اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الصاحب في الهجرة للشيخ : محمد المنجد


الصاحب في الهجرة - (للشيخ : محمد المنجد)
أيها الإخوة: في هذا الدرس تعيشون مع أحد صحابة رسول الله، مع رفيقه وأنيسه ووزيره وأبي زوجته، تعيشون مع حادثة الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه في أحداث الهجرة ومسائلها وما يستفاد منها.
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأخبارها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71]. وبعد:أيها الإخوة: حديثنا في هذه الليلة عن أحد أصحاب رسول الله، عن صاحبه ورفيق هجرته، وأنيسه في دربه، ووزيره ومواسيه في نفسه وماله، وأبي زوجته، وخليفته من بعده، وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33] في رحلته معه صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، وانتقاله ونقلة الدعوة معه من مرحلة إلى مرحلة، وصاحبه في ذلك الحدث الذي غير وجه الأرض في ذلك الوقت؛ وهو الحدث الذي أرّخ به المسلمون؛ إعلاماً للناس بأهمية هذه اللحظة وهذا الحدث وهو حدث الهجرة.
 

الروايات في حادثة الهجرة
روى البخاري رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله عنها؛ ذكرت الحديث الطويل وفيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: (إني أُريت دار هجرتكم ذات نخلٍ بين لابتين وهما الحرتان) فهاجر من هاجر قبل المدينة ، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة ، وتجهز أبو بكر قبل المدينة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم) فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانت عنده ورق السَمُر -وهو الخبط- أربعة أشهر. قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة : (فبينما نحن يوماً جلوسٌ في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لـأبي بكر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر : فداءٌ له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر). قالت: (فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر : أخرج من عندك؟ فقال أبو بكر : إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله. قال: فإني قد أُذن لي في الخروج، فقال أبو بكر : الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قال أبو بكر : فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن). قالت عائشة : (فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرةً في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب؛ فبذلك سميت ذات النطاقين ). قالت عائشة رضي الله عنها: (ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في غارٍ في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليالٍ يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ؛ وهو غلامٌ شابٌ ثقفٌ لقنٌ فيُدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بـمكة كبائتٍ فلا يسمع أمراً يُكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسلٍ، وهو لبن منحتهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الدِيل؛ وهو من بني عبد عدي هادياً خريتاً -والخريت الماهر بالهداية- قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتيهما صُبح ثلاثٍ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل؛ فأخذ بهم طريق السواحل). قال ابن شهاب : وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي ؛ وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم أن أباه أخبره: أنه سمع سراقة بن جعشم يقول: (جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحدٍ منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلسٍ من مجالس قومي -بني مُدلج- أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جُلوس، فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفاً أسودة بالساحل -أشخاص- أُراها محمداً وأصحابه) قال سراقة : (فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً، انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعةً، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي من وراء أكمة فتحبسها عليَّ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فحططت برمحي الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تُقرب بي حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره. -أي: لا يمضي ويرجع- فركبت فرسي وعصيت الأزلام تُقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يُكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمةً إذا بأثر يديها عثانٌ ساطعٌ في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية. وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني -لم يأخذا مني شيئاً- ولم يسألاني إلا أن قالا: أخفِ عنا فسألته أن يكتب لي كتاب أمنٍ، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم). وفي رواية: عن البراء قال: (اشترى أبو بكر رضي الله عنه من عازب رحلاً بثلاثة عشر درهماً، فقال أبو بكر لـعازب : مر البراء فليحمل إليَّ رحلي. فقال عازب : لا. حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم؟ قال أبو بكر رضي الله عنه: ارتحلنا من مكة فأحيينا أو سرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه؟ فإذا صخرة أتيتها فنظرت بقية ظل لها فسويته، ثم فرشت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله، فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انطلقت أنظر ما حولي، هل أرى من الطلب أحداً؟ فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فسألته فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجل من قريش، سماه فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، قلت: فهل أنت حالب لنا؟ قال: نعم، فأمرته فاعتقل شاةً من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال: هكذا؛ ضرب أحد كفيه بالأخرى، فحلب لنا كثبة من لبن، وقد جعلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إداوةً على فمها خرقة فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقته قد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله؟ قال: بلى. فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحدٌ منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرسٍ له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، قال: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]). حصل بعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم التقى بـالزبير في الطريق، وكسا النبي عليه الصلاة والسلام وأبا بكر ثياباً بيضاً حتى ينطبق الوصف الموجود عند اليهود في التوراة كيف سيدخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مع الصديق ، وسمع المسلمون في المدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداةٍ إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم ورجعوا إلى بيوتهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطمٍ من آطامهم -على حصن قلعة لليهود، أشرف عليها اليهودي بعدما انصرف المسلمون الذين كانوا ينتظرون النبي- لأمر ينظر إليه، فبَصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب هذا جَدكم الذي تنتظرون -جَدكم أي: حظكم- فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة. فاليهودي عرفه بصفاته المكتوبة عندهم في كتابهم، ولم يملك اليهودي نفسه أن صاح من هول المفاجأة والتطابق بين الواقع وبين الوصف المكتوب، وإلا فإن اليهودي لا يدل على الخير، ولكن من هول المفاجأة لم يملك اليهودي أن صاح: يا معاشر العرب: هذا جدكم -أي: حظكم، (وتعالى جدك) هذا شأنكم وهذا شرفكم- الذي تنتظرون.هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله عن البراء ورواه أيضاً عن عائشة في هذه القصة المجموعة التي تبين قصة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أُوحي إليه بمكان الهجرة وأخبر الصحابة؛ فبدأ الصحابة يتسربون إلى المدينة ، وأراد الله تعالى للصديق أن يؤاخي نبي الله صلى الله عليه وسلم في هجرته، وأن يكون معه، هو رفيقه في حياته رضي الله عنه، ولذلك كان يرجو عليه الصلاة والسلام أن يُؤذن له لينطلقا معاً، وهذا ما حصل.وكان أبو بكر قد حبس نفسه لعله يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم فينطلق معه، واستعد براحلتين يطعمهما ورق السمر؛ وهو ورق الطلح يخبط بالعصا فيسقط وتُعلف به الدواب.واستغرقت فترة الإعداد التي كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يُعد فيهما هاتين الراحلتين أربعة أشهر، وهذه التي كانت بين ابتداء هجرة الصحابة وبين هجرته صلى الله عليه وسلم.
 

إجراءات النبي صلى الله عليه وسلم لكتمان الهجرة
جاء النبي صلى الله عليه وسلم في نحر الظهيرة وفيه: أن التخطيط للهجرة كان دقيقاً، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على قمة الأخذ بالأسباب. ولذلك فإنه من بداية الأمر اختار الوقت الذي يأتي فيه لـأبي بكر الصديق يكون الناس نياماً في شدة الحر في الظهيرة (القيلولة). جاء في نحر الظهيرة في أول الزوال، وأشد ما يكون من حرارة النهار، ويقيل الناس فيها، أتاه ظهراً، فاستغرب آل أبي بكر الصديق قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً، وهذا من الأسباب في إخفاء القضية أيضاً فإنه عليه الصلاة والسلام جاء متقنعاً مغطياً رأسه في وقت يندر أن يوجد أحد يمشي في الطريق.عرف الصديق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء لأمر مهم، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم -إجراء ثالث- قال: (أخرج من عندك؟) لأن النساء والصبيان يتكلمون، وكم أوتي من أوتي من الحذرين من جهة النساء والصبيان، فقد لا يأبه لهم فيتحدث أمامهم بسره، ثم يتسرب السر عن طريق طفل، أو امرأة. ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ الأسباب في هذا الأمر الخطير الذي يريد إخفاءه، قال: (أخرج من عندك؟) ولكن الصديق رضي الله عنه يعرف من ربى وكيف رباهم؟ قال: (إنما هما ابنتاي، إنما هم أهلك يا رسول الله) كل من في البيت عائشة وأسماء رباهم الصديق على عينه، يعرف من عنده ويثق وهو على مستوى كلمته التي قالها وأكثر. (الصحبة يا رسول الله قال: نعم) في رواية قالت عائشة: (فرأيت أبا بكر يبكي وما كنت أحسب أن أحداً يبكي من الفرح) وهذا من إخلاصه رضي الله عنه؛ لأن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة شرف لا يعادله شرف؛ ولذلك بكى الصديق من الفرحة. فالبكاء: منه: بكاء حزن، وبكاء فرحة، وبكاء دهشة، وبكاء ألم، فالبكاء أنواع، وهذا كان بكاء فرحة.وعرض الصديق -من كرمه وبذله في سبيل الله- إحدى راحلتيه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا أركب بعيراً ليس لي. قال: هو لك. قال: لا. ولكن بالثمن). قيل: لماذا لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم عطية صاحبه؟قالوا: لأنه أراد أن يهاجر من ماله، ويكسب أجر الإنفاق على الهجرة من ماله؛ لأن الهجرة هنا سفر طاعة عظيم كلما أنفق الإنسان فيه كان أكثر أجراً، فأحب ألا تكون هجرته إلا من مال نفسه.قيل: إن هذه الناقة التي أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر الصديق بالثمن هي القصواء؛ وقد عاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم قليلاً ثم ماتت في خلافة أبي بكر الصديق .وجهزت عائشة وأسماء -الفتاتان المؤمنتان- راحلتي النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه -أبيهما- أحث الجهاز وأفضل الجهاز وكُل ما يحتاج إليه في السفر. (وصنعنا لهما سفرة في جراب) إذاً: الآن تجهيز جيد، والأخذ بالأسباب، حتى نعرف أن قضية الهجرة كان النبي صلى الله عليه وسلم قد رتب لها ترتيباً عجيباً، واتخذ فيها أسباباً مدهشة لتنجح، ليُعلم الأمة كيف يُحكمون أمورهم ولا يتركون مجالاً واحداً للفشل.( وصنعنا لهما سفرةً في جراب ) وعاء للزاد يوضع فيه الزاد من الماء والطعام، قيل: إنه كان في السفرة شاةً مطبوخة.بقي الآن قضيت الربط؛ بأي شيء يُربط؟ بحثتا عن شيء تربطان به فلم تجدا شيئاً، فشقت أسماء نطاقها؛ والنطاق: حزام تلبسه المرأة على وسطها. (شقت) جعلته جزأين. (وربطتا بهما الزاد) شدت بأحدهما الزاد واقتصرت على الآخر. فسميت أسماء ، ذات النطاقين من هذا الفعل.شقت نطاقها فأوكأن بقطعة منه الجراب، وشدت فم القربة بالباقي على رواية أخرى فسُميت بـذات النطاقين.التخطيط: كان الاتجاه إلى غار في جبل ثور ، عكس الجهة، ليس الجهة التي يَتبادر إلى ذهن الكفار أنه هرب منها، قيل: إن خروجهما كان من خوخة في ظهر بيت أبي بكر . وخروجه صلى الله عليه وسلم كان يوم الإثنين. (ركبا حتى أتيا الغار وهو غار ثور فتواريا فيه) ومن إتمام الخطة أنه جاء: (أنه أمر علياً رضي الله عنه أن يبيت على فراشه). جاء عند الإمام أحمد من حديث ابن عباس بإسناد حسن كما قال الحافظ رحمه الله في قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال:30] قال ابن عباس رضي الله عنه: (تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، نقيده ونربطه ونسجنه -يريدون النبي صلى الله عليه وسلم- وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه).(فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فبات علي على فراش النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم) أي: ينتظرونه حتى يقوم فيفعلون به ما اتفقوا عليه.فلما أصبحوا ورأوا علياً رد الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بـالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليالٍ، وخرجت قريش في كل وجهٍ، أي: في كل جهة تطلب النبي صلى الله عليه وسلم. وبعثوا في أثرهما قائفين -القافة: قصاصي الأثر- اشتركوا في التتبع، ورأى كرز بن علقمة أحد القائفين نسج العنكبوت فقال: هاهنا انقطع الأثر، وكمنا في الغار ثلاث ليالٍ. وهذا سبب آخر من الأخذ بالأسباب المؤدية للنجاح، وبلوغ المطلوب.و الصديق رضي الله عنه بلغ من خشيته وخوفه على النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمشي بين يديه ساعة، وخلفه ساعة، ومرة أمامه ومرة خلفه، فسأله عليه الصلاة والسلام؟ فقال: يا رسول الله أذكر الطلب -أذكر الناس الذين يطلبونك- فأمشي خلفك حماية لظهرك، وأذكر الرصد -الذين يترصدون- فأمشي أمامك، فقال: (لو كان شيئاً أحببت أن تُقتل دوني؟ قال: إي والذي بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار قال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار). حتى لا يكون فيه دابة، أو شيء مؤذٍ، فاستبرأه ليطمئن إلى أنه مكان آمن؛ لكي يأوي إليه النبي صلى الله عليه وسلم.فهل انتهت الأسباب؟ كلا. لقد كان من الخطة أن عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: (وكان شاباً ثقفاً لقناً) ثقف أي: حاذق، لقن أي: سريع الفهم.كان يبيت مع كفار قريش في مكة في الصباح يستمع لكل الأخبار، ويلتقط الأخبار، ويحفظ كل شيء، (يصبح مع قريش بـمكة كبائت) لماذا؟ لأنه يرجع قبل الفجر بغلس. (ثم يأتيهما بعد ذلك بالأخبار لا يسمع خبراً يُكتادان به) أي: من الكيد، لا يسمع خبراً فيه كيدٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق إلا جاءهم به أولاً بأول. إذاً: الأخبار تصل أولاً بأول، المراسلات والأخبار، وكالة الأخبار تأتي بالأخبار أولاً بأول.هل انتهت الإجراءات والأسباب؟ لا. هناك رجل من شخصيات القصة اسمه: عامر بن فهيرة ؛ هذا الرجل كان معهما، قام بأدوار:من هذه الأدوار: آثار الأقدام بقاؤها خطير؛ لأن العرب كانوا مشهورين بقص الأثر، ويمكن عن طريق قص الأثر معرفة المكان الذي توجه إليه، إذاً: كان لا بد من إخفاء آثار الأقدام، وكانت الطريقة الطبيعية التي لا تلفت النظر في إخفاء آثار الأقدام أن يؤتى بقطيع غنم تمشي فوق آثار الأقدام لتختلط الآثار وتنطمس، وهذا الذي فعله عامر بن فهيرة ، ثم إن الغنم هذه فيها فائدة أخرى، وهي قضية السقاية من لبنها للنبي صلى الله عليه وسلم والصديق ، تطمس آثارهما ويستقيان بلبنها، فكان يأتي باللبن الطازج أولاً بأول -من الغنم التي تطمس الآثار- إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يروح عليهما بالغنم كل ليلة فيحلبان، ثم تسرح بكرةً في الصباح فيُصبح عامر بن فهيرة وغنمه في رعيان الناس فلا يُفطن لها، فالتوقيت كان سليماً؛ للذهاب بالغنم وعودتها، حتى الغنم والدواب الذهاب بها والإتيان بها كان توقيتاً سليماً.ويوضع لهما في رسلٍ اللبن الطري وكذلك الرضيف، وهو اللبن المرضوف الذي وضعت فيه الحجارة المحماة بالشمس أو النار لينعقد ويشتد وتزول رخاوته، طعام وشراب حتى ينعق عامر بغنمه وهو صوت الراعي إذا زجر الغنم، ثم يسرح بها في رعيان الناس فيذهب في وقت صحيح لا يُتفطن له، هذا كان من بني الدِيل، من بني عبد بن عدي.لم تنته القضية بل هناك شخصية أخرى مهمة لها دور أيضاً: وهو عبد الله بن أريقط ؛ هذا رجل مشرك، لكنه كان رجلاً مأموناً موثوقاً به، ولماذا اختير عبد الله بن أريقط رغم أنه مشرك؟لأنه كان هادياً خريتاً، خبيراً بالطرق، والمسارات، ودروب الصحراء، والخريت: هو الماهر بالهداية مثل: خرت الإبرة أي: ثقب الإبرة، لأنه يهتدي لأخرات المفازة وهي طرقها الخفية، وهذا الرجل كان قد غمس حِلفاً تحالف؛ وكانوا بالجاهلية إذا تحالفوا يغمسون أيديهم في دم أو عطر يكون فيه صبغ لليد وتأكيد للحلف الذي تحالفوا عليه.هذا الرجل كان أميناً ثقةً بالرغم من أنه مشرك، كان هناك موعد مع عبد الله بن أريقط أن يأتيهما بالراحلتين صباح اليوم الثالث، حتى إذا هدأت عنهما الأصوات جاء صاحبهما ببعيريهما فانطلقا معهما بـعامر بن فهيرة ليخدمهما ويعينهما، يردفه أبو بكر ويعقبه عامر.فصار عندهم وكالة أنباء، وطعام يأتي أولاً بأول وقطيع غنم وراعٍ وخادم، وتعفى الآثار، وصار عندهم دليل ماهر، فكانت الخطة محكمة من جميع النواحي والله قادر على كل شيء، قادر على أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم والصديق يمشيان أمام قريش ولا يراهما أحد إلى المدينة ، لكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يعلم الأمة بهذا القدوة بالنبي صلى الله عليه وسلم والأخذ بالأسباب وكيفية مخادعة الكفار والمشركين.
 

سراقة بن مالك يدرك النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه
ثم اتجها عبر طريق الساحل؛ أيضاً تغيير الطريق المتوقع من الأسباب: (فأخذ بهما طريق الساحل) من أسفل مكة إلى الساحل حتى رجع مرة أخرى على طريق المدينة ، على طريق الساحل فأبصر أحد الأشخاص بهم يمشون، والله عزوجل يقدر الأحداث حدثاً تلو الآخر: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ [يوسف:21].فأخبر هذا الرجل شخصاً من قريش اسمه: سراقة بن مالك بن جعشم ، يقول له: إنني شاهدت أشخاصاً على طريق الساحل؛ وأنا أظن أن هؤلاء الأشخاص محمد وصاحبه، ومعهما الخادم.و سراقة بن مالك يعلم بأن قريش قد جعلت على كل رأس مائة من الإبل؛ الدية كاملة لمن يأتي بمحمد عليه الصلاة والسلام وصاحبه أمواتاً، أو مأسورين.وسراقة بن مالك طمع في المائة؛ طمع في الدية، فكذّب الرجل الذي شاهد الأشخاص، قال: ليس ذاك ومستبعد أن يكونوا هم، هؤلاء فلان وفلان أشخاص آخرون قاموا من عندنا قبل قليل وذهبوا في ذلك الاتجاه أمام أعيننا، فطمع أن يكون له كل المال وهو مائة من الإبل.ثم استعد سراقة بن مالك للغنيمة، فأمر جاريته أن تُجهز له أمره، وعلى عادة المشركين الاستقسام بالأزلام قبل المضي في الأمر الخطير؛ فالاستقسام بالأزلام وهو نوع من الشرك: يضع الأزلام؛ وهي مثل السهام التي لا نصل لها ولا ريش؛ واحد مكتوب عليه: نعم، وواحد مكتوب عليه: لا، وواحد فارغ، يجعلها في مكان يسحب منه، ثم يسحب؛ فإذا طلع نعم مضى، وإذا خرج لا رجع، وإذا خرج الفارغ أعاد القرعة أو أعاد السحب. سراقة بن مالك لما أراد أن يُغادر استقسم بالأزلام؛ والاستقسام بالأزلام: هو تشاؤم، أو شيء لا علاقة له بالواقع، ولذلك هذا من سخافة العقل؛ لأنه ما العلاقة بين السحب نعم أو لا، وبين قضية أنه يذهب في السفر؟ أم لا يذهب في السفر؟ لكن يظنون أن الصنم يختار لهم الخير. استقسم؛ فلما سحب فإذا بالسهم المكتوب عليه: لا، فكره هذا لأنه يريد المائة من الإبل، يكره أن يخرج له السهم مكتوب عليه: لا. ولكنه بالرغم من ذلك مضى لأمره، جهز سلاحه ولبس لأمته -الدرع- وخفض رمحه لئلا يضرب عليها بريق الشمس فينعكس فيرى من بعد، فيتبعه أحد يشترك معه في الغنيمة، ولذلك جعل رمحه على الأرض ومضى.ثم أسرع بفرسه في تلك الجهة التي أخبره الرجل أنه رأى فيها الأشخاص، وفي الطريق أعاد مرة أخرى الاستقسام بالأزلام وأخرج الخريطة المستطيلة التي تُوضع فيها الأزلام ويسحب منها وسحب، وقلنا: الأزلام هي الأقداح وهي السهام التي لا ريش لها ولا نصل، فخرج الذي يكره، أي: لا يمضي، لا تضرهم، ولكنه استمر حتى بلغ النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه من بعيد فرآه أبو بكر رضي الله عنه. فقال للنبي عليه الصلاة والسلام أدركنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلا. فنذكر في هذا الموقف يقين الأنبياء بالله عزوجل، وثقتهم بنصر الله سبحانه وتعالى، وحفظ الله سبحانه وتعالى، وتمام التوكل على الله. هذا التوكل الصحيح، الأخذ بالسبب وتفويض الأمر إلى الله أن يكلأ ويحفظ ويأتي بالنجاح، ويحقق المطلوب، فقد أخذوا بكل الأسباب، ثم كون سراقة لحقهم بعد ذلك بالرغم من كل هذه الأسباب، فهذا شيءٌ ليس بأيديهم منعه ولا عدم حصوله، إذاً. ماذا بقي؟التوكل على الله عز وجل من قبل ومن بعد، فقال: ( اللهم اصرعه ) وفي رواية: (اللهم اكفناه بما شئت) هذه العبارة التي قالها غلام أصحاب الأخدود لما كان ذاهباً مع حرس الملك فوق الجبل وفي القارب فقال: (اللهم اكفنيهم بما شئت) فرجف الجبل فسقطوا وصرعوا، وانقلب القارب فغرقوا وبقي هو على قيد الحياة سليماً حتى أتى الملك. هذه العبارة التي كل إنسان إذا وقع في ورطة أو أراد أحد أن يعمل به شراً يقول: اللهم اكفنيه بما شئت. لما قال: (اللهم اكفناه بما شئت، اللهم اصرعه) فصرعه فرسه وساخت يدا الفرس، ووقعت على منخريها، دخلت يدا الفرس في الأرض وساخت حتى بلغت بطنها في الأرض، فارتطمت فرسه إلى بطنها، ودخلت يدا الفرس، أي: مقدمة الفرس، وهذا يدل على أن ركبتي البعير أو الفرس في يديه وليس في رجله، فساخت يدا الفرس حتى بلغتا الركبتين، والفرس صارت بطنها ملتصقة بالأرض.فوثب عنها سراقة ، فقلت: ما هذا؟ ثم زجرتها فنهضت، وقامت تحمحم؛ والحمحمة صوت الفرس، ما كادت ترتفع الفرس إلا وثار عثانٌ؛ دخان من غير نار أو غبار، ثار الغبار، فعلمت أنه منع مني، أي: علمت أن المسألة الآن مسألة إلهيه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن الوصول إليه، لا يمكن إيذاؤه، ولا القبض عليه، ولا الوصول إليه، عند ذلك أُسقط في يدي سراقة ونادى بالأمان. الآن هذا رجل مُطارِد مُسلح تكون النهاية أنه يطلب الأمان، وهو لابس الدرع ومعه الرمح ومعه الجهاز ويطلب الأمان مستسلماً قائلاً: قد علمت يا محمد أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه والله لأُعمّين عليك من ورائي، أي شخص يطلبك ويطاردك أنا سأكفيكهُ، ورجع سراقة وقد تعهد بأن يُحافظ عليهما ويقول: وأنا لكم نافع غير ضار، وأنا راجع ورادهم عنكم، يقول سراقة في تلك اللحظة: وقع في نفسي حينما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، عرف أنه منصور وأنه ظاهر، وأنه سيستعلي على من حوله.بالإضافة إلى ذلك فإن سراقة أتى ببقية الأخبار؛ كانت الأخبار إلى حد مغادرة الغار، وبقية الأخبار أتى بها سراقة إليهم، فأخبر بما حصل أثناء غيابهما في هذه الفترة، قال: إن قريشاً جعلت جائزة لمن يأتي بكما كذا وكذا وكذا.و سراقة بالإضافة إلى ذلك عرض عليهما الزاد والمتاع، وقال لهما: إن إبلي على طريقكم فاحتلبوا من اللبن وخذوا سهماً من كنانتي أمارةً إلى الراعي، حتى يُصدق الراعي أنكما من طرفي -هذه علامة سهم من كنانتي أي أن له علامة خاصة يعرفها الراعي- فالنبي عليه الصلاة والسلام رفض، فلم يأخذا منه شيئاً. قال: (لم ينقصاني مما معي شيئاً). قال: فإنك تمر على إبلي وغنمي بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال: (لا حاجة لنا في إبلك، ودعا له). طلب منه شيئاً واحداً فقط، قال: (أخفِ عنا). فقال: قد كفيتم ما هاهنا. وجعل سراقة لا يلقى أحداً -بعدما رجع- من كفار قريش، ذاهباً في نفس الاتجاه إلا قال: قد كفيتم ما هاهنا، كفيتكم ما هاهنا، أنا فتشت من هذه الجهة فلا يحتاج أنكم تبحثون، لا يلقى أحداً إلا رده، ووفىّ لهما. وفي رواية أنه قال: (يا نبي الله مرني بما شئت. قال: قف مكانك لا تتركن أحداً يلحق بنا، فكان أول النهار جاهداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان آخر النهار مسلحة له) أي: حارساً له بسلاحه.والله على كل شيء قدير، وهذا يثبت قدرة الله على كل شيء، فقد كان هذا الرجل ذاهباً للقبض عليهما مسلحاً في أول النهار فيرجع في آخره حارساً عليهما، عكس الذي كان ذاهباً من أجله تماماً، يُضلل الباحثين ويحرس الجهات؛ يحرس الجهة والطريق التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجد أحداً إلا رده، يقول: قد فتشت قبلك ارجع لا يوجد لهما أثر.وقد طلب سراقة قبل أن يرجع حاجة: كتاب أمن بيني وبينك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم) كتب له في جلد، أو في ورقة، أو في خرقة جعله سراقة في كنانته، كتب له كتاب أمان، سبحان الله! الآن المتوقع أن الخوف مع المُطارَدين، وإذا بالمطارِد المسلح يطلب كتاب أمان، يقول: اكتب لي كتاب أمان، فأمر عامر بن فهيرة فكتب له كتاب أمان.
 

انكشاف أمر سراقة بعد فتح مكة وإسلامه
فلما كانت معركة حنين بعد فتح مكة خرج سراقة ليلقى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الكتاب، بعد سنوات، قرابة ثمان سنين لقيه بـالجعرانة ، فلما دنا منه رفع يده بالكتاب قالوا: يا رسول الله هذا كتابك، قال: يوم وفاء وبر، ادن فأسلمت، هكذا حصل لـسراقة .وكان عليه الصلاة والسلام قد أراد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قوم سراقة ، بعث جيشاً يُغير عليهم ويغزوهم، وكانوا مشركين، فأتاه سراقة وقال: أحب أن توادع قومي، ففيهم نزلت: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [النساء:90]. قيل: لما انكشفت القضية وصل النبي صلى الله عليه وسلم وانكشف أمر سراقة بعد ذلك لقريش، فجعل أبو جهل يلوم سراقة كيف تركهم؟!! أي: النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر؟! فقال أبا حكم! -وأبو حكم هي كنية أبو جهل-: أبا حكم واللات؛ يقسم باللات لأنه كان مشركاً في ذلك الوقت.أبا حكم واللات لو كُنت شاهداً لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمداً نبيٌ وبرهانٌ فمن ذا يكاتمه؟! يقول: لو أنت كنت مقامي ورأيت الفرس تسيخ في الأرض ما قلت هذا الكلام.وحصل بعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي عبد الله بن الزبير في الطريق مصادفة عجيبة من قدر الله عز وجل، فهذه الصحراء المترامية التقاء بقدر الله النبي صلى الله عليه وسلم والصديق بـالزبير ؛ كان راجعاً بثياب من الشام ، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وكساهما ثوبين أبيضين.فلما مشى أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع النبي عليه الصلاة والسلام حتى قام قائم الظهيرة -نصف النهار- رفعت لنا صخرة يقول أبو بكر ، أي: ظهرت، ولها ظل، وهنا يظهر حرص الصديق على النبي صلى الله عليه وسلم وسعيه في راحته. فبسط فروة في الظل لأجل النبي صلى الله عليه وسلم، ونفض ما حولها من الغبار حتى لا تثيره الريح فتؤذي النائم، وجهز المكان ثم ذهب حوله ينظر الطلب يحرس النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك شاهد راعياً فقال له: (أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قال: أفتحلب؟ قال: نعم) وهذا الراعي كان لرجلٍ من قريش، فسأل أبو بكر الصديق الراعي عن اسم صاحب الغنم فعرفه أبو بكر الصديق ؛ وكان أبو بكر نسابة يعرف العرب وأنسابها وبطونها، فعرف الرجل صاحب الغنم، وطلب من الراعي أن يحلب، فلعل الصديق قد علم أن صاحب الغنم لا يمانع ولذلك طلب من الراعي أن يحلب، فقد يكون بينهما صداقة، والصديق يعرف أن صاحب اللبن يرضى، أو على عادة العرب كانوا يوصون الرعيان بأن يحلبوا للمسافرين من الكرم. فإما أن يكون هناك إذن عام أو أن أبا بكر الصديق يعرف الرجل هذا، فلذلك طلب اللبن، وهذا أحسن من أن يقال: إنه مال حربي يجوز أخذه لأنه مال مشرك محارب؛ لأنه لم يكن قد فُرض الجهاد ولا شُرعت الغنائم في ذلك الوقت، فمرده إلى هذا السبب، ولما كان الصديق حريصاً على صحة النبي صلى الله عليه وسلم قال للراعي: (انفض يديك، انفض الضرع، اعتقل الشاة) فاعتقل الشاة أي: وضع رجلها بين فخذيه أو ساقيه يمنعها من الحركة من أجل الحلب (فأخذت قدحاً فحلبته) أو أمر الراعي فحلب كثبةً -قدر قدح- حلبة خفيفة من اللبن، وشرب النبي صلى الله عليه وسلم.وفي هذه الرواية رواية البراء : أن سراقة جاء بعد هذه القصة، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: (اشرب، قال: فشرب حتى رضيت) من الذي شرب؟ هو النبي صلى الله عليه وسلم ومن الذي رضي؟ هو أبو بكر الصديق .( فشرب حتى رضيت ) أي: أمعن في الشرب على غير عادته المألوفة صلى الله عليه وسلم حتى رضي الصديق ؛ واطمأنت نفسه بأنه عليه الصلاة والسلام قد شبع وروي وأنه قد استراح.والنبي صلى الله عليه وسلم نام وأبو بكر يحرسه، ثم لما استيقظ عليه الصلاة والسلام قال: (قد آن الرحيل يا رسول الله؟!). وافق عليه الصلاة والسلام وانطلقا.هذا ما حصل حتى وصلا المدينة ، وخرج ذلك اليهودي لينظر فرآهما مبيضين؛ بالثياب البيض قد جاءا وعليهما الثياب البيض التي كساهما إياها الزبير : (يزول بهما السراب) أي: يزول السراب عن النظر بسبب عروضهم له، أو ظهرت حركتهم للعين، مطابقاً للوصف المذكور في الكتاب عند اليهودي، فدهش وصرخ: يا معاشر العرب! يا بني قيلة! وهي الجدة الكبرى للأنصار والدة الأوس والخزرج اسمها: قيلة. يا بني قيلة! هذا جدكم، هذا حظكم، وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه قد جاء، فاستقبلوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر القصة التي حدثت بعد ذلك من المجيء إلى مكان المسجد وبقية التفاصيل.
 

دروس مستفادة من القصة
تلك كانت قصة الهجرة التي سافر فيها النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه، ومن أعظم الدروس التي فيها قضية الأخذ بالأسباب إذ كانت أمراً واضحاً جداً.وكذلك يُؤخذ من الحديث: تَطلب النظافة في الشرب، كما هو واضح من فعل أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وحرصه على صحة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى سلامة النبي صلى الله عليه وسلم.وكذلك جواز التعامل مع المشرك إذا كان مأموناً؛ وهذه مسألة قد ينخدع فيها الكثيرون، ولكن أصحاب الدين والقلوب الحية يعرفون ويميزون الخائن من غيره.كذلك فيه ثبات قلب النبي صلى الله عليه وسلم وثقته بالله لما قال له: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] وفيه عجائب أقدار الله، تظهر من القصة عجائب أقدار الله عزوجل؛ كيف تتم هذه الأشياء بكل هذه الدقة، ثم بعد ذلك يكتشف سراقة المكان. ثم بعد ذلك يتخلص النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه من سراقة ، ثم بعد ذلك يجدان الراعي، وكذلك يجدان الزبير في الطريق رضي الله عنه فيكرمهما حتى وصلا إلى المدينة .وكذلك في هذا الحديث استعمال ما كان مأذوناً فيه من مال الآخرين مثل: الشراب هذا، أو الحلب، إذا كان مأذوناً به، وخدمة الصاحب لصاحبه، وشدة محبة الصديق للنبي عليه الصلاة والسلام وإيثاره إياه على نفسه.وكذلك تنظيف المأكل والمشرب، لو قيل: الإسلام دين النظافة فكيف ذلك؟ نقول: خذ هذا ما حصل، انظر كيف أمره أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمره أن ينفض كفيه، ثم حلب؛ حتى لا يقع شيءٌ مزعج في هذا الإناء.وكذلك فيه: استصحاب ما يحتاج إليه المسافر في السفر وأن ذلك لا يقدح في التوكل خلافاً لبعض الصوفية الذين يقولون: لا نتجهز ونتوكل، ولا نأخذ معنا شيئاً ونتوكل، فهذا ليس بتوكل مطلقاً.وكذلك فيه: كيف نصر الله الدين بهذه الهجرة؟ وكيف أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بين ظهراني المشركين؟: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21]. وفي القصة فوائد أخرى نكتفي بهذا منها ونسأل الله عزوجل أن يجعلنا من المحبين لنبيه عليه الصلاة والسلام والمتبعين لسنته إنه ولي ذلك والقادر عليه.
 

الأسئلة

  أخذ مقابل من الزوجة مقابل السماح لها بالتدريس
السؤال: استقطاع جزء من راتب الزوجة الموظفة مقابل السماح لها بالتدريس؟الجواب: لا بأس إذا اصطلحت أنت وإياها على هذا فلا بأس. أقول: أنتِ تفوتي عليَّ جزءاً من الاستمتاع والخدمة فعوضيني بشيء مقابل أن تخرجي، فلا بأس بذلك.هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الصاحب في الهجرة للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net