأخر؛ لأن هذا دين وشرع! ومعروف من الذي يتكلم في الدين والشرع، أما أن يفلت الزمام لكل من هب ودب، وكل يوم تدخل المرأة على زوجها بفتوى قال فلان وأفتى فلان وعلان، فعلى كل إنسان أن يعلم أن هذا الدين من تكلم فيه فهو حجة له بين يدي الله عز وجل.

    يقول الإمام الشافعي رحمه الله: رضيت بـمالك حجة بيني وبين الله.

    أذكر في مجلس من المجالس أنني كنت أفتي فيه، وكان هناك رجل يرخص في الفتوى، فكان بعضهم يأتي ويرخص له، يقول أحد القائلين: وكان يناقش كثيراً، وهو من خيار طلبة الوالد ومن طلبة العلم، وكان يستفتي غيري ثم يناقشني، فمكثت على هذا أكثر من خمس سنوات، فذات يوم قال لي: يا شيخ! أنت تشدد علينا. كثيراً ما يقول لي هذا وأنا أدفعه بالتي هي أحسن! فيوم من الأيام قال لي: يا شيخ! أنت تشدد علينا. فقلت له: اتق الله! سأسألك سؤالاً، هل الذي أفتيت به فيه قال الله وقال رسوله؟ قال: اللهم نعم -نعم أنت تذكر الفتوى بالدليل-. قلت: إذا ذكرت الفتوى بالدليل فلا يجوز لك أن تقول لي أني شددت؛ لأن هذا حكم الله عز وجل، ولا أن تقول لي: أنت تتساهل. ما دام عندي دليل من كتاب الله وسنة رسوله.

    فإذا به يقول -وهذا موضع الشاهد، أحكيها للعبرة ولا أحكيها عن غيري، واحتجت أن أقولها عن نفسي حتى يكون مثالاً-: والله يا شيخ! وأقسم بالله -وغلظ اليمين- إنك تفتينا في المسألة ويدخل علينا عشرات ممن يرخصون لنا، لكن والله لا نجد الطمأنينة إلا في قولك.

    الحق عليه نور، الحق منصور بذاته: وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الإسراء:105] الحق لا يحتاج إلى أحد ينصره، الله عز وجل هو الذي تولى نصرته.

    فنسأل الله بعزته وجلاله أن يرزقنا هذه المنهجية: وهي الرجوع إلى العلماء الأمناء، نوصي أبناءنا وبناتنا وزوجاتنا، وجميع من حولنا على ألا يسمعوا إلا ممن يوثق بدينه وعلمه.. هذا أول شيء.

    ثانياً: إذا جاءوا بفتاوى من الغرائب وممن لا يوثق بدينه وعلمه نذكرهم بالله، ونقول لهم: هذا دين وشرع لا تصح الفتوى إلا ممن يوثق بدينه وعلمه، ومشهود له أنه من أهل للفتوى.

    نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الزلل، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007958355

    عدد مرات الحفظ

    720443425