اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , علي بن أبي طالب للشيخ : محمد حسان


علي بن أبي طالب - (للشيخ : محمد حسان)
علي بن أبي طالب أول من أسلم من الصبيان، تربى في بيت النبوة، وقدم نفسه فداءً للنبي عليه الصلاة والسلام يوم الهجرة، فكان من أشجع الرجال.كانت له مواقف بطولية معروفة كموقفه في غزوة الخندق، وكذلك موقفه في غزوة خيبر الذي دل على محبة الله له، وكان موقفه الأخير -وهو من أعظم المواقف- في الفتنة، حيث كان الحق حليفه، وقد قتل رضي الله عنه وأرضاه غدراً ...
مواقف من حياة الإمام علي بن أبي طالب
الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله, أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين, فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته, وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.أما بعد:فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة وزكى الله هذه الأنفس المطمئنة بالإيمان, وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.أحبتي في الله: مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى, ونحن اليوم على موعد مع العابد التقي الورع الذي تفوَّق على إغراء دنيا البشر, إننا اليوم على موعد مع خليفة آخر، من طراز عمر في شدته وعدله واستقامته وورعه وزهده وتواضعه, إنه الرجل والخطيب المفوه البارع الذي تهتز الدنيا لكلماته، وهي تخرج من وراء شفتيه كأنها نور يبدد الظلماء, إنه الفقيه العالم الذي يجري الحق على لسانه وقلبه، إنه تلميذ بيت النبوة الذي تربى في حجر المصطفى صلى الله عليه وسلم وكفى, إنه الرجل الذي أحب الله ورسوله وأحبه الله ورسوله، إنه الرجل الذي اضطر يوماً لأن يفخر بهذه الفضائل وبتلك المكارم فقال: محمدٌ النبي أخي وصهـري وحمزة سيد الشهداء عمي و جعفر من يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وزوجي منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها فأيكم له سهم كسهمي إننا اليوم على موعد مع الشهيد المظلوم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه.أحبتي في الله! الحق أقول لكم: لقد صحبت التاريخ طوال الأسبوع الماضي في مراجعه وأمهاته الكبار، لكي أدرس من جديد حياة الإمام دراسة دقيقة في فترة حرجة من أحرج فترات التاريخ الإسلامي, بيد أن محاولة تلخيص حياة الإمام في هذه الدقائق المعدودات محاولة صعبة وعسيرة, فحياة الإمام لاسيما في مراحلها الأخيرة التي بدأت باستخلافه وانتهت باستشهاده لم تكن حياة عادية وإنما كانت تتفجر بالعظمة والجلال، وتموج بالأسى والهول موجاً في آن واحد.فهيا بنا سريعاً إلى هذه الحياة الحافلة بالبطولة والألم والعظمة والمأساة, والبأساء والضراء, والنصر والهزيمة, والرخاء والشدة, والبسمة والدمعة, والفرح والحزن, هيا بنا إلى حياة الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه، وتعالوا بنا لنستهل هذه الحياة العامرة المباركة الكريمة بشهادات الحق وأوسمة الصدق التي منحها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه وأرضاه.
 علي في غزوة تبوك
وفي السنة التاسعة من الهجرة خرج النبي صلى الله عليه وسلم لغزوة تبوك ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً أن يخلفه في أهله، وخرج علي يشتكي كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقال: (يا رسول الله! تخلفني في النساء والصبيان؟) أعيروني القلوب وأصغوا الأسماع لتستمعوا إلى هذه الشهادة، ولتأخذوا هذا الوسام الذي علقه النبي صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة على صدر علي بن أبي طالب ، فيقول له الحبيب: (يا علي ! أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي), الله أكبر! أي طراز من البشر كان علي ؛ لينال هذه الشهادة الكريمة، وليحصل على هذه المنقبة الكبيرة العظيمة؟
دراسة تحليلية لأحداث الفتنة بين علي ومعاوية
ولن أتوقف طويلاً -أيها الأحبة- عند حياة الإمام قبل الخلافة -فإني أرى عقارب الساعة بين يدي تطاردني لنخلِّف سريعاً الأحداث المؤلمة- لنعيش مع البطل في أحداث الفتنة الصماء البكماء العمياء؛ لنستخرج الحق من وسط هذا الركام الهائل من الأخبار الموضوعة والأقوال المكذوبة المصنوعة، التي شحنت بها الكتب والأسفار على أيدي الشيعة والخوارج وغيرهم من فرق الباطل والضلال.وأعيروني القلوب فإن هذا العنصر من أخطر عناصر اللقاء والموضوع، ولو لم أتوقف في هذا اللقاء إلا معه لكفى, فلقد شوهت حقائق التاريخ, وشوهت صور هؤلاء الأطهار الأبطال الأبرار والعدول الثقات، الذين زكاهم وعدلهم محمد صلى الله عليه وسلم.
 موقعة صفين بين علي ومعاوية
رجع علي بن أبي طالب إلى الكوفة لتبدأ فتنة أخرى حالكة في لقاء علي رضي الله عنه مع معاوية؛ يوم أن صمم علي على أن يذهب بنفسه إلى الشام وشاور وأرسل رسالة إلى معاوية يطلب فيها البيعة, فقد بايع علياً كل الناس وكل الولاة إلا معاوية رضي الله عنه.فجمع معاوية رءوس الناس في الشام وعرض عليهم رسالة علي رضي الله عنه، فقالوا جميعاً: لا, لا نبايع علياً إلا إذا قتل قتلة عثمان ، أو سلمهم إلينا لنقتلهم, وخرج علي بنفسه واستعد أهل الشام ونشبت فتنة القتال مرة أخرى وإنا لله وإنا إليه راجعون.!ودارت الحرب الطاحنة -سبحان الله!- ولما رأى أهل الشام أن الحرب ضروس رفعوا المصاحف على أسنة السيوف والرماح, وقالوا: نحكم بيننا كتاب الله، وقبل الفريقان تحكيم كتاب الله جل وعلا, قبل أهل العراق مع علي وقبل أهل الشام مع معاوية بعدما رُفع كتاب الله جل وعلا بينهما، واختار الفريقان حكمين, اختار علي : أبا موسى الأشعري، واختار معاوية : عمرو، ولقد قال الناس ما قالوا في مسألة التحكيم، وشبهوها بلعبة سياسية حقيرة قذرة لا تتم إلا في مؤتمر من مؤتمرات الكذب والبهتان، وقالوا في أبي موسى وفي عمرو كلاماً لا ينبغي على الإطلاق أن يقال في أشراف الناس فضلاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا يخلو كتاب من كتب التاريخ من هذه الأكذوبة الكبيرة، قالوا: لقد اتفق عمرو وأبو موسى على خلع علي ومعاوية , وهل كان معاوية خليفة أو ادعى الخلافة ليخلعه أبو موسى أو عمرو ؟ كلا.انظروا إلى مغالطات التاريخ, وإنما الذي حدث أن قالوا: بأن أبا موسى وعمرواً قالا: نخلع علياً ونخلع معاوية ونترك الأمر شورى للمسلمين, هذا صحيح وهذا صدق وحق، ولكن البهتان يأتي, قالوا: فلما اتفقا على ذلك واجتمعا في الموعد المضروب بينهما, قال عمرو : تكلم يا أبا موسى, فقام أبو موسى فقال: لقد اتفقت أنا وصاحبي على أن نخلع علياً ومعاوية ، وعلى أن يترك الأمر شورى للمسلمين ليختاروا من يشاءون, فلما انتهى أبو موسى من بيانه, قام عمرو بن العاص وقال: لقد خلع صاحبي علياً ومعاوية ، أما أنا فإني أخلع علياً وأثبت معاوية , ما هذا.؟! هذا يليق بمؤتمرات الكذب والبهتان, يليق بألاعيب السياسة.أما مع هؤلاء الأطهار الأبرار؛ فلا وألف لا, ولدينا من الأدلة الصحيحة من روايات الأئمة الثقات الأثبات ما ينفي ذلك الكذب والبهتان عن هؤلاء الأطهار الأبرار والأخيار الأعلام, واقرءوا ما رواه الإمام العلم الثبت الدارقطني بسنده الصحيح أن حضير بن المنذر رضي الله عنه وأرضاه أرسله معاوية بن أبي سفيان إلى عمرو رضي الله عنه ليتحقق مما حدث, فذهب حضير بن المنذر ولقي عمرواً , فقال: يا عمرو ما الذي صنعتماه أنت وأبو موسى ؟ -أتدرون ماذا قال عمرو؟ قال: أنتركه ونذهب إلى هذا الغدر والكذب الذي لا يليق بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقال عمرو : ماذا ترى يا أبا موسى فقال أبو موسى رضي الله عنه وأرضاه: أرى أن نخلع علياً ومعاوية وأن يبقى هذا الأمر في النفر الذي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض, فقال عمرو : فما تجعلني أنا ومعاوية ؟ فقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: أنتما إن طلب منكما، إن يستعن بكما ففيكما المعونة، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما, وانتهى الأمر...أما هذه الأكاذيب والافتراءات فلا دخل لها إطلاقاً ولا وجود لها في عالم هؤلاء الأطهار، ليس معنى ذلك -أو لا يفهم من كلامي- أنني أقول: إن العصمة للصحابة! كلا, بل إننا على يقين أن منهم من قد زل باجتهاده! وهو اجتهاد مأجور عليه حتى وإن أخطأ؛ لأنه لا ينشد إلا الحق كما قال الأئمة الأعلام كشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام أحمد وجميع أئمة أهل السنة والجماعة رحمهم الله جميعاً:إن كل فريق منهما قد اجتهد وهو مأجور على اجتهاده حتى وإن أخطأ، مع أننا نقول بيقين جازم مطلق بأن أولى الطائفتين بالحق كان علياً رضي الله عنه وأرضاه.أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
مروق فرقة الخوارج
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:وهنا -أيها الأحبة- مرقت فرقة الضلال من بين جيش علي رضي الله عنه وأرضاه؛ هؤلاء الذين قبلوا التحكيم في أول الأمر, بل وهم الذين أصروا على علي أن يذعن لكتاب الله، وهل عارض أو عاند، علي الذي تربى في أحضان الكتاب وبين آياته؟ هل أنكر حدود الله وضيع كتاب الله؟! خرجت هذه الفرقة فرقة الضلال، الخوارج الذين اعترضوا على علي وخرجوا عليه، وحكموا عليه بالكفر, قالوا: تحكم في كتاب الله بشراً -سبحان الله!- من أصحابك؟ إن الحكم إلا لله, وكفروا علياً بهذه المقولة حتى قال علي قولته الخالدة: [كلمة حق يراد بها باطل].وانطلقوا يعيثون في الأرض تقتيلاً وفساداً, هذه الفرقة التي قال عنها الحبيب الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في أحاديث بلغت حد التواتر: (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية).وفي حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يقتل هذه الفرقة أولى الطائفتين بالحق), فشهد النبي للطائفتين, لطائفة علي ولطائفة معاوية بأنهما على الحق، ولكن هناك فرقة هي أولى بالحق من فرقة، وهي فرقة علي رضي الله عنه وأرضاه, وهذا هو ما يدين الله به أهل السنة والجماعة بأن الطائفتين على الحق، وأولى الطائفتين بالحق طائفة علي ، وكلاهما مجتهد مأجور إلا أن اجتهاد علي ضعف اجتهاد معاوية ومن معه رضي الله عنهم جميعاً وأرضاهم.
 اجتماع الأمة على معاوية
ولما مات علي ذهب الناس إلى الحسن ليبايعوه، فبايعوا الحسن بن علي رضي الله عنه وأرضاه، إلا أن الحسن تعالى على كل هذه الدماء والأشلاء، وحقن دماء المسلمين، وحقق ما قاله من قبل الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فتنازل الحسن عن الأمر لـمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم جميعاً وحقن الحسن الدماء، وانتقل الملك إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه، ليحقق الحسن دليلاً من دلائل النبوة الخالدة كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد يوماً على المنبر وأجلس إلى جانبه الحسن بن علي ثم نظر النبي إلى الناس ونظر إلى الحسن وقال: (أيها الناس! إن ابني هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين), بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.وأصلح الحسن بين فئتين عظيمتين من المسلمين, بل وحكم الله جل وعلا للفئتين بالإيمان إلا من مرق من مارقة فرق الضلال والباطل من الخوارج والشيعة وقتلة عثمان وغيرهم؛ فقال سبحانه: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فلم يخرجهم بالقتال والحرب من دائرة الإيمان, بل ولا من دائرة الأخوة- اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات:9], ويحكم الله لهم جميعاً بالأخوة فيقول جلا وعلا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات:10].أحبتي في الله: أختم هذا اللقاء الساخن بهذه العبارة حتى لا تنسى وأقول: هذه فتنة عظيمة سلمت منها أيدينا فلتسلم منها ألسنتنا, وحذار أن نكون من الخائضين، وأن نكون من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله يوم القيامة أمام رب العالمين.أسأل الله جل وعلا أن يتجاوز عنا وعنهم بمنه وكرمه، وأن يغفر لنا ولهم وأن يجزيهم عنا خير الجزاء.اللهم ارض عن أبي بكر وعثمان وعمر وعلي, اللهم ارض عنهم يا رب العالمين, وتجاوز عنا وعنهم بكرمك وأنت على كل شيء قدير.اللهم اجمعنا بهم في دار كرامتك ومستقر رحمتك، مع إمام الهدى ومصباح الدجى وإمام النبيين وخاتم المرسلين محمد عليه الصلاة والسلام.اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين, وأعل بفضلك كلمتي الحق والدين.اللهم اجمع شملهم.اللهم وحد صفهم, وزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم بقدرتك يا أرحم الراحمين.وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وما كان من توفيق في هذا اللقاء فمن الله جل وعلا وحده, وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان, والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , علي بن أبي طالب للشيخ : محمد حسان

http://audio.islamweb.net