اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الصراط للشيخ : محمد حسان


الصراط - (للشيخ : محمد حسان)
ستمر بالبشرية جمعاء أهوال عظيمة وخطوب جسيمة يوم القيامة، وقد وصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الصراط، ووصف أحوال الناس عليه، وكأننا نعاين هذا الهول الرهيب، وبين عليه الصلاة والسلام الأعمال المنجية من هذا الهول العظيم، وبين الأعمال التي تزيد البلاء بلاءً وتوبق أهلها في جهنم والعياذ بالله، فعلى المسلم أن يحرص على ما ينفعه، وأن يثبت على الصراط المعنوي في هذه الدنيا -وهو دين الله- لينجو في الصراط الحسي الأخروي.
الصراط جسر جهنم وأحوال الناس عليه
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الكريم المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة، سلسلة علمية كريمة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها تذكير الناس بحقيقة هذه الدنيا وبالآخرة، في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانحرف فيه كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات؛ ليتوبوا إلى الله ويتداركوا ما قد فات، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون.نحن اليوم -بإذن الله جل وعلا وتوفيقه ومدده- على موعد مع اللقاء التاسع عشر من لقاءات هذه السلسلة العلمية الكريمة، وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي مع مشهد الميزان، وقلنا: إن الحساب لتقرير الأعمال، وإن الوزن لإظهار مقدارها ليكون الجزاء بحسبها. فإذا وزنت الأعمال، وتقرر الجزاء، وما بقي إلا أن يلقى كل واحد مصيره، فيأمر الملك جل وعلا أن ينصب الصراط على متن جهنم؛ ليمر عليه المتقون إلى جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدراً، ليمر عليه المتقون إلى جنات عدن، وليمر عليه المشركون والمجرمون إلى نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى. وهذا هو موضوعنا اليوم مع حضراتكم بإذن الله جل وعلا، فإننا اليوم على موعد مع مشهد الصراط بعد الميزان. وسوف أركز الحديث مع حضراتكم في هذا الموضوع الخطير في العناصر التالية: أولاً: الصراط جسر جهنم وأحوال الناس عليه. ثانياً: الأمانة والرحم على جانبى الجسر. ثالثاً: آخر رجل يمر على الصراط. وأخيراً: كيف النجاة؟ فأعيرونى القلوب والأسماع والوجدان، فإن الموضوع جد خطير، والله أسأل أن ينجني وإياكم يوم الحساب، ويوم الميزان، ويوم الصراط، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
 صفة الصراط
يصف الصادق المصدوق الصراط، ويزيد الصورة توضيحاً وتجسيداً كما في رواية أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم أنه قال: (ثم يضرب الجسر على جهنم -قيل: وما الجسر يا رسول الله؟ قال: دحض مزلة -أو مزلة بالفتح والكسر، واللغتان صحيحتان، أي: موطن تزل فيه الأقدام ولا تثبت، اللهم ثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام- فيه خطاطيف وكلاليب وحسك -والخطاطيف: جمع خطاف، والكلاليب: جمع كلوب وهو الخطاف، والحسك: بفتح الحاء والسين شوك كالخطاف شديد الصلابة كالحديد- ثم يمر المؤمنون: فمنهم من يمر كالطرف -أي: مثل غمضة العين، صنف من أهل الإيمان يمر على هذا الصراط الموحش في طرفة عين إلى الجنان، اللهم اجعلنا منهم- ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطير، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والركاب -هذه هي أصناف أهل الإيمان- فناج مسلم -هذا هو القسم الأول وهو الذي نجاه الله وسلمه، وهم من أهل الأنوار والتقى ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [مريم:72] -فناج مسلم ومخدوش مرسل- تمسه النار، لكن العزيز الغفار ينجيه، والقسم الثالث- ومكدوس في نار جهنم) أي: تخطفه الخطاطيف والكلاليب فتهوي به في جهنم والعياذ بالله.وصف لو تدبرته فكأنك تعايشه وتراه، ولم لا والذي يبين لنا هو من آتاه الله جوامع الكلم بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم؟!أيها المسلمون! تدبروا هذا المشهد الذي يخلع القلب! أنت على الصراط! وجهنم مسودة تزفر وتزمجر تحت الصراط! والناس بين يديك: منهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطير، ومنهم من يزحف على الصراط، ومنهم من تخطفه الخطاطيف إلى نار جهنم.أبت نفسي تتوب فما احتيالي إذا برز العباد لذي الجلالوقاموا من قبورهم سكارىبأوزار كأمثال الجبالوقد نصب الصراط لكي يجوزوافمنهم من يكب على الشمالومنهم من يسير لدار عدنتلقاه العرائس بالغوالييقول له المهيمن يا وليي غفرت لك الذنوب فلا تباليتدبر هذه اللحظات! والله إنها لحظات تخلع القلوب! الصراط على متن النار! جرب نفسك الآن على نهر ماء، لا أقول: على نار، ولكن على ماء، اذهب إلى بركة صغيرة مدت عليها خشبة أو ماصورة، جرب نفسك لتعبر عليها كيف يكون حالك؟! وأنت تعلم أنك إن سقطت ستسقط في ماء! ولن تسقط في نار! جرب هذا المشهد؛ لتقف على هول لحظات تمر فيها على الصراط، وجهنم تحت الصراط تزفر وتزمجر غضباً منها لغضب ربها جل وعلا، ويزداد الأمر خطراً إذا رأيت الأمانة على يمين الصراط، والرحم على شمال الصراط، قبل أن تمر تقول لك الأمانة: أين الحقوق؟ وتقول لك الرحم: أين الحقوق؟ وهذا هو عنصرنا الثاني.
الأمانة والرحم على جانبي الصراط
الأمانة والرحم على جانبي الصراط، والله إنه لمشهد يخلع القلب! في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان أنه صلى الله عليه وسلم قال: (وترسل الأمانة والرحم على جنبتي الصراط)، يقول الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: وإرسال الأمانة والرحم على جانبي الصراط؛ لتطالب كل من يمر على الصراط بحقهما! وهذا يدل على عظيم قدرهما عند ربهما.الأمانة: حمل ثقيل ضخم أشفقت السماوات والأرض والجبال من حمله: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72].
  آخر رجل يمر على الصراط
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.أما بعد: يا ترى من هو آخر رجل يمر على الصراط؟ وكيف يكون حاله وهو آخر رجل يدخل الجنة من أمة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم؟! وحديثه الجميل رواه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، تدبر معي كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (آخر رجل يدخل الجنة رجل يمشى مرة -أي: يمشي على الصراط مرة- ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، يمشي ثم يتكفأ فيسقط فتسفعه النار)، ولكنه يحاول ويجاهد ليمر على الصراط، فإذا نجاه الملك جل وعلا وعبر الصراط، التفت إلى النار تحت الصراط تضطرم، ثم قال: (تبارك الذي نجاني منك وأعطاني ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين!) نعم فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] إي وربي فقد فاز، يلتفت ويقول: تبارك الذي نجاني منك وأعطاني ما لم يعط أحدا من الأولين والآخرين. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (فترفع له شجرة)، أي: يرفع الله له شجرة، أيها الحبيب! أرجو أن تتصور وتتخيل شجرة غرس كرامتها ملك الملوك جل وعلا! (فترفع له شجرة من شجر الجنة، فيقول العبد: أي رب! أدنني من هذه الشجرة لأستظل بظلها ولأشرب من مائها. فيقول الله للعبد: فلعلي إن أعطيتكها ستسألني غيرها، يقول: لا أسألك غيرها، فيدنيه الله منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها -يقول المصطفى-: فترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول العبد: أي رب! أدنني من هذا الشجرة لأستظل بظلها ولأشرب من مائها. فيقول الله: يا ابن آدم ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟! -أي: غير الأولى- فيقول: هذه لا أسألك غيرها. فيقول: إن أعطيتكها ستسألني غيرها. فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيرها، فيقربه الله منها، يقول المصطفى: وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيقربه الملك فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة على باب الجنة هي أحسن من الأوليين فيقول: أي رب! أدنني من هذه الشجرة، فيقول الله: ألم تعط العهود ألا تسألني غير الذي سألت؟! فيقول: هذه لا أسألك غيرها، فيقربه الله منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها، فيسمع أصوات أهل الجنة في الجنة فيقول: أي رب! أدخلني الجنة، فيقول الله جل وعلا: يا ابن آدم ما الذي يرضيك مني؟ ثم يقول: أيرضيك أن أعطيك -أي: في الجنة- الدنيا ومثلها معها فيقول العبد: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟! هنا ضحك عبد الله بن مسعود ، وسأل أصحابه: لم لا تسألوني مما أضحك؟ فقالوا: مم تضحك يا ابن مسعود ؟ قال: ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه مم تضحك يا رسول الله؟ قال: أضحك لضحك رب العزة جل وعلا، يضحك رب العزة من عبده إذا قال: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟! فيضحك الله من عبده -لا تعطل ولا تكيف ولا تمثل ولا تشبه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]- فيضحك رب العزة من عبده ويقول له: أنا لا أستهزئ بك ولكني على ما أشاء قادر)، وفي رواية أبي سعيد في صحيح مسلم يقول: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يقول الله للعبد أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟)، وفي رواية أبي سعيد : (أيرضيك أن أعطيك الدنيا وعشرة أمثالها معها؟) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
كيفية النجاة من الصراط وأهواله
أخيراً: كيف النجاة؟ وطريق النجاة في كلمات قليلة: إن لله في الدنيا صراطاً، وإن لله في الآخرة صراطاً، فمن استقام في الدنيا على صراط الله ثبته الله في الآخرة على صراطه، فاستقم على صراط الله في الدنيا، فأنت في كل ركعة من ركعات صلاتك تدعو الله أن يهديك هذا الصراط اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، هذا الصراط هو طريق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فالزم هذا الصراط واثبت عليه؛ ليثبتك الله على صراط الآخرة. والله أسأل أن يثبتنا وإياكم على الصراط، اللهم ثبتنا على الصراط، اللهم ثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام، اللهم ثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام، اللهم ثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام، اللهم ثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا عيباً إلا سترته، ولا حاجة هي لك رضى ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى. اللهم استر نساءنا، واحفظ بناتنا، واهد أولادنا، واجعلهم قرة عين لنا برحمتك يا أرحم الراحمين.اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم احفظ أهلنا في العراق يا أرحم الراحمين، اللهم احفظ أهلنا في العراق يا أرحم الراحمين، اللهم احفظ أهلنا في العراق بقدرتك يا رب العالمين. اللهم احفظ أهلنا في فلسطين، اللهم احفظ أهلنا في فلسطين. اللهم احفظ أهلنا في الصومال، وفي الفلبين، وفي كشمير، وفي طاجكستان، وفي تركستان، وفي الجزائر يا رحمن. اللهم ارفع الهم والغم عن أمة حبيبك محمد، اللهم ارفع الهم والغم عن أمة حبيبك محمد، اللهم أرنا في اليهود وأعوانهم يوماً كيوم عاد وثمود، اللهم عليك باليهود والأمريكان، اللهم عليك باليهود والأمريكان، اللهم أرنا فيهم يوماً كيوم عاد وثمود بقدرتك يا قوي يا جبار. اللهم احفظ أهلنا ونساءنا وبناتنا وإخواننا وأولادنا في العراق وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم احفظهم بحفظك، اللهم اكلأهم بعنايتك، اللهم اكلأهم برعايتك، اللهم إنك قادر، تقول للشيء: كن فيكون، اللهم إنك قادر، اللهم إنهم ضعفاء فكن لهم نصيراً، اللهم إنهم عزل فكن لهم معيناً، اللهم إنهم عزل فكن لهم نصيراً، اللهم إنهم عزل فكن لهم معيناً، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان -وهذا وارد لا شك فيه- فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
  آخر رجل يمر على الصراط
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.أما بعد: يا ترى من هو آخر رجل يمر على الصراط؟ وكيف يكون حاله وهو آخر رجل يدخل الجنة من أمة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم؟! وحديثه الجميل رواه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، تدبر معي كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (آخر رجل يدخل الجنة رجل يمشى مرة -أي: يمشي على الصراط مرة- ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، يمشي ثم يتكفأ فيسقط فتسفعه النار)، ولكنه يحاول ويجاهد ليمر على الصراط، فإذا نجاه الملك جل وعلا وعبر الصراط، التفت إلى النار تحت الصراط تضطرم، ثم قال: (تبارك الذي نجاني منك وأعطاني ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين!) نعم فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] إي وربي فقد فاز، يلتفت ويقول: تبارك الذي نجاني منك وأعطاني ما لم يعط أحدا من الأولين والآخرين. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (فترفع له شجرة)، أي: يرفع الله له شجرة، أيها الحبيب! أرجو أن تتصور وتتخيل شجرة غرس كرامتها ملك الملوك جل وعلا! (فترفع له شجرة من شجر الجنة، فيقول العبد: أي رب! أدنني من هذه الشجرة لأستظل بظلها ولأشرب من مائها. فيقول الله للعبد: فلعلي إن أعطيتكها ستسألني غيرها، يقول: لا أسألك غيرها، فيدنيه الله منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها -يقول المصطفى-: فترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول العبد: أي رب! أدنني من هذا الشجرة لأستظل بظلها ولأشرب من مائها. فيقول الله: يا ابن آدم ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟! -أي: غير الأولى- فيقول: هذه لا أسألك غيرها. فيقول: إن أعطيتكها ستسألني غيرها. فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيرها، فيقربه الله منها، يقول المصطفى: وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيقربه الملك فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة على باب الجنة هي أحسن من الأوليين فيقول: أي رب! أدنني من هذه الشجرة، فيقول الله: ألم تعط العهود ألا تسألني غير الذي سألت؟! فيقول: هذه لا أسألك غيرها، فيقربه الله منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها، فيسمع أصوات أهل الجنة في الجنة فيقول: أي رب! أدخلني الجنة، فيقول الله جل وعلا: يا ابن آدم ما الذي يرضيك مني؟ ثم يقول: أيرضيك أن أعطيك -أي: في الجنة- الدنيا ومثلها معها فيقول العبد: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟! هنا ضحك عبد الله بن مسعود ، وسأل أصحابه: لم لا تسألوني مما أضحك؟ فقالوا: مم تضحك يا ابن مسعود ؟ قال: ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه مم تضحك يا رسول الله؟ قال: أضحك لضحك رب العزة جل وعلا، يضحك رب العزة من عبده إذا قال: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟! فيضحك الله من عبده -لا تعطل ولا تكيف ولا تمثل ولا تشبه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]- فيضحك رب العزة من عبده ويقول له: أنا لا أستهزئ بك ولكني على ما أشاء قادر)، وفي رواية أبي سعيد في صحيح مسلم يقول: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يقول الله للعبد أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟)، وفي رواية أبي سعيد : (أيرضيك أن أعطيك الدنيا وعشرة أمثالها معها؟) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الصراط للشيخ : محمد حسان

http://audio.islamweb.net