اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , والله غالب على أمره للشيخ : أبو إسحاق الحويني


والله غالب على أمره - (للشيخ : أبو إسحاق الحويني)
أثبت الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم أنه غالب على أمره، وهذا شامل لكل قضية، فأمر الله سبحانه يغلب كل أمر؛ فيغلب دين الله عز وجل على سائر الأديان، وينتصر عباد الله المتقون على من خالف أمر الله وعصاه، فبيده سبحانه مقاليد الأمور، وله عز وجل جنود السماوات والأرض.
غلبة أمر الله في قضية يوسف
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.قال الله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21] الله غالبٌ على أمره، يعني: إرادته تغلب إرادة غيره، ومشيئته تغلب مشيئة غيره؛ لأن الله تبارك وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وكل صفة في العبيد حاشا الأنبياء فهي صفة نقص، فإذا كان هناك رجلٌ ذكي ففي الكون من هو أذكى منه، وهو ناقص بالنسبة لغيره، فإرادته تناسب نقص صفته، وإرادة الله عز وجل تناسب كمال صفته، فالله غالب على أمره، وهذا الذي حدث في حياة يوسف، كيف غلب أمره في قصة يوسف كلها؟ قال يعقوب عليه السلام: قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5] رؤياه وقد منعه أبوه، لكن غلب أمر الله فقص على إخوته فكادوا له، فرموه في الجب بقصد إقصائه عن وجه والده، وأرادوا أن يخلو لهم وجه أبيهم، فما تم لهم ما أرادوا؟ غلب أمر الله عز وجل وضاق عليهم قلب أبيهم، ونحن نعلم أن حسن المعاملة، هذا معتمد على عمل القلب، فإذا دخل البغض على قلب رجل، لا يستطيع أن يتبسم في وجه من يبغضه، فكل الجوارح تخضع لعمل القلب، ثم دخل قصر العزيز وراودته المرأة، فلما رأت العزيز بادرت بالهجوم والاتهام، وأرادت أن تبرئ نفسها: قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [يوسف:25] بقصد أن تبرأ من هذا الذنب، فغلب أمر الله عز وجل وشهد شاهد من أهلها فاتهمت، ثم دخل السجن، وذَكَّر الساقي، فقال له: اذكرني عند ربك، فغلب أمر الله عز وجل ونسي الساقي هذا ولم يذكر إلا بعد أمة من الزمان، ثم بعد مرة من الزمان تذكر يعقوب عليه السلام يوسف، لما أبى أن يعطيهم المتاع إلا أن يأتوا بأخ لهم من أبيهم، فلما ذكروا أخا يوسف هاجت الذكرى عند يعقوب عليه السلام، وقال: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف:18] .. وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ [يوسف:84]، وهذا بعد مدة من الزمان، وأصروا على الذنب، لكن كان مبدؤهم أن يفعلوا الفعلة ثم يتوبوا، لكنهم فعلوا الفعل ولم يتوبوا، بل أصروا على الذنب، ونفوا عن أنفسهم الجناية، لكنهم عادوا فاعترفوا لما غلب أمر الله، تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [يوسف:91] .. يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ [يوسف:97] فهذا اعتراف بالذنب بعد الإصرار على عدم الاعتراف.
 

غلبة أمر الله في شأن الحياة والموت
قد يتمنى أحياناً ما فيه تلفه وهو لا يدري، ويغلب أمر الله عز وجل على تدبير المدبرين، وعلى هذا جاء قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا جعل الله منية عبد بأرض جعل له إليها حاجة) أي: جعل له حاجة في هذه الأرض.وإذا علم العبد أنه يموت هناك ما ذهب، لكن الله غالب على أمره، كما روى أبو الشيخ في كتاب العظمة أن داود عليه السلام قرَّب رجلاً من أهل مملكته، فلما مات داود عليه السلام اصطفاه وسليمان وقربه إليه، وكان ملك الموت عليه السلام يجالس الأنبياء عياناً، ودخل ذات مرة على سليمان عليه السلام فنظر إلى الرجل ولحظه بطرف عينه، وانتبه الرجل لنظره إليه، وذهب ملك الموت، فسأل الرجل جليس سليمان عليه السلام من هذا، فقال: ملك الموت، فقال: لا أجلس في أرض فيها ملك الموت، فقال: وماذا تريد؟ قال: مر الريح فلتذهب بي إلى أرض الهند، وكانت الريح مسخرة له كما قال الله عز وجل: تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36] رخاء يعني: لا شديدة ولا رخوة، وبعد قليل جاء ملك الموت إلى سليمان عليه السلام فقال له: لم لحظت الرجل، ولم نظرت إليه؟ قال: إن الله أمرني أن أقبض روحه في أرض الهند، فلما ذهبت إلى هناك وجدته هناك يرتعد في مكانه فاستلبت روحه.لو علم الرجل أنه يقبض هناك ما طلب هذا الطلب، لكن الله غالب على أمره، وتدبيره محكم وسابق على تدبير عباده، وإذا قرأت قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يرث القاتل) تبين لك هذا المعنى أيضاً، فالقاتل يقتل أخاه أو أباه أو عمه من أجل أن يرث، فلو علم أنه سيحرم الميراث ما قتل، فالله غالب على أمره، إشارة إلى القدر الأعلى المهيمن المسيطر على مصائر العباد.
 

غلبة أمر الله في قصة أصحاب الأخدود
وهذا المعنى أيضاً يظهر بجلاء في قصة أصحاب الأخدود، وهي قصة رائعة، وفيها معان دفاقة كثيرة، إن الرجل لا يسود إلا إذا احترم رعيته، ومن عوامل الخذلان لأي حاكم في الدنيا أنه يحاصر الرعية، ولا يقيم لهم وزناً، ويجعلهم من الهمل، هذه من علامات الخذلان، لكن إذا عظمهم عظم في قلوبهم، وصاروا يحترمونه ولا يقدمون أحداً عليه، وانظر إلى عمر ، ملك الدنيا، وما امتعض صحابي قط من تصرفاته، فتجده يضرب أبا هريرة ولا يغضب، ويضرب سعداً ولا يغضب، ويضرب أبا ذر ولا يغضب؛ لأنه كان يفعل ذلك لله ليس لحظ النفس، حتى لما عزل سعد بن أبي وقاص لم يغضب سعد ؛ لأنه كان يعلم مقصد عمر . فبقدر ما يكون في قلبك من الإخلاص بقدر ما يميزك الله عز وجل بين الناس. وقصة أصحاب الأخدود هي كما في صحيح مسلم من حديث صهيب رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كان فيمن كان قبلكم ملك، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: ائتني بغلام نجيب أعلمه السحر، فإني أخشى أن أموت وليس فيكم من يتعلمه، فجيء له بغلام نجيب).قارن هذه القصة واربطها بقوله تبارك وتعالى: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ [يوسف:21] لتعلم ونحن في مرحلة الاستضعاف أن النصر قريب لكن بشرط، (فكان هذا الغلام يخرج من بيته إلى بيت الساحر، وكان إذا مر مر بصومعة راهب، فعرج الغلام يوماً على صومعة الراهب فدخل، وسمع كلامه فأعجبه)، فعندما يسمع كلام الساحر، ثم يسمع كلام الله لا بد أن يجد فرقاً، (فصار يتأخر عند الراهب، فيتأخر في الرجوع إلى بيته إذا كان راجعاً، أو يتأخر في الذهاب إلى الساحر إذا كان ذاهباً، فكان هؤلاء يضربونه على التأخير، وهذا يضربه أيضاً على التأخير، فشكى ذلك إلى الراهب فقال له: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل: حبسني أهلي، وإذا ضربك أهلك فقل: حبسني الساحر، ومضى زمن، حتى جاء يوم واعترض طريق الناس دابة، فقال الغلام: اليوم أعلم أأمر الراهب أحب إلى الله عز وجل أم أمر الساحر، فأمسك حجراً وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك فاقتل هذه الدابة، ثم رماها بالحجر فقتلها.تحدث الناس عن الغلام وذاع صيته، فدخل على الراهب، فقال: أي بني إنك اليوم صرت أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ) هذا ما أراده الراهب، ولكن حدث ما أراده الله، (وكان الغلام يشفي من سائر الأمراض، ويبرئ الأكمه والأبرص، وكان يجالس الملك رجل، كان قد عمي، فلما سمع بمهارة الغلام، جمع له هدايا عظيمة، وذهب وقال له: ما هناك لك أجمع -أي: كل هذه الهدايا لك- إن أنت شفيتني، فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، ولكن يشفي الله تعالى، فإن آمنت به دعوته وشفاك، فآمن به جليس الملك فرد الله عليه بصره، فدخل الجليس على الملك بلا عكاز وبلا مرشد، فقال الملك: بلغ من سحر الغلام أنه شفاك؟ قال: إنما شفاني الله تعالى، فقال له الملك: أولك رب غيري؟ فقال له الجليس: الله ربي وربك ورب العالمين، فما زال يعذبه حتى دل على الغلام.وجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني بلغ من سحرك ما أرى؟ تبرئ الأكمه والأبرص وتداوي الناس من سائر الأدواء، فقال: إني لا أشفي أحداً، ولكن يشفي الله تعالى، فلا زال يعذبه حتى دل على الراهب) مع أن الراهب أوصى الغلام: إن ابتليت فلا تدل عليَّ، لكن غلب أمر الله عز وجل، ودل الغلام على الراهب (فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، قال: لا. فشقه بالمنشار نصفين، قال صلى الله عليه وسلم: حتى سقط شقاه وهو صابر، وجيء بالجليس وقيل له: ارجع عن دينك، فقال: لا. فقتله).
 غلبة أمر الله على أمريكا في قضية الرهائن
كانت أمريكا تعلم كل ثقب إبرة في إيران، واحتجزت إيران الرهائن، ووضعت كرامة أمريكا في الأرض من مجموعة من الشباب، فماذا فعلت أمريكا في صحراء من الصحاري البعيدة؟ بَنت فيلاً مثل السفارة بكامل مواصفاتها، ووضعت أناساً في داخل هذا المبنى، ودربوا (الكوماندوز) على أن يدخلوا من النوافذ فيخطفوا الرهائن، مرة واثنين وثلاثة وأربعة وعشرة وعشرين، إلى أن أتقنوا هذه اللعبة تماماً، وتبجحت أمريكا بقولها، وأنها لا تغلب، وتستطيع أنها تخرج الكحل من العين لو أرادت، ودخلت الطائرات صحراء إيران على ارتفاع منخفض لئلا تكشفها (الرادارات) في إيران وهم يعرفون كيف تعمل وكيف يكتشفون الطائرات، فدخلت الطائرات، والإيرانيون كلهم غافلون، ودخلت طائرات أمريكا وربضت في صحراء إيران في غفلة عنهم، وجاءت ساعة الصفر لتطير الطائرات وينفذوا العملية ويأخذوا الرهائن، وتعود سمعة أمريكا الفتية العتية في العالم، وإذا بالطائرات وهي تطير يصطدم بعضها ببعض ويحصل انفجار عنيف، وعلى ضوء هذا الانفجار علم المسؤولون في إيران أن هناك طائرات أمريكية في الصحراء، وكان هذا أيضاً المسمار الذي دق في نعش الرئيس جيمي كارتر فشل في الانتخابات بسبب هذه العملية.أرادوا شيئاً لكن الله غالب على أمره.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
البلاء في الله وغلبة أمر الله فيه
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.هذه الآية تشير إلى القدر، القدر الأعلى الذي لا يخرج من قبضته أحد، فإذا قدر عليك البلاء فاعلم أن الله غالب على أمره، وإذا استطعت ألا تبتلى إلا في الله فافعل، وذلك بأن تتبع الشرع، ولا تخالف.
 التمكين بعد البلاء
فإن استطعت ألا تبتلى إلا في الله فافعل؛ لأن هذا له ثمرة، حيث إن الله غالب على أمره، أنت لن تخرج من قبضة الله أبداً، وإذا ابتليت في الله فلك بشارة، قال صلى الله عليه وسلم: (كذلك نحن معاشر الأنبياء نبتلى، ثم تكون العاقبة لنا) هذه هي البشارة، وإذا خيرت بين أن تعصي الله عز وجل، وأن يأتيك الرزق بالمعصية أو تبقى مستقيماً مع عدم توفر وظيفة، فاختر الطاعة ولا تتردد، إن قيل لك: إن الوظيفة الفلانية لن تأخذها إلا أن تحلق لحيتك، فلا تحلقها أبداً، وسيجعل الله لك مخرجاً، قد جعل الله لكثير من عباده مخارج ما خطرت على قلب واحد منهم، وأهلك أعداءه من محل الأمن وما خطر على قلب واحد منهم أن يهلك من هذا الباب، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ [القلم:44-45] فتجد الإنسان يضرب بيد من حديد ويحكم القبضة ويظن أن الأمر آل له، والله عز وجل يقول: وَأُمْلِي لَهُمْ [القلم:45] أدعهم في طغيانهم يعمهون ويستمرون، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [القلم:45]، وإذا كاد الله أحداً غلبه وأهلكه، إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:15-16].كلما يحصل شد يحصل انفجار، وهم يعترفون بهذا، فالرسم البياني للصحوة الإسلامية الأثرية التي تنتسب إلى القرون الثلاثة المفضلة يبين أنها كل يوم تزداد، واتسع الخرق على الراقع، فالذي كان يضرب على قفاه إذا بكى يسكت، الآن لا يسكت، بل هو صاحب ساعد قوي يستطيع أن يضرب ولو كانت ضربته أقل تأثيراً من غيره، وابنك الذي كان يأخذ حاجته بالصراخ أمس كبر وصار له ساعد، صحيح أنك أقوى منه، ولو ضربته ضربة لقلعت له عيناً، ولكنه سيضربك ولو كانت ضربة لا تؤثر فيك، وهذا انتصار ومكسب، أن يمد يده ولو كانت ضعيفة، وهذا الذي يضربك الآن بيد رخوة غداً يشتد ساعده، وأنت بطبيعتك تكبر وتكبر، ثم يستدير القمر ويعود محاقاً بعدما كان بدراً، وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ [يس:68] فيشتد ساعد هذا ويضعف ساعدك، فإذا ضربك قلع لك عيناً، وإن ضربته فلن تؤثر فيه، فلا تهاجمه، وأعطه جزءاً من المشاركة تكفى شره بذلك، ولا يفعل هذا إلا عاقل، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
الاعتصام بالكتاب والسنة
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.أما بعد..فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان عن مسعر وغيره عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قال رجل من اليهود لـعمر : (يا أمير المؤمنين لو أنا نزلت علينا هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] لاتخذنا هذا اليوم عيداً، فقال عمر : (إني لأعلم أي يوم نزلت هذه الآية، نزلت يوم عرفة، في يوم جمعة).سمع سفيان مسعراً ، ومسعر قيساً ، وقيس طارقاً .هذا الحديث رواه الإمام البخاري رحمه الله في أربعة مواضع من صحيحه، الموضع الأول في كتاب الإيمان في باب زيادة الإيمان ونقصانه، والموضع الثاني: في كتاب المغازي، في باب حجة الوداع، والموضع الثالث في تفسير سورة المائدة عند ذكر هذه الآية، والموضع الرابع: هو الذي نشرحه وهو أول حديث في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة.قلت قبل ذلك: إن الإمام البخاري رحمه الله له فهم ثاقب ونظر حاد في ترجمته لأبواب صحيحه، فوضع هذا الحديث في كتاب الإيمان في باب زيادة الإيمان ونقصانه، علاقة الترجمة بحديث عمر الواردة فيه الآية : أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3] أن الآية دلت على تمام الإيمان، فالإيمان له زيادة ونقصان، فأعلى زيادة في الإيمان هي كمال الدين، وأن تتمه في نفسك، وبقدر ما يكون لله عز وجل في قلبك يكون كمال الإيمان، فأراد الإمام البخاري أن يبين أن أوج الزيادة في كمال الدين.(قال رجل من اليهود) وهذا الرجل اسمه كعب الأحبار ، وكعب الأحبار كان رجلاً من علماء اليهود وأسلم في خلافة عمر رضي الله عنه، فيحمل على أن كعباً قال هذا الكلام لـعمر قبل أن يسلم، وهذا ظاهر من اللفظ: (قال رجل من اليهود لـعمر )، وإذ ثبت أنه كعب فإذاً قال هذا الكلام لـعمر قبل أن يسلم ، وإما أن يكون أسلم ولكن نظر إلى أول حاله، كما في الحديث الصحيح أن زينب رضي الله عنها حدث بينها وبين صفية بنت حيي خصومة، وضعف جمل صفية فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـزينب : (أعطها الظهر لتركب، فقالت له: أنا أعطي هذه اليهودية!!) -وهي زوجة النبي عليه الصلاة والسلام- فكأن النظر بالنسبة إلى الحال الأول، وإن كان الوجه الأول أقوى، وهو أن كعباً سأل عمر رضي الله عنه قبل أن يسلم قال: (يا أمير المؤمنين لو أنا نزلت علينا هذه الآية لاتخذنا هذا اليوم عيداً، قال عمر -في رواية للبخاري أيضاً- أي آية؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]) فأراد عمر أن يرد عليه فقال له: نحن ما قصرنا في اتخاذ ذلك اليوم عيداً، بل هي نزلت في يوم عيد، كما رواه الترمذي من حديث ابن عباس أن رجلاً قال لـعمر هذا الكلام فقال: (نزلت في يومي عيد)، يوم عرفة ويوم جمعة، ومناسبة هذا الحديث لكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة الإشارة إلى أن الله تبارك وتعالى أتم دينه وأكمله، فلم تعتصم بغير الكتاب والسنة؟ أتطلب الهدى خارج الكتاب والسنة؟ والله عز وجل يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] إذاً لا عذر لك في الخروج عن الكتاب والسنة.
 بطلان الحكم بغير ما أنزل الله
وليت الذين حكَّموا فينا القانون الوضعي أو القانون الفرنسي نظروا في هذه الآية، فنحن جميعاً محكومون بغير ما أنزل الله، إلا في قانون الأحوال الشخصية، والآن يبدلونه، بدلوه أولاً بأن جعلوا البيت للمرأة، وأن الرجل إذا أراد أن يتزوج لا بد من موافقة الزوجة الأولى، وهذا القرار كم من بيوت هدمت بسببه، وصارت المرأة هي الرجل، وصارت تهدد الرجل، فالرجل الأبي الذي تجري دماء الرجولة في عروقه لا يستطيع أن يعيش مع هذه المرأة فيطلقها، وأول ما يطلقها تأخذ منه البيت، ولذلك يصبر الرجل على الذل والمر لأجل البيت، وخربت بيوت، ثم جاء مؤتمر السكان وضرب ضربات قاتلة، وقام العلماء جميعاً -وطبعاً الدولة لا تحترم العلماء، ولا تحترم وجهة نظرهم- وقالوا: لا نحن غير ملزمين بقرار مؤتمر السكان، لماذا غير ملزمين وأنتم الدولة المضيفة؟ والدولة المضيفة المفروض أنها أول دولة تحترم توصيات المؤتمر المقام على أرضها، فقالوا: هذه القضية غير ممكنة الآن، لكن يمكن بعد ثلاثين سنة أن نبدأ في تنفيذ هذا القرار، ويصاغ على هيئة قانون.ثم جاء المؤتمر الذي أقيم في الصين في مسألة الزواج والطلاق، وقام العلماء قومة رجل واحد، فقانون الأحوال الشخصية فيه إعواز بسبب اعتماده على مذهب أبي حنيفة وحده، ومن المفروض أن المسألة لا تقتصر على مذهب واحد، فمثلاً في مذهب الأحناف إذا غاب الرجل بأن سافر لأجل أن يأتي بمال وغاب سنة أو سنتين أو أربع أو عشر أو عشرين سنة ليس للزوجة أن تطلب الطلاق، ولا أن ترفع أمرها للقاضي، فإن لم تجد حلاً تصبر، وأما في المذهب المالكي إذا يئسنا من رجوع الرجل بسبب غيابه جاز للمرأة أن تطلب الطلاق، إذ أنه إذا كان يعمل بالظن الغالب في الأحكام الشرعية أفلا يعمل بالظن الغالب في مثل هذه الأمور العادية؟ فتصبر المرأة وتظل معلقة مدى الحياة، فلماذا لا يدخلون مذهب مالك في هذه المسألة؟ خاصة أن مذهب الأحناف مخالف للدليل في بعض المسائل.ثم بأي عقل أيها الإخوة! الكرام في بلد الإسلام يقال: إن حالة الزنا تسقط إذا رضي الزوج، وهذا الحكم بمنتهى الجلاء واضح في كتاب الله عز وجل، وبأي عقل يقال: يجوز للمرأة أن تزني إذا رأت زوجها يزني، والجروح قصاص!! أيجوز هذا الكلام في ديار الإسلام وعندنا قرآن وسنة، والأحكام واضحة جداً وجلية؟ويأتي رجل بلغ من الكبر عتياً، صاحب (عودة الروح)، (وعصا الحكيم) (وحمار الحكيم)، كان سنه ثلاثاً وثمانين سنة يوم أن قال هذا الكلام في الأهرام، عندما عاد من باريس واستقبلوه في المطار فسألوه: ماذا أعجبك في باريس؟ فلم يقل البيجو أو شيء من هذه الأشياء، وإنما قال لهم: أعجبني في باريس الزواج الجماعي، يعني: تبديل الزوجات، كل رجل يعطي زوجته للآخر، هذا الذي أعجب ابن ثلاث وثمانين سنة.والآن تعرفون فرج فودة الذي أهلكه الله عز وجل وقلعه في ليلة مباركة، بدأت الآن تسن قوانين لضرب الإرهاب من كتب فرج فودة: بأيمانهم نوران: ذكـر وسنـة فما بالهم في حالك الظلماتوضرب شركات توظيف الأموال هذه تمت بفعل فاعل، هذه الشركات كانت مباركة عمل فيها ألوف العاطلين، وفتحت أبواب الرزق على آلاف الأسر، وكان الرجل الذي يذهب للعمل فيها يأخذ خمسائة وستمائة وسبعمائة إلى ألف جنيه، وأحدث هذا حالة ازدهار وانتعاش، وبدأت تحويلات المصريين في الخارج تأتي، حتى صار رأس مال واحد مثل أحمد الريان وإخوانه في نحو ثلاث سنوات ثلاثة مليارات وواحد من عشرة، فقالوا: هؤلاء سيتمكنون بالمال ويلعبون بكم كما يلعب اليهود برئيس أمريكا، فهم الذين يتحكمون بالرئيس في الترشيحات، والملاحظ أن كل الشركات كان عليها سمت الإسلام، وكان معهم مليارات، وبعضهم استعد لدفع الديون التي على البلد، فهذه الشركات ضربت بفعل فاعل، وألصقوا بهم التهم وقالوا: إنهم كانوا يضحكون على المودعين ويعطونهم أرباحاً من رأس المال، ولو أتيت بـأبي جهل وأعطيته هذه الشركة لا يمكن أن يعطي المودعين من رأس المال، بدليل أنهم عندما ظهرت هذه الفرية قالوا: لو أن كل المساهمين أرادوا أن يأخذوا رءوس أموالهم ما عليهم إلا أن يأتوا، وكل هذا بسبب أننا نحكم بغير ما أنزل الله تبارك وتعالى، وهو مهيمن ومسيطر وكامل.وليس هناك حكم لغيره سبحانه وتعالى إلا تجد له نص: إما خاص، وإما يندرج تحت عنوان.فإذاً: الاعتصام بالكتاب والسنة هو النجاة؛ لأن الله عز وجل ضمن لنا هذا الكمال، وضمن لنا تمام النعمة إذا صدقنا الكتاب والسنة، إذاً: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ [المائدة:3].وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , والله غالب على أمره للشيخ : أبو إسحاق الحويني

http://audio.islamweb.net