اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , خالد بن الوليد للشيخ : محمد حسان


خالد بن الوليد - (للشيخ : محمد حسان)
لقد شرف الله منـزلة الجهاد والمجاهدين، وجعل الجهاد ذروة سنام الإسلام وعز هذه الأمة، ويوم أن ضيعت الأمة الجهاد ضاع شرفها، وضاعت هويتها، وأصبحت الأمة ذليلة كسيرة مهيضة الجناح، وحتماً لن يعود للأمة مجدها وهويتها إلا إذا رفعت لواء الجهاد في سبيل الله، وسارت على ما سار عليه الأبطال المجاهدون .. وإن من خير من ترسم خطاه في هذا الشأن ذلك البطل الأشم الذي كسر شوكة الأكاسرة وقصم ظهور القياصرة .. إنه سيف الله المسلول على أعدائه خالد بن الوليد.
الجهاد .. ذروة سنام الإسلام
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.أمـا بعـد:فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.أحبتي في الله: مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى، تلك السلسلة الكريمة المباركة التي نقدمها في هذه الأيام لأبناء الصحوة الإسلامية خاصة، وللمسلمين عامة، للعبرة والعظة من ناحية، ولتقديم القدوة الصالحة الطيبة لتربية الأجيال عليها من ناحية أخرى، لا سيما بعد فترة التغريب الطويلة التي مسخت الهوية، وشوهت الفكر والتاريخ، وزعزعت الانتماء.أحبتي في الله: رسالة رقيقة مؤثرة من ساحة الوغى، وميدان البطولة والشرف والجهاد، تلك الرسالة التي أرسل بها الإمام المجاهد العلم: عبد الله بن المبارك إلى أخيه التقي الزاهد الورع عابد الحرمين: الفضيل بن عياض يذكره فيها بشرف الجهاد في سبيل الله فيقول:يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطـلٍ فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنـا رهج السنابك والغبار الأطيب ولقد أتانا من مقال نبينا قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يُكذب لا يستوي وغبار خيل الله فـي أنف امرئ ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميتٍ لا يكذب ذلكم هو شرف الجهاد أيها الأحباب الذي أمر الله جل وعلا به الأمة أمراً صريحاً صحيحاً واضحاً؛ لتعيش الأمة عزيزة، ولتلقى ربها سعيدة حميدة، فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ [الصف:10-13] ذلكم هو شرف الجهاد الذي جعله الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ذروة سنام الإسلام، كما في حديث معاذ بن جبل الذي رواه الترمذي وقال: حسنٌ صحيح، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـمعاذ : (يا معاذ ! ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) ذلكم هو الجهاد الذي ضمن الله به السعادة والسيادة والريادة والقيادة لهذه الأمة.ويوم أن ضيعت الأمة الجهاد ضاع شرفها، وضاعت هويتها، وأصبحت الأمة ذليلةً كسيرةً، مهيضة الجناح، مبعثرة كالغنم الشاتية في الليلة الممطرة.وحتماً لن تعود للأمة هويتها إلا إذا عادت إلى الجهاد ورفعت لواءه في سبيل الله، ومن ثم حرص أعداء ديننا على أن يحولوا بين الأمة والجهاد، وعلى ألا تربى الأجيال المسلمة على الجهاد وسير الأبطال المجاهدين والقادة الفاتحين.
 

سيرة خالد بن الوليد رضي الله عنه
نقضي هذه الدقائق المعدودة مع قائد المجاهدين، وسيف من سيوف رب العالمين، وأستاذ فن الحروب والميادين، الفاتك بالمسلمين يوم أحد، والفاتك بأعداء الإسلام بقية الأيام، إنه فارس الإسلام والمسلمين، وسيف من سيوف رب العالمين، وترياق وساوس الشياطين من الكفار والمنافقين، والبطل القوي العنيد، والفارس القوي الرشيد. إنه: خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه.علم من أعلام الجهاد في سبيل الله، وعالم وحده في فن القيادة وإدارة الحروب، أحب المسلمون سيفه، وخافه أعداء الإسلام، وأقبل قادة الدنيا في كل زمان ومكان إلى عصر نابليون ينهلون من مورد خالد الخالد في فن القيادة، وإدارة الحروب، وقواعد القتال.خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه الذي تحول في عالم الحرب ودنيا الميادين إلى أسطورة، وما زالت الأبحاث والدراسات إلى عصرنا هذا تنهل من مورد قيادة خالد ، وفن إدارته للحروب والقتال، فمن هو خالد ؟ وما الذي نعرفه نحن المسلمين عن خالد ؟والله لا نعرف عنه إلا القليل، في الوقت الذي نجد فيه كثيراً من المسلمون يعرفون الكثير والكثير عن نابليون، ولينين واستالين، وبسمر وغيرهم وغيرهم من هؤلاء الأقزام.فمن هو خالد بن الوليد أيها الأحباب؟
 قتال خالد بن الوليد ضد الروم في موقعة اليرموك
وكان الصديق رضي الله عنه بعدما انتهت معارك فارس قد جيش الجيوش إلى بلاد الشام للقضاء على أعظم امبراطورية في الغرب، إلا وهي امبراطورية الروم، وقد اختار الصديق لهذه الجيوش قادةً عظاماً، اختار أبا عبيدة بن الجراح ، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان ، وجعل الصديق القيادة العامة لجيوش الشام في يد أبي عبيدة رضي الله عنه، ولما وصلت الجيوش إلى بلاد الشام ، وسمع هرقل امبراطور الروم بهذه الجيوش قال قولته المشهورة: والله لأشفين أبا بكر ألا يورد خيله إلى أرضنا مرة أخرى، وجيش هذا الرجل جيشاً لا مثيل له، جيش جيشاً يزيد على مائتين وأربعين ألف مقاتل، ولما رأى قادة الجيوش المسلمة هذا الجمع الرهيب، أرسلوا إلى خليفة رسول الله إلى أبي بكر يخبروه بالصورة الجديدة والموقف الجديد، أتدرون ماذا قال الصديق رضي الله عنه؟قال: والله لأشفين وساوس الروم بـخالد بن الوليد ، وأصدر الصديق الأوامر إلى قائده المظفر أن ينتقل من العراق من أقصى المشرق فوراً إلى بلاد الشام إلى أقصى المغرب فوراً، وفي أربعة أيام يا عباد الله من طريقٍ وعرٍ مذهل! استطاع خالد بن الوليد أن يكون على جبهة الشام ، وأرسل الصديق في ذلك رسالةً إلى قائده البطل إلى خالد بن الوليد ، وكانت تحتوي على كلماتٍ عذبة رقيقة، ومما كان في هذه الرسالة أن الصديق قال له: هنيئاً لك أبا سليمان النية والحظوة، لا يدخلنك عجبٌ فتخسر وتُخذل، وإياك أن تمن بعملٍ، فإن الله هو صاحب المن وهو ولي الجزاء، وأمره أن ينطلق مسرعاً إلى إخوانه من القادة في بلاد الشام ، وأن يتولي خالد القيادة العامة على أبي عبيدة وإخوانه من القادة، وأرسل الصديق رسالة مماثلةً إلى قائد الجيوش في الشام إلى أبي عبيدة يقول فيها: بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر إلى أبي عبيدة بن الجراح ، سلام الله عليك أما بعد: فلقد أمرت خالد قيادة الجيوش في بلاد الشام ، فلا تخالفه يا أبا عبيدة ، واسمع له وأطع، وإني لم أبعثه عليك إلا لأني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، وإن كنت عندي أحب إلي منه، أراد الله بنا وبك خيراً والسلام.ولما وصلت الرسالة إلى خالد وكلف فيها من خليفة رسول بالقيادة العامة انظروا إلى الأدب والإخلاص، أرسل خالد بن الوليد رسالة إلى الفور إلى قائد الجيوش في الشام ، إلى أخيه أمين هذه الأمة: أبي عبيدة بن الجراح وقال فيها:بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة بن الجراح ، سلام الله عليك أما بعد:فلقد جاءني كتاب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمرني فيه بالسير إلى بلاد الشام والقيام على جندها والتولي لأمرها، ووالله ما طلبت ذلك يا أبا عبيدة وما أردته، فأنت على حالك التي كنت عليها قبل ذلك لا نخالفك يا أبا عبيدة ونسمع لك ونطيع، فأنت سيد المسلمين، ولا يمكن أن ننسى فضلك ولا نستغني عن أمرك.بالله ما أورعه! بالله ما أتقاه! بالله ما أنقاه! بالله ما أخلصه! هذه هي القلوب التي تجردت لله، التي لا تبحث عن الزعامة، ولا تريد الصدارة، ولا تريد القيادة، ولو كان على حساب دين الله جل وعلا، لا فرق عند خالد الذي رباه سيد النبيين محمد أن يكون جندياً مطيعاً بعد أن كان قائداً مطاعاً، أو أن يكون قائداً مطاعاً بعد أن كان جندياً مطيعاً، طالما أن راية التوحيد ستظل خفاقة عالية تعانق كواكب الجوزاء في عنان السماء.ووصل خالد بن الوليد إلى إخوانه، والتقت الجيوش المسلمة، وقبل بدء القتال وقف سيف الله يخطب هذه الخطبة العصماء، وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه لإخوانه من القادة والجند: إن هذا يومٌ من أيام الله، لا ينبغي فيه البغي ولا الفخر، وإن هذا اليوم له ما بعده، فإن رددناهم اليوم لا نزال نردهم بعد اليوم، وإن هزمونا اليوم لن نفلح بعدها أبداً، -ثم قال-: فتعالوا بنا نتعاور -أي: نتبادل القيادة- فليكن أحدنا اليوم قائداً، وليكن بعد اليوم أحدنا قائداً -وهكذا ثم نظر إليهم خالد - وقال: وأطلب منكم أن تتركوا لي الإمارة في اليوم الأول، وتنازل القادة بمنتهى الحب والرضا للقيادة لأخيهم سيف الله المسلول وفارس الإسلام والمسلمين.. لـخالد بن الوليد رضي الله عنه، وعاد البطل ينظم صفوف الجيش بطريقته الخالدية التي لا نظير لها في عالم الميادين، وفي عالم القيادة وفن الحروب، ونظم البطل صفوف جيشه، ورسم المسلمون في هذه الموقعة موقعة اليرموك صوراً من البطولة والفداء تبهر القلوب وتأخذ الألباب، فهذا رجلٌ جنديٌ في الصفوف يقترب من أبي عبيدة بن الجراح وينادي عليه في هذه الضجة وفي هذا الضجيج تحت رنين السيوف، ووقع الرماح وصهيل الخيول: يا أبا عبيدة ! ويلتفت إليه أبو عبيدة: ماذا تريد؟ فيقول له هذا المسلم النقي: لقد عزمت على الشهادة فهل لك من حاجة أبلغها لرسول الله حين ألقاه، فقال أبو عبيدة: نعم، إذا لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل له: يا رسول الله! لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً -في وسط هذه المعمعة- لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً.وينادي عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه ويقول لنفسه: والله لطالما قاتلت رسول الله قبل أن يشرح الله صدري للإسلام، وهأنا اليوم أفر من الميدان أمام أعداء الله، فينادي بأعلى صوته: يا أصحاب محمد! من يبايع اليوم على الموت؟ ويبايعه كوكبة من الأبرار الأطهار الأخيار، ويدخلون في صفوف المعركة لا يبحثون عن النصر إنما يبحثون عن الشهادة، إنهم أبناء محمد بن عبد الله، إنهم تلاميذ المصطفى صلى الله عليه وسلم الذين عرفوا حقيقة الدنيا، وشرف الجهاد في سبيل الله، وبهذه القلوب، وبهؤلاء الرجال أعز الله دينه، وأعلى الله راية توحيده، وأعز الله رسوله صلى الله عليه وسلم، ولن تكون العزة ولا النصرة إلا بهذه القلوب، وإلا على هذه الأيدي الطاهرة، وإلا بهؤلاء الرجال الأطهار الأبرار الأخيار.وانتهت المعركة أيها الأحباب: وفي وسط هذه الانتصارات المذهلة، وإذ بـالصديق رضي الله عنه يودع الدنيا آمناً راضياً مطمئناً ليلقى حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم بعدما أدى الأمانة التي كلف بها، وهنا يتولى عمر الفاروق رضي الله عنه لنرى مرة أخرى، وانتصاراً أعظم من جميع الانتصارات، مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
حياة خالد الحربية بعد إسلامه
من هذه الساعة -أيها الأحباب- سنرى فارس قريش، وصاحب أعنة الخيل فيها، سنرى داهية العرب كافة في دنيا الكر والفر على الإطلاق، يستقبل عالماً جديداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أصحابه من المسلمين في المدينة المنورة.
 خالد بن الوليد في موقعة اليرموك
كان الصديق رضي الله عنه بعدما انتهت معارك فارس قد جيش الجيوش إلى بلاد الشام للقضاء على أعظم امبراطورية في الغرب، ألا وهي امبراطورية الروم، وقد اختار الصديق لهذه الجيوش قادةً عظاماً، اختار أبو عبيدة بن الجراح ، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان ، وجعل الصديق القيادة العامة لجيوش الشام في يد أبي عبيدة رضي الله عنه، ولما وصلت الجيوش إلى بلاد الشام ، وسمع هرقل امبراطور الروم بهذه الجيوش قال قولته المشهورة: والله لأشفين أبا بكر ألا يورد خيله إلى أرضنا مرة أخرى، وجيش هذا الرجل جيشاً لا مثيل له، جيش جيشاً يزيد على مائتين وأربعين ألف مقاتل، ولما رأى قادة الجيوش المسلمة هذا الجمع الرهيب، أرسلوا إلى أبي بكر يخبروه بالصورة الجديدة والموقف الجديد، أتدرون ماذا قال الصديق رضي الله عنه؟قال: والله لأشفين وساوس الروم بـخالد بن الوليد ، وأصدر الصديق الأوامر إلى قائده المظفر أن ينتقل من العراق من أقصى المشرق فوراً إلى بلاد الشام إلى أقصى المغرب فوراً، وفي أربعة أيام يا عباد الله من طريقٍ وعرٍ مذهل! استطاع خالد بن الوليد أن يكون على جبهة الشام ، وأرسل الصديق في ذلك رسالةً إلى قائده البطل خالد بن الوليد ، وكانت تحتوي على كلماتٍ عذبة رقيقة، ومما كان في هذه الرسالة أن الصديق قال له: هنيئاً لك أبا سليمان النية والحظوة، لا يدخلنك عجبٌ فتخسر وتُخذل، وإياك أن تمنُّ بعملٍ، فإن الله هو صاحب المنِّ وهو ولي الجزاء، وأمره أن ينطلق مسرعاً إلى إخوانه من القادة في بلاد الشام، وأن يتولي خالد القيادة العامة على أبي عبيدة وإخوانه من القادة، وأرسل الصديق رسالة مماثلةً إلى قائد الجيوش في الشام إلى أبي عبيدة يقول فيها: بسم الله الرحمن الرحيم[من أبي بكر إلى أبي عبيدة بن الجراح ، سلام الله عليك أما بعد: فلقد أمرت خالد قيادة الجيوش في بلاد الشام ، فلا تخالفه يا أبا عبيدة ، واسمع له وأطع، وإني لم أبعثه عليك إلا لأني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، وإن كنت عندي أحب إلي منه، أراد الله بنا وبك خيراً والسلام].ولما وصلت الرسالة إلى خالد وكلف فيها من خليفة رسول الله بالقيادة العامة، انظروا إلى الأدب والإخلاص، أرسل خالد بن الوليد رسالة إلى الفور إلى قائد الجيوش في الشام ، إلى أخيه أمين هذه الأمة: أبي عبيدة بن الجراح وقال فيها:[بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة بن الجراح ، سلام الله عليك أما بعد:فلقد جاءني كتاب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمرني فيه بالسير إلى بلاد الشام والقيام على جندها والتولي لأمرها، ووالله ما طلبت ذلك يا أبا عبيدة وما أردته، فأنت على حالك التي كنت عليها قبل ذلك لا نخالفك يا أبا عبيدة ونسمع لك ونطيع، فأنت سيد المسلمين، ولا يمكن أن ننسى فضلك ولا نستغني عن أمرك].بالله ما أورعه! بالله ما أتقاه! بالله ما أنقاه! بالله ما أخلصه! هذه هي القلوب التي تجردت لله، التي لا تبحث عن الزعامة، ولا تريد الصدارة، ولا القيادة، ولو كان على حساب دين الله جل وعلا، لا فرق عند خالد الذي رباه سيد النبيين محمد أن يكون جندياً مطيعاً بعد أن كان قائداً مطاعاً، أو أن يكون قائداً مطاعاً بعد أن كان جندياً مطيعاً، طالما أن راية التوحيد ستظل خفاقة عالية تعانق كوكب الجوزاء في عنان السماء.ووصل خالد بن الوليد إلى إخوانه، والتقت الجيوش المسلمة، وقبل بدء القتال وقف سيف الله يخطب هذه الخطبة العصماء، وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه لإخوانه من القادة والجند: [إن هذا يومٌ من أيام الله، لا ينبغي فيه البغي ولا الفخر، وإن هذا اليوم له ما بعده، فإن رددناهم اليوم لا نزال نردهم بعد اليوم، وإن هزمونا اليوم لن نفلح بعدها أبداً -ثم قال-: فتعالوا بنا نتعاور -أي: نتبادل القيادة- فليكن أحدنا اليوم قائداً، وليكن بعد اليوم أحدنا قائداً -ثم نظر إليهم خالد - وقال: وأطلب منكم أن تتركوا لي الإمارة في اليوم الأول].وتنازل القادة بمنتهى الحب والرضا للقيادة لأخيهم سيف الله المسلول وفارس الإسلام والمسلمين.. لـخالد بن الوليد رضي الله عنه، وعاد البطل ينظم صفوف الجيش بطريقته الخالدية التي لا نظير لها في عالم الميادين، وفي عالم القيادة وفن الحروب، ونظم البطل صفوف جيشه، ورسم المسلمون في هذه الموقعة موقعة اليرموك صوراً من البطولة والفداء تبهر القلوب وتأخذ الألباب، فهذا رجلٌ جنديٌ في الصفوف يقترب من أبي عبيدة بن الجراح وينادي عليه في هذه الضجة وفي هذا الضجيج تحت رنين السيوف، ووقع الرماح وصهيل الخيول: [يا أبا عبيدة ! ويلتفت إليه أبو عبيدة: ماذا تريد؟ فيقول له هذا المسلم النقي: لقد عزمت على الشهادة فهل لك من حاجة أبلغها لرسول الله حين ألقاه، فقال أبو عبيدة: نعم. إذا لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل له: يا رسول الله! لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً -في وسط هذه المعمعة- لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً].وينادي عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه ويقول لنفسه: [والله لطالما قاتلت رسول الله قبل أن يشرح الله صدري للإسلام، وهأنا اليوم أفر من الميدان أمام أعداء الله، فينادي بأعلى صوته: يا أصحاب محمد! من يبايع اليوم على الموت؟] ويبايعه كوكبة من الأبرار الأطهار الأخيار، ويدخلون في صفوف المعركة لا يبحثون عن النصر إنما يبحثون عن الشهادة، إنهم أبناء محمد بن عبد الله، إنهم تلاميذ المصطفى صلى الله عليه وسلم الذين عرفوا حقيقة الدنيا، وشرف الجهاد في سبيل الله، وبهذه القلوب، وبهؤلاء الرجال أعز الله دينه، وأعلى الله راية توحيده، وأعز الله رسوله صلى الله عليه وسلم، ولن تكون العزة ولا النصرة إلا بهذه القلوب، وعلى هذه الأيدي الطاهرة، وبهؤلاء الرجال الأطهار الأبرار الأخيار.وانتهت المعركة أيها الأحباب: وفي وسط هذه الانتصارات المذهلة، وإذ بـالصديق رضي الله عنه يودع الدنيا آمناً راضياً مطمئناً ليلقى حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم بعدما أدى الأمانة التي كلف بها، وهنا يتولى عمر الفاروق رضي الله عنه لنرى مرة أخرى انتصاراً أعظم من جميع الانتصارات، مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه.وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
تنحية خالد من قيادة الجيوش في عهد عمر بن الخطاب
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.أما بعد:فيا أيها الأحبة! تولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه، وإذ بـعمر يرسل على الفور كتاباً يهنئ فيه المسلمين بهذا النصر على أرض الميدان، وينعي إليهم وفاة أبى بكر رضي الله عنه، ويخبرهم بخلافته، ويأمر أبا عبيدة بن الجراح أن يتولى القيادة من جديد وأن ينحي خالداً رضي الله عنه.وقيل: إن الرسالة وصلت إلى خالد فأخفاها خالد بن الوليد حتى انتهت المعركة، وبعد انتهاء المعركة ذهب إلى أبي عبيدة ليؤدي إليه تحية الجندي إلى قائده.وقيل: بأن الذي أخفى الرسالة أبو عبيدة حتى تنتهي المعركة، وبعد المعركة أخبر خالد بن الوليد؛ لنرى انتصاراً هو من وجهة نظري أعظم انتصارٍ لـخالد بن الوليد مع كل هذه الانتصارات المذهلة التي حققها، ويتنازل خالد بمنتهى الإخلاص والحب عن القيادة التي سطر روعتها وانتصاراتها وعظمتها بيديه، يتنازل لأخيه الأمين أبي عبيدة بن الجراح، فليست العبرة من هو القائد، ولكن القضية أن تظل راية التوحيد خفاقةً عالية، سواء رفعها أبو عبيدة أو خالد أو عمرو أو شرحبيل ، المهم أن تظل الراية عالية.ألا فلنتعلم هذه الدروس يا قادة الجماعات الإسلامية، ويا أبناء الصحوة، ألا فلنعِ هذا الدرس .. درس التجرد لله جل وعلا، درس الصفاء والإخلاص والنقاء، فإنهم لا يبحثون عن زعامة، ولا يريدون صدارة، ولا يريدون قيادة، المهم أن يظل في الميدان يعمل خالصاً لله، سواء كان قائداً مطاعاً أو جندياً مطيعاً، ووالله لن تكون النصرة إلا بهذه القلوب المتجردة، إلا إذا صفت قلوبنا وتجردت أعمالنا لله جل وعلا.وهكذا -أيها الأحباب- يرجع خالد بن الوليد بعد تنحيته عن القيادة بأمر عمر.وأود أن أبين أمراً -وإن كنت قد أطلت- شحنت به كتب التاريخ المزورة، وقد أسيء الظن بـعمر رضي الله عنه، فنرى في كتب التاريخ من يقول: إن عمر قد عزل خالداً رضي الله عنهما لضغينة في نفس عمر على خالد ، أو لحقد قديمٍ بين عمر وخالد ، أو لمنافسة خالد لـعمر ، وهذا كله كذب وافتراء وباطل، وشتان أن تكون هذه القلوب الصافية المتجردة بهذا الظن وبهذا الغبش، ويكفي أن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في حق عمر : (لقد أجرى الله الحق على لسانه وقلبه) ووالله لقد كان عمر صريحاً واضحاً كالسيف الصارم البتار حينما عزل خالداً رضي الله عنه، وأعلن ذلك على الملأ بقوله:[أيها الناس: إني لم أعزل خالداً عن سخطٍ ولا عن خيانة، ولكني رأيت الناس قد فتنوا به، ووكلوا إليه، فخشيت أن يوكلوا إليه، فأردت أن أعلمهم أن الصانع هو الله جل وعلا] ليس النصر من عند خالد، انظروا إلى قلب عمر الذي تجرد وأزهر فيه مصباح التوحيد: [فأردت أن أعلمهم أن الصانع هو الله] ليس النصر من عند خالد ولا بيد خالد: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:126].هذه عبقرية عمر الفاروق ، وهذا صدق عمر ، وهذا توحيد عمر الذي رأى الناس يذهبون إلى الشجرة التي أخذ تحتها بيعة الرضوان، ورأى الناس يذهبون إليها ويتمسحون بها، فخشي عمر بن الخطاب أن يصل الأمر إلى حد الشرك فاجتثها من جذورها، ولما سئل عن ذلك قال: [خشيت أن يتكل الناس عليها وينسون الله جل وعلا] ذلكم هو عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه.
 خالد بن الوليد في موقعة اليرموك
كان الصديق رضي الله عنه بعدما انتهت معارك فارس قد جيش الجيوش إلى بلاد الشام للقضاء على أعظم امبراطورية في الغرب، ألا وهي امبراطورية الروم، وقد اختار الصديق لهذه الجيوش قادةً عظاماً، اختار أبو عبيدة بن الجراح ، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان ، وجعل الصديق القيادة العامة لجيوش الشام في يد أبي عبيدة رضي الله عنه، ولما وصلت الجيوش إلى بلاد الشام ، وسمع هرقل امبراطور الروم بهذه الجيوش قال قولته المشهورة: والله لأشفين أبا بكر ألا يورد خيله إلى أرضنا مرة أخرى، وجيش هذا الرجل جيشاً لا مثيل له، جيش جيشاً يزيد على مائتين وأربعين ألف مقاتل، ولما رأى قادة الجيوش المسلمة هذا الجمع الرهيب، أرسلوا إلى أبي بكر يخبروه بالصورة الجديدة والموقف الجديد، أتدرون ماذا قال الصديق رضي الله عنه؟قال: والله لأشفين وساوس الروم بـخالد بن الوليد ، وأصدر الصديق الأوامر إلى قائده المظفر أن ينتقل من العراق من أقصى المشرق فوراً إلى بلاد الشام إلى أقصى المغرب فوراً، وفي أربعة أيام يا عباد الله من طريقٍ وعرٍ مذهل! استطاع خالد بن الوليد أن يكون على جبهة الشام ، وأرسل الصديق في ذلك رسالةً إلى قائده البطل خالد بن الوليد ، وكانت تحتوي على كلماتٍ عذبة رقيقة، ومما كان في هذه الرسالة أن الصديق قال له: هنيئاً لك أبا سليمان النية والحظوة، لا يدخلنك عجبٌ فتخسر وتُخذل، وإياك أن تمنُّ بعملٍ، فإن الله هو صاحب المنِّ وهو ولي الجزاء، وأمره أن ينطلق مسرعاً إلى إخوانه من القادة في بلاد الشام، وأن يتولي خالد القيادة العامة على أبي عبيدة وإخوانه من القادة، وأرسل الصديق رسالة مماثلةً إلى قائد الجيوش في الشام إلى أبي عبيدة يقول فيها: بسم الله الرحمن الرحيم[من أبي بكر إلى أبي عبيدة بن الجراح ، سلام الله عليك أما بعد: فلقد أمرت خالد قيادة الجيوش في بلاد الشام ، فلا تخالفه يا أبا عبيدة ، واسمع له وأطع، وإني لم أبعثه عليك إلا لأني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، وإن كنت عندي أحب إلي منه، أراد الله بنا وبك خيراً والسلام].ولما وصلت الرسالة إلى خالد وكلف فيها من خليفة رسول الله بالقيادة العامة، انظروا إلى الأدب والإخلاص، أرسل خالد بن الوليد رسالة إلى الفور إلى قائد الجيوش في الشام ، إلى أخيه أمين هذه الأمة: أبي عبيدة بن الجراح وقال فيها:[بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة بن الجراح ، سلام الله عليك أما بعد:فلقد جاءني كتاب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمرني فيه بالسير إلى بلاد الشام والقيام على جندها والتولي لأمرها، ووالله ما طلبت ذلك يا أبا عبيدة وما أردته، فأنت على حالك التي كنت عليها قبل ذلك لا نخالفك يا أبا عبيدة ونسمع لك ونطيع، فأنت سيد المسلمين، ولا يمكن أن ننسى فضلك ولا نستغني عن أمرك].بالله ما أورعه! بالله ما أتقاه! بالله ما أنقاه! بالله ما أخلصه! هذه هي القلوب التي تجردت لله، التي لا تبحث عن الزعامة، ولا تريد الصدارة، ولا القيادة، ولو كان على حساب دين الله جل وعلا، لا فرق عند خالد الذي رباه سيد النبيين محمد أن يكون جندياً مطيعاً بعد أن كان قائداً مطاعاً، أو أن يكون قائداً مطاعاً بعد أن كان جندياً مطيعاً، طالما أن راية التوحيد ستظل خفاقة عالية تعانق كوكب الجوزاء في عنان السماء.ووصل خالد بن الوليد إلى إخوانه، والتقت الجيوش المسلمة، وقبل بدء القتال وقف سيف الله يخطب هذه الخطبة العصماء، وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه لإخوانه من القادة والجند: [إن هذا يومٌ من أيام الله، لا ينبغي فيه البغي ولا الفخر، وإن هذا اليوم له ما بعده، فإن رددناهم اليوم لا نزال نردهم بعد اليوم، وإن هزمونا اليوم لن نفلح بعدها أبداً -ثم قال-: فتعالوا بنا نتعاور -أي: نتبادل القيادة- فليكن أحدنا اليوم قائداً، وليكن بعد اليوم أحدنا قائداً -ثم نظر إليهم خالد - وقال: وأطلب منكم أن تتركوا لي الإمارة في اليوم الأول].وتنازل القادة بمنتهى الحب والرضا للقيادة لأخيهم سيف الله المسلول وفارس الإسلام والمسلمين.. لـخالد بن الوليد رضي الله عنه، وعاد البطل ينظم صفوف الجيش بطريقته الخالدية التي لا نظير لها في عالم الميادين، وفي عالم القيادة وفن الحروب، ونظم البطل صفوف جيشه، ورسم المسلمون في هذه الموقعة موقعة اليرموك صوراً من البطولة والفداء تبهر القلوب وتأخذ الألباب، فهذا رجلٌ جنديٌ في الصفوف يقترب من أبي عبيدة بن الجراح وينادي عليه في هذه الضجة وفي هذا الضجيج تحت رنين السيوف، ووقع الرماح وصهيل الخيول: [يا أبا عبيدة ! ويلتفت إليه أبو عبيدة: ماذا تريد؟ فيقول له هذا المسلم النقي: لقد عزمت على الشهادة فهل لك من حاجة أبلغها لرسول الله حين ألقاه، فقال أبو عبيدة: نعم. إذا لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل له: يا رسول الله! لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً -في وسط هذه المعمعة- لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً].وينادي عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه ويقول لنفسه: [والله لطالما قاتلت رسول الله قبل أن يشرح الله صدري للإسلام، وهأنا اليوم أفر من الميدان أمام أعداء الله، فينادي بأعلى صوته: يا أصحاب محمد! من يبايع اليوم على الموت؟] ويبايعه كوكبة من الأبرار الأطهار الأخيار، ويدخلون في صفوف المعركة لا يبحثون عن النصر إنما يبحثون عن الشهادة، إنهم أبناء محمد بن عبد الله، إنهم تلاميذ المصطفى صلى الله عليه وسلم الذين عرفوا حقيقة الدنيا، وشرف الجهاد في سبيل الله، وبهذه القلوب، وبهؤلاء الرجال أعز الله دينه، وأعلى الله راية توحيده، وأعز الله رسوله صلى الله عليه وسلم، ولن تكون العزة ولا النصرة إلا بهذه القلوب، وعلى هذه الأيدي الطاهرة، وبهؤلاء الرجال الأطهار الأبرار الأخيار.وانتهت المعركة أيها الأحباب: وفي وسط هذه الانتصارات المذهلة، وإذ بـالصديق رضي الله عنه يودع الدنيا آمناً راضياً مطمئناً ليلقى حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم بعدما أدى الأمانة التي كلف بها، وهنا يتولى عمر الفاروق رضي الله عنه لنرى مرة أخرى انتصاراً أعظم من جميع الانتصارات، مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه.وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وفاة خالد بن الوليد
وهكذا أيها الأحباب: ينام سيف الله المسلول على فراش الموت بعد كل هذه المعارك والمشاهد والمواقع والغزوات، ينام على فراش موته في بيته وداره، وتنسكب الدموع غزيرةً على وجنتيه وهو يتلوى ويتألم بعد كل هذه المواقع والغزوات .. يا خالد تنام على فراش موتك في دارك وفي بيتك، فيبكي خالد بن الوليد رضي الله عنه ويقول: [لقد شهدت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي موضع شبرٍ إلا وفيه ضربةٌ بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء].إيهٍ يا بطل، إيهٍ يا بطل الأبطال، إيه يا فجر كل ليل، هأنت ذا قد أتممت مسراك، هأنت ذا قد أتممت كفاحك، هأنت ذا قد أتممت روعتك، هأنت ذا قد أتممت جهادك، فلذكراك المجد يا أبا سليمان ، ولسيرتك الخلد يا خالد ، ودعنا نردد مع فاروق الأمة عمر الذي نعاك ودموعه تنسكب على وجنتيه غزيرة، نعاك بهذه الكلمات الطيبات الباهرات وهو يقول: [رحم الله أبا سليمان .. ما عند الله خيرٌ له مما كان فيه، لقد عاش حميداً، ولقي الله سعيداً] رضي الله عن خالد ، وصلى الله وسلم وبارك على أستاذه ومعلمه.وأدعو الله جل وعلا أن يجمعنا بهم في دار كرامته ومستقر رحمته، وأن يقيض لأمة التوحيد قائداً ربانياً يقيمها بكتاب الله وبدين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو على كل شيء قدير.اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعين.
 خالد بن الوليد في موقعة اليرموك
كان الصديق رضي الله عنه بعدما انتهت معارك فارس قد جيش الجيوش إلى بلاد الشام للقضاء على أعظم امبراطورية في الغرب، ألا وهي امبراطورية الروم، وقد اختار الصديق لهذه الجيوش قادةً عظاماً، اختار أبو عبيدة بن الجراح ، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان ، وجعل الصديق القيادة العامة لجيوش الشام في يد أبي عبيدة رضي الله عنه، ولما وصلت الجيوش إلى بلاد الشام ، وسمع هرقل امبراطور الروم بهذه الجيوش قال قولته المشهورة: والله لأشفين أبا بكر ألا يورد خيله إلى أرضنا مرة أخرى، وجيش هذا الرجل جيشاً لا مثيل له، جيش جيشاً يزيد على مائتين وأربعين ألف مقاتل، ولما رأى قادة الجيوش المسلمة هذا الجمع الرهيب، أرسلوا إلى أبي بكر يخبروه بالصورة الجديدة والموقف الجديد، أتدرون ماذا قال الصديق رضي الله عنه؟قال: والله لأشفين وساوس الروم بـخالد بن الوليد ، وأصدر الصديق الأوامر إلى قائده المظفر أن ينتقل من العراق من أقصى المشرق فوراً إلى بلاد الشام إلى أقصى المغرب فوراً، وفي أربعة أيام يا عباد الله من طريقٍ وعرٍ مذهل! استطاع خالد بن الوليد أن يكون على جبهة الشام ، وأرسل الصديق في ذلك رسالةً إلى قائده البطل خالد بن الوليد ، وكانت تحتوي على كلماتٍ عذبة رقيقة، ومما كان في هذه الرسالة أن الصديق قال له: هنيئاً لك أبا سليمان النية والحظوة، لا يدخلنك عجبٌ فتخسر وتُخذل، وإياك أن تمنُّ بعملٍ، فإن الله هو صاحب المنِّ وهو ولي الجزاء، وأمره أن ينطلق مسرعاً إلى إخوانه من القادة في بلاد الشام، وأن يتولي خالد القيادة العامة على أبي عبيدة وإخوانه من القادة، وأرسل الصديق رسالة مماثلةً إلى قائد الجيوش في الشام إلى أبي عبيدة يقول فيها: بسم الله الرحمن الرحيم[من أبي بكر إلى أبي عبيدة بن الجراح ، سلام الله عليك أما بعد: فلقد أمرت خالد قيادة الجيوش في بلاد الشام ، فلا تخالفه يا أبا عبيدة ، واسمع له وأطع، وإني لم أبعثه عليك إلا لأني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، وإن كنت عندي أحب إلي منه، أراد الله بنا وبك خيراً والسلام].ولما وصلت الرسالة إلى خالد وكلف فيها من خليفة رسول الله بالقيادة العامة، انظروا إلى الأدب والإخلاص، أرسل خالد بن الوليد رسالة إلى الفور إلى قائد الجيوش في الشام ، إلى أخيه أمين هذه الأمة: أبي عبيدة بن الجراح وقال فيها:[بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة بن الجراح ، سلام الله عليك أما بعد:فلقد جاءني كتاب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمرني فيه بالسير إلى بلاد الشام والقيام على جندها والتولي لأمرها، ووالله ما طلبت ذلك يا أبا عبيدة وما أردته، فأنت على حالك التي كنت عليها قبل ذلك لا نخالفك يا أبا عبيدة ونسمع لك ونطيع، فأنت سيد المسلمين، ولا يمكن أن ننسى فضلك ولا نستغني عن أمرك].بالله ما أورعه! بالله ما أتقاه! بالله ما أنقاه! بالله ما أخلصه! هذه هي القلوب التي تجردت لله، التي لا تبحث عن الزعامة، ولا تريد الصدارة، ولا القيادة، ولو كان على حساب دين الله جل وعلا، لا فرق عند خالد الذي رباه سيد النبيين محمد أن يكون جندياً مطيعاً بعد أن كان قائداً مطاعاً، أو أن يكون قائداً مطاعاً بعد أن كان جندياً مطيعاً، طالما أن راية التوحيد ستظل خفاقة عالية تعانق كوكب الجوزاء في عنان السماء.ووصل خالد بن الوليد إلى إخوانه، والتقت الجيوش المسلمة، وقبل بدء القتال وقف سيف الله يخطب هذه الخطبة العصماء، وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه لإخوانه من القادة والجند: [إن هذا يومٌ من أيام الله، لا ينبغي فيه البغي ولا الفخر، وإن هذا اليوم له ما بعده، فإن رددناهم اليوم لا نزال نردهم بعد اليوم، وإن هزمونا اليوم لن نفلح بعدها أبداً -ثم قال-: فتعالوا بنا نتعاور -أي: نتبادل القيادة- فليكن أحدنا اليوم قائداً، وليكن بعد اليوم أحدنا قائداً -ثم نظر إليهم خالد - وقال: وأطلب منكم أن تتركوا لي الإمارة في اليوم الأول].وتنازل القادة بمنتهى الحب والرضا للقيادة لأخيهم سيف الله المسلول وفارس الإسلام والمسلمين.. لـخالد بن الوليد رضي الله عنه، وعاد البطل ينظم صفوف الجيش بطريقته الخالدية التي لا نظير لها في عالم الميادين، وفي عالم القيادة وفن الحروب، ونظم البطل صفوف جيشه، ورسم المسلمون في هذه الموقعة موقعة اليرموك صوراً من البطولة والفداء تبهر القلوب وتأخذ الألباب، فهذا رجلٌ جنديٌ في الصفوف يقترب من أبي عبيدة بن الجراح وينادي عليه في هذه الضجة وفي هذا الضجيج تحت رنين السيوف، ووقع الرماح وصهيل الخيول: [يا أبا عبيدة ! ويلتفت إليه أبو عبيدة: ماذا تريد؟ فيقول له هذا المسلم النقي: لقد عزمت على الشهادة فهل لك من حاجة أبلغها لرسول الله حين ألقاه، فقال أبو عبيدة: نعم. إذا لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل له: يا رسول الله! لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً -في وسط هذه المعمعة- لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً].وينادي عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه ويقول لنفسه: [والله لطالما قاتلت رسول الله قبل أن يشرح الله صدري للإسلام، وهأنا اليوم أفر من الميدان أمام أعداء الله، فينادي بأعلى صوته: يا أصحاب محمد! من يبايع اليوم على الموت؟] ويبايعه كوكبة من الأبرار الأطهار الأخيار، ويدخلون في صفوف المعركة لا يبحثون عن النصر إنما يبحثون عن الشهادة، إنهم أبناء محمد بن عبد الله، إنهم تلاميذ المصطفى صلى الله عليه وسلم الذين عرفوا حقيقة الدنيا، وشرف الجهاد في سبيل الله، وبهذه القلوب، وبهؤلاء الرجال أعز الله دينه، وأعلى الله راية توحيده، وأعز الله رسوله صلى الله عليه وسلم، ولن تكون العزة ولا النصرة إلا بهذه القلوب، وعلى هذه الأيدي الطاهرة، وبهؤلاء الرجال الأطهار الأبرار الأخيار.وانتهت المعركة أيها الأحباب: وفي وسط هذه الانتصارات المذهلة، وإذ بـالصديق رضي الله عنه يودع الدنيا آمناً راضياً مطمئناً ليلقى حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم بعدما أدى الأمانة التي كلف بها، وهنا يتولى عمر الفاروق رضي الله عنه لنرى مرة أخرى انتصاراً أعظم من جميع الانتصارات، مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه.وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , خالد بن الوليد للشيخ : محمد حسان

http://audio.islamweb.net