اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , يوم يقوم الناس لرب العالمين للشيخ : سعد البريك


يوم يقوم الناس لرب العالمين - (للشيخ : سعد البريك)
إن الله سبحانه وتعالى قد ذكر يوم القيامة في كتابه الكريم، وما فيه من أهوال عظام، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حال الناس يوم القيامة، وما هم فيه غم وكرب، ذاكراً لهم شفاعته لهم لفصل القضاء بين العباد، وأخبر عما يكون من مشاهد ومواقف مع رب العالمين، كالحساب، والعرض، والجدال، وشهود الأعضاء، ونشر الصحف، وانتشار الفضائح ... وغير ذلك.
أهوال من يوم البعث والنشور
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، أحمده سبحانه جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاًوقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق كل شيءٍ فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، لم يعلم طريق خير إلا ودلنا عليه، وما علم سبيل شرٍ إلا وحذرنا منه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أما بعد:فيا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [الأحزاب:70].معاشر المؤمنين: إن لنا موعداً مع الأولين والآخرين، إن لنا موعداً مع السابقين واللاحقين، إن لنا موعداً مع الذين مضوا والذين يقدمون، سنجتمع نحن وإياهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، سنجتمع في يومٍ أمام رب العالمين، يوم ينزل الجبار للفصل والقضاء بين العباد: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6]وفي ذلك اليوم: تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281] وفي ذلك اليوم تطوى السماء كطي الكتب، ويقول الجبار عز وجل: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104].
  فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم
في ذلك اليوم: يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً [النبأ:40] وفي ذلك اليوم: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ [الرحمن:41].. فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [الرحمن:39] في ذلك اليوم: تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ [آل عمران:30].ويوم يوضع الكتاب وترى المجرمين مشفقين مما فيه، وقد فزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا عاقبة إلا لمن ثقلت موازينه، فتنقطع الأنساب، وتنتهي القرابات، وتنتهي العصبيات والعروبة والقبليات: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [المؤمنون:101-104].وفي ذلك اليوم ترى ثلة من الأبرار، وجماعة من الأخيار: يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد:12].مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إذا كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا البحار تفجرت من خوفها ورأيتها مثل الجحيم تفور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا العشار تعطلت وتخـربت خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت وتقول للأملاك أين نسير وإذا تقاة المسلمين تزوجـت من حور عينٍ زانهن شعور وإذا الوئيدة سئلت عن شـأنها وبأي ذنبٍ قتلها ميسور وإذا الجليل طوى السماء يمينه طي السجل كتابه المنشور وإذا الصحائف نشرت فتطايرت وتهتكت للفاجرين ستور وإذا السماء تكشطت عن أهلها ورأيت أفلاك السماء تمور وإذا الجحيم تسعرت نيرانها فلها على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتىً على طول البلاء صبور وإذا الجنين بأمه متعلقٌ يخشى القصاص وقلبه مذعور هذا بلا ذنبٍ يخاف جنايةً كيف المصر على الذنوب دهور؟!! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
مشاهد من يوم القيامة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى ورضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أما بعد:فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضَّوا بالنواجذ على العروة الوثقى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281].اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثةٍ بدعة؛ وكل بدعةٍ ضلالة؛ وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يدُ الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين: أليس من واجبنا.. أليس من الأولى بنا.. أليس من المفترض علينا -ما دمنا نوقن بالوقوف في ذلك اليوم الذي يحشر فيه الخلائق والأولون والآخرون وسنكون من بينهم- أن نعرف أحداث ومعالم ذلك المشهد؟ أليس من واجبنا أن نتصور ذلك العرض، وأن نتخيل أين يكون موقعنا.. مع أي فريقٍ، ومع أي ثلةٍ، وفي أي جماعة؟ ألا فاعلموا يا عباد الله أن شر من يحشر يوم القيامة هو من يحشر على وجهه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلاً قال: يا رسول الله! كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال صلى الله عليه وسلم: (أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرٌ على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟) قال قتادة : [بلى وعزة ربنا] متفق عليه.
  خوف الكافرين وفزعهم وأمن المؤمنين واطمئنانهم
ألا واعلموا يا عباد الله: أن هناك الكثير ممن يفضحون بأعمالهم يوم القيامة، فالذين يمنعون زكاة الذهب من هؤلاء يصفح لهم على جلودهم، ويحمى به على جنوبهم وظهورهم ويكوون به، وما منعوا زكاة بقرٍ ولا غنمٍ ولا إبل إلا بطح لها بقاعٍ قرقر، ثم تأتي عليه تطؤه بأظلافها، فإذا قضى آخرها رُدَّ عليه أولها، حتى يقضى بين الخلائق، فَيُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.ويوم القيامة طائفةٌ من الأتقياء، طائفة من الأبرار والأخيار يقال لهم: يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف:68-69] والسبب في أنهم أمنوا واطمأنوا يوم فزع الناس: أن قلوبهم في الدنيا كانت عامرةً بالخوف من الله، فرد الله عليهم هذا الخوف جزاءً بطمأنينةٍ وأمنٍ يوم القيامة، أليسوا يقولون: إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً [الإنسان:10]، فكان جزاؤهم: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [الإنسان:11-12] قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يومٌ أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يومٌ أجمع فيه عبادي) رواه أبو نعيم في الحلية (ومن كظم غيظه؛ خير يوم القيامة في الحور العين).أما الشهداء فلهم عند الله كرامةٌ عند موتهم ويوم القيامة، والمرابطون كذلك يغدى عليهم بأرزاقهم، ويراح عليهم من الجنة حتى يبعثهم الله ويكرمهم.والذين ييسرون على المعسرين فإن الله يتجاوز عنهم يوم القيامة، والذين يفرجون كربات المسلمين ويسترون المسلمين فإن الله يسترهم ويفرج كربهم، وكذلك من أنظر المعسرين فإنه يوم القيامة في ظل عرش الله.ألا وإن سبعةً أيضا ممن يطمئنون في ذلك الفزع، قال فيهم صلى الله عليه وسلم: (سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشابٌ نشأ في عبادة ربه، ورجلٌ قلبه معلقٌ بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) متفق عليه. ألا فلنستعد لذلك اليوم الذي سنقف له ونمضي فيه ولا تغرنا دنيانا؛ فإن أقواماً ملكوا أكثر مما ملكنا، ونعموا أكثر مما نعمنا، وأوتوا أكثر مما أوتينا، وهم رهائن وأسرى القبور واللحود، وسنقف وإياهم يوم القيامة، فالعاقل لا يغتر بدنياه منشغلاً عن آخرته، واستعدوا وأعدوا لذلك اليوم عملاً، ولذلك السؤال جواباً، ولذلك الحساب ما يدفعه؛ عسى الله أن يتجاوز عنا وعنكم.اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت العظيم الحليم، رب العرش العظيم، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، يا ودود يا ذا العرش المجيد! يا مغيث الملهوفين! ويا نصير المستضعفين يا رب العالمين! إنك تعلم أن إخواننا في البوسنة والهرسك قد حوصروا حصاراً عظيماً، وقد عجز المسلمون قاطبةً أن يفعلوا أمام هذا الحصار شيئاً، اللهم قل الناصر، وضعف المعين، ولم يبق لنا إلا وجهك يا رب العالمين! اللهم أنزل بأسك الذي لا يرد على الصربيين، اللهم أنزل بأسك الذي لا يرد على المجرمين، اللهم أنزله على الصربيين، اللهم ضعف الجنود واستضعفوا، ولم يبق إلا ما عندك وجندك الذين لا يعلمهم إلا أنت يا رب العالمين!اللهم إن الأمر قد عظم وتفاقم، وإن الخطب جلل، وإن العقلاء حيارى، وإن المسلمين عاجزون أن يفعلوا لإخوانهم شيئاً، اللهم إنهم عبادك فلا تسلمهم إلى الضعفاء يا رب العالمين.اللهم إنهم يشهدون أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك اللهم لا تسلمهم إلى خلقك المساكين، اللهم لا تسلمهم إلى الضعفاء، اللهم لا تسلمهم إلى المفرطين والمرجفين.. إلى من تكلهم يا رب العالمين! إلى عدوٍ يتجهمهم أو ضعيف يتملك أمرهم، أو من لا حيلة له عليهم.اللهم انصرهم بنصرك، اللهم انصر المسلمين في البوسنة ، اللهم إن المسلم تغتصب زوجته ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، ويفعل الفاحشة بولده فلا يفعل شيئاً، وينهب ماله، ويحرق داره، ويسرق حرثه وماشيته، فلا يملك إلا أن يقول: يا الله وإنك قلت: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].. وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ [الصافات:75] اللهم إنهم يدعونك ونحن ندعوك أن تفرج كربهم، اللهم فرج كربهم، اللهم فك الحصار عنهم، اللهم إن ثمانين ألفاً من المسلمين يحاصرون يوشك أن تجري الدماء في شوارع بيهاتش، اللهم رحمتك بهم ، اللهم رحماك بالأطفال وبالعجائز والشيوخ الركع، اللهم رحماك بالأيامى، رحماك بالثكالى، رحماك بالمستضعفين، اللهم أهلك الصربيين بالكروات، وأهلك الكروات بالصربيين، واجعل كيدهم في نحرهم، واجعل تدبيرهم تدميرهم، اللهم سلط عليهم جنودك، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم.اللهم لا نملك إلا الدعاء، وهذا الدعاء وعليك الإجابة يا رب العالمين!اللهم انصر المسلمين، اللهم وحد صفهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم وحد كلمتهم، اللهم إنهم حفاةٌ فاحملهم، وعراةٌ فاكسهم، وجياعٌ فأطعمهم، وعطشى فاسقهم، ومستذلون فانصرهم يا رب العالمين! يا أرحم الراحمين! يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام!اللهم إنا نذكر ما حل بنا يوم أن سلط البعث صواريخه علينا فانقلب ليلنا نهاراً، وانقلب نهارنا فزعاً، وخلت الطرق، وهرب الناس، وإن ما بإخواننا أشد من ذلك وأضعاف أضعافه، اللهم عجل نصرك! اللهم عجل فرجك! اللهم عجل تأييدك! اللهم أنزل جنودك يا رب العالمين! يا أرحم الراحمين! اللهم صلّ على محمدٍ وآله وصحبه، وأقم الصلاة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , يوم يقوم الناس لرب العالمين للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net