اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ألا تحبون أن يغفر الله لكم للشيخ : عبد الله محمد العسكر


ألا تحبون أن يغفر الله لكم - (للشيخ : عبد الله محمد العسكر)
مع تقدم إنسان هذا العصر مادياً وحضارياً تنوعت وسائل الإغواء والانحراف، واجتالت الشياطين أكثر الناس، فأغرقتهم في أوحال المعصية، وأردتهم في مستنقع الخطيئة.فهذه رسالة عاجلة إلى كل من أطلق لنفسه العنان، ولم يرع لله تبارك وتعالى حقاً، تحمل في طياتها ثمار التوبة، والأسباب المعينة عليها، وشيئاً من قصص التائبين وسيرهم.وفي خاتمتها مزالق ومحاذير يخشى على التائب منها.
ضرورة التوبة
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه ومن استن بسنته وسار على نهجه وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أما بعد:أيها الإخوة والأخوات: إن من المعلوم بداهة عند كل مسلم ومسلمة أن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثاً، تعالى الله عن ذلك، إنما هي غاية واحدة، ومقصد أوحد، من أجله خُلق العباد، ألا وهو: تحقيق العبودية لله جل جلاله، فهو السيد المولى، فمن حقه أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.ومنذ أن خلق الله تبارك وتعالى أبانا آدم -وهو قد أخذ عليه العهد، قبل أن يخلقنا- أخذ عليه العهد بأن نعبده ونوحده، ولا نشرك به شيئاً، كما قال جل جلاله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172].ومع هذا إلا أنه من كرمه جل جلاله، ومن عظيم فضله ومنِّه أن أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، زيادة في الحجة، وبلاغاً على العباد، وبشارة لمن أراد موعود الله والدار الآخرة.ومع هذا كله فإن الطائعين قليل، وإن المنيبين إلى الله قليل، في مقابل عامة الناس ممن أغوتهم نفوسُهم، وأضلتهم عن سواء الصراط.لقد كثر الاجتراء على حرمات الله عز وجل، وتساهل كثيرون في الرتوع في المعاصي، ومع تقدم إنسانِ هذا العصر مادياً وحضارياً تنوعت وسائل الإغواء والانحراف، واجتالت الشياطين أكثر الناس، فأغرقتهم في أوحال المعصية، وأردتهم في حفر الخطيئة، وزاد البُعد عن الله الواحد الأحد.وفي المقابل فإنه سبحانه لم تنقطع نعمه، ولم تنتهِ فضائله، بل هي متتابعة تترى على عباده، ومع ذلك تساهل الكثيرون، ورتعوا في المعصية، واستخفوا بحق الله تبارك وتعالى، فاللهم حلمك وعفوك.فيما من أطلق لنفسه العنان، ولم يرعَ لله تبارك وتعالى حقاً! إلى متى وأنت تقتات المعصية وتألفها؟! ألم يحن بعد وقت الرجوع إلى الله تبارك وتعالى؟! ألم يئن الوقت الذي تنطرح فيه بين يدي مولاك؟! أما آن لك أن تفيق من سكرة الذنب؟!أيها السائر في طريق الهوى واللذة العابرة! رويداً .. رويداً ..! أتعرف مَن تعصي؟! أتعرف من تبارز بذنبك؟!إنه الله الجبار الذي بيده ملكوت السماوات والأرض.أيها المسرف على نفسه! كفاك .. كفاك ..! آن لك أن تضع عصا الترحال، وأن تذرف دموع الندم على ما فات وسلف من الأزمان الماضية، آن لك أن تبكي الدموع الغزار، وأن تذرفها على ما سلف من ذنوبك وخطاياك، نعم، آن لك أن تعترف بذنبك لربك، وأن تقول بلسان النادم الأواب:دعني أنوح على نفسي وأندبُها وأقطع الدهر بالتذكارِ والحزنِ دعني أسح دموعاً لا انقطاع لها فهل عسى عبرة منها تخلصني؟! دع عنك عذلي يا من كنت تعذلني لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني أنا الذي أُغْلِق الأبوابَ مجتهداً على المعاصي، وعين الله تنظرني يا زلةً كُتِبَت في غفلةِ ذَهَبـَت يا حسرة بقيت في القلب تحرقني تمر ساعات أيامي بلا ندم ولا بكاء ولا خوف ولا حزنِ ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديتُ في ذنبي ويسترني! إي والله يا عباد الله! ما أحلم الله عنا! كم عصيناه وسَتَرَنا؟! كم خالَفْنا أمرَه فما عاجَلَنا بعذابه؟! أظهر للناس الجميل، وأخفى عنهم القبيح من سرائرنا، فاللهم رحمة من عندك تكفر بها ما سلف من ذنوبنا وخطايانا.أيها الإخوة والأخوات: إن هذه الكلمات دعوة لنا جميعاً بلا استثناء إلى الباب المفتوح .. إلى النهر العذب الزلال .. إلى الروضة الغنَّاء التي لا يذبل زهرها، ولا تذوي رياحينها وورودها .. إلى التوبة النصوح .. إلى التوبة من التقصير في الطاعة، ومن الوقوع في المعصية .. إلى التوبة إلى الله الكريم الجواد الرءوف الرحيم.إن شأن التوبة -يا عباد الله!- شأن عظيم، إنها علامة صدق الإيمان، وقرب العبد من الله الواحد الديان، وليست التوبة كما يظن البعض خاصة بأهل المعاصي، ممن ظهر فجورهم، وبان فسقهم، بل هي عامة لنا جميعاً، كما قال الله جل جلاله في كتابه الكريم: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].وجاء في صحيح مسلم من حديث الأغر المزني رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيها الناس! توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة)، هذا نبي الله صلى الله عليه وسلم يتوب إلى الله في اليوم ويستغفره مائة مرة، فما بال غيره؟!وسنقف وإياكم أيها الإخوة والأخوات في هذه المحاضرة بعض الوقفات حول هذا الموضوع المهم الذي كلنا بحاجة إليه، لعلنا أن نحيي بهذه الوقفات القلوب، ونقربها من الله علام الغيوب.
 

ثمار التوبة
الوقفة الأولى: ثمار التوبة :-إن حصر ثمار التوبة أمر شاق، ويحتاج إلى وقت طويل، ولا أظن أن المقام سيتسع إلى ذكرها جميعاً؛ ولكن حسبنا أن نذكر بعضها، وكفى بِما سنذكره، فإنه مِمَّا يساعد، ومِمَّا يدفع العبد إلى أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى.
 الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة ودخول الجنة
الثمرة الرابعة من ثمار التوبة: الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة، والتنعم بجنات النعيم، والنجاة من عذاب الجحيم :-أيها الإخوة والأخوات: إن أمامنا يوماً لا مفر منه، ولا محيص عنه، وإن أمامنا موقفاً لا بد منه، إنه يوم تبدل فيه الأرض غير الأرض والسماوات، إنه يوم يقوم فيه الناس لرب العالمين، يوم أهواله شديدة، وساعاته عصيبة، فليت شعري ما حالنا في مثل ذلك اليوم؟! بل ما حالنا في ذلك اليوم الوحيد الذي ليس مثله يوم؟! أنحن من المكرمين المُعَزَّزين، أم نحن من المهانين المبعدين؟! فاللهم لطفك ورحمتك.أقف وإياكم -أيها الإخوة والأخوات- وقفة تنقلنا إلى ذلك العالم الأخروي، إلى الحديث عن ذلك العالم وإن كان الحديث عنه يطول، فإنه يوم عصيب، شابت له رءوس الصالحين، وأقضَّ مضاجعهم، فأدأبوا أنفسهم ووقفوا في ظلمات الليل باكين متضرعين إلى الله، يرجون النجاة من هول ذلك اليوم.
من صور يوم القيامة
صورة واحدة من صور ذلك اليوم العصيب:جاء عند ابن المبارك في كتاب الزهد ، وأبي نعيم في الحلية ، والطبري في تفسيره ، وحسن إسنادَه ابن حجر عن ابن عباس رضي الله عنه قال -تأملوا واسرحوا بأخيلتكم معي قليلاً لننـتقل وإياكم إلى ذلك اليوم الآخر- يقول رضي الله عنه: [إذا كان يوم القيامة مُدَّت الأرض حتى تكون كالأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجُمِع الخلائق في صعيد واحد، جنهم وإنسهم -لاحظوا أن الجن والإنس يجتمعون كلهم في مكان واحد- قال: ثم تنشق السماء الأولى عن أهلها ...] من أهلها؟ أهلها الملائكة، وهل فيها ملائكة؟ نعم، إن الملائكة قد ملئوا السماوات السبع كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن من حديث أبي ذر يقول صلى الله عليه وسلم: (أَطَّت السماء -ثقلت السماء- وحُقَّ لها أن تَئِط، ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله جل وعلا).يقول ابن عباس: [... ثم تنشق السماء الأولى عن أهلها، فيتناثرون على أهل الأرض -يا له من موقف مرعب مخيف، يتناثر أهل السماء على أهل الأرض- فيفزعون منهم، فيخافون ويقولون: أفيكم ربنا؟! -هل من بينكم الله؟!- قال: فيقولون: تعالى الله، وإنه آتٍ] هذا اليوم الذي يأتي فيه الله، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر:22] هذا يوم الحساب.قال ابن عباس: [فوالذي نفسي بيده! إن أهل السماء الأولى لكَمِثْل أهل الأرض من إنسهم وجنهم بالضعف] تخيل المشهد، أهل السماء الأولى مثل أهل الأرض من الجن والإنس مرتين. [قال: ثم تنشق السماء الثانية عن أهلها، فيتناثرون على أهل الأرض من الإنس والجن والملائكة، فيفزعون منهم ويقولون: أفيكم ربنا؟! فيقولون: تعالى الله، وإنه آتٍ، قال ابن عباس : ووالذي نفسي بيده! إن أهل السماء الثانية لكمثل أهل الأرض من جنهم وإنسهم وكمثل أهل السماء الأولى بالضعف -مرتين-، والسماء الثالثة كذلك، والرابعة، والخامسة، إلى السابعة، في كل سماء يتناثر أهلها على أهل الأرض، ويكون عددهم كعدد من سبق من الإنس والجن والملائكة بالضعف -لا إله إلا الله! خَلْق الله، وما يعلم خلق الله إلا هو جل جلاله- قال: ويجيء الله تبارك وتعالى والأمم جِثِيٌ صفوفاً، فينادي منادٍ: اليوم يوم الكرم] يوم الجوائز .. يوم الأعطيات .. يوم الأفضال التي توزع على عباد الله [قال: فينادي منادٍ: اليوم يوم الكرم، لِيَقُم الحامدون لله على كل حال؟ قال: فيقومون، ويُسَرَّحون إلى الجنة، ثم يقال: أين الذين تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16]؟ قال: فيقومون، ثم يُسَرَّحون إلى الجنة، ثم يقول: أين الذين لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:37]؟ -هذا اليوم العظيم- قال: فيقومون، ثم يُسَرَّحون إلى الجنة، قال: ثم بعد ذلك يخرج عنق من النار، يشرف على الناس، له عينان تبصران، ولسان فصيح، فيقول: إني وُكِّلت بثلاثة -يعني: ثلاثة أصناف-: إني وُكِّلْت بكل جبار عنيد، قال: فيلتقطهم من بين الناس كما يلتقط الطيرُ حَبَّ السمسم، ثم يُلقي بهم في غمرات جهنم -عافانا الله وإياكم منها-، قال: ثم يخرج ثانية فيقول: إني وُكِّلْت بكل من آذى الله ورسوله، فيلتقطهم من بين الناس، كما يلتقط الطيرُ حَبَّ السمسم، ثم يهوي بهم في غمرات جهنم، ثم يقول: إني وُكِّلْت بأصحاب التصاوير، فيلتقطهم من بين الناس كما يلتقط الطيرُ حَبَّ السمسم، ثم يهوي بهم في غمرات جهنم، فإذا أُخذ هؤلاء وهؤلاء نُشرت الصحف، ووضعت الموازين، ودُعي الخلائق للحساب].أيها الأحبة في الله: إنه مشهد عصيب تشيب فيه رءوس الولدان، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2].فمن ينجو عندئذٍ؟ من يسلم من كربات الموطن، وهول المطلع؟!إنهم أهل الإيمان .. أولياء الله .. المسارعون إلى مرضاة ربهم .. إنهم التوابون والتوابات .. إنهم المنيبون والمنيبات .. الذين أعدوا لهذا اليوم عدته، وأخذوا له أُهْبته .. فهنيئاً لهم هنيئاً .. هنيئاً لهم الأمن يوم يفزع الناس .. هنيئاً لهم الطمأنينة يوم يخاف الناس .. هنيئاً لهم الشبع يوم يجوع الناس .. هنيئاً لهم الرِّي يوم يعطش الناس .. إنهم في ذلك اليوم العصيب الذي يبلغ الجَهْد من العباد مبلغاً عظيماً، وتنزل فيه الشمس على رءوس الخلائق، فيكادون أن يغرقوا في العرق.هؤلاء الثلة من عباد الله من التائبين والتائبات يأتون ويَرِدُون على حوض محمد صلى الله عليه وسلم، يَرِدُون عليه ليشربوا من يده الشريفة شربة هنيئةً باردةً لا يظمئون بعدها أبداً .. انتهى وقت الشدة والعناء .. ذهب كل ذلك لتبدأ لهم حياة جديدة، ونعيم سرمدي مقيم، فيسقيهم محمد صلى الله عليه وسلم بيده، ويعطي كل رجل منهم، وكل امرأة منهم بيده صلى الله عليه وسلم كأساً من ماء الكوثر؛ من حوضه الشريف، فلا يظمئون بعدها أبداً.فيأتي أناس من هذه الأمة ممن اجترءوا على الحرمات، واعتدوا على المعاصي والموبقات، يريدون أن يشربوا كما يشرب غيرهم فماذا يكون حالهم؟ تعترضهم الملائكة فتضربهم على وجوههم وتردهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في سنن ابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول عليه الصلاة والسلام: (لََيَرِدَنَّ عليَّ الحوض أقوامٌ فيُخْتَلَجُون دوني -يُبْعَدُون عني- فأقول: أي ربِّ، أصحابي .. أصحابي ! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: سحقاً .. سحقاً!).أيها التائبون: أبشروا بموعود الله وجنته .. أبشروا بدار زيَّنها الله بيده، وختم عليها، فلا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر .. أبشروا بالأنهار المطردة .. أبشروا بالقصور الفارهة .. أبشروا بالهواء العليل .. أبشروا بنعيم مقيم .. أبشروا بلقيا الأنبياء، وبلقيا محمد صلى الله عليه وسلم .. تجلسون إليه .. تضاحكونه .. تكلمونه، بل أبشروا بما هو أعظم وأجل وأكبر، أبشروا بلقيا الله تبارك تعالى في جنات النعيم، أسأل الله ألا يحرمني وإياكم من واسع فضله.هل بقي بعد ذلك مجال لمتردد ألا يسلك طريق التائبين؟!إن الأمر واضح وجلي، فالله الله بالتوبة.
 الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة ودخول الجنة
الثمرة الرابعة من ثمار التوبة: الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة، والتنعم بجنات النعيم، والنجاة من عذاب الجحيم :-أيها الإخوة والأخوات: إن أمامنا يوماً لا مفر منه، ولا محيص عنه، وإن أمامنا موقفاً لا بد منه، إنه يوم تبدل فيه الأرض غير الأرض والسماوات، إنه يوم يقوم فيه الناس لرب العالمين، يوم أهواله شديدة، وساعاته عصيبة، فليت شعري ما حالنا في مثل ذلك اليوم؟! بل ما حالنا في ذلك اليوم الوحيد الذي ليس مثله يوم؟! أنحن من المكرمين المُعَزَّزين، أم نحن من المهانين المبعدين؟! فاللهم لطفك ورحمتك.أقف وإياكم -أيها الإخوة والأخوات- وقفة تنقلنا إلى ذلك العالم الأخروي، إلى الحديث عن ذلك العالم وإن كان الحديث عنه يطول، فإنه يوم عصيب، شابت له رءوس الصالحين، وأقضَّ مضاجعهم، فأدأبوا أنفسهم ووقفوا في ظلمات الليل باكين متضرعين إلى الله، يرجون النجاة من هول ذلك اليوم.
الأسباب المعينة على ولوج باب التوبة
الوقفة الثانية: مما يعين على ولوج باب التوبة :-إن هناك عدداً من العوامل التي تعين العبد وتساعده على أن ينهض إلى ركب التائبين فيكون منهم، ومن ذلك:
 الجلوس إلى التائبين وقراءة سيرهم
الأمر الرابع مما يعين على التوبة: الجلوس إلى التائبين، وقراءة سيرهم وتوباتهم :-إن الجلوس إلى التائبين والتأمل في مشوار توبتهم ورجوعهم إلى الله لمما يعين على سلوك مسلكهم، ذلك أنهم قوم منكسرة قلوبهم، قريبون من ربهم، يتذكرون حياة اللهو والمعصية، فيجلون، ويخافون، وتقشعر أجسادهم خوفاً من عواقبها، ثم يتأملون في توبتهم، فيخافون ألا تقبل منهم، فقلوبهم كقلوب الطير في خوف، ووجل، وانكسار، ورقة لله تبارك وتعالى، نعم، إنها قلوب التائبين، المنيبين إلى الرحمن الكريم.فكان لزاماً على كل من أراد التوبة أن يجلس إلى هؤلاء التائبين ليستفيد منهم ويأخذ العبرة والعظة، وإن لم يكن كذلك فلا أقل من أن يقرأ في سير التائبين وقصصهم، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [أكثروا الجلوس إلى التائبين، فإنهم أرق أفئدة].
من قصص التائبين
وسأقف وإياكم في هذه العجالة مع ضيق الوقت مع أنموذجين: لشاب تائب، وفتاة تائبة، ممن ركبوا قافلة التائبين، وأنابوا إلى الله رب العالمين، لعل في هاتين القصتين دافعاً إلى التوبة إلى الله تبارك وتعالى والرجوع إليه.
 توبة فتاة على يد معلمة
أما النموذج الثاني لمن أحياه الله بعد موته، وأنقذه بعد غرق في بحار المعصية والخطيئة، فهي قصة لفتاة في هذا العصر، تاب الله عليها بسبب معلمتها، تروي قصتها بنفسها مع شيء من التصرف اليسير فتقول:لا أدري بأي كلمات سوف أكتب قصتي، أم بأي عبارات الذكرى الماضية التي أتمنى أنها لم تكن، لقد كان إقبالي على سماع الغناء كبيراً، حتى إنني لا أنام ولا أستيقظ إلا على أصوات الغناء، أما المسلسلات والأفلام فلا تسل عنها في أيام العطل، لا أفرغ من مشاهدتها إلا عند الفجر، في ساعات يتنزل فيها الرب سبحانه إلى السماء، فيقول: (هل من مستغفر فأغفر له؟! هل من سائل فأعطيه سؤله؟!) وأنا ساهرة على أفلام الضياع.أما زينتي وهيئتي فكهيئة الغافلات أمثالي في هذا السن: قَصَّةٌ غربية .. ملابس ضيقة وقصيرة .. أظافر طويلة .. تهاون بالحجاب .. إلى غير ذلك من ألوان المعصية والتقصير.تقول: وفي الصف الثاني الثانوي دخلت علينا إحدى المعلمات، وكانت معلمة فاضلة، شدَّني إليها حسنُ خلقها، وإكثارها من ذكر الفوائد، وربطها المادة بالدين، حملتني أقدامي إليها مرة، لا أدري ما الذي ساقني إليها؛ لكنها كانت البداية، جلست إليها مرة ومرتين، فلما رأت مني تقبلاً واستجابة نصحتني بالابتعاد عن سماع الغناء، ومشاهدة المسلسلات.قلت لها: لا أستطيع.قالت: من أجلي.قلت: حسناً! من أجلك.ثم صمت قليلاً وقلت بعد ذلك: لا، ليس من أجلك، بل لله إن شاء الله.وكانت قد علِمَت مني حب التحدي فقالت: ليكن تحدٍ بينك وبين الشيطان، فلننظر لمن ستكون الغلبة.فكانت آخر حلقة في ذلك اليوم.فلا تسل عن حالي بعد ذلك -تقصد ما واجهها من صراع ومجاهدة- لا تسل عن حالي، وأنا أسمع من بعيد أصوات الممثلين في المسلسلات، أأتقدم وأشاهد المسلسلات؟! إذاً سيغلبني الشيطان، ومن تلك اللحظة تركتُ سماع الغناء ومشاهدة المسلسلات؛ ولكن بعد شهر تقريباً عدتُ إلى سماع الغناء خاصة، واستطاع الشيطان رغم ضعف كيده أن يغلبني لضعف إيماني بالله.تقول: وفي السنة الثالثة دخلَت علينا معلمة أخرى، كنت لا أطيق حصتها، ولا أطيق رؤية هذا المعلمة، بسبب درجة متدنية حصلت عليها عندها، ولم أكن قد اعتدت الحصول على مثل هذه الدرجة، ولكن عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.وبعد أن ساقت حواراً ساخناً بينها وبين تلك المعلمة التي كانت صالحة وتقية، تقول: بعد ذلك صافحتني المعلمة ووضعت في يدي مصحفاً صغيراً وقبضَتْ على يدي وقالت: لا أقول إنه هدية بل هي أمانة، فإن استطعتِ حملها وإلا فأعيديها إلي.تقول: فوقع في نفسي حديثها؛ ولكني لم أستشعر ثِقَل تلك الأمانة إلا بعد أن قابلتُ إحدى الأخوات الصالحات فأخبرتُها بما قالت لي المعلمة.قالت: فتغير وجه تلك الأخت الصالحة، وقالت لي: أتعلمين ما هي الأمانة؟! أتعلمين ما هي مسئولية هذا الكتاب؟! أتعلمين كلام من هذا، وأوامر من هذه؟!عندها استشعرت ثقل الأمانة التي حُمِّلْتُها، فكان القرآن العظيم أعظم هدية أهديت إلي، فانهمكتُ في قراءته، وهجرت وبكل قوة وإصرار الغناء والمسلسلات، إلا أن هناك نقصاً لا يزال فيَّ، حيث إن هيئتي لم تتغير، قَصَّةٌ غربية، وملابس ضيقة، ونحو ذلك مما يُعَد نقصاً في سمات الفتاة الملتزمة.ومع طول المجاهدة وكثرة النصائح تحسَّنت حالي والحمد لله.إلا أن الحدث الذي غَيَّر مجر حياتي، وكان له أبلغ الأثر في نفسي هو: ما حدث لي في يوم من الأيام؛ حيث ذهبتُ مع إحدى الأخوات إلى مغسلة الأموات، فإذا بالمغسِّلة تغسِّل شابة تقارب الثالثة والعشرين من عمرها، وكانت في المستوى الثالث من الجامعة، تقول: ولا أستطيع وصف ما رأيتُ، تُقَلَّب يميناً وشمالاً لتُغَسَّل وتُكَفَّن، وهي باردة كالثلج، أمها حولها، وأختها وأقاربها، أتُراها تقوم وتنظر إليهم آخر نظرة، وتعانقهم وتودعهم؟! أم تُراها توصيهم آخر وصية؟! كلا، لا حَراك، وإذ بأمها تقبلها على خدها وجبينها وهي تبكي بصمت وتقول: اللهم ارحمها، اللهم وسع مدخلها .. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة، ثم تردف ذلك الكلام الأم وتقول: قد سامحتُك يا بنتي، قد سامحتُك يا بنتي، ثم يُسدل الستار على وجهها بالكفن.تقول هذه التائبة: ما أصعبه من منظر! وما أبلغها من موعظة! لحظات، وستوضع في اللحد، ويُهال عليها التراب، وتُسأل عن كل ثانية من حياتها!!فوالله مهما كَتَبْتُ من عبارات ما استطعتُ أن أحيط بذلك المشهد، لقد غَيَّر ذلك المشهد أموراً كثيرة بداخلي، زهدني في هذه الدنيا، وإني لأتوجه إلى كل معلمة، بل إلى كل داعية أياً كان مركزها ألا تتهاون في إسداء النصح، وتقديم الكلمة الطيبة حتى وإن أُقْفِلَت في وجهها جميع الأبواب، فحسبُها أن باب الله مفتوح.كما أتوجه إلى كل أخت غافلة عن ذكر الله، منغمسة في ملذات الدنيا وشهواتها: أن عودي أُخَيَّة، فوالله إن السعادة كل السعادة في طاعة الله، وإلى كل من رأت في قلبها قسوة، أو ما استطاعت ترك ذنب ما أن تذهب إلى مغسلة الموتى وتراهم وهم يغسَّلون ويكفَّنون، والله إنها من أعظم العظات، وكفى بالموت واعظاً، أسأل الله لي ولكنَّ حسن الخاتمة.أختكم: أم عبد الله.
لِمَ الشكوى وبين يديك العلاج؟!
الوقفة الثالثة أيها المذنب: لم الشكوى وبين يديك العلاج؟! :-يشتكي كثير من العصاة من هموم لازمتهم، وأحزان لم تبرحهم، ومصائب لم تفارقهم، يندبون حظهم وتعاسة حالهم، والحقيقة: أنهم هم سبب ذلك، والعجيب أن بين أيديهم العلاج الناجع لأدوائهم، ومع ذلك فقد أعرضوا، فلم الشكوى إذاً؟! لم التشكي وبين أيديهم العلاج؟!ولنقف أيها الإخوة والأخوات مع هذه الكلمات الجميلة للإمام ابن القيم رحمه الله وهو يخاطب ذلك المذنب الذي يكثر الشكوى والتألم وبين يديه باب النجاة، يقول رحمه الله كما في مدارج السالكين:ويستغيث مع ذلك -يعني: المذنب-: العطش .. العطش! وقد وقف في طريق الماء، ومنع وصوله إليه، فهو حجاب قلبه عن سر غيبه، وهو الغيب المانع لإشراق شمس الهدى عن القلب، فتباً له من ظالم في صورة مظلوم! وشاكياً والجناية منه! قد جد في الإعراض وهو ينادي: طردوني، أبعدوني، يأخذ الشفيق صلى الله عليه وسلم بحُجْزَته عن النار وهو يجاذبه ثوبه ويغلبه، ويقتحمها ويستغيث: ما حيلتي، وقد قدموني إلى الحُفَيْرة وقذفوني فيها؟! والله كم صاح به الصائح: الحذر .. الحذر! إياك .. إياك! وكم أراه مَصارع المقتحمين وهو يأبى إلا الاقتحام، يا ويله ظهيراً للشيطان على ربه! خصماً لله على نفسه! جَبْري المعاصي! قَدَري الطاعات! عاجز الرأي! مضياعاً لفرصته! قاعداً عن مصالحه! معاتباً لأقدار ربه! يحتج على ربه بما لا يقبله هو من ولده وامرأته.هذا مع تواتر إحسان الله إليك أيها المذنب على مدى الأنفاس، أزاح عِلَلَك، ومكنك من التزود إلى جنته، وبعث إليك الدليل، وأعطاك السمع والبصر والفؤاد، وعرَّفك الخير والشر، والنافع والضار، وأرسل إليك رسوله، وأنزل إليك كتابه، أمرك بسؤاله ليعطيك، فلم تسأله، بل أعطاك أجلَّ العطايا بلا سؤال فلم تقبل. تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك .. وتتظلم ممن لا يظلمك إلى من يظلم .. وتدعو من يعاديك ويظلمك!! وإن أنعم عليك بالصحة والعافية، والمال والجاه، استعنت بنعمه على معاصيه؟! دعاك إلى بابه فما وقفتَ عليه ولا طرقتَه، ثم فتَحَه لك فما ولجتَه، ومع هذا لم يؤيسك من رحمته، بل قال: متى جئتني قبلتُك، إن أتيتني ليلاً قبلتُك، وإن أتيتني نهاراً قبلتُك، وإن تقربتَ مني شبراً تقربتُ منك ذراعاً، وإن تقربتَ مني ذراعاً تقربتُ منك باعاً، وإن مشيتَ إلي هرولتُ إليك، ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً أتيتُك بقرابها مغفرة، ولو بلغتْ ذنوبُك عنان السماء ثم استغفرتَني غفرت لك، فمن أعظم مني جوداً وكرماً، عبادي يبارزونني بالعظائم، وأنا أكلؤهم على فرشهم، إني والجن والإنس في نبأ عظيم! أخلق ويعبد غيري! وأرزق ويُشكر سواي! خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد! أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إليَّ! من أقبل إلي تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن أراد رضاي أردتُ له ما يريد، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنتُ له الحديد.أهل ذكري أهل مجالستي -جعلني الله وإياكم منهم في هذه الساعة- وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنِّطهم من رحمتي، إن تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب، من آثرني على سواي آثرته على سواه، الحسنة عندي بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة عندي بواحدة، فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له.أشكر اليسير من العمل، وأغفر الكثير من الزلل، رحمتي سبقت غضبي، وحلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي، أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها. انتهى كلامه رحمه الله.أرأيتم -عباد الله!- إلى هذا الفضل الزاخر من أرحم الراحمين سبحانه وبحمده؟! فما أعظم كرمه وجوده! وما أوسع فضله وعطاءه! فلا حجة والله بعد ذلك لمذنب ولا لمتشكٍ.
 توبة فتاة على يد معلمة
أما النموذج الثاني لمن أحياه الله بعد موته، وأنقذه بعد غرق في بحار المعصية والخطيئة، فهي قصة لفتاة في هذا العصر، تاب الله عليها بسبب معلمتها، تروي قصتها بنفسها مع شيء من التصرف اليسير فتقول:لا أدري بأي كلمات سوف أكتب قصتي، أم بأي عبارات الذكرى الماضية التي أتمنى أنها لم تكن، لقد كان إقبالي على سماع الغناء كبيراً، حتى إنني لا أنام ولا أستيقظ إلا على أصوات الغناء، أما المسلسلات والأفلام فلا تسل عنها في أيام العطل، لا أفرغ من مشاهدتها إلا عند الفجر، في ساعات يتنزل فيها الرب سبحانه إلى السماء، فيقول: (هل من مستغفر فأغفر له؟! هل من سائل فأعطيه سؤله؟!) وأنا ساهرة على أفلام الضياع.أما زينتي وهيئتي فكهيئة الغافلات أمثالي في هذا السن: قَصَّةٌ غربية .. ملابس ضيقة وقصيرة .. أظافر طويلة .. تهاون بالحجاب .. إلى غير ذلك من ألوان المعصية والتقصير.تقول: وفي الصف الثاني الثانوي دخلت علينا إحدى المعلمات، وكانت معلمة فاضلة، شدَّني إليها حسنُ خلقها، وإكثارها من ذكر الفوائد، وربطها المادة بالدين، حملتني أقدامي إليها مرة، لا أدري ما الذي ساقني إليها؛ لكنها كانت البداية، جلست إليها مرة ومرتين، فلما رأت مني تقبلاً واستجابة نصحتني بالابتعاد عن سماع الغناء، ومشاهدة المسلسلات.قلت لها: لا أستطيع.قالت: من أجلي.قلت: حسناً! من أجلك.ثم صمت قليلاً وقلت بعد ذلك: لا، ليس من أجلك، بل لله إن شاء الله.وكانت قد علِمَت مني حب التحدي فقالت: ليكن تحدٍ بينك وبين الشيطان، فلننظر لمن ستكون الغلبة.فكانت آخر حلقة في ذلك اليوم.فلا تسل عن حالي بعد ذلك -تقصد ما واجهها من صراع ومجاهدة- لا تسل عن حالي، وأنا أسمع من بعيد أصوات الممثلين في المسلسلات، أأتقدم وأشاهد المسلسلات؟! إذاً سيغلبني الشيطان، ومن تلك اللحظة تركتُ سماع الغناء ومشاهدة المسلسلات؛ ولكن بعد شهر تقريباً عدتُ إلى سماع الغناء خاصة، واستطاع الشيطان رغم ضعف كيده أن يغلبني لضعف إيماني بالله.تقول: وفي السنة الثالثة دخلَت علينا معلمة أخرى، كنت لا أطيق حصتها، ولا أطيق رؤية هذا المعلمة، بسبب درجة متدنية حصلت عليها عندها، ولم أكن قد اعتدت الحصول على مثل هذه الدرجة، ولكن عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.وبعد أن ساقت حواراً ساخناً بينها وبين تلك المعلمة التي كانت صالحة وتقية، تقول: بعد ذلك صافحتني المعلمة ووضعت في يدي مصحفاً صغيراً وقبضَتْ على يدي وقالت: لا أقول إنه هدية بل هي أمانة، فإن استطعتِ حملها وإلا فأعيديها إلي.تقول: فوقع في نفسي حديثها؛ ولكني لم أستشعر ثِقَل تلك الأمانة إلا بعد أن قابلتُ إحدى الأخوات الصالحات فأخبرتُها بما قالت لي المعلمة.قالت: فتغير وجه تلك الأخت الصالحة، وقالت لي: أتعلمين ما هي الأمانة؟! أتعلمين ما هي مسئولية هذا الكتاب؟! أتعلمين كلام من هذا، وأوامر من هذه؟!عندها استشعرت ثقل الأمانة التي حُمِّلْتُها، فكان القرآن العظيم أعظم هدية أهديت إلي، فانهمكتُ في قراءته، وهجرت وبكل قوة وإصرار الغناء والمسلسلات، إلا أن هناك نقصاً لا يزال فيَّ، حيث إن هيئتي لم تتغير، قَصَّةٌ غربية، وملابس ضيقة، ونحو ذلك مما يُعَد نقصاً في سمات الفتاة الملتزمة.ومع طول المجاهدة وكثرة النصائح تحسَّنت حالي والحمد لله.إلا أن الحدث الذي غَيَّر مجر حياتي، وكان له أبلغ الأثر في نفسي هو: ما حدث لي في يوم من الأيام؛ حيث ذهبتُ مع إحدى الأخوات إلى مغسلة الأموات، فإذا بالمغسِّلة تغسِّل شابة تقارب الثالثة والعشرين من عمرها، وكانت في المستوى الثالث من الجامعة، تقول: ولا أستطيع وصف ما رأيتُ، تُقَلَّب يميناً وشمالاً لتُغَسَّل وتُكَفَّن، وهي باردة كالثلج، أمها حولها، وأختها وأقاربها، أتُراها تقوم وتنظر إليهم آخر نظرة، وتعانقهم وتودعهم؟! أم تُراها توصيهم آخر وصية؟! كلا، لا حَراك، وإذ بأمها تقبلها على خدها وجبينها وهي تبكي بصمت وتقول: اللهم ارحمها، اللهم وسع مدخلها .. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة، ثم تردف ذلك الكلام الأم وتقول: قد سامحتُك يا بنتي، قد سامحتُك يا بنتي، ثم يُسدل الستار على وجهها بالكفن.تقول هذه التائبة: ما أصعبه من منظر! وما أبلغها من موعظة! لحظات، وستوضع في اللحد، ويُهال عليها التراب، وتُسأل عن كل ثانية من حياتها!!فوالله مهما كَتَبْتُ من عبارات ما استطعتُ أن أحيط بذلك المشهد، لقد غَيَّر ذلك المشهد أموراً كثيرة بداخلي، زهدني في هذه الدنيا، وإني لأتوجه إلى كل معلمة، بل إلى كل داعية أياً كان مركزها ألا تتهاون في إسداء النصح، وتقديم الكلمة الطيبة حتى وإن أُقْفِلَت في وجهها جميع الأبواب، فحسبُها أن باب الله مفتوح.كما أتوجه إلى كل أخت غافلة عن ذكر الله، منغمسة في ملذات الدنيا وشهواتها: أن عودي أُخَيَّة، فوالله إن السعادة كل السعادة في طاعة الله، وإلى كل من رأت في قلبها قسوة، أو ما استطاعت ترك ذنب ما أن تذهب إلى مغسلة الموتى وتراهم وهم يغسَّلون ويكفَّنون، والله إنها من أعظم العظات، وكفى بالموت واعظاً، أسأل الله لي ولكنَّ حسن الخاتمة.أختكم: أم عبد الله.
مزالق ومحاذير في باب التوبة
الوقفة الرابعة: مزالق ومحاذير في باب التوبة :-إن هناك -يا أيها الإخوة والأخوات!- جملة من المحاذير والمزالق حول موضوع التوبة، يحسُن بنا أن نقف عندها لنحذر منها، وننفر من سلوكها، فكم زلت بها من قدم! وكم هوى بها من إنسان! ومن تلك المزالق والمحاذير:
 تعاظم الذنب واليأسُ من رحمة الله
المزلق الرابع: تعاظم الذنب واليأس من رحمة الله :-كم أقعد اليأسُ من مذنب عن أن يطرق باب الكريم، تعاظَمَ ذنبُه ونسي أن رحمة الله أعظم وأجل، فكلما هم بالتوبة تذكر ذنوبه وموبقاته، فقال: أنَّى لي بمغفرة الله وقد فعلتُ وفعلتُ وفعلتُ، وما يدريكم عن حالي وذنوبي التي اقترفتها، وعن سيئاتي التي اجترحتها؟!فأقول: صدقتَ، نحن لا ندري عنها؛ لكن حسبنا أن الله يدري بها، ومع ذلك لم يعاجلك بالعقوبة، ينتظر منك أن تطرق باب جوده .. يمهلك شفقة عليك، ورحمة بك؛ لعلك أن تعود، فإن عدت فأبشِر بما لم يخطر لك على بال.روى ابن ماجة في كتاب الزهد، وصححه الألباني من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء، ثم تبتم لتاب الله عليكم).وجاء في المسند من حديث صفوان رضي الله عنه قال: (إن في المغرب باباً مفتوحاً للتوبة مسيرته سبعون سنة، لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه).وبالجملة فإن الله لا يتعاظمه ذنب أياً كان هذا الذنب، وهو القائل جل شأنه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].واسمع يا من أَلَمَّ بذنب وخشي ألا يُغْفَر له، اسمع هذه البشارة الربانية من كتاب الله تعالى القائل عز وجل: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:110].أورد ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين قصة عن بعض الصالحين أنه رأى في بعض الطرق باباً قد انفتح، وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه من خلفه تطرده حتى أغلقت دونه الباب، فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكِّراً فلم يجد له مأوىً غير البيت الذي أُخْرِج منه، ولا من يؤويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً، فوجد الباب مُرْتَجاً -يعني: مقفلاً- فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه، فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت بنفسها عليه، والتزمته تقبله وتبكي، وتقول: يا ولدي! أين تذهب عني؟! ومن يؤويك سواي؟! ألم أقل لك: لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبِلْتُ عليه من الرحمة بك والشفقة عليك، وإرادة الخير لك؟! ثم أخذته ودخلَت.علَّق ابن القيم على هذه القصة بكلام جميل فقال: تأمل قولها: لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبِلْتُ عليه من الرحمة والشفقة، وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَلَّهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها) وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟!!الله أكبر يا عباد الله! ما أعظم رحمة الرحمن جل ثناؤه! وما أعظم مدخره من الرحمات للتائبين والتائبات!وقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل إلى الأرض جزءاً واحداً، فمِن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه).وجاء في بعض الآثار: إن إبليس يوم القيامة يرفع رأسه يريد أن تدركه رحمة الله؛ لِمَا يرى من تَنَزُّل الرحمات على عباد الله.فيا أيها المذنب! -وكلنا كذلك- هذا هو الباب مُشْرَع بين يديك، فانظر إلى أمرك، وانطرح بين يدي ربك .. انطرح عند عتبة باب مولاك، ومَرِّغ جبهتك تذللاً لسيدك .. فِرَّ منه إليه، فما من عاصم من الله إلا إليه، قل بلسان العبد المعترف الأواب:أيا من ليس لي منه مجيرُ بعفوك من عذابك أستجيرُ أنا العبد المقرّ بكل ذنب وأنت السيد المولى الغفورُ فإن عذبتني فبسوء فعلي وإن تغفر فأنت به جديرُ أفرُّ إليك منك وأين إلا يفر إليك منك المستجيرُ لم يبق والله يا عباد الله من حلاوة العيش -كما قال بعض السلف- إلا أن نُمَرِّغ وجوهنا في التراب ساجدين له سبحانه.وإن ضاقت عليك الأرض بما رحبت، واستوحشتَ من ذنوبك، وغُلِّقت أمامك الأبواب، فاعلم أن باب الله مفتوح لا يُغْلَق، وارفع شكواك إليه لا إلى سواه، وقُم في ظلمات الليل وبُثَّ همومك وأحزانك إلى ربك، فإنه العليم بالسرائر وما تكنه الضمائر.طرقتُ باب الرجا والناس قد رقدوا وبتُّ أشكو إلى مولاي ما أجدُ فقلت يا أملي في كل نائلةٍ ومَن عليه في كشف الضر أعتمدُ أشكو إليك أموراً أنت تعلمها ما لي على حملها صبر ولا جلدُ وقد مددتُ يدي بالذل معترفاً إليك يا خير من مُدَّت إليه يدُ فاللهم يا غياث السائلين! ويا رجاء المنقطعين! ويا أنيس الخائفين! يا باسط اليدين بالرحمة! يا من رحمته سبقت غضبه! يا ساتر العيب! يا غافر الذنب! يا سامع كل دعوى! ويا مجيب كل نجوى! يا من هو أرحم بعبده أن يُلْقِيه في النار من الأم بولدها! نسألك في هذه الساعة أن تشمَلَنا جميعاً بواسع رحمتك.اللهم ارحمنا، فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فأنت على ذلك قادر.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ألا تحبون أن يغفر الله لكم للشيخ : عبد الله محمد العسكر

http://audio.islamweb.net