إسلام ويب

وصية للوالدينللشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للأبناء على الوالدين حقوق أوصى بها الشارع الحكيم، فهما مسئولان عن تربيتهم وتنشئتهم، وكذلك عن تصرفاتهم وأخلاقهم، وغير ذلك من الأمور المناطة بالوالدين. وإذا قصَّر الوالدان في حقوق الأولاد، فقد يكون ذلك التقصير سبباً في عقوق الأولاد آباءهم وأمهاتهم، فينبغي للآباء والأمهات إعطاء الأولاد حقوقهم التي أمر الشارع بها؛ حتى يكون النشء طيباً كريماً يؤدي واجباته وحقوقه في إطار المجتمع المسلم.

    1.   

    وصية للآباء والأمهات

    الحمد لله الحليم الغفور يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ [الشورى:49].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تنفع قائلها يوم البعث والنشور، يوم يُبَعْثَر ما في القبور، ويُحَصَّل ما في الصدور إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ [العاديات:11] وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المبعوث بالهدى والنور، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا في الحق نِعْم الشموس ونعم البدور، وعلى جميع من سار على نهجهم إلى يوم الهول والبعث والنشور.

    أما بعد:

    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    إخواني في الله: هذه وصيةٌ إلى والدَين؛ إلى أبوَين حليمَين كريمَين.

    إلى أبٍ يخاف الله ويتقيه، ويعلم أنه مسئول بين يديه وملاقيه.

    وإلى أمٍ تخاف ربها، وترعى صغيرها، وتكرم بعلها.

    إلى أم صالحة مصلحة، هادية مهدية، ما أمست ولا أصبحت إلا هدت ودلت وأرشدت!

    وصيةٌ إلى الوالدَين.

    إلى القلبَين الغافلَين النائمَين السادرَين.

    إلى من أضاع حقوق الأبناء والبنات، وترك لهم الحبل على الغارب في الملهيات والمغريات.

    إلى من ترك القلوب البريئة ترتع في المعاصي والشهوات، فذاقت جحيم المعاصي والمنكرات، ورتعت في الحدود والمحرمات، وبُليت بجحيم المسكرات والمخدرات.

    إلى من أضاع حقوقها، ولم يرحم صغيرها، ولم يكرم كبيرها.

    إلى من أبكى الصغير، وأهان الكبير.

    إلى من حَمَّل الأبناء والبنات العناء، وخلَّفهم وراء ظهره في تضرع واستكانة وبكاء.

    إلى من لا يخاف الله ولا يتقيه، ولا يعلم أنه ملاقيه.

    إلى تلك القلوب القاسية.

    إلى تلك النفوس الظالمة الناسية.

    إلى من أضاع حقوق الأبناء والبنات، فتركهم يرتعون في الملهيات والمغريات، وحَمَل بين يدي الله المسئوليات والتبِعات، يوم ينصب للآخرة موازينها، وينشر لها دواوينها، يوم يجادلُ الأمَّ رضيعُها، يوم يجادل الأمَّ جنينُها!

    وصيةٌ للآباء والأمهات عن حقوق الأبناء والبنات، وهل قامت بيوت المسلمين إلا على رعاية الحقوق والذمة والدين؟! وهل قامت بيوت المسلمين إلا على التنشئة الصالحة التي ترضي الله رب العالمين؟!

    وصيةٌ بحقوق الأبناء والبنات، قبل أن يَدْهَمَ الممات، وقبل أن يصير العبد إلى الرفات، وقبل أن يحمل بين يدي الله المسئوليات والتبِعات!

    ألا وإن من أجلِّ الوصايا، وأعظم الحقوق التي تُدفع بها الهموم والغموم والرزايا: أن تعلم أن الله أنْعَمَ وتَفَضَّلَ عليك بالولد وتَكَرَّم، فكان من أحق الحقوق عليك أن تشكره ولا تكفره، وألاَّ تنساه وأن تذكره، وأن تَحْمَدَ نعمة الله ومنته إذ متع عينيك، وجمَّل الولد في ناظرَيك يوم صاحت صيحتُه، يوم رأيتَه بشراً سوياً يدب على وجه الأرض مرضياً.

    أيها الأحبة في الله: إن من آكد الحقوق والواجبات وأعظم الأمانات والمسئوليات التي يحملها الآباء، وتحملها الأمهات عن الأبناء والبنات: تنشئتهم على حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: لا خير في الأبناء ولا في البنات، ولا خير في الأولاد ولا في الأحفاد إلا إذا أقمتَهم على محبة الله رب العباد، فلن تجني منهم مالاً ولا حالاً، لن تجني منهم إلا صلاحاً يرضي الله عنهم، أقِمْهم على محبة الله ومرضاتهِ، عوِّدهم على العبودية والطاعة، ومرهم بالصلاة والزكاة، ونشِّئهم على خوف الله وتقواه؛ فإن ذلك من أعظم ما تثقَّل به الموازين، وتبيَّض به الصحائف والدواوين.

    1.   

    حقوق الأبناء على الآباء والأمهات

    ألا وإن للأولاد على الآباء والأمهات حقوقاً:

    حسن الاختيار لبعضهما

    أول هذه الحقوق: أن يُحْسِن الأبُ وتُحْسِن الأمُّ الاختيار :-

    إن للولد عليكما -أيها الوالدان- حقاً عظيماً:

    أن تختار -أيها الأب- أمَّه ذات الدين الكريمة الأمينة التي تخاف الله وتتقيه، وتعلم علم اليقين أن العبد ملاقيه.

    أن تختار له أمَّاً كريمة، لا خَبَّةً ولا لئيمة؛ تختارها لا لجمالها، ولا لمالها، ولا لحسبها، ولا لنسبها؛ ولكن لطاعةِ اللهِ ربِّها.

    أن تختار للولد تلك اليد الأمينة التي إن غِبْتَ عنها حفظتك، وإن نظرتَ إليها سرَّتك، وإن أمرتها أطاعتك.

    أن تختار الصالحة المصلحة، الهادية المهدية، التي تسير على السيرة المرضية.

    وأن تختاري -أيتها الأمُّ- لابنكِ ذلك الأبَ الكريم، فاختاريه دَيِّناً، لا صعباً ولا ليناً، واختاريه عبداً مطيعاً مستجيباً لله سميعاً، واختاريه على حب الله وغشيان مراضيه.

    فإذا اختارت الأم بعلها، واختار الزوج زوجته، فإن الله سائلهما.

    فأول حقوق الولد عليك -أيها الأب-: أن تحسن الاختيار لأمه، فكم من أم نشَّأت وربَّت وأصلحت لَمَّا أحسن البَعْل اختيارها! وكم من أم أفسدت وأشقت وأضلت حينما أساء الزوج اختيارها!

    فالله.. الله.. في اختيار الأزواج والزوجات.

    إن اختيار الآباء والأمهات مسئولية عظيمة على الأزواج والزوجات؛ فليتق العبد بارئه، وليعلم أنه ملاقيه وسائله عن اختياره لزوجه وولده.

    الدعاء له بالصلاح

    الوصية الثانية: إذا أنعم الله عليكَ بالولد، وصاح صيحته فاحمَد الله جل جلاله، واشكره على نعمه وآلائه:-

    إذ متع الله ناظريك؛ وأخْرَجَ لك بشراً سوياً، فاضرع إلى الله بصالح الدعوات، وصادق المناجاة والابتهالات، أن يجعله عبداً مطيعاً، وقل: ربِّ أسألك ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران:38].

    فلقد ابتهل المتقون، ونادى العباد الصالحون إلهَ الكون أن يرزقهم الذرية الطيبة، فذكر الله عن نبيٍّ من أنبيائه، وحبيبٍ من أحبابه وأصفيائه أنـه سألـه الولـد الصـالح: قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران:38].

    فسَلِ اللهَ خيرَ الولد، فكم من ولدٍ أنعم الله به الوالدين! وكم من ولدٍ أشقى الله به الوالدين!

    فاسأل الله خيرَه، واستعذ به من شره، واسأله أن يكون نعم الخليفة لك على طاعة الله ومحبته، كما قال الله عن حبيبه: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم:6].

    تنشئتهم تنشئة صحيحة والقيام على حقوقهم وواجباتهم

    أحبتي في الله: الوصية الثالثة: تنشئة الأبناء، والقيام على حقوقهم وواجباتهم على الوجه الذي يرضي الله.

    إن للأولاد على الآباء والأمهات حقوقاً، فالله سائل الآباء والأمهات عن حقوق الأبناء والبنات.

    فعلى الأم حق عظيم: أن تربي الابن بعد أن أنعم الله عليها بوجوده، وأن تطعمه، وتسقيه، وتتفقَّده في حوائجه حتى يبلغ السن التي يعي فيها أوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    أيتها الأم المؤمنة: إن الله يسألكِ عن هذا الابن عن طعامه وشرابه، وسقائه ودوائه وكسائه، حتى إن الأم لو فرَّطت في طعام صبيها وتأخرت، فالله سائلها يوم القيامة: لِمَ ضيعت؟

    وأن تعلم الأم أن هذا الجنين وأن هذا الرضيع سيكون لها خصماً بين يدي الله عز وجل حتى عن طعامه وشرابه، وحتى عن الإناء لو فرطت وتساهلت فيه فتسبَّب في سقمه ومرضه، أو تسبب في وفاته وموته، فحملت بين يدي الله إثماً.

    فينبغي على المؤمنة أن تعلم أن الله حمَّلها أمانة عظيمة، فكما أنها مطالبة بالتنشئة على الدِّين، كذلك هي مطالبة بأداء حقوق الدنيا على الوجه الذي يرضي الله، يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يَطْعَم معك) فكان هذا من كبائر الذنوب، وقد عرض الله مشاهدَ الآخرة، فأخبر عن الشمس إذا كورت، وعن الموءودة أنها تُسأل لماذا قُتِلَت؟! وبأي ذنب وُئِدَت؟!

    فينبغي على الأم الصالحة أن تعلم أن الله يسألها عن طعام صبيها وشرابه، إنَّ تساهُل الأمهات عن الصراخ والصيحات من تلك النفوس البريئات، يوم جاعت وظمئت وهنَّ مشتغلات بفضول الحديث والترهات، كل ذلك مسئولة عنه بين يدي الله فاطر الأرض والسماوات.

    وأن تحفظ للصبي طعامه، وسقاءه وشرابه، وكساءه، ودواءه.

    وأن تترسم في ذلك حب الله ومرضاته، فترفع الكف لسقائه، وترفع الكف لطعامه، وتحتسب الأجر عند الله، قال صلى الله عليه وسلم يبين لنا عظيم الأجور عند الله لنا: (حتى اللقمة يضعها الرجل في فيّ امرأته يكون له بها أجر).

    فاتقي الله في هذا الطفل الضعيف، فإنها ذرية ضعيفة، ولقد وصفها الله جل وعلا بالضعف حتى تعطف عليها قلوب المؤمنين والمؤمنات.

    بذل الحنان والمودة لهم

    ألا وإن من حقوقهم في التربية: بذل الحنان، والمودة، والإحسان :-

    فـإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195] أحسني -أيتها الأم- إلى ذلك الصبي، وأنعمي عينَه بكلمة طيبة، وحنانٍ وبِر، وأدخلي السرور عليه، فمن سرَّه سرَّه الله يوم المساءة، فأنعمي عينه بالإحسان لا بالإساءة.

    تعليمهم الصلاة

    ألا وإن من حقوق الأبناء والبنات إذا بلغوا وَعْيَ الخطاب عن الله جل وعلا أن يؤمروا بالصلاة :-

    قال صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) إذا بلغ الصبي سبع سنين، فأمُرْه -أيها الأب- بالصلاة، وطاعة الله رب العالمين؛ فذلك من حقوق الله في البنات والبنين.

    مُرْهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم بالاستجابة لله جل في علاه، وخذهم إلى المساجد، وتَرْجِم ذلك الأمر بالعمل، فكن أسبقهم إلى تلك الطاعة بكل خوفٍ من الله ووجل.

    فادعُ الأبناء والبنات إلى الصلاة وكن لهم القدوة الصالحة في ذلك، فحينما تأمرهم بطاعة الله أتْبِعِ القولَ العمل؛ فإن الله يمقت مَن خالف قولُه عملَه.

    فإياك ثم إياك وإضاعة الصلاة، وإضاعة الحقوق والزكاة! فإن ذلك من أعظم المسئولية بين يدي الله، فلقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (أن أول ما يُنْظَر من أمر العبد: الصلاة، فإن صلحت نُظِر في سائر عمله، وإن فسدت وضيَّعها فهو لِمَا سواها أضيع).

    فطوبى لمن رَبَّى على هذا الحق العظيم، ونشَّأ الأبناء والبنات على المحافظة على الصلاة لله رب العالمين.

    مُرْهم بالصلاة في أول أوقاتها بشرائطها،وبيِّن لهم أركانها، وبيِّن لهم أحكامها، فوالله ما من صبي ولا صبية علمته شيئاً من كتاب الله أو الطهارة للطاعة والصلاة إلا أُجِرْتَ على ذلك، ولو علَّمته الوضوء فوالله ما أصاب ذلك العضو ماءٌ من الوضوء إلا أُجِرْتَ عليه الدهر كله، ولا علَّمته كتاب الله ولا الفاتحة يقرؤها في الصلاة فلَفَظَها لسانه إلا أُجِرْتَ مثل أجره من الله.

    فأنْعَمْ بذلك عيناً حينما يَعْظُمُ أجرك بأمرهم بطاعة الله ومحبته.

    أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتنشئتهم على ذلك

    ألا وإن من الحقوق والواجبات التي تجب على الآباء والأمهات تجاه الأبناء والبنات: تنشئتهم على رعاية حدود الله، والبعد عن الفواحش والمنكرات :-

    إن قلوب الأبناء والبنات قلوب بريئة، ينبغي أن تُغَذَّى بخوف الله وخشيته، حتى يكون العبد أعف ما يكون عن حدود الله ومحارمه.

    عوِّدهم -أيها الأب- على العفة والحياء، والخوف من الله فاطر الأرض والسماء.

    عوِّدهم على البعد عن الفواحش والمنكرات، وعلى العفة عن المعاصي والسيئات، فإن ذلك من أعظم وأجلِّ القُرُبات يوم تخلِّف وراء ظهرك ابْناً يخاف حدود الله ومحارمه.

    واعلم أنك لا تفتح على الابن والبنت باب شهوة أو باب فتنة إلا حُمِّلْتَ وزرها بين يدي الله، واللهِ ما من ساعة ولا لحظة تَمَتَّع فيها الأبناء والبنات بملهيات أو مغريات إلا حُمِّلْتَ بين يدي الله ذنوبَها، وعُرضْتَ بين يدي الله بأوزارها.

    فاتقِ الله عز وجل في تلك القلوب البريئة، خاصةً قلوب الصغار التي هي أوعى ما تكون للخير والشر، اتقِ الله في تلك القلوب البريئة أن تفتح عليها أبواب الملهيات والمغريات، فتجتالهم عن طاعة الله ومرضاته، فتكون بذلك قد فتحت لهم سبيل الحرب والعدوان على حدود الله ومعاصيه، اتقِ الله في كلِّ ما تجلبه، وكلِّ ما تُمَكِّن منه الأبناء والبنات، فإن الله سائلك ومحاسبك عن كل ما تسبَّبْتَه فيما يجلب عليهم من السوء والشر في دينهم ودنياهم وآخرتهم.

    تربيتهم على أداء الحقوق والواجبات

    ألا وإن من حقوق الأبناء والبنات: تعويدهم وتربيتهم وتنشئتهم على أداء الحقوق والواجبات :-

    عوِّدهم -أيها الأب- على صلة الأرحام، عوِّدهم على صلة الأعمام والعمات والأخوال والخالات، وخذهم إلى ذلك، فإنه من أجلِّ الطاعات والقُرُبات، فما ربيتَ صبياً على صلة القرابة إلا كَتَب الله لك أجره، فلا رَفَع قدماً يَصِلها، ولا تكلم بكلمة يبرها إلا أُجِرْتَ عليها.

    عوِّدهم على خصال الخير، وطاعة الله، والبر: مِن إفشاء السلام، وإطعام الطعام، وغير ذلك من موجبات دار السلام.

    عوِّدهم على الخصال الكريمة حينما تنشئهم على توقير الصغير وإجلال الكبير، فليس منا من لم يوقر كبيرنا، ولم يرحم صغيرنا، قال صلى الله عليه وسلم: (ليس منا -أي: ليس على هدينا ولا على شريعتنا الكاملة- مَن لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا).

    عوِّدهم على حب المساكين، والإحسان إلى الأيتام والأرامل والمحتاجين، فوالله ما مَدَّ كفاً يحسن إليهم بها إلا أُجِرْت عليها، وكان لك مثل أجرها.

    عوِّدهم على الخيرات، وحسن الظن بالمسلمين والمسلمات، فإن ذلك من أجلِّ القربات والطاعات، فلا يَسْمع الصبي منك كلمة تغتاب بها مسلماً، أو تنتهك بها عرض مسلم؛ فإن الله يسألك عن تلك القدوة السيئة إذ تَبِعَك في ذلك مما لا يرضي الله جل جلاله.

    ردعهم عن حدود الله

    ألا وإن من أجلِّ الحقوق والواجبات التي تجب على الآباء والأمهات: ردعهم عن حدود الله والفواحش والمنكرات :-

    يوم أن يزل الابن، وتزل البنت في كلامها أو مشيها أو سلوكها، فإن الله سائلك -أيها الأب- عن حقها، فأقم حق الله عليها.

    إن بيوت المسلمين لا تقوم على الاستهتار والاستخفاف بحدود الله الواحد القهار، فهي تحتاج أباً يحفظ حدود الله، ويردع من يجاوزها إلى محارم الله.

    فخذهم -أيها الأب- بما أمر الله حينما تردعهم عن حدود الله ومحارمه، وإياك والعواطف التي تمنعك من أن تقول كلمة الحق لهم، إياك -والعواطف- أن تحول بينك وبين أمرهم بما أمر الله، ونهيهم عما نهى الله.

    العفو عن التقصير وذلك في حدود

    ألا وإن من الحقوق والواجبات على الآباء والأمهات، ومن الوصايا للوالدين: أنه إذا قصر الأبناء والبنات أن يعفوا ويصفحوا؛ فإن الله جل جلاله قد وصَّى من فوق سبع سماواتٍ بالعفو والصفح عن الأبناء والبنات.

    إن لهم الزلة والهفوة والخطيئة؛ فطوبى لمن قابل الإساءة بالإحسان، وطوبى لمن قابل السيئة بالعفو والغفران؛ فإن الله وعد على ذلك بالأجر العظيم، والثواب الكريم، ما لم يكن عفوك حاملاً لهم على الجرأة في حدود الله ومحارمه.

    كن ليناً بدون ضعف، وشديداً بدون عنف، ربِّهم على طاعة الله ومحبته، فإن أساءوا وظلموا واحتَمَلَتِ الإساءةُ العفوَ فاشْتَرِ رحمة الله بالعفو عنهم، فهم أحق الناس بعفوك، وهم أحق الناس بحِلمك ورحمتك، يوم ينظر إليك الصبي وتنظر إليك الصبية بعطف الحنان، ينتظران منك الصفح والغفران؛ فبادرهما بذلك؛ فإنه مما يثقُل به الميزان؛ فإن الله يرحم من يرحم عباده.

    وإياك والسطوات، والشدة على الأبناء والبنات، فلأن دعتك قدرتك على الإساءة إليهم، فإن الله قادر عليك يوم تظلمهم.

    اعلم أن عافيتك من الله، وأن حولك وقوتك بين يدي الله، فالله.. الله.. في زلات لسانك، والله.. الله.. في زلات جوارحك وأركانك يوم تُرْسِل لليد عنانَها، فتضرب الصبي والصبية دون خوف من الله أو مراعاة للحقوق الشرعية؛ فإن الله يسألك عن ضربهم.

    ولئن كفَأَتِ الأمُّ صبيَّها فرَبَّتَتْ على ظهره، فإن الله يسألها يوم القيامة عن تربيتها؛ فاتقِ الله في الأبناء والبنات، إن ضعفهم لا يدعوك إلى القوة عليهم، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه أمراً من أموره، ويبث إليه حزناً وشجناً من أحزانه وأشجانه فقال: (يا رسول الله! إن لي أرقاء أو لي موالي آمرهم فيعصونني؛ فأضربهم وأشتمهم وألعنهم، فما تأمرني فيهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة نُظِر في أمرك لهم وعصيانهم لك، ثم أُخِذْتَ بذلك، فتولَّى الرجل يبكي وقال: أشهدك أنهم أحرار لله جل جلاله).

    فالله.. الله.. في الأبناء والبنات!

    إن الله يسألك عن ضربهم، إن الله يسألك عن دموعهم وعبراتهم، إن الله يسألك عن إهانتهم.

    إن الله يسألك يوم يُنْشر لك الديوان بزلات اللسان، وبتلك الكلمات الجارحات، والعبارات المؤذيات القاسيات؛ يوم أطلقتها، ويوم لفظتَ بها فلم تعبأ بها، ولم تراقب الله عز وجل يوم لفظتَها.

    فاتقِ الله في ضعفهم، وخذهم بالمودة والإحسان، وكن حبيباً مهاباً، ولا تكن فظاً غليظاً، فإن العبد إذا عامل الناسَ بالإحسان، وقابل الإساءة بالغفران، فإن الله يصفح عنه، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.

    1.   

    وصايا متفرقة للوالدين

    وصيةٌ إلى الوالدين يوم يَكْفُرُ الأبناءُ والبنات الفضائلَ، ويوم يقف الأب عند المشيب والكِبَر ينتظر من الابن البر والإحسان؛ فإذا به يفاجأ بالتمرد والعصيان.

    وصيةٌ إلى الوالدين يوم وقفت الأم عند مشيبها وضعفها وكِبَرها تنتظر بر ابنتها، فخابت الظنون، وتغيرت الأحوال، وسبحان الله إله الكون!

    إذا وقفتَ هذه المواقف فاعلم أن الله هو الذي يأجرك، وأن الله هو الذي يعوض خيرك وبرك، واعلم أن ما كان منك من حسنات؛ فإنه لا يضيع عند الله فاطر الأرض والسماوات، فاحتسب الأجر عند الله يوم تجدهم كُفَّاراً للجميل .. يوم تجدهم كُفَّاراً للنعمة والفضل، واسألِ الله أن يجبر كَسْرَك، وأن يُعْظِم أجرك، وإياك وزلات اللسان التي تُذْهِبُ بها ما سَطَّرْتَ من الخير والأجور والإحسان.

    وصيةٌ للوالدين إذا فُجع الأب وفُجعت الأم بتلك الفواجع، يوم يُقْرَع العبد بتلك القوارع، فإن الحياة فانية، وهي ذاهبة زائلة، فإذا ربَّى الأب ابنه والأم ابنتها، وجاءت عند مشيبها وكِبَرها بعد أن متع الله ناظرَيها ومتع سمعَيها بسماع تلك الصيحات، إذا بها تفاجأ بابنتها في عداد الأموات ، وقد صارت إلى رفات.

    وصيةٌ إذا نَزَلت الفواجع، وقرعت تلك القوارع أن يقول العبد ما يرضي الله، وأن يحتسب الثواب عند الله، فكلنا إلى الله صائرون، وكلنا إليه منقلبون، والله جل جلاله منه الخلف وفيه العوض من كل فائت.

    فاحتسبي -أيتها الأم- المصاب، وارجي من الله حسن العاقبة وحسن الثواب، واحتسبي عند الله أجرها يوم فُجِعتِ بتلك المصيبة التي سمعتِها؛ فإن في الجنة بيت الحمد لمن صبر على المصاب، واسترجع وأناب، ومن الله حُسْن الأجر والثواب.

    وصيةٌ إلى الوالدين في خضم هذه الفتن والمحن بالمحافظة على الأبناء والبنات، وعدم الغفلة عنهم بكثرة الخروج والزيارات، فإن كثيراً من الأمهات قد أغفلن حقوق الأبناء والبنات، وأصبحت الأم لا تحفظ صغيرها، ولا ترعى طفلها، فهي كثيرة الخروج والولوج، وأصبح الأب غائباً في تجارته، وفي شئونه وأعماله، حتى ضاع أبناء المسلمين، وحرموا الخير مِن فَقد الرعاية من الآباء والأمهات.

    فاتقِ الله عز وجل -أيها الأب- في أبنائك وبناتك.

    إن حقوق الأبناء والبنات مقدمة على الأموال والتجارات.

    إن حقوق الأبناء والبنات مقدمة على الزيارات والمناسبات.

    إن حقوق الأبناء والبنات مقدمة على جميع ذلك؛ لأنها من الفرائض والواجبات.

    ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل ما وهب من نعمة الولد عَوناً على طاعته ومحبته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وآخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10].وصلى الله وسلم وبارك على نبيه، وآله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    ضرورة المداومة على نصح الوالدين بالحكمة واللين

    السؤال: يا شيخ! إننا نحبك في الله؛ أنا شاب لي والدان لا يصليان، وقد دعوتهما كثيراً؛ ولكن والدي ربما يستجيب أحياناً، أما والدتي فلا تصلي، وتخرج متبرجة متعطرة، ونصحتُها كثيراً؛ ولكن بدون جدوى، فماذا أفعل؟ أفتونا مأجورين!

    الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فأحبَّك الله الذي أحببتني من أجله، وأُشْهِدُ الله العظيم رب العرش الكريم على حبكم جميعاً في الله، وأسأل الله العظيم أن يجمعنا بهذا الحب في دار كرامته.

    أما ما سألتَ عنه -أخي في الله- من كون الوالدين لا يصليان والعياذ بالله، فذلك ذنبٌ عظيم، وإثم كبير، فاستَدِم على نصحهما وتذكيرهما بطاعة الله ربهما، ولا تيئس ولا تعجز، وأسألُ الله أن يفتح لك قلبيهما؛ فإن من أعظم الحقوق للوالدين على الولد أن يأمرهم بطاعة الله، وأن ينهاهم عن معاصي الله وحدوده، فاستَدِم على أمرِهم بذلك، وحُثَّهم على ذلك، ولا تيئس، والله يأجرك.

    والله تعالى أعلم.

    أساس التوفيق والسداد

    السؤال: فضيلة الشيخ! هناك رجل يسكن بعيداً عن والديه أي: أنه في بلدٍ ووالدَيه في بلد أخرى، ولم يزرهم منذ ثمان سنوات، علماً بأن هذا الغياب كان لظروفه الخاصة، حيث إنه يريد تكوين نفسه وجمع بعض المال، ومن ثَمَّ السفر إلى بلده ليعيش هناك، ويبني مستقبلاً أفضل كما يقول، فما هي نصيحتك له يا شيخ، علماً بأن والده قد توفي؟

    الجواب: لا حول ولا قوة إلا بالله! عَظَّم الله أجرك في هذا العقوق، وهذا القلب القاسي الذي لا يتقي الله في الوالدين، ثمان سنوات تحرم والديك رؤيتك؟! أما تتقي الله جل جلاله؟! وأي مستقبل ترجوه؟! وأي مستقبل تؤمِّله؛ لو أن الله عز وجل غضب عليك ومَقَتَك بسبب والديك؟! المستقبلُ الذي تنتظره مفاتيحُه البر، ومن أعظم أسباب نجاحك وفلاحك بر الوالدين، ومَن بر والديه كفاه الله همَّ دِينه ودنياه وآخرته، فكم مِن ابن أصبح وأمسى ووالداه راضيان عنه! قد رَفَعَا له أَكُفَّ الدعاء بأدعية لن تُرَدَّ من عند الله جل جلاله، فحاز سعادتي الدنيا والآخرة! أي مصيبة أعظم إذا فتنتك الدنيا وألهتك عن هذا الحق العظيم؟!

    أما ما ذكرتَه من كونك تغربتَ للأموال وللمستقبل الذي تزعمه فليس ذلك عذراً في الانقطاع عن الوالدين إلا إذا أذِنا، وإذا أذِنا فابكِ بكاءً حاراً من قلبك على فَقد رؤية الوالدين، ابكِ على ذنب حرمك الله بسببه أن تكون بجوار والديك، ولو كنتَ في وظيفة، أو في عمل؛ فإن هذا ابتلاءٌ من الله جل وعلا.

    إن من أجل نعم الله أن يوفَّق العبد إلى القرب من الوالد والوالدة، فابكِ على ذنب حال بينك وبين هذا الباب من أبواب الجنة.

    هذه الوصية الأولى.

    أما الوصية الثانية: فأوصيك من الليلة أن تفكر في طريق الرجوع إلى الوالدَين، وكفى ما مضى، وأقبِل على والدتك وأدخِل السرور عليها، واسأل الله أن يتجاوز عما كان منك من التقصير في حق أبيك؛ وليكن رجوعك عن هذا الذنب العظيم أن تكثر له من الدعوات، وأن تسأل الله عز وجل أن يسبغ عليه شآبيب الرحمات.

    أدرك بر والديك بالرجوع إلى والدتك، وكفى ما مضى من الأمور التي كنت فيها، وما كان من الخير الذي أصبته من الدنيا ففيه الخير، فعُد إلى أهلك وأنْعِم عينيك ببر والدتك، قال: (يا رسول الله! أقبلت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد، فقال صلى الله عليه وسلم: أَحَيَّةٌ أمُّك؟ قال: نعم، قال: فالزم رِجْلها، فإن الجنة ثَمَّ) فالزم رِجْل والدتك، وعُدْ إلى والدتك، واسألها أن تعفو عما كان منك من غابر الزمن.

    والله تعالى أعلم.

    حكم طاعة الوالدين في معصية الله

    السؤال: إن والدي يطلب مني أحياناً أن أشتري له أمراً محرماً مثل الدخان، ويقول لي: إن لم تشترِ الدخان فأنت مطرود من البيت، فماذا أفعل؟ هل أشتري له هذا وأطيعه أم أعصيه وأُطْرَد من البيت؟

    وآخر يقول: والدي يطلب مني بعض الأحيان أن أذهب بالأهل إلى أماكن تكثر فيها المنكرات، فهل أطيعه؟ أرشدني يرحمك الله؟

    الجواب: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، إذا أمر الوالد ولده بمعصية الله جل وعلا؛ فينبغي على الولد أن يذكِّر والده بالله جل وعلا، وأن تَخرج النصيحة من قلبه لذلك الأب، فيقول له: لا أستطيع أن أعصي الله جل جلاله، وليحاول معه المرة تلو المرة.

    وأنا لا أستطيع أن أفتيك بطاعة المخلوق في معصية الخالق، فليس عندي من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يبيح لي أن آذن لك أن تفعل المحرم، وأحْمِلُ وزره بين يدي الله.

    فأوصيك أن تذكِّر والدك بالله جل جلاله، ولا أزيد على ذلك، ولا أُنْقِص منه.

    والله تعالى أعلم.

    حكم طاعة الوالدين عند إساءتهما للولد

    السؤال: شاب يقول: إن والده يقسو عليه، وهذا الشاب لا يستطيع أن يليِّن الكلام مع والده بسبب سوء المعاملة، فما السبيل إلى برِّ الوالدين ولِيْنِ الكلام معهما؟

    الجواب: استشعر عظيم ما عند الله من الثواب؛ فإنَّ أبلغ ما يكون البر إذا أساء الأب إلى ابنه، وأصدق ما يكون البر يوم يحسن الابن إلى أبيه، والأب يؤذيه، وأبلغ ما يكون البر حينما تعطيه الكلمة الطيبة فيبادلك بكلمة خبيثة، وحينما تُحسن فيسيء، وتكرمه فيهينك، كل ذلك من أبلغ ما يكون من البر.

    أما لو كان الأب إذا قابلته بالإحسان كافأك على الإحسان، فهذا خير وبر؛ ولكن أصدق ما يكون البر وأعظم ما يكون من الثواب والأجر عند الله أن يقابِل إحسانك بالإساءة، وأن يقابل جميلك بالكفران.

    فيا أخي في الله: احتسب الأجر عند الله -جل جلاله- واعلم أن الله هو الذي يثيبك، والله جل وعلا هو الذي يُخْلِفُك الأجر.

    إن إساءة الأب لا تدعوك إلى الإساءة، وظلم الأب لا يدعوك إلى الظلم، ولذلك قال الله تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] فلا تطعهما في المعصية؛ ولكن صاحبهما في الدنيا معروفاً، فإذا أساء الوالدان فلا تسيء، وإذا كان من الوالدين ما يسوءُك فلا تقابلهما بما لا يرضي الله جل جلاله، فأوصيك بالصبر! فإن الإنسان يصبر على أذية الناس، فكيف بأذية الوالدين؟! ولعل الله جل وعلا -بهذا الصبر- أن يُكَفِّر وزرك، وأن يُعْظِم أجرك، وأن يُثَقِّل ميزانك.

    والله تعالى أعلم.

    حكم تضايق الزوجة من معاملة الزوج أمه معاملة حسنة

    السؤال: فضيلة الشيخ! رزقني الله بزوجة مؤمنة؛ ولكنها تتضايق عندما أجلس مع والدتي، فما هي نصيحتك لهذه الزوجة أثابكم الله؟

    الجواب: أوصي الزوجات أن يتقين الله جل وعلا في حقوق الأمهات، المرأة المسلمة عليها أن تكون أكبر عون للزوج على طاعة الله ومرضاته، ولا يجوز للمرأة أن تفسد قلب زوجها على أمه، ولا خير في زوجٍ يُقَدِّم زوجته على أمه.

    إن حق الأم عظيم، وفضلها جليل كريم، فينبغي للإنسان أن يجعله نصب عينيه، قال: (يا رسول الله! مَن أحقُّ الناس -مَن أحقُّ الخلق؟ مَن أحقُّ البشرية- بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم مَن؟ قال: أمك، قال: ثم مَن؟ قال:أمك، قال: ثم مَن؟ قال: أبوك)، فأحق مَن تحسن إليه، وأحق من تكافئه وتبذل المعروف إليه هو: والدتك.

    فإياكَ أن تؤثر الزوجة على الوالدة، وإياكِ أيتها المرأة المؤمنة أن تكوني سبباً في العقوق والقطيعة.

    الله.. الله.. في قلب زوجكِ أن يَفْسُد على قلب أمه! فاتقي الله في البعل، واتقي الله في تلك الأم، ولا تكوني سبباً في الدعوة إلى العقوق والقطيعة، لا يجوز للمرأة أن تتدخل فيما يجري بين الزوج وأمه بكثرة السؤال والبحث عما تطلبه الأم، وعما يعطيه الزوج، كل ذلك من الأمور التي تعتبر من الفضول، وقد تصل إلى حد الحرمة، والله تعالى يقول: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36].

    فالمرأة ليس من حقها أن تبحث عن شيء ليس من شأنها فإن (مِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) فليس مما يعني المرأة أن تتدخل فيما يعطيه الزوج لأمه، وفيما يبذله لها من الحنان والإكرام، فتَجْعَل تُتابِعُهُ في كلِّ ما يكون منه من صغير وكبير، وجليل وحقير، وتفسِّر ذلك بأنه إهانة لها، وتضييع لحقها، كل ذلك مما ينبغي للمرأة المؤمنة أن تتقيه وتبتعد عنه.

    ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل.

    والله تعالى أعلم.

    مدى مسئولية الوالدين عن الأبناء

    السؤال: متى يكون الوالدان غير مسئولَين أمام الله عز وجل عن الأولاد والبنات؟

    الجواب: لا أعرف والدين خالييَن من المسئولية أبداً!

    فالأم بِمُجرد ما تحمل جنينها يسألها الله عز وجل عن كل أمر يكون فيه صلاحٌ لهذا الجنين أو فسادٌ له، وبِمُجرد ما تضعه كذلك هي مسئولة، وبِمُجرد ما تربيه وتقوم على شأنه، بل وكل حركاتِها وسكناتِها مع هذا الصبي تُسأل عنها بين يدي الله.

    كذلك الأب مسئول عن هذه النطفة بِمُجرد ما تتخلق في رحم أمها.

    فلذلك لا أعرف أماً وأباً خالييَن من المسئولية، بل هما مسئولان، وأول مَن يسأل عن ذلك الابن هما، ولذلك قـال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36] فقال: يفر الرجل من أبنائه، وذلك مِن عظيم خوفه من مسئوليتهم بين يدي الله عز وجل.

    فليس هناك والدان خاليان من المسئولية عن الولد.

    والله تعالى أعلم.

    واجب الوالدين تجاه المنكرات التي قد يقع فيها الأبناء

    السؤال: إن بعض بيوت المسلمين تئن من وجود الخادمات بلا محارم، مما يؤثر على تلقي الأبناء أوامر الشرع، ناهيك عن الذي يكون في حالات عديدة من الخلوة، بل الوقوع في الحرام -والعياذ بالله-! فما توجيهكم أثابكم الله؟

    الجواب: أولاً: ينبغي أن يعلم الأب وتعلم الأم أن أول مَن يُسأل عن الولد هما، وليس الخادمة ولا غيرها.

    فينبغي على الأب والأم إذا استشعرا المسئولية أن يسعيا في فكاك أنفسهما من النار؛ فإن الله عز وجل جعل الحنان بين الابن وأمه، ولا يمكن تعويض هذا الحنان بخادمٍ ولا خادمة، ولذلك لا ينبغي استقدام الخادمات والخدم إلا عند وجود الضرورة وبضوابط شرعية، ولا يجوز للمرأة أن تترك أمر جنينها وأولادها إلى الخادمات، وإلى الأيدي الغريبة، أما إذا كن كافرات فلا أشك في حرمة ذلك؛ فالمرأة الكافرة لا يجوز أن يُوْدَع عندها الصبي المسلم؛ فإنه لا يختلف اثنان أنها ستفسده، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُمجِّسانه أو يُنصِّرانه)، قال بعض العلماء: يتأثر الابن بوالديه بمكان المداخلة، وهذه المداخلة ستحل فيها الخادمة محل الأم، ويحل الخادم فيها محل الأب.

    فلا يجوز ترك الأبناء والبنات بأيدي الكافرين والكافرات، فإن ذلك من أعظم الشرور وأعظم الآثام، فلا يحل بِوَجْهٍ تَرْكُهُم لدى أمثال هؤلاء، وإذا تَرَك صبيَّه أو صبيتَه عند أمثال هؤلاء، فاجتالهم هؤلاء عن طاعة الله وعن توحيده، فإنه يحمل وزر ذلك القلب بين يدي الله جل جلاله.

    فينبغي أن يستشعر الإنسان مسئوليته بين يدي الله، ولا يجوز ترك الأبناء والبنات للخدم والخادمات الكافرات.

    هذه المسألة الأولى.

    المسألة الثانية: إذا وجدت الضرورة والحاجة، فينبغي على الأم أن تربي وتنشئ، ثم تنظر في هذه الخادمة، فمتى ما وجدت أنها تعين على التربية والتنشئة على طاعة الله جاز إبقاؤها، وأما إذا كانت سبباً في الوصول إلى حدود الله ومحارمه؛ فإنه لا يحل إبقاؤها، ومن ذلك لو أن الخادمة هذه كانت في بيتٍ فيه البالغون، أو فيه من يُخشى منه الوقوع في المحرمات، أو النظر إلى هذه الخادمة، والوقوع فيما لا تحمد عقباه، فإنه يجب على الأب والأم أن يضَعا كل الأسباب التي تمنع وتحول دون الوقوع في هذا الحرام، فإن حصل أي تقصيرٍ أو إهمال أو تساهل؛ فإنه يكون عليهما من الوزر والإثم على قدر ما يكون من الآثام من الأبناء والعياذ بالله.

    فينبغي المحافظة على أبناء المسلمين وعلى بناتهم.

    إن التساهل في أمر الخدم والخادمات مصيبة عظيمة، ووزر كبير، فكم من أبناء كانوا على عفة وحياء وخجل فذهب الحياء من وجوههم بسبب التساهل في هذه الأمور!

    فليتق الله الوالد، ولتتق الله الوالدة يوم تناشِد بَعلها أن يُدخل الغريبة على أبنائها وبناتها.

    فاصبري واحتسبي واعلمي أن الله يأجركِ على تربية الأبناء والبنات، وإذا كان ولا بد من وجود أمثال الخادمين والخادمات؛ فليكن ذلك مع المحافظة على حدود الله جل وعلا، فلا خير في الدنيا إذا أَفْسَدَت الدين.

    والله تعالى أعلم.

    حكم من حضر حلقة علم وأمه ساخطة عليه

    السؤال: إني أتيتُ وأمي عليَّ غاضبةٌ، فهل عليَّ إثم؟ ثم هل خروجي من هذا المجلس يَغْفِر جميع ذنوبي، ومنها غضب أمي؟

    الجواب: أناشد الله العظيم كل من كانت بينه وبين أمه أو رَحِمِه قطيعة ألاَّ يحضُر لي محاضرةً ولا يَغشى لي مجلساً، فقد صح في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أحرِّج بالله على كل قاطع رحم أن يقوم من مجلسي، فلما قيل له في ذلك قال: أخبرني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرحمة لا تنـزل على قومٍ فيهم قاطع رحم)، ولولا أني أخاف أن يكون تشهيراً بك لحرَّجت عليك بالله العظيم أن تقوم من المجلس الآن؛ ولكن لا أحل لأحد أن يحضر مجلساً لي أو محاضرة، وأمه غاضبة عليه أو والده.

    فليتقِ الله فينا، وليتق الله في مجالسنا أن نُمْنَع الرحمة بسببه، فهذا أمرٌ عظيم! إذا غَضِبَت عليك أمك غضب الله عليك!

    فاتقِ الله في والدتك، ولا تيئس فإن رحمة الله واسعة، ارجع إلى والدتك بعد الصلاة، وابكِ عندها، واسألها الرضا منها، فإن الله تعالى يرضى عنك إذا رَضِيَتْ عنك، ويسخط عليك بسَخَطِها.

    فاتقِ الله فيها، وأدخل السرور عليها، واحتمل ما يكون من أذاها.

    وأما جلوسك بيننا فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يغفر ذنبك، وأن يغفر ذنوبنا، وأن يرزقك رضا الوالدين، وأن يرزقنا ذلك الرضا، وأن يتوب علينا وعليك وعلى جميع المسلمين.

    والله تعالى أعلم.

    كيفية تربية الزوجة للأبناء مع فساد زوجها

    السؤال: أنا أمٌّ أحاول بكل جهدي أن أربي أولادي وبناتي التربية الإسلامية، والتربية الصالحة؛ لكنَّ زوجي لا يساعدني على ذلك ويقول: لا تعقِّدي الأولاد، فأنا أبْنِي وأعمر وهو يهدم، وإذا نصحتُه على انفراد وفي الوقت المناسب يقول لي: كوني صالحة لنفسك، وما لك وللأولاد، وهو لا يصلي الصلاة في الوقت، ولا يصليها في المسجد، وهو كثير السفر إلى بلاد الكفر، حتى إنني قررتُ ألا أحمل منه، ويكفي ما رزقني الله منه من أولاد؛ لأنني أخاف عليهم من تربية هذا الرجل، وبالأصح هو لا يربي ولا يريدني أن أربي، فأرجو الدعاء لهذا الزوج وتصبيري على هذا الحال المكتوب عليَّ أثابكم الله فضيلة الشيخ؟

    الجواب: أسأل الله العظيم أن يهدي قلبه، وأن يصلح أمره، وأن يكف شره عن ولده.

    أختي في الله: احتسبي الأجر عند الله جل وعلا، والله يكتب لك ما يكون منك من إحسان في تربية الوِلْدان، احتسبي عند الله الأجر، والله لا يضيع أجرك، وأجرك عظيم، فالمرأة التي تُبْلَى بزوجٍ لا يقدِّر عناءها وتعبها في إصلاح الذرية أعظم أجراً من المرأة التي تجد من يشكر حسنتها، ويذكر جميلها، فاحتسبي عند الله الأجر، واعلمي أن الله معك، وأنه نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الأنفال:40].

    هذه الوصية الأولى.

    أما الوصية الثانية: فاستديمي على ما أنت عليه، وابني؛ فنِعْمَ -والله- ما بنيتِ، واهدي ودُلِّي؛ فنِعْمَ -والله- ما هديتِ ودلَّيتِ، وكذلك أيضاً ذكريه بالله وخوفيه من عقوبة الله، لعل الله أن يهديَه، ومِن عذابه أن ينجيَه!

    والله تعالى أعلم.

    أما الطرف الثاني من السؤال: وهو ما قررتيه من عدم الحمل، فلا ينبغي هذا، بل ابقَي على ما أنت عليه، واحملي، وذَكِّري، وانصحي، واثبُتي؛ فإن الله يحب الصابرين في البلاء، ولذلك لا ينبغي أن تفكري هذا التفكير، فإن الله يقول في كتابه: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [الأنعام:95] قال بعض العلماء: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [الأنعام:95] أي: الولد الصالح من العبد الفاجر.

    ولذلك أخرج الله من أبي جهل : عكرمة ، وما ضَرَّ عكرمة كفر أبيه.

    فلا يدعوكِ هذا إلى اليأس والقنوط من رحمة الله، ولعل الله عز وجل أن يكتب لك درجات في الجنة تبلغينها بسبب هذا البلاء، ثم يَمُنُّ عليه بالهداية، فيجمع لك بين خيرَي دينِكِ ودنياكِ وآخرتِكِ. فلا تفكري هذا التفكير، وعليكِ بالبناء والاجتهاد في طاعة الله، وتربية الأبناء على محبة الله.

    والله تعالى أعلم.

    حكم الإكثار من السبِّ واللعن

    السؤال: ما نصيحتكَ لوالدَيَّ حيث أنهما يكثران اللعن والشتم عند أقل الأعمال أثابكم الله؟

    الجواب: ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة) فالذي يكثر اللعن والسب والشتم -والعياذ بالله- لا يكون يوم القيامة شفيعاً ولا شهيداً، فينظر إلى إخوانِه وأخواتِه وزوجِه وولدِه في النار، ويريد أن يشفع لهم فلا يؤذن له في الشفاعة، وذلك بسبب كثرة اللعن -والعياذ بالله-.

    هذا الأمر الأول.

    وأما الأمر الثاني: أن اللعنة إذا خرجت من الفم، انطلقت إلى السماء، فتُغَلَّق دونها أبواب السماء، ثم تعود إلى الأرض فلم تجد مجالاً، ثم تذهب إلى صاحبها، فإن كان كما قال، أصابته ولُعِن -والعياذ بالله- وإلا رَجَعَت إلى الذي قالها، نسأل الله السلامة والعافية.

    ولذلك لا ينبغي الإكثار من اللعن، وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في سفر فلَعَنَت امرأةٌ دابتها فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تصحبنا ملعونة).

    فينبغي الحذر من كثرة اللعن والسباب والشتائم، فإنه لا خير فيها، وينبغي على المرأة المؤمنة أن تصون لسانها، وعلى الأب المؤمن أن يصون لسانه؛ فإنه قدوة لأبنائه وبناته.

    والله تعالى أعلم.

    حكم ضرب الأبناء

    السؤال: ما هي الحدود الشرعية في ضرب الأبناء؟ وما هي أنواع الضرب الجائزة شرعاً؟

    الجواب: أولاً: لا يُضْرَب الابن إلا من حاجة، وذلك إذا أعيت الحيلة بالتوجيه، ولذلك ينبغي على الأب في أول شيء أن ينصح، وأن يوجه، فإن حصل العمل بنصيحته وتوجيهه فالحمد لله، وإذا لم يحصل العمل يُهَدِّد، ومما اتفق عليه الحكماء أن الأب إذا لاحظ من ابنه أو ابنته تقصيراً، فهدَّد وخوَّف بالضرب أو العقوبة فليس من المحمود أن يتخلف عن العقوبة إذا فعل الابن أو فعلت البنت التقصير، بمعنى إذا قلتَ له: إذا عدت إلى هذا الأمر فسأضربك، فإن عاد فاضربه مهما كان الأمر؛ لأن ذلك من أبلغ ما يكون من الزجر؛ لأنه إذا هدَّده بعد ذلك مرة ثانية عَلِم أنه إذا فعل سيُضْرَب وسيُؤَدَّب، والضرب يُعْتَبر من أساليب التربية التي أقرها الكتاب وأقرتها السنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن من الأبناء والبنات من يُقرع باللسان، ومنهم من تقرعه اليدان، فلا ينفع فيه توجيه ولا إحسان، فيحتاج إلى الزجر وإلى العقوبة؛ ولكن بعد أن تُعْيِي الحيلة في التوجيه.

    فالأول: أن تكون هناك حاجة؛ كمعصية الله جل وعلا، أو ترك أمرٍ من أوامر الله، فهذان أمران:

    إما فعل حرام.

    أو ترك واجب.

    فترك الواجب مثل: الصلاة.

    وفعل الحرام مثل: السب والشتم، أو النميمة، أو الأذية للناس، فتقول له: لا تسب بعد اليوم ولا تشتم؛ فإن سبَّ مرةً ثانية وشتم، فإنه إذا غلب على ظنك أن تأديبه بالضرب ينفعه فاضربه؛ ولكن بحدودٍ وقيود، فلا تقبِّح الوجه، ولا تكسر العظم، ولا تشوِّه الصورة، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لطم الوجوه، ولذلك نص بعض العلماء على أن ذلك يعتبر من الذنوب. فلا يُلْطَم الوجهُ خاصةً من المسلم، فإذا أردتَ أن تضرب فاضربه في قفاه، أو في قدمه، أو في يده، بشروط:

    ألاَّ تكسر له عظماً.

    وألاَّ يكون ضرباً مبرحاً.

    كذلك ينبغي أن يكون هذا الضرب بعيداً عن الغير.

    فإن الآباء لا يفرقون بين أمرين:

    الضرب للتوجيه والإرشاد ومحبة الخير.

    والضرب من أجل إشفاء الغليل، وإثبات السلطة والقوة والقهر.

    فإن كان ضرب الوالد من أجل أن يثبت السطوة والقوة والقهر في البيت، فإنه يعتبر آثماً شرعاً والعياذ بالله؛ لأن نيته تخالف مقصود الشرع، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) فهو آثم بنيته، وأما فعله فإن جاوز فيه الحد فهو آثم أيضاً.

    فالمقصود: أن الأب ينبغي أن يكون ضربه للتوجيه والإرشاد، ولذلك يظهر هذا الخلل حينما يَضْرِب الإنسانُ من أجل التوجيه والإرشاد تجد ضربَه على قدر الحاجة، ولكن إذا ضربَ من أجل شهوةِ النفس وحظوظها، فإن ذلك -والعياذ بالله- يكون بمجاوزةٍ لحدود الله في الغالب، وقد ينتهي في الغالب إلى كسر عظم، أو تشويه صورة، أو غير ذلك، نسأل الله السلامة والعافية من الأمور المحرمة.

    فلا ينبغي للوالدين أن يؤذيا الأولاد بكثرة الضرب، وقد قال الحكماء والأطباء: إن كثرة الضرب للأبناء تُحْدِث عندهم نوعاً من شرود الذهن، وكثرة الخوف والرعب، وقد يصاب الابن -بسببها- بأمراض خطيرة، منها:

    أمراض في نفسيته.

    وقد تكون أمراضاً في جسده.

    وقد تسبب له أذية حتى في شهوته.

    وإذا حصل هذا كله فيحمل وزره -والعياذ بالله- الأب والأم الجائران في ضربه.

    فلا ينبغي هذا، بل ينبغي أن يتقي اللهَ العبدُ، وأن يصلح ولا يفسد، وأن يحسن ولا يسيء، نسأل الله للجميع التوفيق والرعاية.

    والله تعالى أعلم.

    حكم دفع الأذى عن الوالدين

    السؤال: إن لي أخاً يعقُّ والدتي، وحينما أذكِّره بفضل الوالدين يزداد غضباً، فيضرب، ويشتم، ويأخذ بالسخرية والاستهزاء بها! فماذا تنصحني أن أفعل؟

    الجواب: أولاً: إذا كانت عندك قوة تمنعه من الضرب فاضربه إذا كان يضرب الوالدة وأنت أقوى منه وتستطيع كفه، فإنه يجب عليك كفه، ومثل هذا لا حرمة له، وإذا كان الوالد موجوداً فإنك ترفع الأمر إليه، ولا تضربه، وتنصح الوالد وتبين له أنه مسئول بين يدي الله عن مجاوزة هذا الابن لحدود الله مع أمه.

    هذا الأمر الأول.

    الأمر الثاني: إذا كنت تعجز عن كفه ومنعه عن ضرب الوالدة؛ فإنه ينبغي أن تختار أفضل الأوقات لتوجيهه وإرشاده ودلالته إلى الخير وتحذيره من مغبة الشر.

    فأما نصحك له في حالة الغضب فأظن أن هذا هو الذي يتسبب في شدة إعراضه وتماديه في الضرب، وبناءً على قولك بأنه يزداد في الضرب إذا نصحتَه؛ فإنه لا ينبغي أن تنصحه على وجه يزداد فيه من أذية الوالدة، ولذلك نهى الله عن سب آلهة الكفار؛ لأنها تفضي إلى سب الله جل وعلا، فكذلك الحال: إذا كان نصحك له أثناء الضرب يزداد فيه من الضرب فإنك تتوقف عن نصحه إلى وقتٍ ترجو فيه استجابته.

    ثم خذ بالأسباب:

    فإذا كان الوالد يستطيع كفه فأخبر الوالد.

    وإذا كان هناك أخ أكبر منك وهو موجود فاطلب منه أن يَكُفَّه.

    وإذا كان هناك من القرابة من الأعمام والعمات أو الأخوال والخالات من يستطيع زجره كذلك فاستعن به بعد الله.

    وإذا لم تجد في القرابة فانظر إلى إمام الحي أو إمام المسجد أو الصلحاء أو قرنائه وأصدقائه، حتى ولو كان عن طريق مسئوله ومديره، حتى يذكِّره ويردعه. فابذل كل ما تستطيع لكفه عن ظلم الوالدة وأذيتها.

    والله تعالى أعلم.

    طاعة الوالدين في مرضاة الله

    السؤال: لي إخوة بالغون وهم على سلوكٍ غير سليم، وقد بذلتُ لهم النصح؛ أحياناً باللين، وأحياناً بتغليظ القول، إلى آخر ذلك؛ ولكنَّ والدتي ربما تتدخل عندما أقسو عليهم؛ فأتركهم لذلك خوفاً من غضبها عليَّ، فماذا أفعل؟ أرشدني مأجوراً -بارك الله فيك-!

    الجواب: ظاهر قولك أن الوالدة تتدخل إذا قسوتَ. هذا هو الذي ورد في السؤال.

    وبناءً على ذلك فإنك تأخذ بأساليب اللين، وإذا أردتَ أن تقسو، فاقسُ عليهم دون علم الوالدة، فتأمر بطاعة الله، وبُرَّ والديك في حدود مرضاة الله.

    والله تعالى أعلم.

    حكم المستحاضة التي كان لها عادة

    السؤال: امرأة تأتيها العادة الشهرية -عادةً- في كل شهر لمدة سبعة أيام، وفي هذا الشهر جاءتها ثمانية عشر يوماً، وما زالت مستمرة، وهذا أول شهر يحصل لها فيه هذا الأمر؛ فما الحكم في هذه الحالة بالنسبة للصلاة وقراءة القرآن إلى غير ذلك؟

    الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فإنه ينبغي عليها أن تعتدَّ الأيام التي كانت تعتدُّها قبل أن يصيبها الذي أصابها؛ فتَعْتَبِر حيضَها الأيامَ التي اعتادتها، ثم تَعْتَبِر الأيامَ الزائدةَ أيامَ استحاضة لِمَا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لتنظر الأيامَ التي كان تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها؛ فإذا هي خَلَّفَت ذلك فلتغتسل، ثم لتصلي).

    فدل هذا على أن المرأة التي لها عادة؛ ينبغي عليها أن تبقى قدر عادتها، ثم بعد ذلك تلغي ما بقي ولا تعتبره من الحيض.

    والله تعالى أعلم.

    كيفية معاملة الوالدين عند صلتهما أقاربهما العصاة

    السؤال: إذا خفتُ على والديَّ من زيارتهما للأقرباء، وذلك لفسادهم، مع العلم أنهم أقرب الأقرباء، فماذا أفعل تجاه ذلك؟

    الجواب: انصح الوالدَين وذكِّرهما بالله جل وعلا في زيارتهما للقرابة، ولا تنههما عن زيارتهم؛ فإن الزيارة واجبة، وكون القرابة يسيئون أثناء الزيارة فإن ذلك لا يمنع من أداء حق الزيارة؛ ولكن انصح هؤلاء القرابة بحفظ جوارحهم أثناء الزيارة، فإن نصحتهم، فقد أديت ما عليك.

    والله تعالى أعلم.

    كيفية التعامل مع الوالد الذي يتعامل بالربا

    السؤال: والدي يتعامل بالربا، وقد نصحتُه مرَّاتٍ عديدة، ويدَّعي أنه يتعامل بالمضاربة؛ ولكنها ليست الحقيقة، وقد قمتُ بإرسال الرسائل إليه؛ ولكن دون جدوى، فكيف أتعامل معه؟ أرشدني أرشدك الله!

    الجواب: إذا قال الوالد إنه يتعامل بالمضاربة فاسأل عن ذلك، وتحرَّ عنه، فإن كان صواباً فلا يحل لك أن تتهمه بالربا، وإن كان كذباً فإنه لا يجوز الأكل من مال الربا.

    والله تعالى أعلم.

    ضرورة عدم إظهار الخصومات التي تقع بين الزوجين أمام الأبناء

    السؤال: صارت بين زوجٍ وزوجةٍ خصومةٌ أدَّت إلى تَفارُقِ الزوجين دون طلاق، وتَهاجُرِهِما، وتضرَّرَ من ذلك البنون والبنات، علماً بأن هذه الزوجة كانت تحاول جاهدة أن تبر زوجها؛ لكنها لم تُطق يا فضيلة الشيخ، فما نصيحتك؟ وما موعظتك لهذه الأم؟ عسى الله أن ينفعها بها!

    الجواب: على الأم أن تتقي الله، وأن تحتسب الأجر عند الله في الصبر على أذية زوجها وبَعلها؛ خاصة إذا كان عندها أولاد، وكان لها منه أبناء وبنات؛ فإنه ينبغي عليها أن تتحمل الأذى، وأن تصبر على ما يكون من البلوى، فإن الله يأجرها على حسن هذه النية، ولو كان الأمر فيه ما فيه من الأذية والمهانة فإن الله يكرمها، ويعوضها ويخلف عليها، ويأجرها، فهذه من الأمور التي ينبغي أن تُوصَى بها المؤمنة إذا بُلِيت بالزوج وأذيته مع وجود الولد.

    إن هَدْمَ البيوت وتَفَرُّقَ الأزواج والزوجات على حساب الأبناء والبنات يخَلِّف من التبعات والعواقب -التي لا يعلمها إلا الله- الشيء الكثير.

    فينبغي على الأب والأم أن يفكر كلٌّ منهما فيما تجنيه التصرفات والأفعال التي بينهما، فإن قلوب الأبناء والبنات تتفطر حزناً حينما ترى تَنَكُّدَ الحياةِ في وجه الأب والأم، وكم من أبناء وبنات فقدوا حتى عقولهم بسبب أذية الآباء والأمهات لهم بالعبارات القاسية، وبتلك المعاملات الغليظة التي تكون من الزوج لزوجته أو من الزوجة لزوجها! ويقف الابن حائراً تائهاً لا يدري أأبوه المصيب ومعه الحق، أم أمه المصيبة؟! أأبوه المخطئ أم أمه المخطئة؟! فيعيش في حياة الهم والغم من صباه ومن صغره، حتى ربما يفقد تفكيره وشعوره. فمن الذي يحمل هذه المسئولية؟! ومن الذي يحمل إثم هذه الهموم والغموم غير الأب والأم؟!

    فينبغي على الأب والأم أن يكونا بعيدَي النظر، وأن يتقيا الله جل وعلا في الأولاد، وأن يرحما هذه القلوب الضعيفة، فإن الله سمى الأولاد والبنات ذرية ضعيفة، ووصفهم بالضعف؛ لأنهم لا حول لهم ولا قوة، وأفكارهم وعقولهم صغيرة، فإذا فُجِعَت هذه العقول الصغيرة البريئة بالخصام والشجار والكلمات القاسية تَعَذَّبت وتألَّمت، خاصة إذا كان الابن قوي الإحساس، وكانت البنت قوية الإحساس ضعيفة المشاعر؛ فإن هذه كلها أمور تكون لها من العواقب أشياءٌ كثيرةٌ.

    فليتقِ الله الآباء، ولتتقِ الله الأمهات.

    إن مشاكل الزوجين ينبغي أن تكون بمنأىً وبُعْدٍ عن الأبناء والبنات، وينبغي أن تكون في خلوتهما وفي حال انفرادهما، لا تَسْمَع بها أذُن، ولا تنظر إليها عين، ولا ينبغي للأب -خاصة بعض الآباء- إذا كبر سنه وشاب أن يسيء المعاملة للزوجة أمام أبنائها وبناتها، ويهينها ويذلها، حتى إن بعض الأبناء والبنات يتعلم -والعياذ بالله- ويأخذ من أبيه إهانة أمه.

    كذلك بعض الزوجات إذا شاب زوجها وكبر وضعف أساءت إليه، وآذته، وفتحت له أبواب المشاكل، فيتعلم الأبناء والبنات منها -والعياذ بالله- العقوق، وإهانة الأب عند المشيب والكبر، والله المستعان مِن يومٍ يشيب فيه الوِلدان، يومَ تُنْصَب الموازين، وتُنْشَر الدواوين، لكي يُؤْخذ كل إنسان بقوله وعمله! الله المستعان على ذلك اليوم العظيم الذي ينصف الله عز وجل فيه الظالم والمظلوم، والبائس والمحروم!

    فليتقِ الله الآباء والأمهات في حقوق الأبناء والبنات من عدم إساءة بعضهم إلى بعض بمحضر الأبناء والبنات، ونسأل الله العظيم أن يعصمنا من الزلل.

    والله تعالى أعلم.

    كيفية أخذ الأبناء لزيارة أقاربهم العصاة

    السؤال: ذكرتُم -جزاكم الله خيراً- أنه يَجب تعويد الأولاد على صلة الأقارب، فماذا ترون إذا كان هؤلاء الأقارب لا يلتزمون بتعاليم الدين الإسلامي في العادات والتقاليد، وقد يفعلون ما هو خَطَرٌ على تربية الأولاد من الأقوال والأفعال؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل!

    عليك أن تأخذ مِن الأبناء مَن عنده رشد وفَهم وتزور به القرابة، ثم تنبِّهه إلى أن هذا الأمر خطأ، وأنه لا يجوز، فتؤدي للقرابة حقوقهم، ولله عز وجل حقه، فالمنكر تَعْلَم أنه منكر، والابن تبيِّن له أن هذا لا يجوز، هذا أفضل من أمرك للابن أن لا يزورهم، بل زُرْهم بابنك، وعلِّم الابن أن هذا منكر لا يجوز، وأن هذا حرام، وانصح القرابة، وذكِّرهم بالله جل وعلا، فإن كانت هذه المنكرات تؤثِّر على الذرية؛ فلا يأخذ الإنسان الذرية الضعيفة، وربما يقتصر على الزيارة في حدودٍ لا يقع فيها الأبناء والبنات والذرية في حدود الله ومعاصيه.

    والله تعالى أعلم.

    كيفية معاملة الولد العاصي

    السؤال: أنا قصَّرت في تربية ولدي، فقد ربيته على بعض المعاصي؛ ولكن لم أكن أعلم بأن هذه الأشياء محرمة؛ ولكني عرفتُ الآن أن هذه الأمور محرمة، وقد تبتُ ورجعتُ إلى الله؛ ولكن ابني قد بلغ السابعة عشرة من سِنِّه، وصار لا يطاوعني في ترك هذه الأمور، فهل أنا آثمة في هذا الأمر؟ فإن قلبي يتقطع عليه، وما أدري ماذا أفعل، ولا كيف أصلحه، وبارك الله فيك!

    الجواب: أسأل الله أن يقبل منا ومنك التوبة والإنابة، وأسأله أن يمنَّ على الولد بصلاح حاله وتوبته واستقامته.

    ابذلي ما تستطيعين من التذكير والتوجيه، فإن ذلك يكون سبباً -بإذن الله عز وجل- في غفران الله لزلتك وخطيئتك، ذكِّريه وانصحيه في الأمور التي كنتِ سبباً في وقوعه فيها من المحارم، وبيِّني له أنها لا تجوز، ولعلَّ الله أن يمنَّ علينا وعليك بالعفو والمغفرة.

    والله تعالى أعلم.

    حكم الصلاة على من مات على كبيرة من الكبائر

    السؤال: هل يجوز الصلاة على مَن يموت بسبب المخدرات؟ وهل يجوز تعزية أهله على ذلك؟

    الجواب: مَن مات بسبب المخدرات فإنه يعتبر مسلماً مرتكباً لكبيرة من الكبائر، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يُصَلَّى على مرتكب الكبيرة، ويدعى له ويُتَرَحَّم عليه، وهو أحوج ما يكون إلى الدعاء؛ ولكن استحب العلماء ألاَّ يصلي عليه أهلُ الفضل، أي: أن الإمام العام لا يصلي على من مات بسبب المخدرات حتى يزجُرَ غيره، وهذا من باب التعزير، أما إذا توفي فهو من المسلمين، وله ما للمسلمين من الدعاء والتَّرَحُّم، فالله ابتلاه، وهذا شيء ابتلاه الله جل وعلا به، فاسأل الله له العفو والمغفرة، فلعل دعاءك له وترحُّمَك عليه يكون سبباً في رحمة الله به، فيكون ذلك من الخير الذي يسديه المسلم لأخيه المسلم، وإذا كان لا يُصَلَّى إلا على المطيعين، ولا يُصَلَّى إلا على الأبرار المتقين فأين رحمة الله التي وَسِعت عباده أجمعين؟! والله يقول: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53].

    فاستغفِرْ له وترحَّمْ عليه؛ فإن الله جل وعلا نفع المؤمنين بدعاء إخوانهم فقال: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ [الحشر:10] وكذلك يُعَزَّى أهلُه، فتُعَزِّي أهلَه وتسأل الله جل وعلا أن يُعَظِّم لهم الأجر في فَقده، وكونه أساء فإن ذلك لا يمنع حق قرابته مِن صلتهم؛ فإنهم مفجوعون، وقد يكونون على استقامة وخير وطاعة وبر؛ فمِثْلُهم يُعَزَّى، ولا يُضَرُّ أهلُه كونه على معصية الله: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164] والله تعالى لا يُحَمِّلهم ذنبه، ولا يُحَمِّلهم تَبِعَتَه ومسئوليته.

    والله تعالى أعلم.

    نصيحة لشاب مفرِّط في حق والديه

    السؤال: ما نصيحتك يا شيخ لشاب مفرِّط في حق والديه؟

    الجواب: أوصيك -أيها الشاب- ونفسي بتقوى الله، وأن تعلم أن الله جل وعلا إذْ أنعم عليك بحياة الوالدين فقد يسلبك هذه النعمة عاجلاً أو آجلا، فاغتنم وجود الوالدين، فكم -والله- من قلوب تفطَّرت على فَقد الأب والأم! إن الله جعل لك بابين من أبواب الجنة، وبابين من أبواب الرحمة، فاغتنم وجود الوالدين، وأقبِلْ بجدٍّ وإخلاص ومثابرة على إدخال السرور عليهما، وحسن البر بهما، واللطف معهما، ولعلَّ الله جل وعلا أن يُخْرِج من ألسنتهما دعوة صالحة تكون سبباً في سعادتك في دينِك ودنياك وآخرتِك.

    فاحتسب عند الله الأجر في إدخال السرور عليهما، وأحسن إليهما ولا تسئهما، وأكرمهما ولا تهنهما، وارفعهما ولا تضعهما، وكن على أحسن ما يكون الابن مع والديه.

    وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم ممن بر، وأن يعيذنا وإياكم من العقوق.

    وآخر دعوانا: أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007971453

    عدد مرات الحفظ

    720812335