اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فضل العالم على العابد للشيخ : أبو إسحاق الحويني


فضل العالم على العابد - (للشيخ : أبو إسحاق الحويني)
إن الإسلام يتعرض لهجمات شرسة من قبل أعداء الله، وذلك لقلة الذابين عنه، والمدافعين عن جنابه من العلماء والدعاة، فالواجب تهيئة الدعاة وكفالتهم حتى يتفرغوا لهذه المواجهة محتسبين هذا العمل لله، لأن العالم هو أقدر الناس على معرفة مكامن الداء، وبالتالي هو أعرف الناس بالحلول الناجعة لمعالجة أي قصور وخلل، فهو لا يكتفي بمعرفة الداء وتقرير الدواء فقط، بل وحتى يعطي لمريضه وسائل الوقاية من هذا المرض حتى لا ينتكس فيه، فالعالم لا يقنط العبد من ربه، بل يقرر له أن باب التوبة مفتوح لجميع العصاة على اختلاف ذنوبهم.
حاجة المسلمين إلى الدعوة وأهمية كفالة الدعاة
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فإن سنة الدفع تستلزم دافعاً، وقلت قبل ذلك مراراً: إننا في أَمَسِّ الحاجة إلى تبني الكوادر العلمية، وإلى النفقة عليها وتفريغها؛ لتذود عن دين الله تبارك وتعالى، وتشبه هذه المسألة دولة مترامية الأطراف، وساحلها البحري أيضاً مترامي الأطراف ولا يوجد حرس حدود، أو بين كل جندي وآخر اثنان أو ثلاثة أو أربعة كيلو مترات، ألا يسهل اختراق مثل هذه الدولة وإدخال المخدرات فيها ببساطة؟! فلا نستطيع أن نذود عن حدودها إلا إذا كان لدينا حراس حدود.كذلك يقول العلماء: إن أخطر مرض أصاب الإنسان حتى العام الماضي هو مرض الإيدز، ومرض الإيدز إشكاله أنه يصيب جهاز المناعة، فيمكن أن يموت المرء من أقل ميكروب، وهذا سر خطورة هذا المرض، فجهاز المناعة في الأمة المسلمة هم العلماء، فينبغي تقوية هذا الجهاز وتكثيره، والحمد لله رب العالمين الدعوة انتشرت أكثر من ذي قبل عند جماهير المسلمين، وأنا أتمنى أن يستيقظ كثير من أصحاب الأموال، وأن يتبنوا طلاب العلم، أن يبحثوا عنهم أو يسألوا العلماء: من هم طلاب العلم، فيأخذ كل واحد واحداً أو اثنين أو ثلاثة، وأفضّل لصاحب المال أن يكفل واحداً فقط ويكفيه، أفضل من أن يكفل ثلاثة ولا يكفيهم.فلو فرضنا أن شخصاً يخرج زكاة ماله ثلاثمائة جنيه في الشهر مثلاً، نقول له: أعطِ هذا المبلغ كله لطالب واحد، واكفه مؤنة حياته، وقل: هذا لك بشرط أن يكون وقتك وقفاً لله، فكل ما تحتاجه في حياتك لا دخل لك فيه، لكن بقية وقتك وقف لله عز وجل، للذود عن دين الله، فنحن نحتاج عشرات الألوف في المساجد يعلمون الناس دينهم، ويتصدون لهذا الغزو الذي يهجم على الإسلام والمسلمين، فصوتي هذا لا يصل إلى أكثر من هذا المسجد أو إلى بضعة أشخاص آخرين عن طريق الأشرطة، أما هذا الجهاز المدمر -التلفاز- فينشر الدمار يومياً خلال الأربع والعشرين ساعة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن).
 التشكيك في حكم الرجم والرد عليه
وهناك غيره أيضاً، أحدهم تكلم مرة عن حد الرجم ونشر غسيله القذر في جريدة الأخبار، يقول: إن الرجم باطل في دين الله تبارك وتعالى، يقصد رجم الزاني المحصن في دين الله عز وجل، ودلل على ذلك بحديث رواه الشيخان في صحيحيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتل أحدكم فليحسن القتلة، وإذا ذبح فليحسن الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، فمن تمام الإحسان المكتوب على كل شيء أن الله عز وجل أمرك إذا ذبحت حيواناً أو طائراً أن تحد شفرتك، يعني لا تأتِ بسكينة غير حادة فتعذبه؛ لأن تعذيب المذبوح ليس من الإحسان، بل هو من الإساءة، فيقول: إذا كان الإسلام يحض على الإحسان في ذبح الحيوان الأعجم الأبكم أفيسمح بقتل مسلم عصى الله بزنا بالرجم، بأن تظل تضربه بالحجارة في رأسه حتى يموت؟!!فالزاني المحصن المتزوج إذا زنى بعد زواجه أو المرأة التي زنت بعد زواجها حكمهم الشرعي أن يحفر لهم حفرة في الأرض إلى السرة ويردم عليه، ثم يأتي كل مسلم بحجر ويرميه به في رأسه حتى يموت، هذا هو الحكم الشرعي، فهذا يقول: هل هناك دين في الدنيا يكرم الحيوان بأن يقول لك: حد الشفرة واذبح، وفي نفس الوقت يقول لك: عذب المسلم الموحد الذي زنا وعصى الله عز وجل؟ لماذا لا تذبحه بسكين حادة وتعامله معاملة الحيوان الأعجم؟وهذا الكلام ينطلي على الناس، لكن ما هو وجه القبح فيه طالما أنه زخرفه هكذا من الخارج؟ وجه القبح فيه: أن الشيء إذا فعل لا لحكمة كان قبيحاً، فتخيل مثلاً: أن رجلاً جاء وبنى قصراً منيفاً بملايين الجنيهات، وبعدما بنى القصر قال للناس كلهم: ما رأيكم في هذا القصر الجميل؟ فقالوا له: ما شاء الله، لا نعرف قصراً مثله إلا في الجنة، فأحاطه بحزام ناسف وفجره، فهذا فعله قبيح لأنه خلا من الحكمة.فنسأل ما هي الحكمة في تعذيب الحيوان؟ هذا حيوان ستذبحه لتأكله فليس هناك حكمة في أن تأتي بسكينة غير حادة لأن الذبح بالسكين غير الحاد إساءة، لكنّ رجم المسلم الموحد الذي عصى الله عز وجل بجريمة الزنا بعد إحصانه فيه حكمة، فربنا سبحانه وتعالى ذكر العقوبة الأخف وهي الجلد، فالشاب الذي لم يتزوج وزنا يجلد مائة جلدة، فقال تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]، مع أن الله تعالى أمر بالستر، وذم العاصي الذي يعصي الله خلف جداره ثم يخرج يقول: يا فلان ويا علان أنا فعلت كذا وكذا بالأمس فقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يبيت الرجل وقد ستره الله ثم يصبح فيكشف ستر الله عليه...)، وهناك أحاديث في الستر على المسلم كحديث (من ستر مسلماً في الدنيا ستره الله يوم القيامة)، والأصل أن نستر على أصحاب القبائح، وندعوهم إلى الله عز وجل..ولكن مع هذا لم يأمر الله سبحانه وتعالى هنا بالستر، ولكن أمر بالتشهير قال: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]، لأنه إذا رأى هذا الشخص يرجم بالحجارة يتفكر في حاله إذا كان مكانه، أنه سيفضح ويعذب، فتحصل بهذا العبرة.وضُعف العذاب على الزاني المحصن والزانية المحصنة، بينما خفف على البكر رغم أن كله زنا؛ لأن مصيبة المحصن والمحصنة كبيرة؛ لأنه من الممكن أن يزني بها وتلد ولا يعرف زوجها أن هذا ليس بابنه، لكن البنت إذا كانت بكراً وكلنا كان يعرف أنها بكر وفجأة انتثر بطنها ستسأل من أين هذا؟ وبالتالي يكتشف الزنا، فلما استطعنا كشف الزنا وكانت المسألة واضحة كانت العقوبة على الدون، لكن إذا كانت امرأة متزوجة وعندها أولاد وزني بها وحملت قيل: إنه من زوجها! فيربي الشخص هذا الولد وهو أجنبي، لذلك ضُعِّفت العقوبة، لأن العقوبات على حسب آثار المعاصي، فكلما كانت المعصية أثرها أكبر كانت العقوبة أشد، وهكذا.فعندما يكتب هذا الكلام، وحد الرجم مجمع عليه بين علماء المسلمين من أهل السنة والجماعة، فقد أجمعوا جميعاً على ثبوت الرجم. وقالوا: إنه كان في كتاب الله عز وجل ثم نُسخ نسخَ تلاوة ورفعت الآية برمتها من كتاب الله عز وجل وبقي الحكم.فأحد أنواع النسخ الذي يذكره علماء الأصول: هو نسخ التلاوة، وهو أن يرفع لفظ الآية كلها، وفي صحيح البخاري أنه كان هناك آية تقرأ في كتاب الله عز وجل، قرأها عمر بن الخطاب ، وقال: كنا نقرأ فيما نقرأ (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) والبخاري روى هذا الحديث في كتاب الحدود من صحيحه، باب رجم الزاني المحصن، والآية الأخرى موجودة في مستدرك الحاكم (إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) كانت آية في كتاب الله ونسخت، فكان قرآناً، ثم رفع القرآن وصار حكماً لازماً بالإجماع.فعندما يأتي شخص وينفي هذا الحكم الثابت بالإجماع بمثل هذه الترهات، نحتاج إلى جيش من الدعاة يبين للناس حقيقة الأمر.
الرجل الذي قتل مائة نفس
كنا وصلنا إلى أن الرجل القاتل ذهب إلى عالم، هكذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال في الأول: راهب، وفي الثاني قال: عالم، إشارة منه إلى أن الأول لم يكن عالماً، وإلا لو كان الأول عالماً لما كان وصف الآخر بالعلم له معنى، وهذا يشبه قول الرسول عليه الصلاة والسلام لما جاءت غزوة تبوك وجاءه المنافقون والمعذرون من الأعراب يعتذرون عن تخلفهم عن غزوة تبوك وقالوا: استغفر لنا، قال لهم: (غفر الله لكم غفر الله لكم) ثم جاء كعب بن مالك وقال: (لقد أوتيت جدلاً، والله ما كان لي من عذر، ولا كنت أيسر مني في هذه الغزوة، ولم أجمع بين راحلتين إلا في هذه الغزوة)، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أما هذا فقد صدق)، وهذا إشارة إلى كذب الأولين، ومع أنه قد فهمها النبي عليه الصلاة والسلام، إلا أنه استغفر لهم؛ لأنه يحكم على الظاهر، ولا يحق لأحد يأتي من بعده أن يتجرأ ويشق عن صدور الناس.فعندما يقول في الثاني: عالم، وأخلى الأول من صفة العلم دلّ على أن الأول جاهل.
 باب التوبة مفتوح لجميع العصاة
فلما انعقد قلبه على التوبة ولم يمهل ليعمل بالجوارح، اعتبر عمل القلب وأهدر عمل الجوارح، فهو الملك، (فملائكة الرحمة قالوا: إنه خرج تائباً إلى الله بقلبه، وملائكة العذاب تقول: إنه لم يعمل خيراً قط) وانتبه لهذا الكلام! من في الناس لم يعمل خيراً قط؟ من الممكن أن يكون فينا ناس -وما أبرئ نفسي- ذنوبهم تصل إلى عنان السماء، ولكنه عمل خيراً، لكن هذا الرجل لم يعمل خيراً قط، وقتل مائة نفس، ومع ذلك تيب عليه، فالحديث يحفز العاصي أن يتوب، ويرجع إلى الله، والمجتمع كله يستفيد من رجوع هذا العاصي.فملائكة العذاب تقول: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فقالوا: نحكم هذا الآتي، وقالوا له: الوضع كذا وكذا، والله عز وجل قد علم هذا الملك كيف يقضي، فهذا الرجل خرج من أرضه وليس بينه وبينها سوى مترين وبقي له اثنان من الكيلو مترات حتى يصل إلى الأرض التي سيدخلها، ولمعالجة هذه المسألة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فقال الله لهذه الأرض أن تقاربي، ولهذه أن تباعدي)، قال: (فوجدوه أقرب إلى أرض المغفرة بشبر واحد، فغفر له فدخل الجنة).نستطيع أن نقول: أيها العاصي أقبل، ونحن الآن في بداية شعبان ورمضان على الأبواب، ورمضان موسم العصاة، فالعصاة يرجعون، فكم من عاص رجع في رمضان، وكم من ولي من أولياء الله كان بدايته في رمضان. الموت يأتي بغتةوالقبر صندوق العمل.أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فضل العالم على العابد للشيخ : أبو إسحاق الحويني

http://audio.islamweb.net