إسلام ويب

من سير الصالحاتللشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في كل زمان ومكان تحتاج المسلمة إلى القدوة الحسنة التي تسير على نهجها، وتسلك سبيلها، تحتاج إلى تلك النماذج الطيبة الطاهرة التي أحسن الإسلام صياغتها فغدت هممها عالية، وقلوبها مؤمنة راضية تقية.

    1.   

    القدوة .. وأهميتها

    الحمد لله الواحد القهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ألا هو العزيز الغفار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله الصفوة الأخيار، وعلى جميع من التزم شرعه من الصفوة الأبرار:

    السلام عليكن ورحمة الله وبركاته:

    السلام على كل مؤمنة بالله .. السلام على كل منيبة إلى الله .. السلام على كل مهتدية بشرع الله .. السلام على تلك المرأة المؤمنة التي آمنت بربها، والتزمت بدينها، وسارت على نهج خالقها.

    سلام على تلك المرأة المؤمنة التي أقبلت إذ أدبر الناس، وآمنت إذ كذب الناس، وجدّت في طاعة الله إذ استهزأ الناس.

    السلام على ذلك القلب الذي وعى، والسلام على ذلك الفؤاد الذي رضي وبهدى الله اهتدى.

    السلام عليكن إذ خرجتن إلى طاعة الله ومرضاته، خرج النساء إلى الأسواق وخرجتن إلى سوق الجنة، وخرج النساء إلى الرياض، وخرجتن إلى روضة من رياض الجنة، وباهت النساء بالأزياء وباهيتن بسربال التقوى، واستمسكتن بعروة الله الوثقى، هنيئاً لكن معشر المؤمنات! هنيئاً لكُنَّ معشر الصالحات الداعيات! هنيئاً لكن على الإيمان والثبات! هنيئاً لكن على الجد في الحسنات والمرضات!

    بيَّض الله وجهكن، ونور الله قلوبكن في زمان الغربة الذي تباعد عن زمان الوحي، وقفت الصالحة أمام تيارات فكرية، ومذاهب هدامة لكي تعلنها صريحة قلباً وقالباً أن لا إله إلا الله فعاشت مع الله، مع أوامره إذ التزمتها، ونواهيه إذ ابتعدت عنها.

    وقفت الواحدة أمام هذه الفتن والمحن فثبتت بتثبيت الله، واعتصمت بحبل الله، فطوبى لذلك الإيمان، وطوبى لذلك الجنان، وطوبى للصدق في العبودية للرحمن.

    يا فتاة الإسلام: إن هذه رحمة من الله أسداها إليك، ومنة تفضل بها عليك، إن الله تبارك وتعالى قد رحمك بهذه الهداية التي حرمها كثيراً من النساء، رحمك بهذه الهداية التي عاش قلبك أحاسيسها، وارتاح فؤادك لمعانيها، فسرت بتلك الخطا راضية أي الرضا، سرت على طاعة الله ومرضاته ومحبته.

    امتلأت القلوب حباً للدنيا وامتلأ قلبك حباً للصالحات، امتلأت قلوب النساء حباً للماجنات الداعرات وامتلأ قلبك حباً للصالحات الداعيات، امتلأت قلوب النساء محبة لهذه الدنيا وفتنة بزهرتها، وامتلأ قلبك حباً للآخرة وسعياً لتحصيلها، طوبى لتلك العين منك إذ سحت بالدمع من خشية الله، وقد اكتحلت عيون النساء بمكاحيل الزينة، ولكن تزينت عينك بالعبرة من خشية الله، طاب للنساء أن يتجملن بالمظاهر وطاب لك -أمة الله- أن تتجملي بالجواهر! طوبى للإيمان! طوبى لسلوك سبيل الرحمن! طوبى لهذا العفاف؛ طوبى له وحسن مآب!

    أخواتي المسلمات: إن المسلمة تحتاج في كل زمان ومكان إلى قدوة حسنة صالحة تسير على نهجها، وتسلك سبيلها، تحتاج إلى تلك النماذج الطيبة الطاهرة التي حملت المعادن الكريمة وقلوباً تعظم الله وجواهر تؤمن بلقاء الله وتعظمه وتجله، تحتاج إليها لكي تسير على نهجها، وتتخلق بأخلاقها وتتأدب بآدابها، وقد بين القرآن فضل القصة، وفضل الأسوة والقدوة، فبين أن فيها عبرة، وأنه بهدى الأخيار يُهتدى، وبحذوهم يُقتدى، وبسبيلهم يُربى.

    1.   

    نماذج من سير الصالحات

    لقد قصَّ الله عز وجل في كتابه قصص الصالحات، وبين على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم تلك المواقف المشرفة من تلك النماذج الطيبات الطاهرات من قرونٍ خلت، وأزمنة مضت؛ مضت بإيمان، وصبر ويقين بالرحمن، مضت تلك الخلوف الصالحة وقد سطرت في دواوين المجد عبراً لا تنسى، وذكريات توجب من الله عز وجل الرحمة والرضا، ومع هذه القرون الخالية، ومع تلك النماذج السامية، ومع ذلك الرعيل، ونسمة من عبير ذلك الجيل تسمو إلى هذه النماذج أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].

    تحب المرأة المؤمنة الصالحة سير الصالحات حتى يطمئن بذكرهن قلبها، ويسعد بالائتساء بهن قالبها، ومع ذلك الرعيل، ونسمة من عبير ذلك الجيل، نقف مع النساء الطاهرات من سلف هذه الأمة.

    خديجة رضي الله عنها

    وأول وقفة -مع الإيمان والثبات على الإيمان- مع امرأة آمنت بربها، ورضيت عن الله ورضي الله عنها، امرأة لا كالنساء، كاملةٌ، مطهرةًٌ، مختارةٌ من الله لنبيه، امرأة أحبها الله وأحبت الله، ورضيت عن الله ورضي الله عنها، إنها خديجة بنت خويلد التي أحبها الله عز وجل، وأحبها نبيه صلى الله عليه وسلم، أحبها الله حتى نزل جبريل الأمين يحمل سلام الله عليها، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن جبريل قال: (يا رسول الله! هذه خديجة قد جاءتك بإناء فيه إدام -أو شراب، أو طعام- فأقرئها من الله السلام ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب)

    إنها خديجة .. مثال الإيمان، واليقين بالرحمن، إنها خديجة التي ثبت الله عز وجل بها أحب القلوب إليه، إنها خديجة التي واست رسول الله صلى الله عليه وسلم بمالها، وواسته بفؤادها إذ شاركته أحزانه، وشاطرته آماله وآلامه، ما جاءها خائفاً إلا أمنته بعد الله، ولا جاءها مهموماً محزوناً إلا بددت همومه وأحزانه بإذن الله، زوجة ونعم الزوجة! مؤمنة بالله عز وجل حقيقة الإيمان، ما إن جاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم والخوف قد استولى عليه حتى قالت له: [كلا والله، لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق] فيا لله من امرأة! أتعجب من إيمانها وثباتها إذ هي تعاني وتقاسي عذابها في الله! أم تعجب من حكمتها وبيانها إذ ثبتت قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم!

    مضت هذه الطيبة الطاهرة إلى رحمة الله، ومضت إلى عفوه وغفرانه، ولكنها سطرت لأجيال المؤمنات ديواناً من المجد ائتست به صالحات وأي صالحات، مشى على دربها الفاضل نساءٌ مؤمنات قد بعن الدنيا واشترين الآخرة.

    إن مضت خديجة الأمس فإن خديجة اليوم باقية، فكم من نساءٍ صالحات طاهرات نسمع عنهن في هذا الزمان قصصاً تعيد لنا ذكرى خديجة!

    كم من زوجة صالحة الآن اهتدى زوجها على يدها، عرفته سبيل المساجد، وأقامته مع كل راكع وساجد، وحببته أن يكون مع الخير العابد.

    إن ذهبت خديجة فقد أبقت لنا أمثالها، وإن ذهبت خديجة فقد أبقت لنا أشباهها، وإن واست خديجة الأمس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدين والمال والنفس، فـخديجة اليوم تواسي زوجها وهو داعية إلى الله، فتضحي بمالها في سبيل الدعوة إلى الله، وتضحي بأوقاتها كي تعينه على مرضاة الله.

    كم في زماننا من أشباه لتلك المرأة المؤمنة؟ قال الأب لابنته يوماً من الأيام: إن ابن عمك يريد الزواج منكِ. قالت له: يا أبتاه أتأمرني بذلك؟ قال: نعم. قالت: سمعاً وطاعة. وشاء الله ذلك الزواج، وما إن مضت أيامٌ يسيرة حتى تبدى لها ذلك الزوج وإذا به شيطانٌ مريد، من رحمة ربه شقي طريد، فما إن بلغ الخبر بذلك القلب الذي يعامل الله، وذلك الفؤاد الذي يرجو رحمة الله، حتى احتسبت المعونة من الله وقالت: لقد بررت أبي بزواجي منه، والله يعينني على هدايته.

    فيا ألله من امرأة صالحة تفجرت ينابيع الحكمة على لسانها، فأخذت بمجامع ذلك الزوج إلى طاعة الله! وأخذت بمجامعه إلى محبة الله، وهدته إلى رضوان الله وطاعته، فما ذكر فضلها يوماً من الأيام إلا بكى اعترافاً بجميلها، وإقراراً بفضلها.

    إنها خديجة اليوم التي تحتسب عند الله عز وجل في التأسي بتلك الطيبة الطاهرة، إنها خديجة اليوم مهما رأت من زوجها إعراضاً عن الله؛ كان قلبها أكمل ما يكون يقيناً بالله، وكان جنانها أقوى ما يكون ثباتاً على طاعة الله، إنها خديجة اليوم التي نطمع أن نرى أمثالها وأن نسمع ذكراها، فنضَّر الله وجهها، وكثَّر في المسلمين سوادها.

    سمية رضي الله عنها

    ومن خديجة إلى مقام الإيمان والتوحيد والصبر على الإيمان بالحميد المجيد، إلى سمية وهي تُكاد على الإيمان بالله، وتهان من أجل لا إله إلا الله، إلى تلك المرأة التي آمنت بربها، وصَدَّقت بوحدانية خالقها فقيدت إلى العذاب الذي يفضي بها إلى رحمة رب الأرباب، قيدت إلى العذاب الذي فيه مهانة الدنيا، ولكن مآله كرامة الآخرة، إنها سمية أول شهيدة في الإسلام، التي رضيت أن تنال العذاب، وأن ترى ما ترى من صنوف البلاء والمهانة في الله ولله، وكل ذلك من أجل أن يرضى عنها الله، فما وهنت في طاعته، وما ضعفت في سبيله، فيا له من قلب موحد لله! قلب سكن التوحيدُ بشعابه، ونزل إلى أعماق جذوره، فاهتدت بهدي ربها فلم تبتغ عن سبيله تحويلاً، ولا له بديلاً.

    إنها سمية الأمس التي صبرت على طاعة الله ومحبته، وأوذيت في الله، وعايشت ما عايشت من البلاء والضنك في سبيل طاعة الله ومرضاته.

    وأشباه سمية في عصرنا الحاضر كثير، وما زال الخير في الأمة، فكما أن الخير في الرجال فإن الخير موجود في النساء، فما زالت سمية في الأمة باقية .. إنها سمية التي تعيش بهدايتها وحيدة بين أسرة كاملة .. إنها سمية التي تعيش بإيمانها وطاعتها لربها وعفافها بين أخواتٍ وزميلاتٍ بعيدات عن الله .. إنها سمية اليوم التي تؤذى في لباسها فتصبر وتحتسب، وتؤذى في حيائها فتصبر وتحتسب، وتؤذى في شيمتها وعفتها فتصبر لوجه الله وتحتسب.

    إنها سمية اليوم الصادقة مع ربها، الموقنة بلقاء خالقها .. إنها سمية اليوم التي لم تلتفت إلى مفاتن الأزياء، ولم يغرها ما غر غيرها من النساء .. إنها سمية التي أوذيت باللسان، فسمعت من الكلام ما كرهت ولكن رضيت بالله، ورضيت البقاء على طاعة الله ومحبته؛ فطوبى لها وحسن مآب!

    عائشة رضي الله عنها

    ومن سمية -التي قدمتُ لسبق شهادتها- إلى الصديقة بنت الصديق ، إلى المبرأة من فوق سبع سماوات، إلى امرأة سكن الإيمان قلبها، ونزل الإيمان واليقين بفؤادها؛ عائشة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، صديقة بنت صديق، لست أدري ما الذي أختار لكِ من طهارتها وعفتها، أأختار لكِ إيماناً لا شك معه ولا مرية؟ أأختار لكِ جناناً مليئاً بمحبة الله؟ أأختار لكِ علماً وفضلاً وأدباً وخلقاً؟ إنها النجم الزاهر، والروض الناضر الذي يستهوي من رآه، ويستهوي من سمع أخباره، إنها عائشة التي تربت في بيت الصديق ، وفي بيت النبوة مع خاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم أجمعين.

    مع عائشة التي رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً وزوجاً محبوباً، أكرمته وأحبته فلما خُيرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت آية التخيير لنسائه، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح : (إني مخيركِ في أمرٍ فلا تعجلي فيه حتى تراجعين فيه أباك وأمك) فما إن خيرها بين الدار الآخرة وبين أن يمتعها ويسرحها سراحاً جميلاً، حتى أبت وأصرت إلا البقاء معه صلى الله عليه وسلم، بل إنها أجابت مباشرة بأنها تختار الله ورسوله والدار الآخرة، وعجلت أن تخير والديها، فهو الأمر الذي لا يحتاج إلى خيار غير خيارٍ واحد، وهو الذي أحبته وارتضته، وهو اختيار رحمة الله ومحبته، عاشت هذه الطيبة الطاهرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالاً لكل زوجة وفية لزوجها، أحبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، أحبها لديانتها ولطهارتها، ولصلاحها وعفتها رضي الله عنها وأرضاها.

    وعاشت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيشة الفقر؛ فقر الظاهر وغنى الجواهر، عاشت فقيرة في الظاهر ولكنها غنية بالله عز وجل، ثلاثة أشهر وما يوقد في بيتها نار، فرضيت بهذه العيشة لعلمها بأن رضوان الله عز وجل فيها، ماذا أختار لكِ من هذه الصالحة الطيبة الطاهرة المباركة الصديقة بنت الصديق التي عاشرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينٍ تراقب حركاته وسكناته، وسمعٍ يصغي لكل لفظ من حديثه، فكانت وعاءً من أوعية السنة، وحافظة من حفاظ الصحابة، وعت أكثر من ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنضر الله ذلك الوجه، ونضر الله -عز وجل- تلك الصورة التي حفظت للأمة دينها، وما اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من هديه داخل بيته إلا ورجعوا إلى الصديقة يختارونها حكماً بينهم، قال أبو موسى رضي الله عنه وأرضاه: [ما اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرٍ ورجعوا إلى عائشة إلا وجدوا عندها خبراً وأثراً].

    إنها عائشة علماً وأدباً وفضلاً ونبلاً، رسمت منهجاً للصالحات في المثابرة على محبة رب البريات بطلب العلم، فهي مثال لكل زوجة عالم، ومثال لكل زوجة داعية أن تتقي الله عز وجل في زوجها، رسمت المنهج الصالح بمعاشرة النبي الكريم ولخلفاء الأنبياء من العلماء العالمين، والدعاة المخلصين بصبرها على العيشة اليسيرة، وعفتها عن الغنى الذي يرديها ويهلكها، رضيت فأرضاها الله عز وجل برضاها، ونحن اليوم نعيش مع عائشة اليوم، نعيش مع تلك النماذج الحية من نساء مؤمنات صالحات طاهرات ذكرن عائشة في علمها وأدبها، فجعلنها قدوة بها يحتذى، وأمة بها يُقتدى.

    نعيش اليوم مع تلك النماذج الطيبة الطاهرة، مع النساء الحافظات لكتاب الله، اللاتي خرجن إلى بيوت الله لحفظ آيات الله، نعيش مع عائشة اليوم وهي ساهرة في طلب العلم بعين ترجو رحمة الله، وهي تخط بيدٍ ترجو الفوز بالكرامة من الله، وهي تصغي بسمعٍ يطلب رضوان الله، نعيش مع عائشة اليوم تلك الداعية المخلصة التي نذرت نفسها للدعوة إلى الله، مع عائشة اليوم التي جرت محبة الدعوة في عروقها.

    إنها عائشة الصالحة .. عائشة الفاضلة .. عائشة التي صبرت على البلاء، فأوذيت في أقدس شيء -بعد الإيمان- وهو عرضها فمست كرامتها، ولكن لتنال من الله رضواناً، وصفحاً من الرحمن وبراً وإحساناً، وقفت عائشة رضي الله عنها أيام محنة الإفك؛ ذلك الموقف العصيب الرهيب، ولكنها كانت أكبر من تلك المقالة حينما تعلقت بالله ولاذت به، واستعاذت بالله فكانت معه، قيل عنها ما قيل فبرأها الله عز وجل، وغار عليها إذ نزل آيات التنزيل، وما كانت تظن أن ينزل الله عز وجل فيها قرآناً إلى يوم الدين، فكل امرأة اليوم تؤمن بربها، فتؤذى في عرضها، تترسم نهج هذه الصالحة فتصبر لوجه الله، وتحتسب الأذية عند الله، وترجو في مصابها وبلائها المثوبة من الله.

    عائشة اليوم تؤذى وتتهم في عرضها وعفتها ولكنها ثابتة لوجه الله، صادقة إيماناً بالله، تصبر على تلك المكائد، وتصبر على ما يروجه كل معاند وحاسد، تتمثل هدي تلك المرأة الصالحة، وتترسم خطى تلك الصديقة الفاضلة.

    عائشة رضي الله عنها التي كانت مثالاً في الزكاة، ومثالاً في الجود والسخاء، فتحت لها أموال الدنيا فما التفتت إلى تلك الأموال، بعث إليها عبد الله بن الزبير رضي الله عنها وعنه مائة ألفٍ فجاءتها وهي صائمة لله، فما إن وقعت في يدها حتى تذكرت جنان الخلد التي ترجوها عند ربها؛ فبذلت تلك المائة في طاعة الله ومحبته، فرقت تلك المائة حتى أمسى المساء وما عندها منها شيء، فطلبت فطورها وطلبت شيئاً ترد به جوعها وظمأها، فإذا به لم يبق من المائة ألف شيء تطعم به طعاماً، ولكنها أبقت رضوان الله، والرجاء فيما عند الله، صامت لوجه الله عز وجل ذلك اليوم، وصامت مع صيام الجسد عن شهوة الدنيا وفتنتها وزهرتها، فبذلت ذلك المال كله لوجه الله حتى نسيت طعام فطورها! يا لله من قلب يؤمن بالله! ويا لله من فؤاد يرجو رحمة الله! ويا لله من صديقة تلتمس رضوان الله! قالت لها أم ذر : [هلا تركت من المائة ألف ما تفطرين به؟ فقالت: لا تلوميني، هلا ذكرتني؟] ذهلت عن الدنيا حينما تذكرت رحمة الله، ورجت الفوز بما عند الله.

    إنها ذهبت ومضت وخلفت لنساء المؤمنين ذلك المثال الصادق لبذل المال لوجه الله واحتساب الأجر عند الله، ذهبت عائشة إلى رحمة الله ورضوانه، ولكنها رسمت المنهج لـعائشة اليوم حينما اقتدت بها وائتست، فكم نسمع من قصص تذكر بها! كم نسمع من قصص عن تلك الصالحة! وعن تلك المؤمنة الموقنة التي جددت عائشة الأمس رضي الله عن تلك وعن هذه رضواناً لا سخط بعده.

    امرأة من نساء المؤمنين في العصر الحاضر كانت بنت ثري من الأثرياء، شاء الله عز وجل أن يقبض روحه فخلف الأموال الكثيرة، فجاءها زوجها مساء ذلك اليوم بتلك الورقة التي فيها خمسة ملايين من الريالات، فلما أخبرها الخبر وقال لها: هذا قسمك من ميراث أبيك. قالت: كم هو؟ قال: كذا وكذا. قالت: والله لا أطعم منه شيئاً وأيتام الأفغان يعانون الجوع، وأرامله يقاسون البرد والعناء. وقالت: والله لا يمسي هذا المال وعندي منه شيء، فخرجت منه ترجو رضوان الله، فيا لله من مؤمنة صابرة! ويا لله من مؤمنة صادقة! إنها قلوب الصادقات التي آمنت برب البريات، فنسيت عند الإيمان به حظوظ الدنيا وزهرتها، إنها أمثلة ونماذج حية بنقل الثقات عن تلك الصالحات اللاتي يُذكِّرن بـعائشة الأمس رضي الله عن الجميع وأرضاهن.

    1.   

    يا فتاة الإسلام! هذه هي القدوة

    أخواتي المسلمات: إن نماذج الصالحات نورٌ في القلوب، ودليل يدل على رحمة علاَّم الغيوب، إنها النماذج الحية التي إذا قرأت المؤمنة سيرهن تذكرت كتاب الله، فكلامهن، وأفعالهن، وأخلاقهن تذكر بالقرآن، فالله الله أن تستبدل المؤمنة الصادقة بتلك السيرة العطرة، والمواقف النضرة سير الماجنات الداعرات! الله الله أن تنسى المرأة المؤمنة تلك النماذج الحية التي تسبقها إلى رياض الجنان.

    فيا طالبة الجنة! فيا أيها المؤمنة التي تعلق قلبها بالجنان! ويا أيتها المؤمنة التي ترجو الرحمة من الكريم الرحمن! شمري عن ساعد الجد في زمان الغربة، وجددي مآثر الإسلام في هذا الزمان الذي عظمت فتنته وجلت محنته، جددي مآثرهن بالأخلاق الفاضلة، والآداب الرفيعة.

    كم كان بودي أن أبقى معكن في سير الصالحات التي لا تنتهي، في سير أولئك الداعيات المصلحات اللاتي أحيا الله عز وجل بهن قلوب البريات، في سيرة تلك الصالحات الداعيات إلى الله والمحتسبات للأجر عنده، ولكن ضاق الوقت، وأرجو من الله عز وجل أن يجعل فيما مضى الخير والبركة، وليست العبرة أن نذكر سيرهن، وليست العبرة أن نقص أخبارهن، ولكن العبرة كل العبرة أن يترجم أمثالكن يا معشر المؤمنات الصالحات، ويا معشر التائبات العابدات، ويا معشر المنيبات القانتات، أن تجددن تلك المواقف، وأن تترجمن هذه السير وهذه المواقف إلى حياة عملية، فنضر الله عز وجل وجه امرأة أحيت تلك السيرة الفاضلة، ودعت إلى تلك المواقف المشرفة، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يكثر سواد الصالحات في الأمة، وأن يثبت قلوبهن على الطاعة والملة.

    اللهم ثبت قلوب نساء المؤمنين على طاعتك يا رب العالمين، اللهم أعذهن من شرور أهل الفتن وأهل المحن، وأسمعنا عنهن كل خير وكل فضل وبر، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين.

    1.   

    الأسئلة

    المظهر اللائق بقارئة القرآن

    السؤال: مظهر منتشر بين بعض النساء وهو تفريط منهن في بعض الأمور الشرعية، فمثلاً: قد تأتي لحلقات تحفيظ القرآن أو لدورة حفظ القرآن مع سائق بدون محرم، أو تلبس ملابس غير محتشمة، أو أن يكون سلوكها خارج الحلقات لا يليق بأهل القرآن، فما نصيحة فضيلتكم لأولئك النسوة؟

    الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أولاً: أهنئ تلك الشابة الصالحة على صلاحها وفلاحها إذ خرجت إلى حلقة تتلو فيها كتاب ربها .. أهنئ تلك المؤمنة الصالحة التي رضيت بوقتها، وضحت بشبابها في سبيل حفظ كتاب ربها، طوبى لتلك الخطوات التي خرجت بها إلى رياض الجنة .. طوبى لتلك الخطوات التي اشترت بها رحمة الله، وطوبى لتلك المجالس التي تعطرت بكلام الله، نور الله قلوبكن، وبيَّض الله وجوهكن يا من اجتمعتن على كتاب الله في هذا المجمع المبارك، وجزاكن الله كل خير، وثبت الله قلوبكن على طاعته، وإلى الأمام في طاعة الله، وإلى الأمام إلى جنان الخلد ورحمة الله، سابقن إلى تلك الجنان بترجمة هذا القرآن وهذه الآيات التي تتلى والمواعظ التي ترتل، عِشن مع هذا الكتاب قولاً وعملاً واعتقاداً وجناناً، عشن مع هذا القرآن بالمظاهر الكريمة التي تدل على الجواهر الكريمة، عِشن مع هذا القرآن رحمكن الله، وكنَّ مثالاً لمن حمل كتاب الله.

    الله الله أن يؤتى الإسلام من قبلكن، فيرى الحافظات الحاملات كتاب الله، بعيدات عن شرع الله -لا سمح الله- تأدبن بآداب هذا الكتاب فإنه إما حجة لكن أو عليكن.

    ثانياً: يا فتاة الإسلام: إن هذا الكتاب الذي تقرئينه، وهذا الكتاب الذي تسمعينه إما لكِ أو عليك، فالله الله في أقواله! فالله الله في آياته وعظاته! الله الله في زواجره وحدوده! ترسمي هديه عندما تلبسين جلباب الحشمة والحياء، وترسمي هديه حينما تخريجين، الله الله أن تختلي بأي أجنبي ليس بذي محرم لك! وخذي بما يعينك على طاعة الله ومحبته؛ حتى تفوزي بتلك الساعات في رضوان الله، فلا تختلي بسائق أجنبي إلا ومعك ذو محرم، واتقين الله وأطعن الله ورسوله، وإياكن والبعد عن الحشمة والعفاف بلبس ثياب لا تليق بحاملة كتاب الله، وتصرفات لا تليق بالمتأدبة بشرع الله.

    إنني لأرجو من الله أن يكون هذا آخر العهد بتلك التصرفات التي لا تليق، وبتلك المناظر التي لا تليق، وأسأل الله العظيم لنا ولك خير الدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم.

    أسباب الانتكاسة .. وكيفية علاجها

    السؤال: توجد ظاهرة بين الأخوات الملتزمات وهي: أن بعضهن تلتزم باللبس والحجاب والزينة الإسلامية، ولكنها تمر أحياناً بانتكاسات، فتجدها -مثلاً- في أكثر الأيام ملتزمة بما شرع الله، فتلتزم باللبس والحجاب والزينة، ولكن يحدث لها في إحدى الأيام أن تنتكس فتلبس الملابس القصيرة والضيقة، وتسرح شعرها وتقصه كفعل الفاسقات، وتلطخ وجهها بالمساحيق، ثم تعود بعد ذلك من جديد لحشمتها والتزامها، فما هي أسباب هذه الانتكاسات؟ وكيف علاجها؟

    الجواب: الانتكاسة -والعياذ بالله- عن طاعة الله أسبابها كثيرة أعظمها وأهمها:

    السبب الأول: ضعف الإيمان في القلوب؛ فإذا قوي الإيمان في القلب تعلق القلب والقالب بالله، وصار القلب إلى الله، وتبعته الجوارح إلى رحمة الله، فالعين تنظر بطاعة الله، والسمع يسمع ما أمر الله، والبصر يبصر ما أذن الله، واللسان يتكلم بما أذن الله، فإذا ضعف هذا الإيمان تنكبت الجوارح في معصية الرحمن.

    أول ما تحرص عليه المؤمنة التي تريد الثبات على هدايتها وعقيدتها بربها، بأسمائه، وصفاته، وبألوهيته وربوبيته، الأسماء والصفات تخوفها من الله، وتجعلها في طمع برحمة الله، والإيمان بألوهية الله يجعلها متعلقة بالله وحده لا إله إلا هو، وإيمانها بربوبية الله يجعلها في حياء من الذي أطعمها وسقاها وكفاها وآواها؛ فتكون سائرة على طاعة ربها ورحمة خالقها.

    وهذا الإيمان يأتي بأسباب أعظمها: القرآن، أن تدمن المرأة التفكر والتدبر لآياته، والتأثر من زواجره وعظاته.

    السبب الثاني الذي يدعو إلى الانتكاسة -والعياذ بالله-: هن قرينات السوء، الداعيات إلى الردى، المانعات من سبيل الرضا، المثبطات عن طاعة الرب جل وعلا، صديقات سوء، كلامهن يقسي القلوب ويصرفها عن محبة علاَّم الغيوب ومرضاته، صديقات سوء غضب الله عز وجل من كلامهن فلم يقلن من الكلام ما يرضيه، فأصغت تلك المرأة وتساهلت في إصغائها فنفذت تلك الكلمات التي لا ترضي الله إلى قلبها، فحببتها في معصية الله، ودعتها إلى سخط الله والعياذ بالله، فما أشقاها من جليس كان عوناً على سبيل إبليس! وما أشقاها من امرأة لا تعرف حدود الله!

    فالله الله -يا أيتها المؤمنة- أن تتساهلي في صحبة الأشرار، إذا رأيت المرأة على طاعة الله فاجعليها مثالاً لك في سبيل الله ومرضاته، وإن رأيتها على معصية الله فكوني معها على حالين:

    الحالة الأولى: تذكير بالله.

    والحالة الثانية: إن لم تتذكر فصدود وإعراض عنها يرجى به رحمة الله.

    السبب الثالث من أسباب الانتكاسة: عين تمتعت بالحرام، وأذن أصغت إلى الفواحش والآثام، فقادت تلك العين القلب إلى معصية الله، وقاد ذلك السمع القلب إلى حدود الله، فالجوارح هي التي توجب الانتكاسة، وتوجب -والعياذ بالله- الارتكاس، كم من جارحة أصغى بها العبد فأوردته الردى، وصدته عن سبيل الهدى فعاش عذابها وبلاءها، فالمؤمنة التي ترجو الثبات على طاعة رب البريات تحفظ سمعها وبصرها ولسانها وفؤادها عن حدود الله ومحارمه.

    إذا أردتِ الثبات إلى الممات فأسكني قلبك ذكر الآخرة، والمصير إلى الله عز وجل في السفينة الماخرة، تذكري أن الأيام تنقضي، وأن الأعمار تنتهي، وأن الآجال توجب قطع الآمال، فما من امرأة تذكرت مصيرها إلى الله إلا ثبتت على طاعة الله ومحبته.

    ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يثبت قلوبنا على طاعته ومحبته، والله تعالى أعلم.

    ضرورة الصبر على الدعوة إلى الله

    السؤال: أنا فتاة أعيش في بيت فيه من أنواع الفساد الشيء الكثير، ولا يوجد من يساعدني على أن أسمو إلى ما وصلت إليه الصالحات، فكيف المخرج حفظك الله مع العلم أن كثيراً من الفتيات يعشن نفس ظروفي؟

    الجواب: أولاً: أهنئكِ بنعمة الله عز وجل عليك بالهداية، أهنئكِ بهذا القلب الذي وعى مع أنك في عيشة لا تعينه على الوعي، أهنئكِ على ذلك الفؤاد الذي تذلل لطاعة رب العباد فتبتِ وأنبتِ إلى الله، فهذه نعمة من الله أهنئكِ أولاً عليها.

    أما ثانياً: فإنني أدعوك بدعوة الله عز وجل؛ أدعوك أن تدعي من حولك إلى طاعة الله ومحبته، وإلى الجهاد والصبر في محبة رب العباد، حينما تحتسبين هداية تلك القلوب الحائرة التائهة، احتسبي بكلمة ترجى بها رحمة الله، ذكري بالله، وبصري به، واهدي إلى سبيله ورضوانه، ولا تيئسي! فكم من شابة كانت وحدها، هدى الله عز وجل بها أمة، وأرشد بها أمة.

    لذلك -أختي المسلمة- أدعوك أولاً إلى دعوتهن إلى طاعة الله ومرضاته، وأن تحتسبي عند الله عز وجل تذكيرهن بالله، وإياك والقنوط من رحمة الله أو اليأس من روح الله، لا تيئسي فلا بد لليل من فجر، ولا بد للظلام من أن ينجلي، وأقل ما تقومين به وهو كثير: أن تقيمي حجة الله على إماء الله، ذكري بالله، وانصحي فيه، وتقربي إليه بذلك اللسان، لا فض فوك من رحمة الرحمن.

    أختي المسلمة: احتسبي عند الله عز وجل إنقاذ أهلك من معصية الله ودلالتهن على مرضاته، وخذي بالأسباب التي تهيئ القلوب إلى طاعة رب الأرباب، إذا كان نصحك لهؤلاء النسوة أمام الملأ يوجب رد نصيحتك فخذيهن واحدة واحدة، وذكريهن منفردات، واغسلي قلوبهن بالآيات والعظات، وإذا كان هناك أسلوب ترغيبٍ يذكرهن أو ينفع في تذكيرهن فخذي بذلك الأسلوب، المهم أن تحتسبي أولاً دعوتهن إلى طاعة الله، وثانياً: أن تصبري في دعوتهن إلى طاعة الله ومرضاته، فكم من شابة كانت في البداية ولكن غنمت النهاية. وأسأل الله العظيم أن يثبت قلبك على الطاعة، وأن يجعلك من عباده المهتدين، وأن يجعلك هاديةً إلى سبيله ومرضاته، والله تعالى أعلم.

    الحذر من الاغترار بالطاعة

    السؤال: بعض الأخوات الطيبات والحريصات على الخير والملتزمات بكثير من تعاليم الإسلام إذا طلب منهن المزيد من الالتزام بتعاليم الإسلام يرفضن بحجة أن وضعهن أفضل من المتبرجات والمتسكعات في الأسواق، ومن العاكفات على الفيديو والمجلات، فما توجيه فضيلتكم لمثل هؤلاء الأخوات؟

    الجواب: المرأة المؤمنة الموقنة تنظر في طاعة الله عز وجل إلى من هو أعلى منها، ففي طاعة الله عز وجل ومرضاته تنظر إلى من هو أسبق منها إلى الطاعة، وأجد منها في مرضات الله ومحبته، وأكثر اجتهاداً، وعبادةً، وصلاحاً، وعند ذلك تغار على نفسها، ولا ترضى بالقليل لنفسها، لذلك أوصي هذه النماذج أن تنظر إلى من هو أعلى وأشرف وأسمى، أن تنظر المرأة إذا كانت على نوع من الصلاح إلى من هو أصلح منها، كم من امرأة صالحة كانت قليلة الصلاح؛ فلما نظرت إلى من هو أصلح منها شمرت في سبيل الفلاح فنافست وسابقت وفازت برحمة الله ورضوانه.

    ليست المرأة العاقلة تلك التي تقول: أنا خير من كثير، نعم إذا ذكرت نعمة الله فانظري إلى من هو دونك حتى تعظمي فضل الله عز وجل عليك، ولكن في الطاعة والمحبة والمرضاة، انظري إلى من هو أعلى منك مقاماً، وأكثر التزاماً، فإذا كانت المرأة في بداية الهداية نظرت إلى من هو أصلح منها، وأكمل هداية وولاية، إذا كانت تقتصر على صلاتها نظرت إلى المحافظة على السنن الراتبة، وإذا كانت محافظة على الصلاة والسنة الراتبة نظرت إلى قائمة الليل وصائمة النهار فنافست في محبة الواحد القهار، واحتسبت رضوان الله عز وجل في تلك المنافسة.

    فهذا هو حسد الغبطة، وهو التنافس المحمود الذي ندب إليه الواحد المعبود وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26] ومن المجرب إذا نظرت المرأة إلى من هو دونها في طاعة الله فإنها سرعان ما تغتر، والغرور من أسباب الانتكاس والعياذ بالله، فلا تنظري إلى من هو دونك في طاعة الله ومرضاته، ولكن انظري إلى الدامعة من خشية الله الباكية من عذابه، وانظري إلى قائمة الليل وصائمة النهار، وتشبهي بالكريمات فإن التشبه بهن فلاح وأي فلاح. والله تعالى أعلم.

    نصيحة في عدم تأخير الزواج لغير عذر

    السؤال: أمر خطير متفشٍ بين النساء وهو أنهن تجاوزن الثلاثين من أعمارهن ولا رغبة لهن في الزواج، إما بحجة أن الوقت ما زال مبكراً وتريد أخذ حريتها في الذهاب والإياب بدون ارتباط بزوج أو أولاد، أو بحجة عدم وجود رغبة لديهن بالزواج، فما رد فضيلتكم على هذه الحجج؟

    الجواب: المرأة المؤمنة حريصة على طاعة الله ومحبته ومرضاته، وهي قد سمعت عن نبيها المصطفى وحبيب ربها صلوات الله وسلامه عليه أنه ندبها إلى الزواج والتناكح والتناسل، فأحبت أن تكون سباقةً إلى ذلك ما دام أنها لم تكن مشغولة بما هو أعلى وأسما من ذلك، فنافست وسابقت وأخرجت للأمة رجالاً صالحين ونساءً صالحات.

    فنصيحتي إلى هذه المرأة المسلمة: أولاً: من يضمن لها البقاء إلى الزواج، ومن يضمن لها زوجاً صالحاً؛ فقد تتأخر المرأة المسلمة في زواجها عن هذا السن التي هي عز شبابها ونضرة بهجتها والرغبة فيها، فإذا ولت هذه السن انصرفت عنها الأنظار وساءتها -بإذن الله- الأقدار، وعندها تندم حين لا ينفع الندم، ترى من حولها النساء قد ولدن الرجال والنساء، قد ولدن الأبناء والبنات، وربينهم على محبة رب البريات، وأبقين للأمة الصالحين والصالحات، وهي تبقى بلوعتها وحسرتها.

    والمرأة أشد من الرجل، فإن الرجل قد يطلب الزواج مع التأخر، ولكن المرأة يتعذر زواجها عند التأخر غالباً، فاحتسبي عند الله أن تعفي عبداً لله، وأن تحصنيه بحصن الله، احتسبي عند الله ليالٍ ترجين بها رحمة الله إذ تسهرين على الأولاد، وتربيهم على محبة رب العباد.

    ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح منا ومنكن ما ظهر وما بطن، والله تعالى أعلم.

    واجب المرأة في حماية بيتها من وسائل الإعلام

    السؤال: لا يخفى عليكم خطورة وسائل الإعلام المقروءة، والمسموعة، والمرئية وما ننتظر من البث المباشر على البيت المسلم، وحيث إن المرأة عماد هذا البيت؛ فما هو الواجب عليها لحماية بيتها من خطورة هذه السموم؟

    الجواب: الواجب على المرأة المسلمة التي ترجو رحمة الله عز وجل أن تفر إلى الله، وأن تلوذ بالله بالبعد عن هذه الوسائل، نظراً لخبثها وعظيم ما اشتملت عليه من فتنتها، تفر إلى الله بعصمة نفسها عن السماع، وبعصمة بصرها عن النظر، وبعصمة لسانها عن المحاكاة والمشابهة، وأن تبقى على طاعة ربها حافظة لدينها، فرأس المال في هذه الدنيا هو الدين، عجبٌ والله أن يكون الزوج على استقامة لربه فتأتي تلك المرأة تأن عليه وتزن في طلب فتنة تفتن بها القلوب، في طلب تلك المحنة التي تصرف عن محبة علام الغيوب.

    إننا ننتظر منك أن تكوني خير معين للبعد عن هذه الوسائل التي لا تأتي بخير إلا ما شاء الله، فالله الله -أختي المسلمة- في سمعك .. الله الله في بصرك .. الله الله في لحظاتك وأنفاسك إذ تقضينها على حدود الله ومحارمه، فاتقي الله في أبنائك وبناتك فأنت قدوة لهن إن سهرت على معصية الله، كم من امرأة اقتدت بها ابنتها، وكم من امرأة اقتدى بها ابنها، فحملت وزره ووزرها والعياذ بالله وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [العنكبوت:13] فمتعي سمعك بطاعة الله، واحجزيه عن حدود الله، والله تعالى أعلم.

    أساس قبول الأعمال

    السؤال: ما نصيحة فضيلتكم لمن تعمل الأعمال الصالحة، وتبذل الجهد في الدعوة إلى الله ويشوب إخلاصها لله بعض الشوائب مثل: مضايقتها لبعض المخلصات في العمل معها، أو محاولة إبراز أعمالها للغير وحب الظهور والتسلط؟

    الجواب: أولاً: أوصي كل امرأة مؤمنة نذرت نفسها للدعوة إلى الله أن تكون مشعل خير حيثما كانت أو حلت.

    وأوصي بأمرين مهمين للداعية إلى الله: أمر بينها وبين الله، وأمر بينها وبين عباد الله:

    أما الأمر الذي بينها وبين الله: فإخلاص قلبها لله عز وجل، فتتكلم وتنطق لله، وترجو رحمة الله على نور وبصيرة من الله.

    إن هذه الكلمات التي تتفوهين بها ترجين بها رحمة الله عز وجل ورضوانه، ليست باليسيرة عند الله، إن اللحظة الواحدة وأنت تذكرين فيها بالله عز وجل لها ثمن عند الله غالٍ، ولها أجر عند الله عظيم لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [النساء:114].

    لذلك أختي المسلمة احتسبي عند الله كلامك الذي تذكرين به بالله، احتسبي به وجه الله، وارجي به ما عند الله، وإياك والالتفات إلى الأنظار، أو الالتفات إلى حظوظ الدنيا من الشهرة والسمعة، فهو متاع حائل وظل زائل، فاتقين الله عز وجل، فإن الدعوة إلى الله قد اختارها الله واختار أهلها للآخرة، فأهل الدعوة إلى الله هم أولياء الله وصفوته عز وجل من خلقه بعد أنبيائه والعلماء العاملين.

    احتسبي عند الله تلك الكلمات التي تذكرين بها، واحتسبي عند الله تلك الكلمات التي تتلفظين بها، فإذا بليت بالرياء أو بطلب السمعة فالله الله بتوبة نصوح، الله الله في إنابة إلى الله، بادري بالرجوع إلى الله ولا تقنطي من رحمة الله، وعودي علَّ الله عز وجل أن يتوب عليك، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.

    أما الوصية الثانية للداعيات إلى الله: فوصية بالتآلف، وبالتعاون والتكاتف، وبالمحبة والوفاء، وبالإيثار والإخاء.

    إن هذه الداعية التي تراها عينك عزيزة عند الله .. إن هذه الداعية التي تسامتها أقدامك عزيزة عند الله خطاها .. عزيزة عند الله كلماتها .. عزيزة عند الله دعوتها.

    إنها المرأة التي باعت وقتها لله وفي الله فأحبيها في الله، والله إنا لنسمع ببعض الصالحات الداعيات فنحتقر أنفسنا بجوار ما يبلغنا عنهن من الصلاح، والديانة، والاستقامة، والحرص على الدعوة، فكوني مُجِلَّة لهذه الداعية وأحبيها في الله، حينما تتذكرين تلك العدوة التي لا ترضى بك، ولا تحبك، ولا ترضى بالدنو منك ولا بحياتك، فالله الله في مُحِبَّة لكِ في الله، فإن حصلت منها الزلة وبدرت منها الهفوة فاغفريها لوجه الله، فقد وقع بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وقع ولكن بقيت الدعوة إلى الله وبقيت الهداية إلى سبيل الله ولم يغير ذلك من منهجهم في طاعة الله ومرضاته.

    ثم أوصي أخواتي الداعيات إذا حصلت أية نفرة بينهن أن يكون نقاشها في الخلوة، وأن يكون هادفاً، وأن يكون الجميع طالباً لرحمة الله.

    الله الله يا معشر الداعيات أن يشمت بالإسلام بسببكن، الله الله في هذا النزاع، وفي هذا الخلاف الذي لا يستفيد منه إلا أعداء الله، إن الله قرن الفشل والخيبة بالنزاع فقال: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] إذا لم تجتمع الداعيات إلى الله فكيف تقف الواحدة أمام النساء تذكرهن بالمحبة والوفاء؟ إذا لم تتألف قلوب الداعيات إلى الله فكيف تأتلف بهن القلوب على طاعة الله؟

    الله الله يا معشر الداعيات! لينسى كل خلاف بيننا، ولتنصب قلوبنا وقوالبنا على طاعة الله ومحبته، إننا والله نخشى أن نكون حجر عثرة في سبيل الله وطاعته.

    الله الله أن يؤتى الإسلام من قبلكن، فاحتسبن عند الله في الصبر على البلاء، واحتسبن عند الله في البعد عن النزاع والشقاق، ونسأل الله العظيم أن يجمع القلوب على محبته وأن يؤلف الأفئدة على مرضاته، والله تعالى أعلم.

    حكم ترتيل المرأة القرآن بصوت حسن أمام معلمها

    السؤال: كثير من الدارسات في هذه الدورة في الفصول الدراسية عند تلاوة القرآن يقمن بتنغيم الصوت والتغني عند تلاوة القرآن، فهل هذا الترتيل جائز عندما نُسمعه شيوخنا الكرام، أرجو توضيح ذلك للكثيرات وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هذا السؤال يتضمن مسألتين:

    المسألة الأولى: في مشروعية الترتيل.

    والمسألة الثانية: في مشروعية سماع الرجل الأجنبي لصوت المرأة التي يعلمها.

    أما المسألة الأولى: وهي مشروعية ترتيل القرآن، فإن الألحان، وحسن التغني بكتاب الله، وحسن الترتيل لآيات الله محبوب عند الله عز وجل، ومحبوب عند نبي الله وعباد الله، فإذا خرج كتاب الله من فم معطر بتلك التلاوة التي تعطي الحروف حقوقها، وتعطي آيات القرآن صفاتها فإنها التلاوة المحبوبة وهي التلاوة المطلوبة، ولذلك أذن النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة بذلك وقال لـأبي موسى الأشعري: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود) فكان ذلك ثناءً، وكان ذلك إقراراً فدل على محبة الترتيل.

    ولكن يشترط في جواز هذا الترتيل وجواز هذا اللحن أن يكون بدون تكلف يخرج الحروف عن أوصافها أو تجاوز المرأة المرتلة حدود التجويد وضوابطه، ولذلك قال القائل:

    اقرأ بلحن العرب إن تُجـوِّدِ وأجز الألحان إن لم تعتد

    فالضابط عند أهل العلم في جواز الترتيل وحسن النغمة ألا يجاوز القارئ الحد المعروف والمطلوب والمألوف، فإذا جاوزه إلى التمطيط والتغني الخارج عن الحد السوي فإنه محرم، فإذا جاوز هذا الحد الذي ذكرناه وكان الترتيل المذكور من جنسه فينبغي تركه والبعد عنه، أما إذا كان في الحدود المعتبرة شرعاً وكان وفق قواعد الشرع فهو محمود وغير مردود وصاحبته مأجورة غير مأزورة إن شاء الله.

    المسألة الثانية: في جواز سماع الرجل الأجنبي قراءة المرأة.

    يجوز له أن يسمعها عند الحاجة كالحال في سماع المعلم من المرأة التي يعلمها ونحو ذلك فهذا لا حرج فيه، ولا وزر فيه بشرط ألا يوجب فتنة السامع، فإن خاف السامع من الفتنة فإنه ينبغي له أن يسعى في نجاة نفسه ولا يهلك نفسه وينجي غيره، والله تعالى أعلم.

    1.   

    وصية بالإنفاق في سبيل الله

    هذه وصية من الإخوان للحث على الإنفاق في سبيل الله وطاعته عز وجل.

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أوصيكن أخواتي المسلمات بإنفاق المال في طاعة الله ومحبته، فهذه أبواب الخير لكُنَّ قد فتحت، وهذه سبل الطاعة والرضوان لكن قد مهدت، هذا مجال خير ينتظر يداً لا شلت تلك اليد، باذلة لوجه الله معطية ابتغاء رضوان الله، ولقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقف على النساء فقال: (تصدقن يا معشر النساء فإنكن أكثر حطب جهنم، فأمرهن بالصدقة، فجعلن يهوين ويلقين من حليهن وأقراطهن).

    فلذلك أوصي كما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفقة تحتسبينها ومال ترجينه عند لقاء الله عز وجل، احتسبي عند الله عز وجل النفقة، فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار).

    قد تبذلين مالاً يغفر الله عز وجل به ذنوب عمر مضت منك، وقد تبذلين مالاً يصرف الله عز وجل عنك به ميتة السوء، وخاتمة السوء، فاحتسبي عند الله يا أمة الله في معونة الحفَّاظ ومن يعين على تحفيظ كتاب الله، احتسبي عند الله عز وجل هذا الباب من الخير الذي يقصد به إحياء مدارس القرآن، هذا الكتاب الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، فشرح لنا به الصدور، وأنقذنا به من مزالق الهوى والردى والشرور، فاحتسبي عند الله عز وجل ببذل ما تستطيعين من المال، كم من امرأة بذلت ما في جيبها رضي الله عز وجل عن بذلها، فالله الله في احتساب الأجر عند الله.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007982506

    عدد مرات الحفظ

    720863362