اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لا تجعلوا بيوتكم مقابر للشيخ : محمد الدويش


لا تجعلوا بيوتكم مقابر - (للشيخ : محمد الدويش)
البيت نواة المجتمع والدولة، وهو محضن تربوي لأفراد الأسرة صغاراً وكباراً، تتزاوج فيه الأخلاق وتتلاقح الطباع، ولذلك ينبغي على المرء أن يحيي بيته بالطاعات والعبادات المتنوعة حتى يطرد منه الشياطين وتحل فيه السكينة، ويتربى على ذلك الأحفاد والبنون.
فضل المساجد وبناؤها
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد.فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يثيب الإخوة على دعوتهم وعلى حسن ظنهم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال في هذا الشهر الكريم المبارك الذي تصرمت أيامه وانقضت لياليه، وها نحن قدمنا في هذه الليلة وقد مضى شطر هذا الشهر، فنحن في الليلة الخامسة عشرة منه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن صامه وقامه إيماناً واحتساباً إنه سبحانه وتعالى سميع مجيب.(لا تجعلوا بيوتكم مقابر) هو عنوان حديثنا لهذه الليلة. الله سبحانه وتعالى خص هذه الأمة بخصائص، وفضّلها على سائر الأمم بفضائل، وتحدث صلى الله عليه وسلم عن شيء من هذه الفضائل والخصائص، منها أنه كما قال صلى الله عليه وسلم: (جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما امرئ من أمتي أدركته الصلاة فليصل) وذلك أن الأمم السابقة كانوا لا يصلون إلا في بيعهم وكنائسهم وصلواتهم، أي: أماكن عبادتهم، أما هذه الأمة فالأرض لها مسجد وطهور، فهم يصلون أينما أدركتهم الصلاة. هذا فيما يتعلق بالصلاة المكتوبة، أما سائر الصلوات فلها شأن آخر، لا شك أن هذه البيوت فيها النور والبركة، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:36-37]. فهذه البيوت أمر الله سبحانه وتعالى ببنائها وتطهيرها، وأثنى على أولئك الذين يعمرون هذه المساجد ويذكرون الله عز وجل فيها، وأخبر سبحانه وتعالى أن هذه المساجد إنما يعمرها أهل الطاعة: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة:17] ثم قال بعد ذلك إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ [التوبة:18] إلى آخر الآيات. لا شك في فضل هذه المساجد وأنها بيوت الله كما أخبر صلى الله عليه وسلم، وكما ورد في الحديث المتواتر: (من بنى لله بيتاً بنى الله له بيتاً في الجنة) وأن المرء إذا غدا إلى المسجد أو راح أُعد له نزل في الجنة كلما غدا أو راح، وأنه كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: (إذا خرج المرء من بيته فإن الله يتبشبش له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم).
 

فضل إحياء البيوت بطاعة الله
كل هذه الفضائل مرتبة على عمارة هذه المساجد لذكر الله وعبادته وطاعته سبحانه وتعالى، لكن هذا قد يصرف المسلم عن إحياء بيته ومنزله بالعبادة والذكر لله سبحانه وتعالى، قد يصرفه عن ذلك ويشغله، ولهذا يأمر صلى الله عليه وسلم أن يكون لبيت الإنسان نصيب من عبادة الله سبحانه وتعالى وطاعته، وألا يقفز بيته من توجهه لله سبحانه وتعالى، وتضرعه له وعبادته له عز وجل، ويظهر ذلك في أمور عدة:
 ذكر الله تعالى في البيوت
والبيت أيضاً ينبغي أن يكون له نصيب من ذكر الله عز وجل، ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه مثل الحي والميت). وفي حديث جابر في الصحيحين يقول صلى الله عليه وسلم: (أغلق بابك واذكر اسم الله عز وجل فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وخمّر إناءك ولو بعود تعرضه عليه واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله عز وجل). فتكون حال المؤمن حال الذاكر لله عز وجل، فهو يذكر اسم الله حين يدخل بيته، وحينئذ يقول الشيطان: لا مبيت لكم، وحين يغلق بابه يذكر اسم الله عز وجل، والشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، ويذكر الله حين يدخل فيسلّم على أهل بيته لأن السلام من ذكر الله عز وجل كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم حين سلّم عليه رجل فلم يرد عليه السلام حتى تيمم ثم قال: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة)، فإذا دخلت فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك. وهو يذكر الله حين يطفئ مصباحه يريد أن ينام، وحين يوكي سقاءه، ويذكر اسم الله حين يأوي إلى فراشه، وفي كل أحواله وأوقاته لا يفارقه ذكر الله سبحانه وتعالى، حينها يطرد الشيطان، وتحل البركة في هذا المنزل وهذا البيت. والمسلم لا يفارقه ذكر الله فهو يستحضر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يزال لسانه رطباً من ذكر الله، وهو يتطلع إلى أن يتحقق فيه: (من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)، ويتطلع إلى أن يكون من الذاكرين الله عز وجل كثيراً والذاكرات، فهو يتطلع إلى أن يبلغ منازل الذاكرين ولهذا لا يفتر لسانه من ذكر الله سبحانه وتعالى قائماً وقاعداً ومضطجعاً، حال أولئك الذين أثنى الله عز وجل عليهم في كتابه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191] فهو يتطلع إلى أن يكون من الذاكرين الله قائماً وقاعداً وعلى جنبه حتى يستحق هذا الوسام، وحتى يستحق هذا التشريف والتكريم، أعني أن يكون ممن وصفهم الله في كتابه بأنهم من أولي الألباب، وأن يكون ممن قال فيهم عز وجل: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران:195]. وحين يدرك المؤمن هذه المعاني العظيمة في ذكر الله عز وجل يعمر أوقاته وأحواله كلها في بيته وسوقه بذكر الله سبحانه وتعالى وتسبيحه وتمجيده والثناء عليه عز وجل.إذاً هذه نماذج، وهي دعوة إلى أن يعمر المرء بيته بطاعة الله سبحانه وتعالى وعبادته، وأن يكون لبيته نصيب من عبادة الله عز وجل وطاعته، وأن لا يكون كحال أولئك الذين لا يعبدون الله إلا في بيعهم وصلواتهم وكنائسهم ومعابدهم، هذه العبادة وهذه الدعوة هي في إطار التصادق الشرعي، فما شرع الله أن يكون في المسجد فهو في المسجد، وما شرع أن يكون في الثغور ففي الثغور، وما شرع أن يكون أمام الناس ومع الناس فهو مع الناس، وما شُرع في البيت فهو في البيت أولى.
آثار إحياء البيت بالطاعة

 ما الذي يبكي عليك
تاسعاً: وأخيراً ما الذي يبكي عليك؟يقول سبحانه وتعالى حين أهلك قوم فرعون ونسأل الله عز وجل للطغاة أمثالها: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ [الدخان:29]. نعم. لم تعرف الأرض من قوم فرعون إلا الطغيان والتجبر، فقد كانوا يستذلون الناس، ويستحيون نساءهم، ويقتلون أولادهم، كانوا يبدّلون دين الله عز وجل، وكانوا حرباً على موسى ومن معه لا لشيء إلا لأنهم دعوا إلى الله سبحانه وتعالى وآمنوا بالله عز وجل، وأرادوا إخراج الناس من عبودية ورق وذل الفراعنة وطغيانهم إلى عبودية الله سبحانه وتعالى، لذلك انصرفوا غير مأسوف عليهم فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ [الدخان:29]. وروى ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: أن رجلاً قال له: يا أبا العباس ! أرأيت قول الله تعالى فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ [الدخان:29] فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال رضي الله عنه: (إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق باب من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه ففقده بكى عليه، وإذا فقده مصلاه في الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله عز وجل فيها بكت عليه)، فسيفقدك مبيتك وغرفتك التي كنت تأوي إليها سنين عدداً، ستفقدك عاجلاً أو آجلاً، فهل تراها ستبكي عليك أم أن لها شأناً آخر، فقد فقدت معصية الله عز وجل، فأنت أعلم بحالك! وحين تعمر مكانك وغرفتك وبيتك بصلاة وذكر وتلاوة لله عز وجل فهي ستبكي عليك يوم تفارقها قريباً أو بعيداً، ورويت آثار عن جمع من التابعين، بل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد: (إن الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً). وقال مجاهد : (ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، قال فقلت له: أتبكي الأرض؟ قال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان تكبيره وتسبيحه فيها كدوي النحل) هذه معشر الشباب بعض آثار إحياء العبادة في بيوتنا بأنواعها وأبوابها وطرقها، وهي كلها تدعونا إلى أن يكون لبيوتنا نصيب من عبادة الله.فلعلنا أن نعيد هذه الآثار عاجلاً.أولها: أن لا تكون البيوت مقابر.الثاني: نفور الشياطين.الثالث: أن تحل فيه البركة.الرابع: تربية أهل البيت.الخامس: أن بيوت المسلمين مليئة بالمعاصي فلا أقل من أن يكون لها نصيب ولو يسيراً من طاعة الله.سادساً: أن تكون العبادة شأناً وعادة للمرء لا يفارقها.سابعاً: تبكي عليه الأرض.ثامناً: إعانة على الإخلاص وإصلاح القلوب.تاسعاً: انعدام الوحشة، أن الإنسان يعيش في البيت غربة ونفور من البيت لأنه مدعاة للمعصية كما قلنا، فحين تكون العبادة شأناً له في منزله فإنه يعافى بإذن الله من ذلك. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم ممن تبكي عليه السماء والأرض، وممن يعمر قلبه وبيته بعبادته وطاعته، ونترك بقية الوقت للإجابة على الأسئلة.
الأسئلة

 مكان صلاة الإشراق
السؤال: هل يصح أن نصلي سنة الإشراق في البيت وأنا قرأت في المسجد؟ الجواب: إذا جلست في مصلاك بعد الفجر فالسنة أن تصلي في المسجد كما ورد في الحديث، فهذا مما يسن في المسجد، وفيها خلاف بين العلماء: هل هذه هي صلاة الضحى أم غيرها؟ لكنك إذا جلست بعد الفجر في المسجد إلى أن ترتفع الشمس فالأولى أن تصلي في المسجد؛ لأن هذه الصلاة سنتها في المسجد، أما غيرها من الرواتب والنوافل فالأولى والأفضل أن تكون في البيت.نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله عز وجل أن يكفينا وإياكم الشرور والآثام، وأن يجعلنا وإياكم ممن يصوم هذا الشهر ويقومه إيماناً واحتساباً. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لا تجعلوا بيوتكم مقابر للشيخ : محمد الدويش

http://audio.islamweb.net