اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لبيك اللهم لبيك للشيخ : محمد الدويش


لبيك اللهم لبيك - (للشيخ : محمد الدويش)
الحج شعيرة من شعائر الإسلام، والقيام به هو استجابة لأمر الله عز وجل، وإن الناظر ليجد الحجيج من المسلمين يستجيبون لأمر الله عز وجل ويلبون نداءه ويعملون بما أمر في الحج وينتهون عما نهى رغم انطواء الحكمة من وراء ذلك؛ لكنهم ما أن ينتهوا من النسك ويعودوا إلى بلدانهم حتى ينهمكوا في المحرمات ويرتكبوا المناهي بكافة صورها ومراتبها، فكان من المهم أن يتعلم المرء من الحج الدروس والعبر التي تنفعه في سائر حياته.
وقفات حول التلبية

 الجهر بالتلبية
الوقفة الثالثة حول التلبية: يسن الجهر بالتلبية، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الحج العج والثج) والمقصود به رفع الصوت بالتلبية وإراقة الدم في سبيل الله عز وجل، وحين أحرم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يلبون رفعوا أصواتهم فما بلغوا الروحاء حتى بحت أصواتهم. إنه مشهد جميل ورائع وصوت شجي وندي يملأ الميادين والأزقة والطرقات معلناً التوحيد لله عز وجل: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك! لكنك ترى المسلم الذي يجهر بالتلبية ويعلنها ويكررها ويرفع بها صوته، تراه حين يعود بعد ذلك إلى بلده يستحي أن يجهر بما ينبغي أن يجهر به، فهو يستحي أن يعلن انتماءه الحقيقي وولاءه لدينه، يستحي أن يصلي النافلة وربما صلاة الجماعة، يستحي أن يترك معاقرة الخمرة، يستحي أن يفعل ذلك أمام الناس وهو الذي كان يجهر بالتلبية لله عز وجل. إن هذا الشعور الذي يدفع المسلم للجهر بالتلبية ينبغي أن يدفعه إلى أن يجهر بانتمائه وبدينه وأن يعلنها صريحة واضحة أمام الناس: ها أنا مسلم أدعو الله عز وجل وأدعو إليه وأنتمي لدينه، ها أنا مسلم أتعبد لله عز وجل بفعل ما أمر واجتناب ما نهى ولو خالف ما عليه الناس.
الحج وإبراهيم
النقطة الثانية: الحج وإبراهيم.
 عقيدة البراءة من المشركين
ثالثاً: لقد ورثت الأمة الإسلامية من أبيها إبراهيم عقيدة البراءة من المشركين وعداوتهم؛ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4]. فقد أعلنها إبراهيم صريحة واضحة: كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ [الممتحنة:4] ولحكمة عظيمة تنزل آية براءة في موسى الحج، ويرسل النبي صلى الله عليه وسلم من يقرأ بها في الموسم: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ [التوبة:1-2]. فهل يُدرك المسلم وهو يلبي نداء إبراهيم أن عليه أن يقطع الولاء لكل مشرك وكافر، ولو كان أقرب قريب؟ وألا يوالي إلا من كان حنيفاً مسلماً؟ هل يدرك المسلم وهو يلبي، وهو يستجيب لنداء إبراهيم، وهو يستقبل البيت الذي بناه إبراهيم خمس مرات، هل يدرك أن ملة إبراهيم قائمة على البراءة من كل كافر بالله عز وجل، ومن كل مشرك أياً كان كفره وشركه، سواء كان يهودياً أو نصرانياً، أو كان وثنياْ أو مرتداً ما دام كافراً بالله عز وجل فملة إبراهيم تقتضي إعلان البراءة واضحة، وقد أعلنها الله عز وجل، ونزلت هذه الآيات في موسم الحج وقُرئت على الناس في ذاك العام أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فما أجدر المسلم وهو يقضي هذه المناسك أن يتذكر هذه المعاني العظيمة. إن قوماً من الزائغين رأوا أن الحج موطن إعلان البراءة من المشركين، والبراءة عندهم من المشركين تعني البراءة من أبي بكر وعمر وممن يحبهما ويترضى عنهم، وإن استعمال أولئك الضالين الزائغين لهذا المصطلح الشرعي لا يعني أن نتخلى عنه، فهو مصطلح جاء في كتاب الله عز وجل، وأمر الله سبحانه وتعالى به، ونودي بهذه الآيات في يوم الحج الأكبر في يوم النحر، فاستخدام أولئك لها استخداماً خاطئاً لا يعني بحال أن ينسى المسلم أنه مُتعبد بذلك، لكن البراءة التي يعرفها المنتمي حقاً لملة إبراهيم غير تلك البراءة.
وقفات حول النحر
النقطة الثالثة: وقفات حول النحر.
 الاعتناء بالحقيقة والمضمون دون المظاهر
الوقفة الرابعة حول النحر: يقول الله عز وجل تعقيباً على آيات النحر: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37]. إن القضية ليست بالمظهر ولا بالمظاهر، إنما هي بالمضمون والمقصود، إن هذه اللحوم والدماء لن ينال الله عز وجل منها خيراً وهو سبحانه المستغني عن خلقه، وهو سبحانه وتعالى أغنى عن الشرك وأغنى عن خلقه، وأنى له سبحانه وتعالى أن يحتاج أو يفتقر إلى غيره، هذا إشعار للمسلمين أن يعتنوا بالحقيقة والمضمون دون المظاهر، وإنك حين تتأمل في واقع المسلمين ترى أن المظهرية قد سيطرت على حياتهم، إنك تراه يصلي ويعتني بأداء الركوع والخشوع، لكن جوهر الصلاة وحقيقتها في واد آخر، فهو في واد وهذا في واد آخر، إنك ترى المظاهر قد أصبحت تخدع المسلمين وتسيّرهم، وهكذا صارت تسيطر على حياتهم، فأنت ترى الأستاذ في ميدان التعليم يُرى أن نجاحه في أن يُكمل هذا الكتاب كله دون أن يترك منه سطراً، أن يكتب كتابة واضحة على السبورة، أن يستعمل وسائل الإيضاح، أن يُعنى بكراسة التحضير ورصد الدرجات، أما ما وراء ذلك وأهم منه بناء الجيل وإعداده وتعليمه فهو شأن آخر، أليس هذا مظهراً من مظاهر عناية الأمة بالمظهرية وغياب المضمون عنها؟ وهو تراه سلوكاً يسيطر على المسلمين في حياتهم كلها وفي عبادتهم، إن في هذا إثارة وإلماحاً لهذه الأمة أن تُعنى بالحقائق وأن لا تكون أمة تُخدع بالمظاهر.
وقفات حول محظورات الإحرام
النقطة الخامسة: وقفات حول محظورات الإحرام.
 قتل الصيد
الوقفة الثالثة حول المحظورات..يمتنع المسلم في الحرم عموماً وحال إحرامه أياً كان عن قتل الصيد، بل عن تنفيره وإثارته، ولا تكاد ترى من يتجرأ على خرق هذا السياج، وهو انضباط محمود ولا شك، لكن ما بالك ترى المسلم الذي يتورع عن قتل الصيد بل عن تنفيره وإثارته، يريق دم أخيه المسلم أو يتسبب في ذلك، كم هي الأنهار جارية من دماء المسلمين في عرض العالم الإسلامي وطوله؟ والبعض منها يسيل بأيد مسلمة فيقتل المسلم أخاه، ويسعى لذلك دون رادع أو وازع، وهو هو الذي كان يتورع في الحرم عن تنفير الصيد وإثارته، إنه يمتنع هنا لأن الله عز وجل قد حرّم عليه تنفير الصيد وقتله، ولكن الله سبحانه الذي حرم عليه ذلك هو الذي حرم عليه دم أخيه المسلم، فما باله يسترخص دم أخيه ويستعظم تنفير طائر أو حمامة؟ وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى وألمح إليه فسأل أصحابه: أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟ وحين قرر لهم صلى الله عليه وسلم حُرمت اليوم والشهر والبلد قال: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا). كم ترى ممن يتجرأ على انتهاك حرمات المسلمين في عرض العالم الإسلامي وطوله في إراقة دم المسلم، أو السعي إلى ذلك، أو انتهاك عرضه، أو ظلمه في ماله، يتجرأ على ذلك وحين يأتي إلى بيت الله الحرام يتورع عن إثارة طائر أو حمامة، بل تراه يتقرب ويشتري بماله الطعام إلى هذا الطائر أو ذاك يتقرب إلى الله بإطعام هذا الطائر، وينسى أن حرمة دم المسلم أعظم من ذلك كله، ينسى أنه كما قال صلى الله عليه وسلم: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم).
وقفات حول الدعاء
النقطة السادسة: وقفات حول الدعاء.في الحج هناك ترى المسلمين من كان منهم براً ومن كان دون ذلك، من كان تقياً ومن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ترى الجميع شيباً وشباناً، رجالاً ونساء، قد رفعوا أكف الضراعة إلى الله عز وجل يدعونه ويبتهلون إليه عز وجل عشية عرفة، وعلى الصفا والمروة، وعند الجمرات، فهم ما بين مستغفر تائب وعائد إلى الله عز وجل نادم، وصاحب حاجة سائل لمولاه، تراهم قد قطعوا العلائق إلا إلى الله عز وجل، وقد انقطعت آمالهم إلا به سبحانه وتعالى، لكن هذا المسلم الذي يتوجه إلى الله عز وجل ويخلص له ويدعوه، ويقطع حبل الرجاء إلا به سبحانه وتعالى، تراه وقد علّق أمله بالمخلوق خوفاً ورجاء، تراه ينطرح ذليلاً بين يدي مخلوق، يشعر أن حاجته بيده، وأن مخرجه مرهون به، فكيف يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ أليس خيراً للمسلم أن يعتز، وأن لا تكون له حاجة إلا لله سبحانه وتعالى، وأن يترفع عن استجداء المخلوقين، وشعوره أن مصيره بيد فلان أو فلان من الناس.
 قتل الصيد
الوقفة الثالثة حول المحظورات..يمتنع المسلم في الحرم عموماً وحال إحرامه أياً كان عن قتل الصيد، بل عن تنفيره وإثارته، ولا تكاد ترى من يتجرأ على خرق هذا السياج، وهو انضباط محمود ولا شك، لكن ما بالك ترى المسلم الذي يتورع عن قتل الصيد بل عن تنفيره وإثارته، يريق دم أخيه المسلم أو يتسبب في ذلك، كم هي الأنهار جارية من دماء المسلمين في عرض العالم الإسلامي وطوله؟ والبعض منها يسيل بأيد مسلمة فيقتل المسلم أخاه، ويسعى لذلك دون رادع أو وازع، وهو هو الذي كان يتورع في الحرم عن تنفير الصيد وإثارته، إنه يمتنع هنا لأن الله عز وجل قد حرّم عليه تنفير الصيد وقتله، ولكن الله سبحانه الذي حرم عليه ذلك هو الذي حرم عليه دم أخيه المسلم، فما باله يسترخص دم أخيه ويستعظم تنفير طائر أو حمامة؟ وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى وألمح إليه فسأل أصحابه: أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟ وحين قرر لهم صلى الله عليه وسلم حُرمت اليوم والشهر والبلد قال: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا). كم ترى ممن يتجرأ على انتهاك حرمات المسلمين في عرض العالم الإسلامي وطوله في إراقة دم المسلم، أو السعي إلى ذلك، أو انتهاك عرضه، أو ظلمه في ماله، يتجرأ على ذلك وحين يأتي إلى بيت الله الحرام يتورع عن إثارة طائر أو حمامة، بل تراه يتقرب ويشتري بماله الطعام إلى هذا الطائر أو ذاك يتقرب إلى الله بإطعام هذا الطائر، وينسى أن حرمة دم المسلم أعظم من ذلك كله، ينسى أنه كما قال صلى الله عليه وسلم: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم).
وقفات حول الحجر الأسود
النقطة السابعة: وقفات حول الحجر الأسود.عبارة يعرفها الجميع ويرددونها حين جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقبّل الحجر قال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّلك ما قبّلتك) إننا مع تلك الشهادة من عمر رضي الله عنه وهو أفضل الأمة بعد خليفة نبيها أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يقر أن الحجر الأسود لا يضر ولا ينفع، فما بالنا نرى المسلمين بعد ذلك يعتقدون أن هذا الحجر أو ذاك قد تعلّق مصيرهم به، وقد تعلّقوا بحديث باطل لا يصح أن يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به) فإذا كان هذا الحجر وهو في بيت الله لا يضر ولا ينفع، فما بالك بغيره من الحجارة؟ تلك التي صار للأسف الكثير من هذه الأمة يتبرك بها ويتمسّح بها.ثانياً: إن عمر رضي الله عنه يبيّن أن الدافع الأول والأخير لتقبيله لهذا الحجر هو أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، وهذا يخط لنا منهجاً في اتباع سنته صلى الله عليه وسلم والسير وراءه والحرص على التعرف على معالم هديه صلى الله عليه وسلم، وأن نتّبع سنته ونقتدي بهديه عليه أفضل الصلاة والتسليم سواء أعلمنا الحكمة أم لم نعلم، ظهر لنا المقصود أم لم يظهر، فنحن نتعبد لله عز وجل باتباعنا لسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
 قتل الصيد
الوقفة الثالثة حول المحظورات..يمتنع المسلم في الحرم عموماً وحال إحرامه أياً كان عن قتل الصيد، بل عن تنفيره وإثارته، ولا تكاد ترى من يتجرأ على خرق هذا السياج، وهو انضباط محمود ولا شك، لكن ما بالك ترى المسلم الذي يتورع عن قتل الصيد بل عن تنفيره وإثارته، يريق دم أخيه المسلم أو يتسبب في ذلك، كم هي الأنهار جارية من دماء المسلمين في عرض العالم الإسلامي وطوله؟ والبعض منها يسيل بأيد مسلمة فيقتل المسلم أخاه، ويسعى لذلك دون رادع أو وازع، وهو هو الذي كان يتورع في الحرم عن تنفير الصيد وإثارته، إنه يمتنع هنا لأن الله عز وجل قد حرّم عليه تنفير الصيد وقتله، ولكن الله سبحانه الذي حرم عليه ذلك هو الذي حرم عليه دم أخيه المسلم، فما باله يسترخص دم أخيه ويستعظم تنفير طائر أو حمامة؟ وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى وألمح إليه فسأل أصحابه: أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟ وحين قرر لهم صلى الله عليه وسلم حُرمت اليوم والشهر والبلد قال: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا). كم ترى ممن يتجرأ على انتهاك حرمات المسلمين في عرض العالم الإسلامي وطوله في إراقة دم المسلم، أو السعي إلى ذلك، أو انتهاك عرضه، أو ظلمه في ماله، يتجرأ على ذلك وحين يأتي إلى بيت الله الحرام يتورع عن إثارة طائر أو حمامة، بل تراه يتقرب ويشتري بماله الطعام إلى هذا الطائر أو ذاك يتقرب إلى الله بإطعام هذا الطائر، وينسى أن حرمة دم المسلم أعظم من ذلك كله، ينسى أنه كما قال صلى الله عليه وسلم: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم).
وقفات عامة
ثامناً وأخيراً وقفات عامة.
 قابلية الاستجابة للأمر الشرعي
أخيراً: ترى الناس في هذا الموسم، وترى عجباً، ترى ذاك الذي كان يعاقر الخمرة ويتغنى بها يبكي متضرعاً مقبلاً على الله عز وجل في عرفات! تراه قد تجرد من ثيابه وتخلى عنها لله عز وجل، ترى تلك المرأة السافرة الفاتنة، ترى تلك المرأة المتبرجة والتي كانت في هذا البلد أو ذاك تعرض مفاتنها وتتاجر بها؛ تراها وقد ارتدت الحجاب، وأقبلت على الله عز وجل في هذا الموسم، إن هذا مع أنه يحمل مظهراً من مظاهر التناقض والازدواجية كما أشرنا إليها قبل قليل، لكنه أيضاً يحمل جانباً آخر، وهو أن هؤلاء المسلمين يحملون استعداداً للاستجابة، يحملون استعداداً للتسليم لله عز وجل، إن تلك المرأة التي هي تتاجر بالسفور وتسعى إليه ها هي تلتزم الحجاب، مع أنها تعيش تناقضاً صارخاً إلا أن عندها استجابة لأمر الله عز وجل، ذاك الذي كان يجتهد في الصد عن سبيل الله صار يتعب وينصب ليحج إلى بيت الله عز وجل.أليس في هذا دليل -معشر الإخوة الكرام- أن النفوس مع ما فيها من أمراض تحمل قابلية للخير لو وظّفت واستثمرت لحققت خيراً كثيراً؟ إنك ترى مظاهر في الحج تدل على الجهل، لكنها مع ذلك تحمل في طياتها بذرة خير، ترى ذاك الذي يأتي وصحن البيت قد امتلأ بالطائفين فصار يزاحم الناس ليقبّل الحجر وهو على استعداد أن تُزهق روحه أن يُقتل دون الحجر، أن يُقبّلها ويُقتل دونها، والآخر في وهج الشمس يصعد على جبل عرفات وهو يظن أن الصعود عليه سنة، وهو على أتم الاستعداد أن يتحمل النتائج التي تترتب على ذلك في سبيل أن يصعد إلى هذا الجبل. إن هذه المظاهر وغيرها مع ما تحمل من الجهل والإيذاء للناس إلا أنها تدل على أن هذا الرجل يحمل نفساً تتطلع للتضحية تتطلع للبذل، فماذا لو أقنعنا هذا المسلم الذي يزاحم ويتعب وينصب ليقبّل الحجر .. ماذا لو أقنعناه أن جهده في الدعوة لدين الله وخدمة دين الله وفي بلده خير وأبقى له من هذا الأمر الذي قد يأثم به؟ إننا نجزم أن هذا المسلم لو كان يحمل الاقتناع بأن بذله هذا العمل أو ذاك خير له من هذه البدعة في صعوده إلى هذا الجبل أو ذاك، ومن تعريضه لنفسه للضر والمرض، لو أقنعناه بذلك تمام الاقتناع لكان على أتم الاستعداد أن يبذل ولو جزءاً يسيراً من ذلك. وتخيلوا -معشر الإخوة الكرام- هذه الملايين من الرجال والنساء الذين يفدون إلى بيت الله عز وجل يعلنون الاستجابة لله والتوحيد، يخضعون لأمر الله، يسيرون في هذه الليلة وفي تلك.. يسيرون إلى هذا المكان وإلى ذاك استجابة لأمر الله عز وجل، ماذا لو غُرس عند هذه الأمة حقيقة الإسلام، وحقيقة الانتماء للإسلام، وأن هذا الدين الذي يدعوهم إلى أن يفد إلى هذه الأماكن، وإلى أن يبذلوا هذا العمل أو ذاك يدعوهم إلى أن يستجيبوا لأمر الله وأن يبذلوا لدين الله عز وجل؟ إنني أجزم أن هؤلاء لو اقتنعوا تمام الاقتناع لوجدنا على الأقل منهم ألوفاً يحملون الكلمة الصادقة يغيّرون بها وجه الأرض.معشر الأخوة الكرام.. إنها خواطر عاجلة لا يجمعها جامع إلا أنها تدور حول الحج إلى بيت الله.مرة أخرى: إن هذا ليس حديثاً عن أحكام المناسك ولا عن آدابها ولا استقصاء لأخطاء الناس في ذلك، وليس هجري للحديث عن هذا رغبة عنه، لكني أردت أن ألمح إلى هذه المعاني التي نفتقدها، والتي هي بحاجة إلى أن نتذكرها وأن نكتشف أمراضنا وأمراض الأمة من خلال هذه المواسم التي يجتمع فيها المسلمون.أسأل الله عز وجل أن ييسر لحجاج بيت الله أمورهم، وأن يرزقهم الإخلاص لله عز وجل، والتوحيد له، والبراءة من التوجه إلى ما سواه، والاستسلام له، والخضوع له سبحانه وتعالى.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لبيك اللهم لبيك للشيخ : محمد الدويش

http://audio.islamweb.net