إسلام ويب

وصايا للمتخرجينللشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من أعظم نعم الله علينا أن منَّ علينا بهذا العلم الذي هو سبيل إلى الجنة، ونور يستضاء به في الطريق إلى الله، فلابد من تحقيق ذلك بالإخلاص لله سبحانه وتعالى، وتزيين هذا العلم بالعمل، ودعوة الناس إلى هذا العلم والاستكثار من الأعمال الصالحة.

    1.   

    تذكير للمتخرجين بعظيم نعمة الله عليهم

    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المؤمنين والمؤمنات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، الذي أرسله بالآيات البينات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله وسار على نهجه إلى يومٍ تتفطر فيه الأرض والسماوات.

    أما بعد:

    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    في بداية هذا المجلس المبارك أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتقبله منا ومنكم، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، موجباً لرضوانه العظيم، وأن يجزي من تسبب في هذا اللقاء بخير وأفضل ما يكون به الأجر والجزاء، وشكر الله للشيخ: صالح فضله ونبله بالدعوة إلى هذا المجلس المبارك، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يرزقنا القول السديد والعمل الصالح الرشيد.

    أيها الأحبة في الله: إن كان لي من كلمة فما أحوجنا جميعاً إلى أن نذكر نعمة الله علينا، وجليل فضله علينا، فقد أحسن إلينا سبحانه مع عظيم إساءتنا، وأكرمنا مع التقصير الذي يكون منا، فخيره إلينا نازل، وشرنا إليه صاعد.

    الله أعلم كم أسبغ علينا من النعم، وكم دفع عنا من الشدائد والنقم، تحبب إلينا بالخيرات، وبسط يده آناء الليل وأطراف النهار بالخيرات والنعم التي لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، فاللهم لك الحمد كالذي نقول، ولك الحمد خيراً مما نقول.

    إخوانكم من طلاب العلم أكرمهم الله بهذه النعمة العظيمة، فقرت عيوننا وعيونهم وعيون المسلمين حينما يسر لهم سبيل العلم وسهله، وبين لهم طريق العلم فهداهم إليه وحببه إلى قلوبهم. وقفوا اليوم بعد أن أكرمهم الله جل وعلا من قضاء الأعوام التي شرفهم وكرمهم بتعلم العلم فيها، فاليوم يقفون كما نقف جميعاً بعد كل نعمة من نعم الله علينا حامدين شاكرين ذاكرين لفضله وإحسانه معترفين.

    1.   

    وصايا لطلاب العلم المتخرجين

    التزام حمد الله سبحانه وتعالى وشكره

    وأول ما ينبغي على من وفقه الله فأنهى تعليمه أن يحمد نعمة الله جل وعلا، فإن الله قرن المزيد بالشكر، وقرن البركة فيما أسدى وأولى من النعم لمن ذكره سبحانه وتعالى، فكل من شكر نعم الله تأذن الله له فيها بالمزيد، ووضع له فيها البركة حتى ينتفع وينفع غيره بما تعلم وعلم.

    إخلاص العمل لله

    أما الوصية الثانية: فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، ومن سلك سبيل الله سهل له الخيرات، وتأذن له بكل توفيق وسداد ورشاد في جميع أموره، حتى ينتهي إلى رحمة الله وجنته.

    المعاملة مع الله وذلك لا يكون ولن يتحقق للإنسان إلا بالإخلاص لوجهه الكريم.

    نقفُ اليوم لكي نجدد إخلاصنا لوجه الله سبحانه وتعالى، ونعقد العزم أن ننصب وجوهنا لوجهه الكريم، لا لأي شيء سواه، فلا يزال الرجل بخيرٍ إذا قال قال الله، وإذا عمل عملاً لله جل جلاله، فمن عامل الله سبحانه، واطلع الله على قلبه فوجد فيه الإخلاص لوجهه، سهل له السبيل وأقام له الحجة، وبيَّن له الدليل وجعله من الأخيار، والأئمة الأبرار، فيخوض في رحماته آناء الليل وأطراف النهار.

    الإخلاص! فلا يمسي الواحد ولا يصبح إلا وهو يعامل الله جل جلاله في أقواله وأفعاله.

    تزيين العلم بالعمل

    يا معاشر طلاب العلم، إن الله شرفكم بهذا العلم فزينوه وجملوه بالعمل:

    هتف العلم بالعمـل فإن أجابه وإلا ارتحل

    فبركة هذا العلم وخيره أن ينتفع به صاحبه، وإذا أردت أن ترى العلم النافع فانظر إلى من ظهرت آثار العلم في وجهه ويده وأخلاقه وجميع فعاله، العلم كما أنه في الصدور يترجمه العبد الصالح بأقواله وأفعاله، حتى يكون من الأئمة الذين سمى الله في كتابه.

    يحتاج العلم إلى عمل، ومن عمل بالعلم ورثه الله علم ما لم يعلم، جاء بعض التابعين إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وكان يسألها ويستفيد منها، فأكثر عليها المسائل فقالت له ذات ليلة: [يا بني! أكل ما سألتني عنه عملت به؟ فقال: يا أماه! وأخذ يشكو التقصير وقلة العمل، قالت: أي بني! لم تستكثر من حجج الله عليك؟]، العلم إذا قرن بالعمل كان خيراً وبركة على صاحبه، وهذا هو الذي سأله النبي صلى الله عليه وسلم ربه، وهو العلم النافع، واستعاذ بالله جل جلاله من أن يحرمه بركة هذا العلم ونفعه، وذلك بزوال العمل، فكان يقول صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع، ومن علمٍ لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع).

    فكان يستعيذ بالله عز وجل من علم لا ينفع، العلم النافع: هو الذي كسر قلب صاحبه لله جل جلاله، العلم النافع الذي يزيد الإنسان قرباً من الله سبحانه وتعالى، وحباً في الله سبحانه وتعالى، لا يتعلم قليلاً ولا كثيراً إلا ازداد من العمل والقرب من الله سبحانه وتعالى، هذا هو العلم النافع الذي جعله الله للقلوب كالغيث للأرض الطيبة، تجد آثاره على جميع جوارح الإنسان، ولذلك قال إبراهيم النخعي واصفاً أئمة السلف الأخيار، الصفوة الأبرار: كان الرجل منهم إذا طلب العلم ظهرت آثاره في وجهه وخشوعه وركوعه وصلاته وسمته. كان العلم يراد للعمل، وعتب الله على بني إسرائيل حينما حُملّوا التوراة ولم يحملوها، وضرب لهم المثل كالحمار يحمل أسفاراً: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الجمعة:5].

    من حرم العمل بالعلم مقته الله جل جلاله، فكبر مقتاً عند الله أن يقول الإنسان ما لم يعمل.

    فلذلك ينبغي أن يفكر كل واحدٍ منا في هذه الأحكام والمسائل، والسنن والشرائع التي شرفه الله بها فعلمها، كيف يعمل بها؟ ويحاول أن يظهر هذا العلم في أخلاقه وشمائله وآدابه، والناس لا تنتظر الكلام بمثل ما تنتظر العمل والتطبيق، فالمتكلمون كثير، والمخلصون قليل، والعاملون أقل، فينبغي للإنسان أن يقرن علمه بالعمل.

    ومما يعين على العمل بهذا العلم: استشعار أن الله سائل العبد عن هذا العلم، ولذلك بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يسأل العبد يوم القيامة، ولا تزول قدمه من موقفه بين يدي الله حتى يسأل عن علمه ماذا عمل به.

    فمن الأمور التي ينبغي أن نتواصى بها جميعاً، أن نظهر هذا العلم في أقوالنا وأفعالنا وشمائلنا وأخلاقنا، فإذا ظهرت آثار العلم على عبد الله الصالح وفقه الله وسدده، وجعله محل القبول عند الخلق: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].

    من عمل بالعلم وضع الله له القبول، ووضع الله له المحبة، فأصبحت القلوب تقبل عليه، ووضع الله له الأثر في هذه القلوب، فأصبحت كلماته ومواعظه وجميع ما يكون منه من الدعوة إلى الله مؤثراً في القلوب، بفضل الله جل جلاله، الذي بيده القلوب يقلبها كيف يشاء سبحانه وتعالى.

    العمل بالعلم يجعل الإنسان في انكسارٍ دائمٍ لله سبحانه وتعالى، ويجعله أيضاً في ربح من المتاجرة مع الله جل جلاله، وقد كان أئمة السلف أئمة في الأعمال، وأئمة في الأقوال، فجمعوا بين العلم والعمل، وكانت أخبارهم وأحوالهم وما يكون منهم مع الناس كافة، تدل على أثر هذا العلم في قلوبهم، فينبغي أن يحرص كل واحدٍ منا على العمل بالعلم.

    دعوة الناس إلى العلم

    النقطة الثالثة التي ينبغي للإنسان أن يحرص عليها، بعد أن وفقه الله جل جلاله للإخلاص لوجهه والعمل بهذا العلم، بعد شكره سبحانه وتعالى: أن يحرص على دعوة الناس إلى العلم .. أن يحرص على تبليغ رسالة الله، وأداء أمانة الله، امتثالاً لما أوجب الله.

    فإذا أردت أن ترى من بارك الله له في علمه، ووفقه وسدده للقيام بحقه، فانظر إلى الذي لا يفتر ولا ينصب في تبليغ رسالة الله، وإقامة حجة الله على عباد الله، هذه هي الخيرية التي شهد الله بها لأوليائه المؤمنين، أن يدعوا إلى طاعته، ويحببوا في مرضاته، فيأمرون بأمره، وينهون عما نهى الله جل جلاله، فإذا بلغ الإنسان هذه المرتبة أحبه الله سبحانه، وقذف في قلوب العباد حسن الذكر له، ولذلك تجد للعلماء والأئمة من حسن القبول، ودعاء الناس، والهيبة في قلوب الناس، ما لا يمكن للإنسان أن يحصيه أو يصفه؛ والسبب في ذلك بعد فضل الله جل جلاله، بما كان منهم من الخير، وما نشروه من رسالة الله، وبلغوه من أمانة الله، فكان من شكر الله لسعيهم أن وضع لهم القبول بين عباده، فتجد الناس تذكرهم بالجميل، وتثني على ما كان منهم من عملٍ صالحٍ جليل. وانظر! إلى أئمة السلف ودواوين العلم، كيف عطر الله سيرتهم في الحياة وعطرها بعد الممات، فماتوا وما ماتت علومهم، وماتوا وما ماتت مآثرهم، وما كان منهم من خير ودعوة إلى صلاحٍ وبر، نسأل الله العظيم أن يلحقنا بهم غير خزايا ولا مفتونين ولا مغيرين ولا مبدلين، إنه ولي ذلك وهو أرحم الراحمين.

    الاستكثار من العمل الصالح

    الوصية الأخيرة التي أوصي بها نفسي وكل مسلم يرجو لقاء الله عز وجل: الاستكثار من العمل الصالح، ينبغي للداعية إلى الله جل جلاله أن تكون بينه وبين الله أعمالٌ صالحة خفية، لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، يجعل بينه وبين الله قياماً في الأسحار، أو تكون ساعات يبكي فيها من خشية الله آناء الليل وأطراف النهار، أو تكون له صدقات خفية على الأرامل والأيتام ونحوهم من ضعفة المسلمين، فقد كان أئمة السلف رحمة الله عليهم يحرصون على مثل هذه الأعمال الصالحة، فإذا كان بينك وبين الله عمل صالحٌ خفي، فإنها قربى ووسيلة يحب الله بها عباده، قربة ووسيلة تزيد العبد حباً في الله سبحانه وتعالى، وتستوجب له الدعوات الصالحة، وقد تكون من فقراء المسلمين وضعفائهم بما سد من حوائجهم، وفرج بإذن الله من كرباتهم. كان أئمة السلف يحرصون على الأعمال الصالحة الخفية، فهذا علي بن زين العابدين رحمة الله عليه مع العلم والصلاح والعمل، كان إذا جن عليه الليل لبس ثيابه، ثياباً مبتذلة وحمل على ظهره الطعام ومضى به إلى بيوت الأرامل والأيتام، وهو إمام في زمانه ولم يعلم أحد أن هذا هو الإمام علي بن زين العابدين ، سليل بيت النبوة رحمه الله برحمته الواسعة، وما علم الفقراء والضعفاء أنه هذا الإمام إلا بعد أن توفي، فلما توفي فقدوا من كان يقرع عليهم بيوتهم في جوف الليل رحمة الله عليه.

    هكذا يكون الإنسان بينه وبين الله صدقات خفية.

    وهذا شعبة بن الحجاج بن الورد الإمام الذي يقول فيه سفيان الثوري رحمه الله: كان شعبة أمير المؤمنين في الحديث. وكان يهابه ويجله، وفعلاً كان خليقاً بهذا الخير، كان رحمه الله لا يرد سائلاً سأله، حتى إنه دخل عليه رجل وبكى واشتكى أن دابته قد فقدت منه، فسأله: كم قيمتها؟ قال: ثلاثة دنانير، فأدخل يده في جيبه، وقال: هذه ثلاثة دنانير والله لا أملك غيرها!!

    وكانوا رحمهم الله يضحون ويبذلون، منهم من كان يخرج عن ماله، ومنهم من كان يتصدق بنصف ماله؛ لأن العلم إذا كسر القلوب لله جل جلاله، لم يبالِ الإنسان بالدنيا جاءت أو ذهبت، والذي ضرنا ركوننا إلى الدنيا، فالأعمال الصالحة الخفية تعلم الإنسان الإقبال على الله سبحانه وتعالى، وتزيد من المعاملة الرابحة ولعله أن يصيب دعوة تكون مستجابة عند الله سبحانه وتعالى، وقل أن تجد عالماً يجمع بين العلم والإحسان إلى الناس، إلا وجدته في أعلى المراتب، والقبول له كأحسن وأجمل وأكمل ما يكون، جعلنا الله وإياكم ذلك الرجل.

    والذي ضر كثيراً منا أننا نفقد مثل هذه المواقف؛ لأن هذه المواقف تنبئ عن رحمة، وتنبئ عن انكسار القلوب لله سبحانه وتعالى، فلا يرحم المسلمين إلا الرحيم، ولا يحن عليهم إلا الحنون، فإذا زين الله الإنسان بالعلم، والسعي في تفريج كربات المسلمين، وبذل قيمة هذا الجاه لقضاء حوائجهم والإحسان إليهم؛ وفقه الله وسدده وجعل الخير له وحليفه حيثما كان، فإذا مات كان وراءه الرحمات والدعوات الصالحات من المؤمنين والمؤمنات.

    نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا مفاتيح خير، وأن ينشر بنا كل إحسان وبر، إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وصايا للمدرسين

    السؤال: فهذا السؤال حاصله أنه يدور حول ما كنا فيه من النصيحة لبعض الخريجين، لكن هنا يقول: خاصة أن معظمهم مدرسون في المدينة وخارجها نرجو نصيحتك لهم في تنظيم الوقت في طلب العلم والدعوة؟

    الجواب: أما بالنسبة للتدريس والتعليم فهو من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى، وتعليم أبناء المسلمين وبناتهم مهمة عظيمة صعبة إلا أن ييسرها الله، وشاقة إلا أن يسهلها الله على العبد، فالأمور التي أوصي بها الإخوة الذين شرفهم الله وكرمهم بحمل هذه الأمانة العظيمة وهي:

    الضبط في العلم والإتقان، فكل من تقلد أمانة التعليم عليه أن يضبط هذا العلم، وأن يكون على بصيرة، ولا يقف أمام طلابه وإخوانه إلا وهو على بينة وبصيرة، قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108]، على الإنسان إذا وقف أمام الناس يعلمهم أو يوجههم أن يكون على أرضٍ ثابتة، والحرص على الزيادة من العلم، فلا تقف عند التخرج أو عند المعلومات التي وفقك الله إليها، ولكن تجاوز ذلك إلى الضبط والتحصيل والزيادة في العلم.

    والأمر الثاني الذي يوصى به من تقلد أمانة التعليم: الصبر في التوجيه، خاصة أثناء إلقاء الدروس والمواد على الطلاب، فإن الطلاب ربما تكون منهم الهنات والزلات، ولربما يكون منهم التقصير في الضبط والإتقان، ولربما يأتيك العيي بعيه، ويأتيك أيضاً الجاهل بجهله، فيحتاج منك إلى صبر وحلم ورفق، وأن يكون صدرك منشرحاً للقيام بهذه الأمانة على أتم الوجوه في تعليمه وتوجيهه وتربيته، والصبر من أهم الأمور التي تعين على نجاح المعلم في تعليمه. وينبغي كذلك أن يقرن هذا الصبر باحتساب الأجر عند الله سبحانه وتعالى، فكل من احتسب أجره عند الله، وعلم أنه سيتعب وينصب وأن الله سيأجره، هانت عليه المصاعب والمتاعب، وأصبح قوياً في تحمل هذه المشاق، فأوصي بالصبر!

    الأمر الثالث الذي أوصي به: أن يقرن هذا العلم بالتربية، فكوننا نعطي الأبناء والبنات معلومات جافة، بعيدة عن الروحانية والتربية المأخوذة من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة عنه، هذا أمرٌ محل نظر. فلا بد أن نربيهم؛ بالآداب والأخلاق وهدي السلف الصالح رحمة الله عليهم، في أدب طلبة العلم، وأدبهم أيضاً في الحقوق العامة، وحقوق الوالدين والأقارب، فينبغي أن يخرج من بين يديك هذا الابن وقد جمع بين العلم وبين التربية، فلا يكفي أن نلقي هذه المعلومات هكذا سرداً، لا، بل ينبغي أن نقرنها بالتربية لأبناء المسلمين وبناتهم.

    وهذه التربية تحتاج منا إلى تفقد مشاكل الأبناء والبنات والطلاب والطالبات، والنزول لهم بالتواضع والحلم، فلا يستطيع الطالب أن يبث مشاكله، ولا أن يبدي ما في نفسه إلا إذا وجد معلماً حليماً رحيماً، ووجد يداً حانية تأخذه بلطف وحنان ورحمة.

    فإذا وفق الله المعلم لذلك جمع الله له بين العلم والتربية، وكان لعمله خيرٌ كثير، وهذا أمر قلَّ من يوفق له، قضية أن نفتح صدورنا إلى مشاكلهم وما يكون لهم من أمور تحتاج إلى توجيه وإرشاد وتربية.

    الأمر الرابع: التعاون والتكاتف والتعاطف والتراحم والتواصل بين طلاب العلم، المعلمون والمعلمات يحتاجون دائماً إلى أن يتصل بعضهم ببعض لكي يستفيد بعضهم من بعض، وكون الإنسان يحس أنه في كمال وأنه في غنىً عن إخوانه فإنه في نقص، ولذلك قالوا: من اعتقد الكمال فقد نقص، وأصلاً الإنسان من حيث هو ناقص إلا أن يكمله الله عز وجل، ولذلك ينبغي أن يحرص المعلمون على الاستفادة من إخوانهم وأن يتواضعوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ونسأل الله العظيم أن يأخذ بالأيدي إلى ما يحبه ويرضاه، والله تعالى أعلم.

    الطريقة المثلى لزيادة الإيمان

    السؤال: ما هي الطريقة المثلى لزيادة الإيمان؟

    الجواب: الطريقة المثلى لزيادة الإيمان: أن يعرض الإنسان نفسه على كتاب الله عز وجل: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، ومن عرض قلبه على كتاب الله عز وجل أصلح الله بذلك العرض قلبه، وإذا صلح القلب صلح الجسد كله، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فمن عرض قلبه على كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، أصلح الله شأنه ووفقه فازداد من الإيمان.

    من الأمور التي تزيد في الإيمان: كثرة ذكر الآخرة، فإن الإنسان إذا أكثر من ذكر الموت والبلى، وقرب مصيره إلى الله جل وعلا، هانت عليه الدنيا وعظمت في عينه الآخرة، وأصبح همه وغمه أن يحسن لقاء الله جل جلاله، ولذلك أثنى الله على الأخيار والصفوة الأبرار، فذكر أنهم لا يفترون عن ذكر الآخرة، وأخبر أنه خص بهذا الذكر من اصطفى واجتبى من عباده المؤمنين، فقال في كتابه المبين: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46]، فالإكثار من ذكر الآخرة يزيد في إيمان العبد، ويجعله في توجه واستقامة وطاعة لله سبحانه وتعالى.

    من الأمور التي تزيد في إيمان العبد: قراءة سير السلف الصالح رحمة الله عليهم، فإن الإنسان إذا قرأ سيرة الأئمة والأخيار اهتدى بهديهم وأحبهم، وأحب ما كانوا عليه من الخير وتشبه بهم.

    كذلك أيضاً مما يزيد في الإيمان: معاشرة الصالحين، والحرص على حلق الذكر ومجالس العلماء، فإن مجالسة العلماء تزيد في العلم، ومجالسة الحكماء تزيد في الحكمة، ومجالسة الأخيار تزيد في الخير، ولذلك ينبغي للإنسان ألا يمر عليه يوم إلا وقد جلس في مجلسٍ يذكر فيه الله جل جلاله، فمن جالس العلماء كان من القوم الذين لا يشقى بهم جليس، وكم من أقوامٍ عظمت ذنوبهم فجلسوا في مجالس العلماء، فقاموا قد بدلت سيئاتهم حسنات.

    ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول: (قالت الملائكة: إن فيهم فلاناً عبداً خطاءً، كثير الذنوب مر فجلس معهم، فيقول الله جل جلاله: وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).

    فمن جالس الأخيار لا يشقى، من جالس الأخيار والصالحين وأحبهم وأحب ما يعملون به من طاعة الله أسعده الله، وهذا من دلائل السعادة، قال ابن مسعود رضي الله عنه: [ثلاث من سعادة المؤمن: كثرة الصلاة، وكثرة الصيام، وصحبة العلماء]، ثلاثٌ من سعادة المؤمن: كثرة الصلاة؛ لأنها تزيد صلة العبد بربه، ويحفظه الله بها ويرفع درجته ويزيده نوراً، قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (الصلاة نور).

    وكثرة الصيام؛ لأن الصيام يحبس عن الشهوات، ويضيق مجال الشيطان، ويزيد من تقوى الله جل جلاله، ومن امتنع عن الطعام والشراب الحلال بالصيام يمتنع عن الطعام والشراب الحرام، ومن امتنع عن الشهوة الحلال بصيامه يمتنع عن الشهوة الحرام.

    أما الأمر الثالث: فصحبة العالم؛ لأن صحبة العلماء بصيرة ونور، وحبهم والحرص على مجالسهم خيرٌ كثير، نسأل الله أن يرزقنا حبهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من أحب قوماً حشر معهم)، فنسأل الله أن يرزقنا حبهم، وأن يرزقنا الحرص على مجالسهم والاهتداء بهديهم.

    حكم من أوقف مزرعة ثم تلفت

    السؤال: رجل أوقف نخلاً ثم كبر هذا النخل ومات، هل له أن يستفيد من الأرض؟

    الجواب: إذا كانت المزرعة قد أوقفها الإنسان ونصب الوقف على الأرض، فإن الوقفية لا تزول؛ لأنه أوقف العين وهي الأرض، وأوقف غلة ما على الأرض من النخل، وانقطاع الأصل التي تكون منه الغلة وهو النخل لا يقتضي زوال الوقفية عن الأرض، فالأرض سبيل محبسة إلى يوم القيامة.

    وأما بالنسبة لبيعها واستبدالها فهذا يحتاج إلى القضاء فلا يكون بالفتوى وإنما يكون بالقضاء، يرفع إلى القاضي وحكم القاضي هو الذي يرفع الوقفية، وذكر العلماء أن من المسائل التي يحكم فيها القاضي بارتفاع الوقفية، أن تتعطل مصالح الوقف، فإذا تعطلت مصالحه، مثلاً: أوقف مزرعة لكي تكون غلتها للفقراء والمساكين، فإذا جفت الآبار ولا يمكن أن تبقى هذه المزرعة؛ فإن القاضي يحكم باستبدالها فتباع ويشتري مزرعة أخرى، يمكن معها تحقيق ما قصده الواقف من وقفه.

    حكم التراجع عن الوقف

    السؤال: رجل أوقف داراً وهو لا يعلم بأحكام الوقف، ثم افتقر هذا الرجل هل له الاستفادة من وقفه وبيعه؟

    الجواب: الوقف لا يباع ولا يوهب، وفي الصحيحين من حديث عمر أنه لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! إني أصبت أرضاً بـخيبر هي أحب مالي) انظروا كيف كان الصحابة رضوان الله عليهم، وكيف كان السلف الصالح لما جاءتهم الدنيا لم يتصرفوا بها، وإنما انطلق إلى رسول الله وقال: (يا رسول الله، هي أحب مالي فماذا تأمرني؟) يعني: بماذا تشير عليَّ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: (إن شئت حبست أصلها).

    فأجاز له أن يحبس الأصل وأن يسبل المنافع، قال: (إن شئت حبست أصلها فتصدق بها عمر -على ألا تباع ولا توهب- على الفقراء والمساكين وابن السبيل) فهذا يدل على أن الأرض إذا أوقفت أنه لا يملك الإنسان التصرف فيها لا ببيع ولا بهبة، وإنما يباع الوقف في حالة مستثناه وهي: أن تتعطل مصالحه، ثم ينظر القاضي ويحكم بانتقاله إلى ما يمكن أن يحقق مقصود الواقع مما هو شبيه به.

    وأما بالنسبة له هو فإن المال قد خرج عن ملكه، ولذلك لا يرجع إليه، وإذا رجع إليه فإنه يعتبر متصرفاً في مالٍ لا يملكه، فلو أن إنساناً أوقف أرضاً أو مزرعةً على المساكين، ثم أزال هذه الوقفية بسبب فقره فباعها وأخذ ثمنها، فالمال سحت وحرام؛ لأنه لما أوقف الأرض خرجت ملكية الأرض عن ملكيته، والأوقاف بإجماع العلماء لا تملك، ولا يمكن للإنسان أن يهبها للغير.

    وعلى هذا فإن هذا الدار قد خرجت عن ملكه، وكونه لا يعلم بأحكام الوقف لا يبيح له أن يتصرف في الوقف، فما دام أنه قد سلبها في سبيل الله فقد خرجت من يده، ولا يجوز له أن يرجع فيها إذا كان وقفاً بأي حالٍ من الأحوال.

    إنما اختلف العلماء فيما إذا وهب لشخصٍ، كأن يهب لفقيرٍ على سبيل الصدقة أو على سبيل الإحسان، ثم يرجع في هبته، والصحيح أن الهبة تملك بالقبض، وأنه ليس من حقه أن يرجع على أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم.

    أما الوقف فلا، فإن الوقف لا يملكه، فهو قد خرج عن ملكيته وهو لله عز وجل.

    حكم تغيير لون الشعر بالأصباغ

    السؤال: هل يجوز صبغ الرأس للمرأة بما يسمى بالميش؟

    الجواب: الميش يغير خصلة الشعر، ويؤثر فيها، ويعتبر من تغيير الخلقة، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لعن الواشرة والمستوشرة والواصلة والمستوصلة وقال: والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)، فتغيير لون الشيء من تغيير الخلقة، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (غيروا هذا الشيب) فوصف صبغة الشيب بكونه تغييراً، وقال: (المغيرات خلق الله)، فلا يجوز تغيير لون الشعر من السواد إلى الأحمر الذي هو الصبغ؛ لأن المسألة راجعة إلى الاعتقاد كما يقول العلماء.

    قالوا: كيف يرد اللعن في النمص والوشم، قالوا: لأن المرأة حينما تشر الأسنان -بمعنى: تبردها- كأنها لا ترضى عن طول أسنانها، فتريد أسناناً قصيرة، فأصبحت مسألة عقدية: وهي عدم الرضا بما وهب الله، وكذلك الواصلة نفس الشيء.

    وكذلك أيضاً: الوشم بما يكون من تغيير بشرة الإنسان التي خلقه الله جل وعلا عليها، فتغيير اللون؛ لأنه يتحكم في نفس خصلة الشعر، تغيير اللون ولو كان مؤقتاً بالنسبة للميش لكنه هو يغيره، ولذلك نهي عن صبغ اللون بالسواد، فالمرأة حينما تأتي إلى سواد شعرها ولا ترضى وتنقله إلى الحمرة أو العكس، فإن هذا يعتبر من عدم الرضا بخلقة الله عز وجل.

    فعلى الصحيح من أقوال العلماء أن الميش يعتبر من التغيير؛ لأن ظاهر الحديثين يدل على ارتباط هذا التغيير بالمحرم، وذلك في قوله: (غيروا هذا الشيب) وقوله هناك: (المغيرات لخلق الله) فعلى المرأة أن تحمد نعمة الله عز وجل عليها، وما أعطاها من لون شعرها وتشكره على ذلك، ولا حاجة إلى هذه الأصباغ، والله تعالى أعلم.

    مقدار الكفارة على من اشتركوا في قتل نفس

    السؤال: اشترك اثنان في حادثٍ خطأ، وكان النسبة ثلاثين في المائة على أحدهما، وعلى الآخر سبعين في المائة، فما الحكم في كفارة القتل؟ هل يشتركان في قيمة العتق بالنسبة للرقيق أو ماذا؟ وما الحكم إذا عجز أحدهما أو كلاهما عن العتق وهل يجوز الصيام أو لا؟

    الجواب: هذه المسألة إذا اشترك اثنان أو ثلاثة في قتل خطأ؛ فإنه يلزم كل واحدٍ منهما أن يكفر؛ لأنه قاتل من وجه، ولذلك لو اشترك الثلاثة أو الأربعة في قتل العمد قتلوا جميعاً، ولذلك الأصل عند العلماء أن الكفارة لا تتجزأ، وعلى هذا فإنه تلزمهم جميعاً، كل واحدٍ منهم في خاصة نفسه، أن يكفر كفارة مستقلة، وتجزؤ الخطأ لا يؤثر في الكفارات، والله تعالى أعلم.

    السائل: لو كان أحدهم قادراً على العتق دون الآخر فهل يلزم من كان قادراً على العتق؟

    الشيخ: هذا طبعاً إذا قلنا بالاشتراك، أما إذا قلنا أن كل واحدٍ منهم مطالب بالتكفير فإنه إذا عجز عن العتق ينتقل إلى الصيام، والله تعالى أعلم.

    حكم ترك الدعوة بحجة الخوف من عدم العمل بما يدعو إليه

    السؤال: يقول بعض طلاب العلم: إني أخشى أن أدعو إلى عمل ولا أعمله فآثم على ذلك، فما رأي فضيلتكم؟

    الجواب: بعض طلاب العلم يمتنع من الدعوة إلى الله، والدعوة إلى الخير، يقول: لأني لا أعمل، وهذا فيه تفصيل؛ لأن الإنسان إذا عجز عن العمل لعذرٍ يقوم به، أو لم يستطع أن يفعل هذه الأعمال الصالحة لعذر يقوم به؛ فإنه بالإمكان أن ينال الخير بالدعوة إلى الخير، ولذلك الناس يختلفون.

    فمثلاً: لو أن إنساناً كان قليل ذات اليد ليس عنده مالٌ يتصدق به، فإنه لا يقول: لا أدعو الناس إلى الصدقة؛ لأنني لا أتصدق، بل يدعو الناس إلى الصدقة.

    ولذلك المراتب مختلفة: فأعلاها أن يجمع الله للإنسان بين الدعوة لفضائل الأعمال والعمل بها، ودونها أن يدعو وأن يمنع ويحال بينه وبين العمل بالعجز، فيكتب له الأجر إن شاء الله تعالى، كما في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: (هذا بعمله وهذا بنيته).

    فكون الداعية يمتنع عن الدعوة إلى الخير لقوله: لا أعمل في فضائل الأعمال، هذا محل نظر، بل ينبغي عليه أن يدعو حتى ينال الأجر بالدعوة، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يندب أصحابه إلى دعوة الناس إلى الخير؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان وأصحابه في قلة من ذات اليد، وكان يأمر بالصدقات ويحث عليها صلوات الله وسلامه عليه، كما ثبتت في ذلك الأحاديث الصحيحة.

    ومنها قصة غزوة تبوك صلوات الله وسلامه عليه نادى المؤمنين إلى الإنفاق، فإذا عجز الإنسان عن العمل الصالح لقصور به أو ضيق وقت، أو وجود مشاكل أو تحمل أمور تشغله عن القيام بعمله، فلا يمتنع من أمر الناس بالخير، وهل كل إنسان يعمل بكل ما يدعو إليه؟

    هذا أمر من الصعوبة، لو قلنا إنه لا يدعو إلا بما عمل، ولكن يكون في نفسه أنه ترك العمل لعذر.

    أما -والعياذ بالله- إنسان يدعو الناس إلى الخير وهو زاهدٌ فيه هذا هو الذي فيه الوعيد -نسأل الله السلامة والعافية- عنده مال ويقول للناس: تصدقوا فإذا دعي للصدقة انكف وانزجر -نسأل الله السلامة والعافية- فهذا هو الذي فيه الوعيد، وفيه حديث الرجل الذي تندلق أقتابه -أمعائه- في النار فيلتف عليه أهل النار ويقولون: (يا فلان! ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: نعم، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) نسأل الله السلامة والعافية! فهذا يقع بأسوأ الأحوال يوم القيامة. لذلك إذا كان الإنسان تقصيره من استخفاف ونحو ذلك فهذا هو الذي يخشى عليه، أما إذا كان لضيق ونحوه فإنه معذور.

    الأمور التي تعين على الخشوع

    السؤال: كيف يكون الشاب المسلم دائم الخشوع لله تعالى مع ما يعتري قلبه من القسوة؟

    الجواب: الله المستعان .. أما الخشوع فهذا من أعظم الأمنيات وأجلها وأكرمها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم للصحابة: (والذي نفسي بيده، لو أنكم تستديمون على ما أنتم عليه عندي لصافحتكم الملائكة عيانا، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)، من منا يستطيع أن يبقى خاشع القلب دائماً، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم ...)، فهذا يدل على أن الإنسان أين ما كان فيه بشرية وفيه ضعف، ولكن العاقل الحكيم الذي يتعاطى الأسباب في القرب من الله، فمن الأمور التي تعين على الخشوع:

    أولها وأعظمها: الدعاء، قل: اللهم إني أسألك قلباً خاشعاً .. اللهم أصلح لي قلبي .. اللهم اقذف في قلبي نور الخشوع، واجعلني من أهله ونحو ذلك من الدعاء الذي ترجو به رحمة الله، فإنه نعمة لا يعطيها إلا الله جل جلاله.

    الأمر الثاني الذي يعين على الخشوع: الكسب الحلال والمال الطيب، فمن طاب مطعمه طاب قلبه وصلح، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يصل إلى الحلال، فليبتعد قدر المستطاع عن الحرام وليجاهد نفسه، فإن الله يرزقه من الخشوع على قدر جهاده.

    الأمر الثالث مما يعين على الخشوع: قيام الليل، وتدبر القرآن في الأسحار، والبكاء في جوف الليل، وتذكر الذنوب والإساءة والعيوب، فإنها تكسر القلوب لله جل جلاله.

    ومما يعين على الخشوع: قراءة سيرة السلف الصالح وتأمل أحوالهم، وما كانوا عليه من الخوف الدائم من الله سبحانه وتعالى.

    كذلك أيضاً مما يعين على الخشوع: زيارة الموتى، وتشييع الجنائز، والنظر في أحوال أهلها من الأغنياء والأثرياء والضعفاء والفقراء.

    وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن

    فإذا نظر الإنسان إلى جنازة غني أو ثري كيف يوسد في قبره، وكيف يترك في لحده، وكيف آل إلى هذا المكان، انكسر قلبه لله جل جلاله وأصابه الخشوع وأحس أنه في ذلة واستكانة لله سبحانه وتعالى.

    كذلك أيضاً .. مما يعين على الخشوع: البحث عن العلماء الأتقياء، الذين فيهم ورع وصلاح، وتمسك بالكتاب والسنة، الذين إذا نظرت إليهم ذكرك منظرهم بالله، وإذا استمعت إليهم أحيا الله قلبك بما يكون منهم من ذكره وشكره سبحانه وتعالى.

    مما يعين على الخشوع: البعد عن المظالم وأذية الناس والشرور بجميع أنواعها.

    مما يعين على الخشوع: كف البصر وكف الجوارح التي فيها فتنة، فإن الإنسان إذا حبس جوارحه لله جل جلاله قذف الله في قلبه نور الخشوع، وكان من الخاشعين، هذه من الأمور التي تعين على خشوع القلوب وصلاحها، نسأل الله العظيم أن يمن علينا بهذه النعمة العظيمة، وأن لا يسلبنا لذة الخشوع إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    الأمور التي تعين على حفظ الوقت

    السؤال: كيف يحفظ الإنسان وقته إذا كان من طلاب العلم؟

    الجواب: على العموم حفظ الوقت لا يكون إلا إذا هيأ الإنسان نفسه لحفظ هذا الوقت، وإذا أراد الإنسان أن يحفظ وقته فليستكثر من الطاعة، فإن الإنسان إذا كثرت طاعته بارك الله له في عمره. يقولون: إن حفظ الوقت من البركة التي يجعلها الله في العمر، ولذلك من أكثر الناس بركة في أوقاتهم هم العلماء والأخيار، والذين هم على استقامة على دين الله عز وجل يبارك الله في أوقاتهم، ولذلك تجد العالم يعيش مدة وجيزة ولكن يحيي الله عز وجل به أمماً.

    كذلك من الأمور التي تعين على حفظ الوقت من الأعمال الصالحة: صلة الرحم وبر الوالدين: (من أحب منكم أن ينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه، فليصل رحمه).

    صلة الرحم تضع البركة في العمر، ويبارك الله بها في الوقت، وطالب العلم الذي يقصر في صلة الأعمام والعمات والأخوال والخالات ونحوه من القرابات يحرمه الله عز وجل بسبب هذا الذنب.

    قال سفيان الثوري: أذنبت ذنباً فحرمت قيام الليل ستة أشهر، فقد يقصر الإنسان في صلة رحمه أو بر والديه فينزع الله عز وجل الخير من وقته.

    من الأمور التي تعين على حفظ الوقت: كثرة ذكر الآخرة وتذكر الإنسان أنه ستمر عليه مثل هذه اللحظة، ومثل هذه الساعة وهو رهين الأجداث والبلى، قد أقبل على الله جل وعلا، بما كان منه من خيرٍ أو من شر، فإن هذا يهون عليه هذه الدنيا، ويجعل عمره في نظره قصيراً، وإذا أحس الإنسان أن عمره قصير استنفذه فيما فيه الخير، واستنفذه فيما فيه الطاعة أو البر.

    فإذا حرص الإنسان على كثرة ذكر الآخرة بارك الله له في وقته، وأعانه على تنظيمه.

    ولا أستطيع أن أضع منهجاً معيناً لحفظ وقت طالب العلم؛ لأن الأمور تختلف، فلو قلت لك مثلاً:

    قم من الصباح الباكر من بعد صلاة الفجر وافعل كذا وكذا، ربما كانت أوقاتك لا تتهيأ في مثل هذا الوقت، ولو قلت احفظ آخر النهار وأدمن السهر، ربما كانت أحوالك لا تعين على ذلك.

    فوضع منهج معين من الصعوبة بمكان، وأنا ألاحظ أنه من الخطأ أن نضع للناس منهجاً معيناً، إنما نضع لهم القواعد تأسياً بالكتاب والسنة، ونقول له: احرص على ما ينفعك، واحرص على ضبط وقتك والله يعينك.

    فإذا تهيأت أسباب حفظ الوقت فإن الله يعين.

    لكن ننبه على أمور مهمة تضيع الوقت، منها ومن أعظمها: قرناء السوء، وقد يكون الإنسان ولو كان قريناً صالحاً فإنه قد يكون ليس عنده عقل، وقد يكون ممن يضيع أوقات الناس فيما لا خير فيه.

    ولذلك إذا أردت أن يبارك الله لك في الوقت، ابحث عمن حولك فإذا وجدت الذين حولك من الصالحين والأخيار، الذين يعينون على حفظ الوقت فاعلم أن وقتك سيحفظ.

    ومن الأمور التي تعين على حفظ الوقت في هؤلاء الأخيار: أن يكونوا من الناصحين، أهم شيء في حفظ الوقت بعد توفيق الله: وجود القرين الصالح الذي لا يغشك، فإذا رآك على خيرٍ سددك وثبتك، وإذا رآك على تقصير نبهك ووعظك وذكرك فأحيا الله قلبك بهذا، ولذلك قال بعض السلف : أخوف الناس فيك من نصح لك، فإذا رزقك الله قريناً صالحاً حفظ وقتك؛ لأنه إذا رآك تضيع الوقت نصحك وذكرك بالله عز وجل.

    إن أخاك الحق من كان معـك ومن يضر نفسه لينفعك

    ومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيك شمله ليجمعك

    هذا هو الأخ الصالح الذي إذا نسيت الله ذكرك، وإذا ذكرت الله أعانك، فابحث عن القرناء الصالحين، والذي ضرنا اليوم الجلساء والخلطاء، الواحد منهم يجلس الساعات قل أن يذكر الله جل جلاله، وقل أن يسدي إليك خيراً في دينك ودنياك وآخرتك. تفقد من حولك، ولو كانوا من طلاب العلم، فبعضهم إذا جلست معه تقوم وإيمانك أزيد من ذي قبل، وتقوم وأنت قد استفدت الحكم والفوائد، وكان لك من الخير ما الله به عليم.

    فإن ضاقت عليك الدنيا، ولم تجد قريناً صالحاً تستفيد منه ويفيدك ويعينك على ضبط وقتك، فانتقل إلى جلساء أرباء لا يملون ساعة، وهم العلماء الماضون، تجلس مع كتبهم وعلومهم النافعة.

    وقد كان الوالد رحمه الله لا يحب ضياع الوقت، حتى كانت تمر عليه في بعض الأحيان مناسبات لبعض القرابة أو لقاء مع العلماء فيخرج، والله قل أن أراه يخرج إلا وكتابه معه، فإن وجد المجلس فيه علم نافع ومذاكرة جلس، وإن وجد القيل والقال والغيبة مضى إلى ظل شجرة فجلس يقرأ حتى يحضر الطعام فأصاب من الطعام وأجاب الدعوة ثم انصرف.

    لا يسمح لأحد أن يضيع عليه وقته، وإذا جاء أحد وقال له: فلان يقول وفلان، يقول له: اسمع! إما أن تستفيد أو تقوم عني، لا يأذن لأحد أن يضيع عليه وقته، وكان في بعض الأحيان يعتب على من يذكر أحداً عنده بسوء، ويقول له: لا تذهب عليَّ حسناتي، لا آذن لك أن تأخذ من حسناتي.

    فهكذا طالب العلم، إن وجدت الذي حولك يأتيك بعلم نافع يقول: جلست مع العالم الفلاني فقال وفعل فأكرم به وأنعم به من أخٍ وصديق، وأما إذا جاءك وقال: قال فلان وقال علان بالغيبة والنميمة، ويفسد قلبك على المؤمنين والمؤمنات فاحذره.

    فصلح قرين السـوء للقريـن كصلح بين اللحم والسكين

    فالإنسان الذي يخالطك ويضيع عليك الوقت هذا لا خير فيه، ولو كان من أقرب الناس منك، فتفقد من حولك، إن وجدت وقتك يضيع فيما فيه فائدة ومنفعة فاعلم أن الله قد قيض لك الخير بالقرناء الصالحين، وإن وجدت على العكس من ذلك فاتركهم والله يبدلك خيراً منهم، والله تعالى أعلم.

    حكم دفع مبلغ مقابل الإقالة من البيع

    السؤال: رجل اشترى سيارة من آخر وبعد يومين طلب المشتري الإقالة، لكن البائع رفض أن يقيله، فتبرع المشتري بدفع ألف لإعادة السيارة، فما الحكم، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: مسألة الإقالة فيها جانبان:

    الجانب الأول: المستحب والمندوب للمسلم إذا جاءه أخوه المسلم يسأله الإقالة في بيع أن يقيله، فإن الإنسان إذا رحم أخاه رحمه الله، والأغنياء يبتليهم الله بمثل هذه المواقف فمن شكر نعم الله عز وجل على الإنسان أن يقيل النادم.

    والإنسان ربما استعجل وقبل منك السيارة أو الأرض أو العقار، ثم رجع إلى بيته فتذكر ديونه أو تذكر همومه وغمومه وتذكر أنه سيحمل عبئاً كبيراً، فيأتيك وهو مكروب ويقول لك: يا أخي! فرج عني عسى الله أن يفرج عنك، إني نادم، رد عليَّ بيعتي فإذا رحمته رحمك الله جل جلاله: (من أقال نادماً أقال الله عثرته يوم القيامة) لأن هذا المتن له ما يشهد له من المتون الصحيحة: (من نفس عن مؤمنٍ كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، فأجمع العلماء على فضل إقالة النادم.

    الأمر الثاني: مسألة هل يجوز أن يدفع له الألف ويتنازل؟ هذه المسألة مبنية عند العلماء على مسألة: هل الإقالة بيع مستأنف أو هي فسخ للبيع الأول؟

    وتوضيح ذلك أنه إذا قال: أقيلك وأعطني ألفاً، فإننا إن قلنا: بيع صح وجاز، كأنه اشترى السيارة بمائة ألف ثم باعها له مرة ثانية بيعاً ثانياً بالإقالة بتسعين ألفاً، هذا لا حرج فيه؛ لأنه باع ما يملك، فهو اشترى بمائة من البائع ثم باع المشتري بتسعين، فأشبه ما لو باعها للغير، فهذا لا حرج فيه إن قلنا إنه بيع.

    أما لو قلنا أن الإقالة رد وفسخ للبيع فهنا إشكال، كأنه يدفع له المائة ألف مقابل التسعين الألف، ففيها شبهة، ولذلك شدد العلماء على هذا الوجه الثاني، إذا قال له: خذ من المائة ألف ألفاً وأقلني قالوا: كأنه يقول له: أعطني المائة ألف وفي مقابل الإعطاء خذ ألفاً، فبادله المال بالمال متفاضلاً وقيمة المال في السلعة، ولذلك ترد فيها الشبهة في هذه الحالة، فالأقوى أن يبيعها عليه والأفضل أن يقول له: أبيعكها بتسعين ألفاً هل تشتريها مني؟ فينشئ عقد البيع؛ لأنه لو أنشأها بصيغة البيع فبالإجماع يصح البيع وينعقد، والله تعالى أعلم.

    كيفية تسديد الدين عند تغير سعر العملة

    السؤال: في بلادنا تنقص العملة نقصاناً كبيراً، فمثلاً: قبل ست سنوات كانت وحدة العملة في بلادنا تساوي اثنا عشر دولاراً والآن تساوي ستمائة دولار، فهل يجوز أن يشترط على الإنسان عند الدين تقويمها عند الأداء؟

    الجواب: لا يجوز، من أخذ ديناً بأي عملة فإنه يرده بنفس العملة، سواءً ارتفعت أو انخفضت واجتهد بعض أهل الرأي فقالوا: يجوز أن ينظر إلى قيمة العملة ويعطيه إياها، وهذا باطل من وجوه.

    أولها: أن الله تعالى يقول: فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279]، فدلت هذه الآية على أن صاحب الدين، يستحق رأس مال الدين بدون تفريق بين غلاءٍ ونقص.

    ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث عائشة رضي الله عنها عند أبي داود: (الخراج بالضمان) وهو حديث صححه غير واحدٍ من العلماء ومتنه مجمع عليه، ومعناه: أن الربح لمن يضمن الخسارة، يقولون: من يتحمل الخسارة يأخذ الربح، فنقول: أرأيت لو أن هذه العملة أصبحت قيمتها بأضعاف أضعافها لطالبك صاحب الدين أن تدفع له نفس العملة، قالوا: كما أنه يطالبك عند غلائها بنفس العملة أيضاً تعطيه نفس العملة عند نقصها، للقاعدة: "إن الغنم بالغُرم".

    ولذلك أصول الشريعة تقتضي أن تسدد بنفس العملة ارتفعت أو انخفضت، وهذا وارد، فإن الإنسان قد يأخذ الشيء وقيمته شيء ثم يرده وقيمته أدنى وقد يرده وقيمته أعلى فليس لك إلا مثله، ولأن صاحب الدين قد رضي أن يأخذ هذا القدر بعد سنوات، سواءً كان بغلاءٍ أو كان بنقص.

    لكن لو أن إنساناً أعطاك ديناً فأخذت مائة ألف فإن له فضلاً عليك، ومن شكر المعروف أن ترد جميله، فإذا نقصت هذه القيمة تقول له: هذا مائة ألف التي أعطيتني إياها وهذه خمسمائة من عندي، أو هذه ألف من عندي، فقد ثبت أن رجلاً قال: (يا رسول الله! لا نجد إلا خياراً رباعية، قال: أعطه، فإن خير الناس أحسنهم قضاء)، تعطيه من باب المكافئة على معروفه، ويجوز رد الدين بزيادة إذا لم يكن بشرط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن خير الناس أحسنهم قضاء)، فنحن نخرج من الإشكال ونقول له: هذه مائة ألف التي استدنتها منك، وأنت صاحب فضل عليَّ أشكره ولا أكفره وأذكره ولا أنساه، هذه عشرة آلاف مني لك جزاك الله خيراً، وأعظم لك الأجر، ففي هذه الحالة يكون الإنسان قد وفى وكفى وخرج من الشبهة؛ لأنه خرج من الحرام والشبهة ببينة من أمره.

    الواجب على طالب العلم تجاه المعلم

    السؤال: ما هو الواجب على طالب العلم تجاه المعلم؟

    الجواب: العلماء لهم حقٌ كبير على الناس، وبين الله تعالى علو شأنهم فقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، وأخبر أنه يرفعهم درجات عنده سبحانه وتعالى، فالعلماء لا يستوون مع عامة الناس، وفي تفسير قوله تعالى: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69] -جعلنا الله وإياكم منهم- فابتدأ بالأنبياء، ثم قال: "والصديقين" قال العلماء: الصديقون هم العلماء العاملون، فالعالم العامل له حق كبير على الناس.

    من حق العالم على طالب العلم إذا كان في مجلس العلم أن يصغي إليه، كما أخبر الله عن الجن: فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا [الأحقاف:29]، وقال الله لنبيه موسى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه:12-13].

    فالواجب الإنصات إليه إذا حدث، وعدم مقاطعته، وعدم الاستهانة برأيه، والاستخفاف بعلمه، فإن العلم شعيرة من شعائر الله: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

    فالذي يتقي الله يعظم العلماء في الحدود الشرعية، ولا يغلو بهم ولا يتنطع، ولكن أيضاً لا يجحف، فنحن بين الإفراط والتفريط، لا نغلو ولا أيضاً نجحف بعلمائنا بل نحترمهم ونقدرهم إذا تكلموا وبينوا.

    الأمر الثاني: العمل بما يدعون إليه، ونشر فتاويهم وعلومهم بين الناس؛ لأن الله ينفع بها ويكون لك مثل أجره، فمن حبك للعالم أن تنشر خيره، فتقول: جلسنا معه فذكر كذا، ونصح بكذا، ووعظ بكذا، فتكون شبيهاً بالعلماء وإن لم يكن عند الإنسان علم فلينشر هذا الخير.

    الأمر الثالث: ذكرهم بالجميل، أن يذكر العلماء بالخير؛ لأن انتقاص العلماء عند العامة ثلمة في الدين، فإن العامة إذا احتقر العلماء عندهم ضاع الدين، من يسألون؟ وإلى من يرجعون؟ فينبغي ذكرهم بالجميل وإجلالهم، ولا ينادونهم بأسمائهم وإنما ينادونهم بما شرفهم الله به وكرمهم، ولذلك قال الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].

    الذي ينادي العالم باسمه أو يجعل العالم في مرتبة واحدة مع العامة جاهل، فإن الله يبين أنهم لا يستوون، فينبغي إجلالهم، فيقول: قال العلماء .. يقولون بإجلال العلم ذكره الشيخ والإمام، ويقال: عفا الله عنك وأحسن الله إليك. فيجلون ويقدرون في الحدود الشرعية.

    كذلك من حق العالم إذا كان ميتاً أن يترحم عليه الإنسان، كعلماء الأمة وسلف الأمة الصالح، ويذكرون بالجميل، ويترحم عليهم، فإن الإنسان إذا ذُكر عظام المسلمين من العلماء والأخيار والصالحين وذكرهم بدعوة صالحة قيض الله له من يدعو له، ويترحم عليه، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان.

    ولذلك كان من منهج السلف الصالح ذكر علماء الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، كما يقول الإمام الطحاوي في عقيدته: أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، من الصحابة التابعين، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، فينبغي ذكرهم بالجميل.

    كذلك أيضاً من حقوقهم: أن الإنسان يحرص كل الحرص على التأدب معهم في المناقشة والسؤال والاستفتاء، لا يرهقهم ولا يحملهم ما لا يطيقون، ولذلك أمر الله أصحاب نبيه أن يتأدبوا معه حتى في مجالسهم الخاصة، وأن لا يطيلوا الجلوس عنده؛ لأنه ربما كان مشغولاً بما هو أهم وأعظم، فالعالم يحتاج إلى حفظ وقته، وهكذا إمام المسجد والخطيب ونحوهم ممن يوجه الناس، قد تكون عندهم أمور خاصة يحتاج إلى تفرغ لها، ويحتاجون أن يتزودوا، فإذا أصبح الناس لا يبالون بأوقات العلماء، ويرهقونهم بكثرة الزيارات التي لا يصحبها استفادة، فهذا أمر فيه ضرر عليهم، بل هو من إساءة الأدب.

    ولذلك من الأمور التي شاعت بين الكثير إلا من رحم الله كثرة زيارة العلماء والجلوس معهم دون استفادة.

    فتجدهم يسألون عن حاله، وعن شأنه، ويسألونه عن أموره الخاصة، وشئونه الخاصة، دون أن يسألوا عن علمٍ نافع، حتى مل العلماء من مجالس الناس وأصبحوا يقولون: نجلس ويضيع الوقت في أمور دنيوية.

    وقد يجلسون بالساعات، فإذا أراد العالم أن يقوم، قال أحدهم: عندي سؤال، وقال هذا: عندي مشكلة، مع أن العالم يجلس بالساعات، ولا يجد من يسأله. فينبغي أن نشفق عليهم، وأن نختار الأوقات المناسبة لزيارتهم، وكذلك أيضاً إذا رأينا عليهم العناء والتعب نشفق عليهم، فهذا أيضاً من احترام العلماء ومن الأدب معهم.

    كذلك أيضاً من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يراعيها في أدبه مع العلماء، أن يشعرهم بالإجلال والتقدير، وبالسلام عليهم وتفقد أحوالهم، فإن كانوا مرضى نزورهم ونعودهم ونقضي حوائجهم؛ لأنهم مشغولون بمصالح المسلمين، ومن قضى حوائجهم وسعى في إسداء الخير إليهم أعانهم على ما هم فيه من الخير.

    نسأل الله العظيم أن يجعلنا ذلك الرجل، وأن يوفقنا إلى حب علمائنا والنصح لهم، وذكرهم بالجميل والإحسان إليهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    فضيلة العلم الأخروي على العلم الدنيوي

    السؤال: ما جاء في وصف العلماء في القرآن هل ينطبق على أصحاب العلم الدنيوي؟

    الجواب: لا. العلم إذا ذكر تشريفاً وتكريماً هو العلم الأخروي: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    وأما بالنسبة للعلوم الدنيوية فيوصف صاحبها بكونه باحثاً، ويوصف بعلمه الذي هو فيه، وأما بالنسبة لمن قال: العلم لكل من هب ودب، فهذا فيه انتقاص لشرف العلم، العلم الذي أثنى الله عليه ورفع قدره هو: العلم الأخروي، الذي هو قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.

    أما أن تكون منزلة علماء الدنيا كعلماء الدين فلا!! يأبى الله ورسوله وعباده المؤمنين، وهؤلاء لهم فضل، فنحن نقر للأطباء بطبهم، وللمهندسين بهندستهم، وكل من كان له علم فيه منفعة ومصلحة نقر له بفضله فيه، لكن بالنسبة للذي له شرفه وله مكانته، والذي أثنى الله عليهم ورسوله هم علماء الدين.

    وأما علم الدنيا فهذا من الأمور التي تكون بحالها وبحسبها، يقال: هذا طبيب ويبين فضله في علمه، أما أن يوصف بكونه عالماً لا، العلم إذا أطلق كان العلم الأخروي، ولذلك قال الله تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الروم:7]، فوصفهم بكونهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا: وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] وهذا في قومٍ ليسوا على إيمان، ومع ذلك من الأمور التي استوى فيها العلماء الآن أن يقال: لفظ العالم والمهندس والطبيب على مرتبة واحدة وهذا خطأ.

    وبعضهم يقول: لا، هؤلاء علماء، فيقال: علماء الطب، وعلماء الهندسة، وهذا غير صحيح يقال للأطباء بطبهم ويوصفون بطبهم، لكن العلم إذا أطلق بين المسلمين ينبغي أن تصان هذه الكلمة وتحفظ؛ لأن العلماء لهم هيبة ولهم مكانة، والسلف الصالح من القديم على هذا، إذا قيل العالم فمعروف من هو العالم.

    لأنه كان هناك الأطباء وكان غيرهم من علماء الدنيا، وهذا لا ينقص العلوم الدنيوية في نظر الإسلام، خطأ أن يظن أحد أننا إذا قلنا هذا الكلام كأننا ننتقص من العلوم الدنيوية، إنما نقول: إن العلم الأخروي له ميزة في شريعتنا وله مكانة عند أهل العلم وعند المسلمين، لا ينبغي أن يسوى العالم الديني بالعالم الدنيوي، شتان ما بينهما، ولذلك يختص هذا العلم بالعلم الديني، وهو الذي عنى الله عز وجل أهله وسماهم وشرفهم. جعلنا الله وإياكم منهم.

    تفسير قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)

    السؤال: ما هو الفهم الصحيح لتفسير قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]؟

    الجواب: نعم، إذا استحل الإنسان الحكم بغير ما أنزل الله واعتقد أنه حلال أو قال: الشريعة الإسلامية لا يصلح الحكم بها، فهذا -نسأل الله السلامة والعافية- هو الذي سمى الله بالكفر، أما لو أن إنساناً لم يستحل هذا العمل فلا يوصف بكونه كافراً، مثال ذلك لو أن إنساناً أخذ الرشوة ولم يقض بالحق، فبالإجماع لا يعد كافراً، ولو أن إنساناً جاءه قريبه فحاباه -والعياذ بالله- في القضاء فقضى له وهو يعلم أنه ظالم في حكمه، لا يوصف بكونه كافراً بإجماع العلماء، ولذلك نص العلماء في المستحل دون غيره.

    الطريقة المثلى للحفظ

    السؤال: ما هي أمثل طريقة للحفظ؟

    الجواب: يقولون أن شعبة رحمة الله عليه كان إماماً في الحفظ، وكان يقول: ما خططت سوداء في بيضاء، ولا سألت رجلاً أن يعيد علي حديثه مرتين من قوة حفظه، قالوا له: ما دواء الحفظ؟ قال: ترك المعاصي، ما جربت دواءً مثله.

    فالعلم نور، ونور الله لا يؤتاه عاصٍ، فالذي يريد أن يقوى حفظه فليستدم طاعة الله، وليتجنب معصية الله، فإن معصية الله تمحق البركة في الحفظ والفهم، حتى إن الإنسان إذا ما نظر إلى حرمة من حرمات الله، وجاء يفتي أو يتكلم بانت في خلجات لسانه، نسأل الله السلامة والعافية، وضره في علمه وفي بصيرته نسأل الله العافية.

    فالإنسان يحرص على طاعة الله، فمن الأمور التي تعين على حفظ العلم ووقته: الطاعة والتقوى والالتزام بحدود الله كما قدمنا.

    حكم الرضاع من امرأة بعد بلوغها سن اليأس

    السؤال: هل رضع المرأة بعد سن اليأس مؤثر؟

    الجواب: هل هناك حليب؟ إذا كانت يائسة وفيها حليب فهذا من أندر النادر، والسؤال قد يكون من الأسئلة الفرضية، لكن بالنسبة للحكم لا، فإذا ثاب الحليب في امرأة وبقي فيها وكانت متزوجة من قبل، وارتضع منها طفل فإنه يعتبر ابناً لها، وابناً لزوجها الذي ثاب الحليب من وطئه، ومعنى ذلك أنه بقي فيها الحليب من بعد وطئه.

    العوامل التي تساعد على محاربة الهوى

    السؤال: ما هي العوامل التي تساعد على محاربة الهوى وعدم اتباعه؟

    الجواب: الأمور التي تساعد على محاربة الهوى: أن تقفل على نفسك جميع الأبواب المخفية لهذا الهوى، فالإنسان الذي يبتلى بالهوى والضلالة -نسأل الله السلامة والعافية- لا بد من وجود أسباب أفضت به إلى ذلك: إما قرين السوء، ولذلك قال الله تعالى حكاية عن عبادة المجرمين: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ [الشعراء:94-99].

    وقال أيضاً: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً [الفرقان:27-29].

    فقرين السوء من أعظم أسباب الهوى، ما زين الخمر وحببها إلى شاربها إلا قرين السوء، ولا زين المعاصي وجعلها سهلة ميسرة لمن فعلها إلا قرين السوء، الذي لم يتق الله في أخيه وأورده الموارد، ولذلك يأتي يوم القيامة فيتبرأ منه: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ [البقرة:166]، فنسأل الله السلامة والعافية، فقرين السوء من أعظم أسباب الهوى.

    كذلك أيضاً من أسباب الهوى: الجلوس في مجالس أهل الضلالة، فهذا الإمام مالك رحمة الله عليه المشهودٌ له، حتى يقول عنه عبد الرحمن بن مهدي : جالست سفيان ويحيى -يعني: يحيى القطان - ومالكاً ، ما رأيت أعقل من مالك ، كان هذا الإمام رحمة الله عليه معروفاً بوفرة العقل، حتى إن الإمام أحمد رحمة الله عليه قال: كان من أكمل الناس عقلاً في فضلٍ وعلم. وأثنى عليه، فمن عقل الإمام مالك لما قيل له ذات مرة: حدثنا. فحدثه، فقيل له: عمن حدثت؟ أي: من الذي حدثك بهذا الحديث؟ قال: ما جالست سفيهاً يوماً قط.

    فالذي يريد أن يعافيه الله من الهوى لا يجالس السفهاء وأهل الهوى، فمن جالس قوماً تأثر بهم، ففي اليوم الأول ينكر، واليوم الثاني يضعف إنكاره، حتى يصبح يوماً من الأيام لا يفرق بينهم وبين نفسه -نسأل الله السلامة والعافية- فالإنسان الذي يريد أن يسلمه الله من الهوى عليه أن يقفل أسباب الهوى، فيجلس مع أهل الهدى حتى ينقل إلى الهدى، ويكون من أهل الهدى، ويسلم من الردى والهوى، فيحرص الإنسان على هذه الأمور.

    أيضاً من الأمور التي تسلم من الهوى: كثرة قراءة القرآن مع التدبر؛ لأن القرآن يأخذ بمجامع القلب فتتجه جميع الشعب إلى الله جل جلاله، فيأتي الشيطان فلا يجد منها شعبة، وتأتي الشهوات والشبهات فلا تجد شعبة؛ لأن جميع شعب القلب اتجهت إلى كتاب الله، وإلى كلام الله.

    ولذلك كان السلف الصالح رحمة الله عليهم لا يفترون عن كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، فصاموا به النهار وقاموا به الأسحار رحمة الله عليهم.

    فلذلك الذي يريد أن يسلمه الله من الهوى؛ يحرص على هذين الأمرين:

    الأمر الأول: ألا يجالس أهل الهوى وأهل البدعة وأهل الضلالة، ويحرص على أهل السنة والحق، والذين هم على نور من الوحي من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    الأمر الثاني: أن يحرص على ما ذكرناه من البعد عن قرناء السوء ومن لا خير في مجالسهم.

    وصية وتوجيه لطالب العلم إذا أراد أن يدعو إلى الله

    السؤال: ما هي وصيتك وتوجيهك لطالبٍ يسر الله له مفاتيح علمٍ، وبعد تخرجه سيرجع إلى بلده حيث لا يوجد فيها علماء راسخون، حتى يواصل معهم والناس محتاجون للدعوة والتعليم؟

    الجواب: أوصيه بالإخلاص وما كنا فيه من ضبط العلم وإتقانه، فيراجع ما قرأه ويضبطه، وكل ما تعلمه من القليل والكثير فإن الله سائله عنه، فكل ما تعلمته من القليل والكثير وكل آية وكل حديث وكل علمٍ تعلمته ستقف بين يدي الله عز وجل وتسأل عليه، ترجع وتراجع جميع معلوماتك، وتتأكد منها وتستثبت، وتجدد النية وتصححها، ثم تنطلق للدعوة وتبدأ أول ما تبدأ بنفسك، ثم بمن تعول، ثم تحقق هذا العلم بالعمل وتبدأ بالأخلاق الفاضلة، وتأخذ الناس بالتيسير لا بالتعسير، وبالتبشير لا بالتنفير.

    قال صلى الله عليه وسلم لما بعث أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ومعاذاً إلى اليمن قال: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)، فييسر الإنسان ويبشر، ولا ينفر ولا يعسر، فإن دين الله يسر.

    وتأخذ الناس أولاً بما يعرفون حتى تأتلف قلوبهم حولك، وتذكرهم بالجنة والنار حتى تكون عندهم الرغبة والرهبة، بعد أن توقفهم على النار كأنهم يصعقون من زفيرها، وتوقفهم على ظلال الجنة وأشجارها كأنهم يقطفون من ثمارها، عندئذٍ تبين لهم وتأخذهم بالعزائم، ولذلك أدب الله عباده، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كان أول ما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم آيات فيها ذكر الجنة وذكر النار، ولو نزل لا تسرقوا لا تشربوا الخمر؛ ما آمن أحد).

    فإذاً أولاً: نقرب الناس ونثبت قلوبهم، حتى إذا جاءت العزائم جاءت والنفوس قوية.

    وأما منهج الدعوة فتبدأ أول ما تبدأ بتوحيد الله؛ لأنه أساس العمل الذي لا يمكن أن يقبل الله عمل عامل إلا به: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].

    تبدأ بالعقيدة وأصول الدين، تدعو الناس إلى التوحيد والإيمان بالله، وتبين لهم أركان الإيمان، وتقوي في قلوبهم هذا الإيمان وتذكي جذوته، حتى إذا قوي هذا الإيمان كفاك بإذن الله عز وجل، إذا قوي إيمان الناس أصبح الواحد هو الذي يأتيك فيقول لك: ماذا أفعل في نفسي؟ وماذا أفعل في أهلي؟ وماذا أفعل بين أولادي؟ وماذا أفعل في متجري وبيعي وشرائي بعد أن يزيد إيمانه؟ ولذلك أول ما تحرص عليه العقيدة والإيمان، بعد أن تغرس العقيدة في قلبه والتوحيد والإخلاص لوجه الله عز وجل، وتعود الناس على المعاملة مع الله عز وجل بعد ذلك يسهل عليك أن تقودهم إلى الخير، وأن يأخذوا بعزائم الإسلام بقوة، نسأل الله لنا ولك التوفيق، والله تعالى أعلم.

    ونسأل الله العظيم في ختام هذا المجلس أن يجزي الشيخ صالح كل خير، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وإن كنا والله نود أن الشيخ يعطر المجلس فأعينوني على الشيخ، وهذا من الأدب مع العلماء والمشايخ.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007982256

    عدد مرات الحفظ

    720862386