إسلام ويب

تفسير سورة نوحللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من تربية القرآن الكريم للدعاة أن عرض لهم صوراً لحياة الأنبياء في دعوتهم لقومهم، ومن هؤلاء الأنبياء نبي الله نوح عليه السلام، فقد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، لا يفتر عن دعوتهم ليلاً ولا نهاراً، ولا سراً ولا علانية، ولا جماعات ولا أفراداً، كل ذلك بصبر تزول معه الجبال ولا يزول، ومع ذلك لم يلق منهم إلا العناد والمكابرة والإصرار على كفرهم، فأهلكهم الله تعالى وأنجاه ومن اتبعه، وفي ذلك سلوة لكل داعية، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

    1.   

    بين يدي السورة

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فقد سميت هذه السورة الكريمة باسم نبي من أنبياء الله تعالى، ورسول من رسله صلوات الله تعالى عليهم، وهو نوح صلى الله عليه وسلم، وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، ففي حديث الشفاعة الطويل أن آدم عليه السلام يقول: (اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ..).

    ونوح صلى الله عليه وسلم قد عمر عمراً طويلاً، فقد قال الله تعالى في كتابه عن دعوته لقومه فحسب: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [العنكبوت:14].

    وهو من أولي العزم من الرسل صلوات الله تعالى عليهم، وأولو العزم من الرسل جاء ذكرهم في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب:7]، فهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله وسلم عليهم أجمعين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه...)

    قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ :

    كان قوم نوح قد وقعوا في الشرك بالله تعالى؛ بسبب تعظيم أهل الصلاح والغلو فيهم.

    قوله تعالى: أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [نوح:1]، العذاب كل شيء يؤلم العبد، من الضرب بالسياط أو الحرق بالنيران ونحو ذلك، وأصل العذاب: الحبس، كما روي عن علي رضي الله تعالى عنه قوله: ( عذبوا أنفسكم عن ذكر النساء في الغزو) أي: أمسكوا عن ذكر النساء، واحبسوا أنفسكم عن ذكر النساء في الغزو.

    والأليم: المؤلم الموجع.

    قوله تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:2-3].

    قوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ) أي: افعلوا ما أمركم الله تعالى به، وأطيعوه فيما أمركم به، وقوله: (وَاتَّقُوهُ) أي: اجتنبوا محارمه، وانتهوا عما نهاكم عنه.

    ويوضح هذا المعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) بمعنى: (وَاتَّقُوهُ)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وما أمرتكم به) بمعنى: (اعبدوا الله)، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يغفر لكم من ذنوبكم....)

    قوله تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [نوح:4] من العلماء من قال: إن (مِن) هنا زائدة، فالمعنى: يغفر لكم ذنوبكم، كما جاء في آيات أُخر.

    ومن العلماء من قال: إن ( مِن ) هنا للتبعيض، أي: يغفر لكم بعض ذنوبكم.

    ومن العلماء من قال: إن (مِن) هنا بمعنى: (عن)، وأوَّل الغفران بمعنى الصفح، أي: يصفح لكم عن ذنوبكم، فهي ثلاثة أقوال أو أكثر، لكن الأشهر منها هذه الأقوال الثلاثة.

    ففي هذه الآية أن عبادة الله تعالى وتقواه وطاعة رسله مكفرات للذنوب، والكفارات لا تنحصر كلها في قول الشخص: أستغفر الله فحسب، بل الصلوات الخمس مكفرات، والصيام مكفر، والجمعة إلى الجمعة مكفرة، والوضوء يذهب بخطايا بني آدم، فهناك أعمال مكفرة إضافة إلى قول المرء: أستغفر الله.

    الخلاف في زيادة العمر بأعمال البر

    قوله تعالى: (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) يرد عند هذه الآية مسألة وهي: هل عبادة الله تعالى وتقواه سبب في طول العمر؟ وهل يزيد العمر عن الحد الذي حده الله سبحانه وتعالى بشيء من الأسباب؟

    إن مسألة الزيادة في العمر قد ورد فيها نصوص مختلفة، فقد وردت نصوص تفيد أن العمر قد يطول ببعض الأعمال، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يبسط له في رزقه -أي: يوسع له في رزقه- وينسأ له في أثره -أي: يؤخر له في عمره- فليصل رحمه)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمران الديار ويزيدان في الأعمار).

    ووردت أدلة أخرى في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرها يفيد معنىً آخر، فقد قال الله سبحانه: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد:38]، وقال الله سبحانه: إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:49]، وفي الصحيح أن أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله تعالى عنها قالت: (اللهم أمتعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان ، وبأخي معاوية، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: لقد سألتِ الله آجالاً مضروبة، وأرزاقاً مقسومة، لن يقدم شيء منها ولن يؤخر)، أو بنحوه.

    وفي حديث التخلق قال صلى الله عليه وسلم: (ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد).

    فاختلف العلماء في الجمع بين هذه النصوص على أقوال:

    القول الأول: أن لكل أجل كتاباً، ولكل شخص عمراً قدر له، ولكن إذا عمل الشخص الأعمال الواردة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم زيد له في عمره، فالجمع بين النصوص أن معنى قوله تعالى: إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ [يونس:49] أي: إذا جاء أجلهم الذي قدر لهم لو لم يصلوا الرحم، فإذا وصلوها زيد في أعمارهم؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأشار إلى هذا المعنى الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى، ولم يطل في هذا المقام. فهذا قول مبنيٌ على ظاهر الأدلة، وهو أن الشخص له عمر مكتوب، لكن إذا وصل الرحم زيد له في عمره.

    القول الثاني: أن المراد بطول العمر هو البركة في العمر، فيذكر بخير بعد مماته.

    القول الثالث: أن الأجل أجلان: أجل أعلمه الله تعالى لملائكته أن إذا عمل عبدي كذا وكذا فاكتبوا له من العمر كذا وكذا، وإذا عمل كذا وكذا فاكتبوا له من العمر كذا وكذا، والله تعالى يعلم بالذي سيختاره العبد، وأثبت في اللوح المحفوظ ما سيختاره العبد، وهذا المثبت في اللوح المحفوظ هو الأجل الذي عند الله تعالى في أم الكتاب، والمحو والإثبات يكون في الكتاب الذي بين أيدي الملائكة.

    ومن هذا ما ورد في شأن موسى عليه السلام حين جاءه ملك الموت فلطمه ففقأعينه -كما في صحيح البخاري رحمه الله- فرجع إلى الله تعالى، ثم بعد ذلك قبض روح موسى صلى الله عليه وسلم.

    فالله يعلم بالذي دار كله، وأثبت عنده منتهى الأمر الذي سيصدر من موسى، والوقت الذي ستقبض فيه روح موسى، فأثبت هذا في أم الكتاب، وأما الذي تغير فهو الذي بيد الملك.

    وإلى هذا أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بعض اختياراته، وثم أقوال أُخر.

    وهذه المسألة وصفها العلماء بأنها من المسائل الشائكة التي ينبغي أن تجرى على ظاهرها كسائر الأمور مثلها؛ فهي كمسألة الرزق، إذ الأجل والرزق مكتوبان، فمكتوب لك وأنت في بطن أمك كم سترزق، فإذا سعيت والتمست الأسباب الصحيحة لطلب الرزق في الظاهر فإنك سترزق، وإذا نمت وتركت العمل، فلن يأتيك رزق ذلك اليوم، فإن آمنت بأن الرزق مقدر ومع ذلك تسعى في الأخذ بالأسباب، فكذلك تؤمن بأن الأجل مكتوب، وعليك أن تسعى بما يزيد في أجلك كما تسعى بما يزيد في رزقك.

    فالإيمان قائم أن الأجل مقدر، وعلمه عند الله تعالى، مع التدين بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في عمره فليصل رحمه)، فعليك أن تصل الرحم، كما أن عليك أن تخرج لطلب الرزق، ومع ذلك تترك الباقي إلى المولى سبحانه وتعالى، كسائر المسائل المتعلقة بالقدر. والله أعلم.

    ومن العلماء من قال: إن قوله تعالى: يؤخركم إلى أجل مسمى المراد بها: يدفع عنكم العذاب فلا تعذبون في الحياة الدنيا، وهذا كالأول، فإن العذاب مقدر، فإن أطعت الله رفع عنك العذاب، كما إذا وُصِلَتِ الرحمُ طالت الأعمار.

    على الداعية البلاغ والهداية على الله

    قال تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا [نوح:5-6].

    الآية الكريمة أفادت أصلاً مقرراً دلت عليه كثير من الأدلة، وهو أن المهدي من هداه الله، وليست الهداية بذكاء الداعي ولا بحكمته، وإنما الذكاء والحكمة سبب قد ينجح وقد لا ينجح؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أعقل الخلق، وأعلم الخلق بالله، وأورع الخلق، وأذكى الخلق، ومع ذلك يقول نوح عليه السلام: (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا)، في ألف سنة إلا خمسين عاماً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا فدعاهم ليلاً ونهاراً.

    فكون الهداية بيد الله تعالى أصل لابد أن يفهم تمام الفهم، فدعوة نوح عليه السلام لقومه لم تفلح، ودعوته لابنه وامرأته لم تفلح، ودعوة إبراهيم لأبيه لم تفلح، ودعوة لوط لزوجته لم تفلح، ودعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لعمه لم تلفح.

    فمرد الهداية إلى الله تعالى لا إلى ذكاء الشخص، ولا إلى كفاءة الشيخ ولا العالم، وإنما هي أسباب علينا أن نأخذ بها، فنأخذ بالحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، ونأخذ باللين وبكل السبل التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقادنا تمام الاعتقاد أن الهداية مردها إلى الله تعالى، وقد قال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [يونس:100].

    فنوح عليه السلام يخبر أن دعوته قومه لم تنفع فيهم شيئاً، بل ازدادوا بعداً بسبب دعائه، وهكذا الآيات حين تنزل على الرسل فيزداد بها المؤمنون إيماناً، ويزداد بها الكافرون كفراً، كما قال تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:124-125].

    وإنما نوع لهم الدعوة في الليل والنهار والسر والعلن حتى لا يملوا، فإن خافوا من الفضيحة في دعوة العلن فقد دعاهم أيضاً في السر، ودعاهم في الليل، ودعاهم في النهار، ودعاهم فرادى، ودعاهم جماعات.

    وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح:7]، أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، وقوله تعالى: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ)، فيه تصوير مدى البعد الذي كان فيه قوم نوح، ومعنى قوله تعالى: (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ)، أي: تغطوا بثيابهم، (وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا).

    وقد حكى الله تعالى عنهم قولهم: يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [هود:32].

    ثم قال تعالى عن نوح عليه السلام: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [نوح:8-9]، وفيه بيان كل الطرق التي سلكها نوح صلى الله عليه وسلم معهم، ولكن الهادي هو الله سبحانه.

    الاستغفار لسعة الرزق وجلب الخير

    قال تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [نوح:10-11]، هذا أصلٌ قد أثبت في عدة آيات، وهو أن الاستغفار سبب في سعة الرزق، كما قال تعالى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3]، وقال تعالى حكاية عن هود عليه السلام أنه قال لقومه: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ [هود:52].

    وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96]، فمن أراد سعة الرزق فعليه بالإكثار من الاستغفار، ولذلك يشرع عند الاستسقاء الإكثار من الاستغفار.

    وقوله تعالى: وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح:12]، كل هذا بسبب الاستغفار.

    1.   

    دلائل قدرة الله الداعية إلى الإيمان به

    قال تعالى: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح:13]، قال بعض العلماء: إن معنى (لا تَرْجُونَ) أي: لا تخافون، كقوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا [النبأ:27] أي: لا يخافون، فالمعنى: لا تخافون من بأس الله تعالى وانتقام الله تعالى، ولا تخافون من عظمة الله سبحانه.

    قوله تعالى: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [نوح:14]، فيه أقوال لأهل العلم:

    فمنهم من قال: معناه قوله تعالى: خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ [الزمر:6].

    ومنهم من قال: معناه قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم:54].

    ومنهم من قال: خلقكم متفاضلين في الأخلاق والأفهام والأذواق، ونحو ذلك، فمنكم الذكي ومنكم الغبي، ومنكم الطويل ومنكم القصير، ومنكم طيب الخُلُق ومنكم البذيء، ومنكم الوفي ومنكم الغادر، ومنكم المحسن ومنكم المسيء، ومنكم المتصدق ومنكم اللص، ومنكم الذي يأكل أموال اليتامى ظلماً ومنكم الذي يكفل الأيتام.

    فعند هؤلاء يكون المراد بالأطوار: الأصناف والأشكال.

    وعلى كل حال فالأطوار تحتمل كل هذه المعاني.

    وبناءً على ذلك فقد تستدل إذا حصل من شخص أنه لم يفهم كلامك أو لم تفهم كلامه بهذه الآية الكريمة، فتقرأ قوله تعالى: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ، أي: أشكالاً وأصنافاً وأزواجاً، فكلٌ على فهم، وكلٌ بعقل، وكلٌ بتفسير، وكلٌ بسجيته وطبيعته.

    قال تعالى: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا [نوح:15]، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا [نوح:16]، هذا مما كان يقوله نوح عليه السلام لقومه، وهذا النور الذي في القمر يختلف في كل يوم عن اليوم الذي قبله، فنور القمر اليوم أكثر من نوره أمس، ونوره غداً أكثر من نوره اليوم، كما قال تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39].

    وقوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا [نوح:17] فيه قولان لأهل العلم:

    الأول: أن معنى: أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا أنبت آدم عليه السلام الذي هو أبوكم، كما قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف:11]، أي: صورنا آدم عليه السلام؛ لأن آدم عليه السلام خلق من الأرض، ففي الحديث: (إن الله قبض قبضة من جميع الأرض فخلق منها آدم، فجاءوا على قدر ذلك منهم الأبيض والأسود ودون ذلك، ومنهم الأحمر والأصفر ومنهم دون ذلك ..) أو بنحوه عنه عليه الصلاة والسلام.

    الثاني: أن معنى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا أي: أنبت لكم من الأرض نباتاً.

    لكن القول الأول أرجح للآية التي تليها، وهي قوله تعالى: (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا)، أي: يوم القيامة.

    قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا [نوح:19]، أي: مبسوطة ممهدة كفراش الطفل.

    وقوله تعالى: لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ، الفجاج: هي الطرق، وفي الحديث: (وكل فجاج مكة طريق ومنحر)، أو: (كل فجاج منى طريق ومنحر).

    1.   

    عصيان قوم نوح وما حدث لهم

    ثم قال تعالى: قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي :

    العصيان هنا عصيان يئول إلى الشرك، أو هو الشرك نفسه.

    وقوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا )؛ من العلماء من قال: هم قوم كفار من أكابر المجرمين الذين استغنوا عن الإيمان على عهد نوح عليه السلام بأموالهم وأولادهم.

    وقوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا [نوح:22] أي: مكراً كبيراً عظيماً.

    تواصي قوم نوح بالتمسك بالأصنام

    قال تعالى: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا).

    قوله تعالى: (لا تَذَرُنَّ) أي: لا تتركن، وقد ورد في صحيح الإمام البخاري من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ذكر أن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانوا رجالاً من أهل الصلاح، فلما ماتوا أتى الشيطان إلى أقوامهم وقال لهم: لو صورتموهم تصاوير حتى تذكروهم بها، ثم لما طال عليهم الأمد صنعوا لهم أصناماً، ثم طال عليهم الأمد فعبدوا هذه الأصنام وهذه الأحجار.

    وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فهذه علة هذا الأثر، وقد حاول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في مقدمة الفتح أن يدافع عنه، ومما ذكره من أوجه الدفاع: أنه يحتمل أن يكون عطاء هذا رواه عن ابن عباس، ولكن لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    ومع ذلك فجمهور المفسرين على أن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانوا رجالاً صالحين، وحصل بهم الذي ذكر في أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    فقوله تعالى عنهم: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ)، أي: لا تتركوا عبادة هذه الآلهة، فهو تواصٍ ونصح من بعض الكفار لبعض، كما تواصى الكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حكى الله تعالى عنهم: وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:6]، أي: اصبروا على عبادة آلهتكم.

    وقوله تعالى حكاية عنهم: وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا هؤلاء كانوا رجالاً أهل صلاح قبل نوح عليه السلام، فماتوا فعبدهم أقوامهم، بعد أن أوحى إليهم الشيطان أن صوروهم، ثم صنعوا لهم تماثيل، ثم آل بهم الأمر إلى عبادة هؤلاء، وكان فعل الشيطان لتحميس الناس على الدعاء، ولتهييج الناس على الاقتداء بالصالحين، فلما طال الأمد عبدوا هؤلاء الصالحين.

    ولهذا فمن العلماء من يذكر من العلل التي يعلل بها حكم تحريم التصاوير أنها تفضي إلى عبادة هؤلاء المصورين، وإلى المغالاة فيهم.

    قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وقد آلت هذه الأصنام إلى قبائل العرب، فذكر أن وداً أصبح لقبيلة، وسواعاً لقبيلة، وكل قبيلة أخذت صنماً من هذه الأصنام وعبدته.

    وقوله تعالى: وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا : الظاهر أنها الأصنام أضلت كثيراً من الناس، كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ [إبراهيم:35-36]، أي: الأصنام، وهنا قال تعالى: وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا [نوح:24].

    إغراق قوم نوح بسبب معاصيهم

    قال تعالى: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا [نوح:25].

    (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ) أي: من خطاياهم، أي: بسبب خطاياهم، وقوله تعالى: (أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا)، فيه أن العذاب ينزل من أجل المعاصي، وقد اُستدل به على إثبات عذاب القبر، كما استدل بقوله تعالى: أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأنعام:93]، وكما قال تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46].

    1.   

    حكم الدعاء على الظالم

    قال تعالى: وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26]، الديار: هو الذي يسكن الديار، ومنه قول الشاعر بعد وفاة بعض العلماء:

    يا قاصدين بلاد العلم لا تفدوا فما بتلك الحمى والدار ديار

    ثم قال تعالى عن نوح عليه السلام: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:27]، فعلل نوح عليه الصلاة والسلام طلبه بهذا.

    وقد اختلف أهل العلم في الدعاء على الظالم: هل الأفضل فعله أم تركه؟

    فمن أهل العلم من يقول: إن ترك الدعاء أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر حديث الشفاعة الطويل، وفيه: (فيأتون إلى آدم فيقول: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح عليه الصلاة والسلام فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول رسول بعثك الله إلى أهل الأرض وسماك الله عبداً شكوراً، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: نفسي نفسي. اذهبوا إلى غيري، إنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي ..) الحديث.

    فقالوا: إنه عليه الصلاة والسلام اعتذر عن الشفاعة لكونه دعا على قومه فاستجيبت دعوته في حياته الدنيا، فهذا أنقص من أجره في الآخرة، فلولا هذه الدعوة لشفع نوح صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة، وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)، فقالوا: لو دعاها الرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا ما نال هذه الدعوة في الآخرة. فإذا ظلمك شخص فإنه يجوز لك أن تدعو عليه، لقوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى:39]، وقال تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]، وقال تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج:60]، إلا أن العفو أفضل، لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل:90] وهو العفو، وقال تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، وقال تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران:186]، فكل هذه الآيات ترشد إلى أن العفو أفضل.

    ومن أهل العلم من يقول: إن الحال بحسبه، فإن كان الشخص يؤذيك أذىً مستمراً بما لا تطيقه ولا تتحمله فجائز لك أن تدعو الله تعالى عليه، أو إذا كان يفسد وكان شره مستطيراً في الأرض فجائز لك أن تدعو عليه، واستدل بدعاء نوح عليه السلام، ودعاء موسى عليه السلام على فرعون، كما قال تعالى حكاية عنه: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:88].

    ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم على عصية ورعل وذكوان، وقوله: (اللهم عليك بالملأ من قريش، اللهم عليك بالملأ من قريش، اللهم عليك بـأبي جهل ، اللهم عليك بـعتبة بن ربيعة ، اللهم عليك بـشيبة بن ربيعة ، اللهم عليك بـأمية بن خلف)، إلى غير ذلك من الأدعية الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم قال تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا)، أي: سيضلون عبادك الذين آمنوا، وقوله تعالى: وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:27]، أي: شديد الكفر.

    1.   

    الاستغفار مسك ختام الأعمال

    1.   

    الأسئلة

    تكرير أذكار الصباح والمساء

    السؤال: هل في أذكار الصباح والمساء يُكَرَّرُ الدعاء ثلاث مرات أم يُكْتَفى بمرة واحدة؟

    الجواب: الوارد أنه يكرر ثلاثاً فيكرر (سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته) ثلاثاً، ويكرر (باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) ثلاثاً، ويذكر سيد الاستغفار مرةً.

    فما ورد أنه يفعل مرة يفعل مرةً، وما ورد أنه مرات يفعل مرات، والوارد أنه ثلاث مرات يفعل ثلاث مرات.

    الالتفات بالبصر أثناء الصلاة

    السؤال: بعض الناس يلتفت بالبصر أثناء الصلاة، فينظر عن يمينه وشماله وإلى السقف، فهل يجوز هذا في الصلاة؟

    الجواب: أما الالتفات عن اليمين والشمال فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الالتفات فقال: (اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم)، فهو ينقص الأجر، وأما رفع البصر إلى السماء في الصلاة فنهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: (لينتهين أقوامٌ عن رفع أبصارهم في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم ثم لا ترجع إليهم) .

    السلام على أهل الفسق ومصلحة فعله وتركه

    السؤال: كثيراً ما أمر في طريقي إلى المسجد على قوم في لهو وضلال يشربون الإثم ولا يلبون النداء، أفيجوز إلقاء السلام عليهم؟ وهل هذا السلام من باب الموالاة، علماً بأن بعض الناس يلومونني على هذا السلوك على اعتبار أن مصلحة الدعوة تقتضي تحبيب الناس في أهل السنة، كما أن هناك اعتبارات عديدة تمنعني من دعوتهم، منها: فارق السن، وعدم وجود صلة أو علاقة؟

    الجواب: إن الأصل بين المسلمين أن يفشوَ السلام بينهم، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (حق المسلم على المسلم ست، وذكر منها: وإذا لقيه فليسلم عليه)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألقِ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم، أفشوا السلام بينكم).

    وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذا تماشوا ففرقتهم شجرة، أو فرقهم حجر ثم التقوا، سلم بعضهم على بعض، وقال البراء بن عازب : (أُمرنا بسبع.. وذكر منها إفشاء السلام).

    فالأصل بين المسلمين أن يفشوَ السلام بينهم، إلا أنه قد يمنع إلقاء السلام لفائدة شرعية، كما لو كان الشخص على معصية، وترك السلام عليه يحمله على التفكير في معصيته، فليمتنع عن إلقاء السلام عليه حتى يفيء ويرجع إلى الحق ويترك المعصية التي هو عليها، فيكون الامتناع عن إلقاء السلام لعارض، ولعلة وهي أن يفيء إلى الخير.

    والشواهد على ذلك كثيرة، فالنبي عليه الصلاة والسلام امتنع عن رد السلام -فضلاً عن الإلقاء- على كعب بن مالك خمسين ليلة.

    وعمار بن ياسر قال: (أتيت وقد تشققت يداي بزعفران، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فلم يرد عليَّ السلام، وقال: أرجع فغير هذا).

    فإذا كنت تطمع من عدم رد السلام، أو من عدم إلقاء السلام فيئاً ورجوعاً إلى الخير فامتنع، ونحن نوقن أنهم -إن شاء الله تعالى- سيتأثرون بإلقائك؛ لأن الرسول قال: (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).

    وهم وإن كانوا من أهل المعاصي فهم مسلمون، ولن يلتفتوا إلى كونك تترك السلام عليهم؛ لأنهم عصاة، وسيقولون في أنفسهم هذا من التكفير والإجرام؛ إذ هذا تفكيرهم، بخلاف ما لو مررت بواحدٍ من إخوانك الجالسين في المسجد ولم تلقِ عليه السلام، ففهم أنك لم تلقِ عليه السلام لأنه واقف مع امرأة يصافحها أو نحو ذلك، فيفهم جيداً أنك امتنعت عن إلقاء السلام لمصلحته، فهذا الظن فيه أنه يفيء.

    فإن قال قائل: كيف أترك السلام على إخواني وأسلم على العصاة؟

    قلنا: صدر من رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام مثل هذا، فلم يسلم على عمار بن ياسر وكعب بن مالك رضي الله تعالى عنهما، وهما من خيار الصحابة خاصة عمار ، فقد بُشِّر بالجنة بنص خاص. بينما يجيء إليه صلى الله عليه وسلم رجل سيء الأخلاق، وسيء الملكة، ويصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (بئس أخو العشير) فلما قدم هش له وبش في وجهه.

    وفارق السن ليس مانعاً من إلقاء السلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا مر بالصبيان سلم عليهم، بل كان إذا مر بالنساء سلم عليهن كلاماً لا مصافحة، إذا أمنت الفتنة.

    فالأصل أن يفشى السلام، وإنما يمتنع عن إلقائه لعلة، فإذا لم تكن موجودة أو لم يحصل النفع الذي تظنه، رجعت إلى أصلٍ وهو إلقاء السلام؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) .

    الصلاة على العضو البائن من المسلم

    السؤال: إذا بترت ساق المسلم، فهل تغسل ويصلى عليها؟

    الجواب: لم يرد أن المسلمين على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم صلوا على الأعضاء، فلم يرد أنهم صلوا على رِجل، ولا على ضرس، ولا على يد، وإنما يصلى على النفس المسلمة.

    القطيعة بين الأقارب، وحق المتوفاة على ابنتها

    السؤال: لي خالة وهي الأخت الوحيدة لأمي، وللأسف فإنها وأمي على خلاف مستمر، وكلما حاولنا أن نصل خالتي حاولت قطع الصلة، وقد كانت جدتي عند خالتي، فماتت جدتي ولم تعلم أمي بخبر وفاتها، ودفنت خالتي أمها ولم تخبر أختها، إلا أن أختها علمت بعد مدة، فهل على أمي ذنب تجاه أمها؟

    الجواب: على الأم أن تستغفر لأمها كثيراً، فهذا الذي تجنيه الأم من وراء ابنتها الحية، فالأم يصلها من ابنتها أن تتصدق عنها، وأن تدعو الله تعالى لها، وأن تستغفر الله تعالى لها، وأن تصل ابنتها التي رحمها مقطوعة، فعلى الأم أن تصل أختها التي هجرتها وإن رفضتها أختها، ففي الحديث أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحلم عنهم ويجهلون علي! قال: لا يزال معك من الله عليهم ظهير مادمت على ذلك)، أو بنحوه.

    حكم النصيحة إذا عادت بمشكلة على الناصح

    السؤال: سمعت شاباً يسب الدين، فقلت له: اتقِ الله تعالى! وحاولت نصحه، فوجدته يغضب غضباً شديداً، وكاد أن يتشاجر معي، فحاولت إقناعه بالمعروف وتركته وذهبت، ثم سمعته يكرر السب، فماذا عليّ؟

    الجواب: دعه وأمره إلى الله تعالى.

    العمرة عن الميت لرؤيته يأمر بها في المنام

    السؤال: رجل يرى أمه في النوم بعد وفاتها تؤكد عليه أن يعتمر عنها لحاجتها لذلك، فما الحكم؟

    الجواب: يعتمر عنها إن كان بوسعه ذلك، فالعمرة من أفعال الخير، وذلك إن كان قد اعتمر لنفسه، فأما إذا لم يكن قد اعتمر لنفسه فليعتمر لنفسه أولاً، ففي الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع رجلاً يلبي ويقول: لبيك عن شبرمة ، قال: من شبرمة ؟ قال: أخٌ لي، أو: قريبٌ لي يا رسول الله، قال: هل حججت عن نفسك؟ قال: لا ، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)، فإن كنت اعتمرت عن نفسك فاعتمر عن أمك إن كان بوسعك.

    أكل لحوم الحمير

    السؤال: ما حكم أكل لحوم الحمير؟

    الجواب: لحوم الحمير محرمة إلى الأبد، أي: الحُمر الإنسية؛ إذ الحمار الوحشي لحمه حلال، وأما الحُمر الإنسية التي هي الأهلية فقد حرمها النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، فقد قال علي رضي الله تعالى عنه -كما في الصحيح-: (حرم النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر).

    سفر المرأة إلى الخارج لطلب العلم

    السؤال: هل يجوز سفر المرأة للخارج من أجل طلب العلم؟

    الجواب: ينظر ما هو الخارج، وهل معها محرم أم لا؟

    وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى

    والسلام عليكم ورحمة الله تعالى

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3008007953

    عدد مرات الحفظ

    720968724