اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تلخيص مناسك الحج للشيخ : محمد إسماعيل المقدم


تلخيص مناسك الحج - (للشيخ : محمد إسماعيل المقدم)
الحج فريضة الله على من استطاع إليه سبيلاً، وعلى المسلم قبل أن يحج أن يتعلم أحكام الحج وآدابه، وما ينبغي فعله أو تركه من الأعمال، وفي هذه المادة تلخيص مفيد لما يتعلق بآداب السفر إلى الحج، والإحرام له، والطواف فيه.
آداب السفر إلى الحج
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.ونشرع في تلخيص المناسك -مناسك الحج والعمرة- ونحيل التفاصيل في الفروع الفقهية إلى درس السبت والخميس إن شاء الله.فالمقصود اليوم تبسيط المناسك بصورة عملية بحيث تسعف من يتعجل للسفر في هذه الأيام.وأول ما ينبغي الكلام فيه: آداب السفر إلى هذه الفريضة.
  أذكار السفر وما يتعلق بذلك
من ذلك أيضاً: أن يحافظ على الأذكار؛ سواء الأذكار الموظفة أو الأذكار المطلقة، فإن هناك أذكاراً قيدت بوظيفة معينة ينبغي على الإنسان أن يحافظ عليها، فيستحب للمسافر عموماً أن يواظب على نفس الأذكار التي تستحب للمقيم في الليل والنهار واختلاف الأحوال كالأكل والشرب وعند النوم وعند الاستيقاظ، وعقب الصلاة، وغيرها من الأذكار الموظفة.أما المسافر فيزيد أذكاراً أخرى منها: أنه يودع حينما يودع من يكونون في وداعه يقول لهم: (أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه) ، وفي بعض روايات الحديث: (أستودعكم الله الذي لا تخيب عنده الودائع) ففي الحديث: (إن الله عز وجل إذا استودع شيئاً حفظه) فلا ينسى الإنسان أن يستودع الله أهله وبنيه وكل من يكونون في وداعه بهذا الدعاء كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول المقيم للمسافر: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك).أستودع الله: أي أتركها وديعة عند الله، وهي ثلاثة أشياء: دينك وأمانتك وخواتيم عملك.المقصود بالأمانة هنا أهله ومن يخلفه، وماله الذي يتركه عند أمينه، وذكر الدين هنا، فقال: (أستودع الله دينك) أي: أن يحفظ عليك دينك ويبقى عنده وديعة لا تضيع في السفر؛ لأن السفر مظنة المشقة، فربما كانت هذه المشقة سبباً لإهمال بعض أمور الدين والتفريط فيها، فلذلك خص هذا الأمر قبل كل شيء.قوله: (وخواتيم) جمع خاتمة، وهي ما يختم به العمل، أي يكون آخره، ودعا له بذلك لأن الأعمال بخواتيمها، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالخواتيم) فلذلك اهتم بهذه الثلاث: دينك وأمانتك وخواتيم عملك.وحينما يبعد الإنسان ولا يكون تحت رقابة القوم الذين يعرفونه ويعرفهم، ربما كان الشيطان عليه أقوى، فلذلك سمي السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن حقيقة أخلاق الشخص وطباعه، فيحتاج إلى توفيق من الله وعصمة حتى لا يتردى مهاوي المخالفات.أيضاً يقول المودع للمسافر بعد أن يقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك؛ يقول له أيضاً: زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسر لك الخير حيثما كنت، وقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم وهو مسافر: (زودني، فقال: زودك الله التقوى. قال: زدني. قال: وغفر ذنبك. قال: زدني. قال: ويسر لك الخير حيثما كنت) ثم يقول المودع للمسافر: (عليك بتقوى الله والتكبير على كل شرف). الشرف: هو ما علا من الأرض، فهذه أيضاً كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم للمسافر.وإذا كان سفر حج أو عمرة يقول له المقيم: (ادع الله لنا بخير) (ادع الله لنا بخير) فإذا ولى المسافر وانطلق دعا له المقيم قائلاً: اللهم اطو له البعد وهون عليه السفر؛ لأن السفر قطعة من العذاب كما قال صلى الله عليه وسلم. فإذا أراد ركوب دابته، أي إذا المسافر أراد أن يركب المواصلات فوضع رجله في الركاب يقول: باسم الله. وإذا كانت سفينة قال: كما قال نوح عليه السلام: بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [هود:41] أي أن مجراها باسم الله ومرساها وهو منتهى سيرها كذلك.وأيضاً يدعو كما دعا نوح عليه السلام لما ركب الفلك: رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ [المؤمنون:29].فإذا استوى واستقر على ظهر ما يركبه يقول: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف:13] * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:14] (مقرنين) أي مطيقين أو مقتدرين عليه، فنحن ما كنا نطيق قهر هذه الدابة واستعمالها لولا تسخير الله تعالى إياها لنا.الإنسان إذا ركب جملاً فقوة الجمل لا تخفى، وإذا غضب الجمل وطاش كانت شدته وصعوبته عظيمة، فمن الذي ذلل الجمل بحيث يقوده طفل صغير؟ إن الذي ذللـه هو الله تبارك وتعالى، فنحمد الله على هذه النعمة، خاصة إذا كانت هناك نعم أعظم وأعظم، كركوب الطائرات أو السيارات أو ما إلى ذلك من الوسائل الحديثة التي وفرت الراحة وهي من نعم الله تبارك وتعالى علينا، فنشكر الله على هذه النعمة وهذا التيسير!فيقول: الحمد لله، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف:13] * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:14]، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.النبي صلى الله عليه وسلم لما علمهم هذا الدعاء ضحك بعدما قال: (سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فقال له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا رسول الله! من أي شيء ضحكت؟ فقال: إن ربك سبحانه يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري).ويقول أيضاً: (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا بنصحك واقلبنا بذمة، اللهم اذو لنا الأرض وهون علنيا السفر) الذمة: العهد، والذمام العهد والأمان، اللهم اقلبنا: أي: أرجعنا إلى أهلنا (بذمة) أي: بعهد وأمان وضمان منك أن نعود آمنين سالمين.ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل)، وعثاء السفر شدته ومشقته وتعبه.(وكآبة المنظر) الكآبة هي الحزن والتغير والانكسار من مشقة السفر، وما يحصل على المسافر من الاهتمام بأموره.(وسوء المنقلب) سوء الانقلاب إلى أهله بعد السفر، وذلك بأن يرجع مهموماً أو منقوصاً ومهموماً بما يسوءه، فيتعوذ الإنسان من سوء المنقلب.ويقول أيضاً: (اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال) الحور هو النقصان والرجوع، والكور أو الكون المقصود به الرجوع من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أي: الرجوع من شيء إلى شيء من الشر، أو الرجوع من الاستقامة والزيادة إلى الاعوجاج والنقص، فهذا معنى الكون في قوله: (أعوذ بك من الحور بعد الكون)، ومن رواه بالراء (أعوذ بك من الحور بعد الكور) فالمقصود به هنا الزيادة، مأخوذ من تكوير العمامة، فكلما كورها زادت، والمقصود التعوذ من الانتقاص بعد الزيادة والاستكمال، ورواية الكون معناها مأخوذ من الاستقرار والثبات، فالمراد التعوذ من النقصان والتغيير بعد الثبات والاستقرار حتى لا يتحول قلبه وينقص في دينه. وإذا علا الثنايا كبر وإذا هبط سبح: أي: إذا ارتفع فوق جبل يكبر وإذا هبط في الوديان يسبح، فأولى إذا ركب الطيارة أن يكثر من التسبيح، وإذا عثرت دابته، أو تعطلت السيارة أو شيء من هذا يقول: باسم الله.وإذا نزل منزلاً قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه إذا قال ذلك لن يضره شيء، ولما كان لا يجوز وصف أي شيء من كلام الله بالنقصان تعوذ صلى الله عليه وسلم بكلمات الله التامة؛ لأنها ليس فيها نقصان ولا عيب كما يكون في كلام الآدميين، وقيل: معنى التامات أن ينتفع بها المتعوذ وتحفظه من الآفات.وإذا أتى عليه السحر وهو الجزء الأخير من الليل قال: (سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا؛ عائذاً بالله من النار) كما كان صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. (سمع سامع): المقصود فليشهد الشاهد، أو ليسمع السامع وليشهد على حمد الله سبحانه وتعالى على نعمه وحسن بلائه.وقيل معناه: انتشر ذلك وظهر وسمعه السامعون أن نعم الله علينا قد ذاعت وكثرت وترادفت بحيث علم بها الجميع، فسمعها السامعون وشهد الشاهدون.(وحسن بلائه علينا): المقصود بالبلاء حسن بلاء النعمة، والبلاء الاختبار والامتحان، فالبلاء بالقول ليتبين به الشكر، والابتلاء بالشر ليظهر الصبر.(ربنا صاحبنا): أي احفظنا؛ لأن من صحبه الله لم يضره شيء.(عائذاً بالله من النار): تحتمل وجهين: أحدهما أن يريد أنا عائذ بالله من النار. أو يقول: أنا متعوذ بالله من النار.فعلى المسافر أن يكثر من الدعاء، وهذا من أهم آداب السفر التي يقصر فيها كثير من الناس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده) جعل منهن صلى الله عليه وسلم دعوة المسافر، فالمسافر ينبغي أن يكثر من الدعاء؛ لأن دعوة المسافر مستجابة.وعلى المسافر أيضاً أن يكون على دراية بأحكام الطهارة والصلاة وما يحتاج إليه من الرخص أو الفقه الخاص بجمع الصلاة، والمسح على الجورب، وهكذا ما قد يحتاج إليه من الأحكام في سفره.فهذا فيما يتعلق بآداب السفر.
تنبيهات تتعلق بالمناسك

  اجتناب لبس خاتم الذهب
أيضاً من ذلك شيوع لباس خاتم الذهب:كثير من الرجال يلبسون خاتماً من ذهب أو ساعة أو نظارة ذهب، فهذا الأمر شائع جداً، وبالذات ما يعرف بدبلة الخطوبة أو خاتم الزواج، هذا بجانب أنه محرم على الرجل أن يلبس خاتماً من الذهب ففيه تشبه بالنصارى من الكفار، فيحرم على الرجل لبس خاتم الذهب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الذهب والحرير: (هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها).أيضاً لما رأى في إصبع رجل خاتماً من ذهب نزعه من إصبعه صلى الله عليه وسلم وألقاه في الأرض، وقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من النار فيضعها في إصبعه، فألقاها، فبعدما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قال الناس للرجل: خذه فانتفع به، قال: لا آخذه وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسل).
ذكر ما يجوز للمحرم مما قد يتحرج منه بعض الناس

  الاحتجام ووشم الريحان وطرح الظفر المنكسر ونحوه
أيضاً: يجوز الاحتجام ولو بحلق الشعر التي في مكان الحجم؛ لحديث ابن بحينة رضي الله عنه قال: {احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم في موضع بطريق مكة في وسط رأسه}.أيضاً من ذلك: شم الريحان، وطرح الظفر إذا كان طويلاً فانكسر؛ لكن لا يستأنف هو قص أظافره.قال ابن عباس رضي الله عنهما: المحرم يدخل الحمام، وينزع ضرسه، ويشم الريحان، وإذا انكسر ظفره طرحه، ويقول: أميطوا عنكم الأذى فإن الله عز وجل لا يصنع بأذاكم شيئا.وعن محمد بن عبد الله بن أبي مريم أنه سأل سعيد بن المسيب عن ظفر له انكسر وهو محرم، فقال سعيد : اقطعه.
أمور ينبغي على المحرم الانتباه لها

  كيفية الإحرام
فإذا أتى الميقات وأراد الإحرام نوى بقلبه العمرة أو الحج، فإذا استوى على الدابة وابتدأ السير استقبل القبلة وحمد الله وسبح وكبر ثم قال: لبيك اللهم بعمرة إن كان معتمراً أو متمتعاً، أو: لبيك اللهم بحجة وعمرة إذا كان قارناً قد ساق الهدي، أو: لبيك اللهم بحجة إذا كان مفرداً.وللمرأ أن يشترط إذا كان مريضاً يخشى الوجع، ويخاف أن صحته لا تساعده فيضطر للرجوع، فيقول: لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث تحبسني، ويقول: اللهم هذه عمرة، أو اللهم هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة، ثم يرفع صوته ملبياً بتلبية النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينوي النسك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك، فيكررها، ويستحب ألا يزيد عليها، لكن يجوز أن يزيد زيادات أخرى كما كان بعض الصحابة يقولون: لبيك إله الحق لبيك. أو يزيد مثلاً: لبيك ذا المعارج، ولبيك ذا الفواضل، أو: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك والرغباء إليك والعمل، فهذا جائز فقط لا مستحب فلا تنكر على من فعل هذا، لكن الأفضل أن تلزم تلبية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي الصيغة المشهورة المعروفة، فيلزم التلبية ويحافظ عليها؛ لأنها من شعائر الحج.والتلبية مأخوذة من لبى، بمعنى أجاب، فكلمة لبيك معناها تلبية بعد تلبية، فمعناها هنا المسمى، وتسميتها للتكثير أي إجابة لك بعد إجابة ولزوماً بطاعتك، يقول الإمام النووي رحمه الله: اتفق العلماء على استحباب التلبية، ويستحب الإكثار منها في دوام الإحرام، وتستحب قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً وجنباً وحائضاً، ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط، وحدوث أمر من ركوب أو نزول أو اجتماع رفقة أو فراغ من صلاة، وعند إقبال الليل والنهار ووقت السحر، وغير ذلك من تغاير الأحوال.وليس للإحرام صلاة تخصه كما يتوهم كثير من الناس، لكن السنة أن تحرم بالحج أو العمرة عقب صلاة فرض أو نافلة؛ لكن ليس هناك سنة مستقلة للإحرام، فإذا كان الإحرام في وقت من أوقات النهي عن الصلاة فلا تصلى ركعتين تنفلاً بنية الإحرام؛ لأنهما ليستا من ذوات الأسباب، لكن السنة أن يكون الإحرام عقب صلاة فرض أو نافلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم عقب صلاة الظهر، لكن إذا كان ميقات الشخص من ذي الحليفة استحب له أن يصلي في هذا المكان عند ذي الحليفة لا لخصوص الإحرام وإنما لخصوص المكان وبركته.فقد روى البخاري عن عمر رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة، أو عمرة وحجة). وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه رأي -وفي رواية: أري- وهو معرس بذي الحليفة ببطن الوادي، قيل له: إنك ببطحاء مباركة) فلذلك أمر بالصلاة في هذا المكان.فمن كان ميقاته من ذي الحليفة فلا بأس أن يصلي في هذا الوادي لخصوص الوادي المبارك وليس لسنة الإحرام.
محظورات الإحرام

  الرفث والفسوق والجدال
ما هي الأشياء التي تحرم على الإنسان بالإحرام حتى يحل من إحرامه؟أول ذلك ما جاء في قوله تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، والرفث كامن في أمرين: مباشرة النساء بالجماع ومقدماته والكلام بذلك.والفسوق في الآية كامن بجميع أنواع الخروج عن طاعة الله تبارك وتعالى، فأي معصية فسق.والجدال: المخاصمة والمراء حتى يغضب صاحبه.من ذلك أيضاً ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه من حلق شعر الرأس: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196] فحلق شعر الرأس أو شعر البدن عموماً من المحظورات.
صفة التلبية وذكر فضلها
بعد ذلك يستقبل القبلة ثم يلبي بالعمرة أو بالحج كما ذكرنا، فيقول: اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة، ويلبي بتلبية النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤمر المحرم برفع صوته بالتلبية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية) وقوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الحج العج والثج) وهو رفع الصوت بالتلبية. والثج هو: ثوران دماء الهدي والأضاحي، فهذا من أفضل مناسك الحج، ولذلك كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حجته يصرخون بالتلبية صراخاً يرفعون أصواتهم.قال أبو حازم : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أحرموا لم يبلغوا الروحاء حتى تبح أصواتهم.لكن لا تكون التلبية بصوت جماعي كما يفعل الناس، القاعدة أنه حيثما شرع الجهر بالذكر فلا يكون بصورة جماعية، سواء في ختام الصلاة أو غيرها كما هو أقرب للأدلة.كذلك في تكبيرات العيد كل إنسان يكبر وحده، وليس بالصورة الجماعية الموجودة الآن، فهذه من البدع.كذلك أيضاً التلبية شرع فيها الجهر بالذكر، فمن البدعة، أو من ليس من السنة أن يلبي الناس بصوت واحد في جماعة، لكن كل شخص يلبي وحده.والنساء يلبين كما يلبي الرجال، لكن لا يشرع للمرأة أن ترفع صوتها خشية الفتنة، وإن كان قد وردت آثار أن عائشة رضي الله عنها سمعت وهي تلبي.ويواظب على التلبية ولا يقصر فيها؛ لأن ثواب التلبية عظيم جداً، والتلبية من شعائر الحج، ومن تعظيم شعائر الله أن تواظب على التلبية طوال فترة الإحرام، يقول صلى الله عليه وسلم: (ما من ملب يلبي إلا لبى ما عن يمينه وعن شماله من شجر وحجر حتى تنقطع الأرض من هنا وهنا)، يعني عن يمينه وشماله؛ وبخاصة كلما علا شرفاً أو هبط وادياً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطاً من الثنية له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية) وفي حديث آخر: (كأني أنظر إليه إذ انحدر في الوادي يلبي).ويجوز أن تخلط التلبية بالتهليل، أي: بلا إله إلا الله وحده لا شريك له.. إلى آخره، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتلبية أو تهليل، فإذا بلغ الحرم المكي ورأى بيوت مكة أمسك عن التلبية).وبعض العلماء يقول: إن من كان محرماً بالعمرة قطع التلبية عند وصوله إلى الحجر الأسود، أما الحج فيلبي باستمرار ولا تنقطع التلبية إلا عند رمي جمرة العقبة.
  آداب دخول مكة
من السنة أن يغتسل لدخول مكة قبل الدخول، ويدخل نهاراً أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويدخل من الناحية العليا التي فيها اليوم باب المعلا، فإنه صلى الله عليه وسلم دخلها من الثنية العليا، ثنية كداء المشرفة على المقبرة عند الحجون، ودخل المسجد من باب بني شيبة فإن هذا أقرب الطرق إلى الحجر الأسود، فيتحرى أن يدخل من باب يوصله مباشرة إلى الحجر الأسود، وله أن يدخل مكة من أي طريق شاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل فجاج مكة طريق ومنحر) وفي حديث آخر: (مكة كلها طريق يدخل من هاهنا ويخرج من هاهنا).فإذا دخل المسجد فيراعي آداب دخول المسجد الحرام، فيقدم رجله اليمنى ويقول: (اللهم صل على محمد وسلم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم)، فإذا رأى الكعبة يجوز أن يرفع يديه؛ لأن ذلك ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما، ويستحضر عند رؤية الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل والخضوع والمهابة والإجلال، ويدعو بما تيسر له أو يدعو بدعاء عمر رضي الله عنه حينما رأى الكعبة قال: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام).قوله: (اللهم أنت السلام) أي: أنت الذي اسمك السلام، وهو من أسماء الله الحسنى. (ومنك السلام) أي: منك تأتي السلامة من الآفات والبلايا. (فحينا ربنا بالسلام) أي: اجعل تحيتنا في وفودنا عليك السلامة من الآفات.فإذا أتى الحجر الأسود أمسك عن التلبية، بعض العلماء كما ذكرنا يقول إذا أتى بيوت مكة قطع التلبية؛ لأنه حينئذ ينشغل بأمور أخرى حيث يعتني بمتاعه وإيداعه في مكان أمين إلى غير ذلك.أيضاً بعد ذلك يبدأ في طواف القدوم، وإذا كان معتمراً فإنه ينوي طواف العمرة، والقارن أيضاً ينوي طواف العمرة.
صفة الطواف وآدابه
وصفة الطواف: أن يبتدئ طوافه من الركن الذي فيه الحجر الأسود، وهناك شيء يسهل الطواف وهو أنه يوجد خط بني من الرخام مقابل الجهة التي عندها الحجر الأسود فيبدأ الشوط منها، فيستقبل الحجر الأسود، فيحاذي بجميع بدنه جميع الحجر، فإذا واجهه استلمه بيديه، يقول: باسم الله والله أكبر ثم يقبله، ثم إن شاء سجد عليه، هذه هي الصورة المثلى لاستلام الحجر الأسود، فيستقبله ويستلمه بيديه ثم يقبله إن لم يؤذ الناس بالمزاحمة، فيحاذي بجميع بدنه جميع الحجر، وذلك بحيث يكون جميع الحجر عن يمينه ويكون منكبه الأيمن عند طرف الحجر، ويتحقق أنه لم يبق وراءه جزء من الحجر، ثم يبتدئ طوافه ماراً بجميع بدنه على جميع الحجر جاعلاً يساره إلى جهة البيت، ثم يمشي طائفاً بالبيت، ثم يمر وراء الحِجْر، ويدور بالبيت فيمر على الركن اليماني، ثم ينتهي إلى ركن الحجر الأسود وهو المحل الذي بدأ منه طوافه، فتتم له بهذا طوفة واحدة، ثم يفعل ذلك حتى يتمم سبعة أشواط، وكلما مر بالحجر الأسود يستلمه ويقبله ويسجد عليه إن استطاع، وإن لم يستطع فيستلمه ويقبله، فإن لم يستطع يستلم بيديه ويقبل يديه، فإن لم يستطع فيشير إليه من بعيد ويقول: باسم الله والله أكبر.أما في الركن اليماني فليس عنده ذكر معين، لكن يستلمه فقط بدون ذكر، وإذا لم يستطع فلا يشير إليه، هذا بالنسبة للركن اليماني الذي من الجهة اليمانية.ويقول الشنقيطي رحمه الله: أصح أقوال أهل العلم أنه لابد أن يكون جميع بدنه حال طوافه خارجاً عن شاذوران الكعبة؛ لأنه منها، وكذلك لابد أن يكون جميع بدنه حال طوافه خارجاً عن جدار الحجر؛ لأن أصله من البيت، ولكن لم تبنه قريش على قواعد إبراهيم؛ لأجل ذلك لم يشرع استلام الركنين الشاميين، وإذا صليت داخل الحجر فأنت تصلي داخل الكعبة.وهناك سنن في طواف القدوم أو طواف العمرة الذي تفعله أول ما تقدم إلى مكة: فيسن حينما تقترب من الكعبة وقبل ما تبدأ الطواف الاضطباع، والاضطباع هو كشف الضبع وهو أعلى الذراع أو أعلى الكتف، بأن يرد الرداء على كتفه الأيسر ويكشف الأيمن.بعض الناس حينما يحرمون من الميقات يضطبعون، وهذه بدعة مخالفة للسنة، فلا يتصورون إحراماً إلا بكشف الكتف، والاضطباع إنما يكون عند طواف القدوم فقط، وفيما عدا ذلك لا اضطباع، فإذا فرغ من الطواف فلابد أن يغطي كتفه؛ لأنه سيصلي.ويسن أيضاً في الثلاثة أشواط الأولى من طواف القدوم الرمل، والرمل: هو عبارة عن تقارب الخطى مع الإسراع في المشي.وحكمة تشريع الرمل أن الصحابة لما أتوا للعمرة منعوا في الحديبية، وفي العام المقبل أتوا ليعتمروا، فكان المشركون يتهمونهم بالضعف حتى قالوا: أتاكم قوم قد أنهكتهم حمى يثرب، فكانوا يظهرون الشماتة في الصحابة أن حمى المدينة قد أنهكتهم وأمرضتهم، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يظهر الجلد والقوة حتى لا يشمت المشركون، فأمرهم أن يسرعوا في الخطى حتى يظهروا الجلد والقوة وأنهم في عافية، ثم بقي هذا الحكم مع أن علته قد زالت بتمكين المسلمين من الفتح، فهذا لا ينافي أن هناك علة أخرى لهذا الحكم، وهذه العلة هي أن يتذكر المسلمون نعمة الله عليهم بالقوة بعد الضعف وبالكثرة بعد القلة.ويشترط للطواف الطهارة من الحدث والخبث وستر العورة.
  مجمل ما يفعله الطائف بالبيت
فمجمل ما يفعله في طواف القدوم أن يبادر إلى الحجر الأسود فيستقبله استقبالاً فيكبر، والسنة أن يقول: الله أكبر، وهذا قد ثبت في الحديث المرفوع، أما التسمية فهي ليست في حديث مرفوع ولكنه موقوف على ابن عمر ، فلا بأس أن يقول: باسم الله والله أكبر، ثم يستلمه بيده يمسحه، ويقبله بفمه ويسجد عليه أيضاً، فقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر وابن عباس ، فإن لم يمكنه تقبيله مسحه ثم قبل يده، فإن لم يمكنه الاستلام أشار إليه من بعيد بيده، ويفعل ذلك في كل طوفة ولا يزاحم عليه؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عمر إنك رجل قوي فلا تؤذ الضعيف، وإذا أردت استلام الحجر فإن خلا لك فاستلمه وإلا فاستقبله وكبر) وفي استلام الحجر فضل كبير؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليبعثن الله الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، ويشهد على من استلمه بحق) وهذا حديث صحيح.وقال صلى الله عليه وسلم: (مس الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطّاً).وقال صلى الله عليه وسلم: (الحجر الأسود من الجنة) أي: ليس على وجه الأرض شيء من الجنة غير الحجر الأسود، (الحجر الأسود من الجنة، وكان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك).ثم يبدأ الطواف حول الكعبة يجعلها عن يساره، فيطوف من وراء الحجر سبعة أشواط يضطبع فيها كلها، ويرمل في الثلاثة الأول منها، ويمشي في سائرها، ويستلم الركن اليماني بيده في كل طوفة دون أن يقول باسم الله والله أكبر، وإذا عجز عن استلامه من بعيد لا يشير إليه ولا يقول شيئاً؛ لكن السنة بين الركنين أن يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، هذا هو الدعاء المأثور مع التسمية في الطواف، وما عدا ذلك فلا يوجد دعاء مأثور.لكن الركنين الشاميين لا يستلمهما، وبعض العلماء يقولون: لو تم بناء الكعبة لاستلمنا الركنين الشاميين أيضاً.بعد ذلك له يجوز له أن يلتزم ما بين الركن والباب، وهي مسافة قدر أربعة أذرع بين الركن اليماني الذي هو الحجر الأسود وبين الباب، ومعنى الالتزام أن يقترب من الكعبة فيضع صدره ووجهه وذراعيه عليه ويدعو عنده. وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريقين يرتقي بهما الحديث إلى مرتبة الحسن، ويزداد قوة بثبوت العمل به عن جمع من الصحابة منهم ابن عباس رضي الله عنهما قال: هذا الملتزم بين الركن والباب، وقال شيخ الإسلام: وإن أحب أن يأتي الملتزم بين الحجر الأسود والباب فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفيه ويدعو ويسأل الله تعالى حياته فعل ذلك، وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع، فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع وغيره، وقد كان الصحابة يفعلون ذلك حين يدخلون مكة.ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسناً، فإذا ولى فلا يقف ولا يلتفت ولا يمشي القهقرى.ليس للطواف ذكر خاص، فله أن يقرأ من القرآن أو من الذكر ما شاء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة ولكن الله أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير) وفي رواية: (فأقلوا فيه الكلام). قال شيخ الإسلام: وليس فيه ذكر محدود عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له.ومن آداب الطواف أن يكون في طوافه خاشعاً حاضر القلب ملازماً للأدب بظاهره وباطنه، في هيئته وحركته ونظره، فإن الطواف صلاة فيتأدب بآدابها، ويستشعر بقلبه عظمة من يطوف ببيته، ويخفض صوته ويقل الكلام، فإن نطق فلا ينطق إلا بخير، ويصون نظره عما لا يحل النظر إليه.ولا يجوز أن يطوف بالبيت عريان ولا حائض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يطوف بالبيت عريان) وقال لـعائشة رضي الله عنها لما حاضت: (افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي حتى تطهري) فلا يجوز للحائض أن تطوف بالبيت.فإذا انتهى من الشوط السابع غطى كتفه الأيمن وانطلق إلى مقام إبراهيم وقرأ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] فجعل المقام بينه وبين البيت وصلى عنده ركعتين يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة الكافرون وفي الثانية بعد الفاتحة سورة الإخلاص، ثم إذا فرغ من الصلاة ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب على رأسه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ماء زمزم لما شرب له) وقال أيضاً: (إنها مباركة، وهي طعام طعم وشفاء سقم). وقال صلى الله عليه وسلم: (خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم وشفاء من السق). وبعدما يصلي الركعتين ويشرب زمزم يعود إلى الحجر الأسود فيكبر ويستمله على التفصيل الذي ذكرناه، وهذه نقطة ينساها كثير من الناس.
قصيدة في الحج للصنعاني
نختم الكلام بأبيات قليلة من نظم العلامة الصنعاني رحمه الله ذكر فيها الحج وبركته وتكلم على المناسك، يقول: فشدوا مطايانا إلى الربع فانياً فإن الهوى عن ربعهم ما تلوناهثم يتكلم حينما رأى البيت والطواف، يقول:ففي ربعهم لله بيت مباركإليه قلوب الخلق تهوي وتهواهيطوف به الجاني فيغفر ذنبهويسقط عنه جرمه وخطاياهفكم لذة كم فرحة لطوافهفلله ما أحلى الطواف وأهناهنطوف كأنا في الجنان نطوفها ولا هم ولا غم فذاك نسيناهفياشوقنا نحو الطواف وطيبهفذاك شوق لا يعبر معناهفمن لم يذقه لم يذق قط لذةفذقه تذق يا صاح ما قد أذقناهفوالله ما ننسى الحمى فقلوبنا هناك تركناها فيا كيف ننساهترى رجعة هل عودة لطوافنا وذاك الحمى قبل المنية نغشاهووالله لا ننسى جمال مسيرنا إليه وكل الركب قد لذ مسراهوقد نسيت أولادنا ونساؤنا وأموالنا فالقلب عنهم شغلناهتراءت لنا أعلام وصل على النوىفمن أجلها فالقلب عنهم نويناهجعلنا إله العرش نصب عيونناومن دونه خلف الظهور نبذناهوصرنا نشق البيد للبلد الذيبجهد وصدق للنفوس بلغناهرجالاً وركباناً على كل ضامرومن كل ذي فج عميق أتيناهنخوض إليه البر والبحر والدجى ولا قاطع إلا وعنه قطعناهونطوى الفلا من شدة الشوق للقافتلك الفلا تحكي سجلاً قطعناهولا صدنا عن قصدنا نقد أهلناولا هجر جار أو حبيب ألفناهعرفنا الذي نبغي ونطلب فضلهفهان علينا كل شيء بذلناهفمن عرف المطلوب هانت شدائد عليه ويهوى كل ما فيه يلقاهفيا لو ترانا كنت تنظر عصبة حيارى كسارى نحو مكة يمناهفلله كم ليل قطعناه بالسرىوبر وسور اليعملات مررناهوكم من طريق مفزع في مسيرناسلكناه ووادٍ بالمخاوف جزناهولو قيل إن النار دون مزاركمدفعنا إليها والعذول دفعناهفلولا الموالي للزيارة قد دعاأتقعد عنها والمزور هو اللهترادفت الأشواق واضطرم الحشافمن ذا له صبر وتضرب أحشاهوأسرى به الحادي فأمعن في السرىفولى الكرى نوم الجفون نفيناهولما بدا ميقات إحرام حجنا نزلنا به والعيس فيه أنخناهليغتسل الحجاج فيه ويحرموافمنهم ملب ربنا لا حرمناهونادى مناد بالحجيج ليحرموافلم يبق إلا من أجاب ولباهوجردت القمصان والكل أحرمواولا لبس لا طيب جميعاً هجرناهولا لهو لا صيد ولا نقرب النساء ولا رفث لا فسق كلاً رفضناهوصرنا كأموات لففنا جسومنابأكفاننا كل ذليل لمولاهلعل يرى ذل العباد وكسرهم فيرحمهم رب يرجون رحماهينادونه لبيك لبيك ذا العلاوسعديك كل الشرك عنك نفيناهفلو كنت يا هذا تشاهد حالهملأبكاك ذاك الحال في حال مرآهوجوههم غبر وشعث رءوسهم فلا رأس إلا للإله كشفناهلبسنا دروعاً من خضوع لربنا وما كان من درع المعاصي خلعناهوذاك قليل في كثير ذنوبنا فيا طالما رب العباد عصيناهإلى زمزم زمت ركاب مطيناونحو الصفا عيس الوصول صففناهنؤم مقاماً للخليل معظماً إليه استبقنا والركاب حثثناهوكم نجد عال علته وفودناوتعلو به الأصوات حين علوناهنحج لبيت حجه الرسل قبلنالنشهد نفعاً في الكتاب وجدناهدعانا إليه الله قبل بنائهفقلنا له لبيك داع أجبناهأتيناك لبيناك جئناك ربناإليك هربنا والأنام تركناهووجهك نبغي أنت للقلب قبلةإذا ما حججنا أنت للحج رمناهفما البيت ما الأركان ما الحجر ما الصفاوما زمزم أنت الذي قصدناهوأنت منانا أنت غاية سؤلناوأنت الذي دنيا وأخرى أردناهإليك شددنا الرحل نخترق الفلافكم سد سد في سواد خرقناهكذلك ما زلنا نحاول سيرنا نهاراً وليلاً عيسنا ما أرحناهإلى أن بدا إحدى المعالم من منىوهب نسيم بالوصال نشقناهولا ذنب إلا قد غفرناه عنكم ومن كان من عيب عليكم سترناهفهذا الذي نلنا بيوم قدومناوأول ضيق للصدور شرحناهأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
  مجمل ما يفعله الطائف بالبيت
فمجمل ما يفعله في طواف القدوم أن يبادر إلى الحجر الأسود فيستقبله استقبالاً فيكبر، والسنة أن يقول: الله أكبر، وهذا قد ثبت في الحديث المرفوع، أما التسمية فهي ليست في حديث مرفوع ولكنه موقوف على ابن عمر ، فلا بأس أن يقول: باسم الله والله أكبر، ثم يستلمه بيده يمسحه، ويقبله بفمه ويسجد عليه أيضاً، فقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر وابن عباس ، فإن لم يمكنه تقبيله مسحه ثم قبل يده، فإن لم يمكنه الاستلام أشار إليه من بعيد بيده، ويفعل ذلك في كل طوفة ولا يزاحم عليه؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عمر إنك رجل قوي فلا تؤذ الضعيف، وإذا أردت استلام الحجر فإن خلا لك فاستلمه وإلا فاستقبله وكبر) وفي استلام الحجر فضل كبير؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليبعثن الله الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، ويشهد على من استلمه بحق) وهذا حديث صحيح.وقال صلى الله عليه وسلم: (مس الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطّاً).وقال صلى الله عليه وسلم: (الحجر الأسود من الجنة) أي: ليس على وجه الأرض شيء من الجنة غير الحجر الأسود، (الحجر الأسود من الجنة، وكان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك).ثم يبدأ الطواف حول الكعبة يجعلها عن يساره، فيطوف من وراء الحجر سبعة أشواط يضطبع فيها كلها، ويرمل في الثلاثة الأول منها، ويمشي في سائرها، ويستلم الركن اليماني بيده في كل طوفة دون أن يقول باسم الله والله أكبر، وإذا عجز عن استلامه من بعيد لا يشير إليه ولا يقول شيئاً؛ لكن السنة بين الركنين أن يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، هذا هو الدعاء المأثور مع التسمية في الطواف، وما عدا ذلك فلا يوجد دعاء مأثور.لكن الركنين الشاميين لا يستلمهما، وبعض العلماء يقولون: لو تم بناء الكعبة لاستلمنا الركنين الشاميين أيضاً.بعد ذلك له يجوز له أن يلتزم ما بين الركن والباب، وهي مسافة قدر أربعة أذرع بين الركن اليماني الذي هو الحجر الأسود وبين الباب، ومعنى الالتزام أن يقترب من الكعبة فيضع صدره ووجهه وذراعيه عليه ويدعو عنده. وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريقين يرتقي بهما الحديث إلى مرتبة الحسن، ويزداد قوة بثبوت العمل به عن جمع من الصحابة منهم ابن عباس رضي الله عنهما قال: هذا الملتزم بين الركن والباب، وقال شيخ الإسلام: وإن أحب أن يأتي الملتزم بين الحجر الأسود والباب فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفيه ويدعو ويسأل الله تعالى حياته فعل ذلك، وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع، فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع وغيره، وقد كان الصحابة يفعلون ذلك حين يدخلون مكة.ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسناً، فإذا ولى فلا يقف ولا يلتفت ولا يمشي القهقرى.ليس للطواف ذكر خاص، فله أن يقرأ من القرآن أو من الذكر ما شاء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة ولكن الله أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير) وفي رواية: (فأقلوا فيه الكلام). قال شيخ الإسلام: وليس فيه ذكر محدود عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له.ومن آداب الطواف أن يكون في طوافه خاشعاً حاضر القلب ملازماً للأدب بظاهره وباطنه، في هيئته وحركته ونظره، فإن الطواف صلاة فيتأدب بآدابها، ويستشعر بقلبه عظمة من يطوف ببيته، ويخفض صوته ويقل الكلام، فإن نطق فلا ينطق إلا بخير، ويصون نظره عما لا يحل النظر إليه.ولا يجوز أن يطوف بالبيت عريان ولا حائض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يطوف بالبيت عريان) وقال لـعائشة رضي الله عنها لما حاضت: (افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي حتى تطهري) فلا يجوز للحائض أن تطوف بالبيت.فإذا انتهى من الشوط السابع غطى كتفه الأيمن وانطلق إلى مقام إبراهيم وقرأ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] فجعل المقام بينه وبين البيت وصلى عنده ركعتين يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة الكافرون وفي الثانية بعد الفاتحة سورة الإخلاص، ثم إذا فرغ من الصلاة ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب على رأسه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ماء زمزم لما شرب له) وقال أيضاً: (إنها مباركة، وهي طعام طعم وشفاء سقم). وقال صلى الله عليه وسلم: (خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم وشفاء من السق). وبعدما يصلي الركعتين ويشرب زمزم يعود إلى الحجر الأسود فيكبر ويستمله على التفصيل الذي ذكرناه، وهذه نقطة ينساها كثير من الناس.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تلخيص مناسك الحج للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

http://audio.islamweb.net