اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حقها عليه للشيخ : محمد المنجد


حقها عليه - (للشيخ : محمد المنجد)
إن من نعم الله سبحانه وتعالى على عباده أن جعلهما زوجين، ذكراً وأنثى، وجعل كلاً منهما يألف الآخر ويحن إليه، وقد جعل الشارع كذلك أسباباً وحقوقاً على كل من الزوجين تزيد في المودة والمحبة والألفة إن هم عملوا بها، ومن هذه الأسباب: حقوق الزوجة، وقد ذكر الشيخ حفظه الله في هذه المادة بعض حقوق المرأة على الرجل كالعشرة والنفقة وأحوالها، وما يصلح وما لا يصلح فيهما.
من حقوق الزوجة: المعاشرة بالمعروف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد: سنتحدث -يا أيها الإخوة- وما زلنا في الحقوق الزوجية، التي هي من الأمور الأساسية التي جاءت بها الشريعة في العلاقة بين الزوجين، وأن معرفة هذه الحقوق مما يدرأ المشكلات، ويجعل الحياة الزوجية حياة سعيدة, وأن كثيراً من أسباب الشقاء بين الزوجين يعود إلى الجهل بالحقوق الزوجية.ولا شك أن هناك حقوقاً تعود إلى الزوجة، مثل:المهر.والنفقة.والمعاشرة بالمعروف.وعدم الإضرار بالزوجة.والوطء وما يتعلق به.وأن هناك حقوقاً للزوج، مثل:طاعته.وقرارها في بيته.وألا تأذن لأحد بغير إذنه.وأن تحفظ مال الزوج.وأن تخدمه في بيته.وله عليها حق التأديب إذا احتاج الأمر إلى ذلك.وقد تكلمنا في المرة الماضية عن مسألة واحدة فقط من حقوق الزوج وهي: طاعتها له، ونتكلم اليوم عن حق من حقوق الزوجة، لنعود بعد ذلك إلى حقوق الزوج مرة أخرى، ونجعل هناك مناوبة بين الحقين.فمن حقوق الزوجة على زوجها: المعاشرة بالمعروف:أما بالنسبة للمعاشرة بالمعروف، فإن من حقوق الزوجة على زوجها: معاشرته لها بالمعروف، قال الله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] ولا بد أن نعرف ما معنى المعاشرة بالمعروف، وما هي مستلزمات هذه المعاشرة.
 حكم المعاشرة بالمعروف والأدلة عليها
ومعاشرة الأزواج للزوجات بالمعروف واجب، ليس مستحباً فقط، وإنما هو واجب؛ لأن الله أمر به، فقال: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب؛ إلا إذا قام الدليل على صرفه إلى الاستحباب، ولا صارف، هناك أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ولا يوجد صارف، إذاً ما حكم المعاشرة بالمعروف؟ واجب، إذا أخلَّ بها الزوج يأثم.بل إن الأدلة متضافرة على وجوب المعاشرة بالمعروف، وتأكيد هذا الوجوب، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( استوصوا بالنساء خيراً ) رواه الإمام مسلم . وهذه الوصية من النبي عليه الصلاة والسلام، أن نستوصي بالنساء خيراً؛ لأنهن عَوان عندنا، وأسيرات، فلا بد من إحسان العشرة معهن، والمخالِف لذلك كثير، ولذلك إذا طغى الزوج، أو بغى، أو كان فظاً، أو غليظاً، أو سيئ المعاملة، أو نابي الألفاظ، أو مقصراً في النفقة، أو مقطباً في وجه زوجته، أو لا يكلمها، ولا يعطيها اهتماماً، ولا عطفاً، ولا حناناً، فإنه بالتالي يكون مخالفاً لهذه الآية، والمخالفة خطيرة، ولذلك ينبغي الرجوع إلى الكتاب والسنة.وقد حث الإسلام على الالتزام بهذا الأمر، وجعل أكثر الرجال خيرية خيرهم لنسائهم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم).وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).فإذاً جعل الخيرية في طبقات الرجال مَن كان خيراً لأهله؛ لأنه إذا كان معاشراً بالمعروف لأقرب الناس إليه، ومن كانت خلطته دائماً معها وهي زوجته وهو معها بشر وحسن خلق وحسن معاشرة فمن باب أولى أن تكون علاقته مع الناس البعيدين حسنة، ومع الناس الذين يجدهم بين الفينة والفينة حسنة، ولذلك تجد القاعدة فعلاً مُطَّرِدَة، إذا كانت معاشرة الرجل مع زوجته حسنة، في الغالب تجد أن معاشرته مع جميع الناس حسنة.ومما يؤكد وجوب المعاشرة بالمعروف للزوجة: التأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله تعالى قال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].وماذا كان يفعل صلى الله عليه وسلم مع نسائه؟كان جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف معهم، ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان إذا صلى العشاء، يدخل منزله يسمُر مع أهله قليلاً قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم، ولذلك كَرِه السمر بعد العشاء إلا مع الأهل أو الضيف وما شابه ذلك من الحاجة، ولذلك فإن مسامرة الرجل لأهله من السنة، وسَمَرُه مع زوجته من السنة.ولعلنا نفرد فصلاً خاصاً لمعاشرة النبي عليه الصلاة والسلام وهديه في معاشرة زوجاته.
ضوابط معاشرة الزوج لزوجته
ومع أن الإسلام أمر الزوج بمعاشرة زوجته بالمعروف، وجعل ذلك واجباً عليه، فإن هناك أموراً تعين الزوج على القيام بالواجب، ومنها:
 ذكر الزوجة بالخير والثناء عليها
ومن المعاشرة بالمعروف: أن الرجل لا يزال يذكر زوجته بخير، ولو بعد وفاتها:وقد كان صلى الله عليه وسلم حسن العهد وفياً، وكان كثيراً ما يحسن إلى خديجة بعد وفاتها، رضي الله عنها، فقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما غِرْتُ على امرأة ما غِرْتُ على خديجة ، ولقد هَلَكَتْ قبل أن يتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، لِمَا كنت أسمعه يذكرها، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب، وإن كان ليذبح الشاة، ثم يهدي في خَلَّتها منها) يعني: في صُوَيْحِباتِها منها، وهن خلائلها وصديقاتها.وورد في البخاري في الأدب المفرد: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أُتِي بالشيء يقول: اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة لـخديجة).وأخرج الحاكم والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (جاءت عجوز إلى النبي صلى الله وعليه وسلم، فارتاع لها وخرج، فقال: كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خَرَجَت قلت: -يعني عائشة غارت- يا رسول الله! تُقْبِل على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال: يا عائشة ! إنها كانت تأتينا زمن خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان). (وجاءت هالة أخت خديجة ، فقام وارتاع لها، ويسأل عن حالهم، وعن أخبارهم، فكانت عائشة تقول: ما تريد من امرأة حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيراً منها؟! -يعني: يعني: ماذا تريد بعجوز قد أبدلك الله خيراً منها- قال: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد) فهو لا يزال يذكر زوجته الأولى خديجة ، ولا شك فهي التي أعانته لما نزل الوحي، وهي التي هدَّأت من روعه، وهي التي آزرته ونصرته، وهي التي دعمته بمالها وساعدته، وكانت نعم الزوجة لزوجها، ولذلك بُشِّرت خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.فهذا من المعاشرة بالمعروف، والمعاشرة بالمعروف من الحقوق المشتركة.فإننا قلنا: إن هناك حقوقاً على الزوج وحقوقاً على الزوجة، وهذا الحق وهو المعاشرة بالمعروف من الحقوق المشتركة، ولذلك فإن حسن المعاشرة مذكورة في الآية في قوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228] لاحظ بلاغة القرآن في بيان الحق المشترك: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228] فلكل من الزوجين حق المعاشرة بالمعروف على الآخر؛ ولكن يختلفان في المعروف في الحق في بعض المواضع.ولذلك قال العلماء، ويسن لكل من الزوجين تحسين خُلُقه لصاحبه، والرفق به، واحتمال أذاه.ولذلك جاءت الشريعة بالحرص على دوام حسن المعاشرة بين الزوجين، وأن تكون الروابط قوية ومتينة، وإزالة ما يكدر هذا الصفو، إذا حصل شقاق فهناك علاجات، لعلنا نذكر تفصيلها كما في قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً [النساء:35].فهنا يتبين مسألة حق الزوجة على زوجها في المعاشرة بالمعروف.وهناك أشياء أخرى تفصيلية سنذكرها في النفقة، والوطء، والمبيت، والعدل بين الزوجات، مما يجب على الزوج، وأشياء أخرى تفصيلية في القرار في البيت، والاستئذان، وحفظ المال، ونحو ذلك مما سنذكره في حقوق الزوج على زوجته.والحمد لله رب العالمين.
حق النفقة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:فقد سبق الكلام -أيها الإخوة- في الحقوق الزوجية في أمور شتى.وسنتكلم في هذه الليلة إن شاء الله عن مسألة مهمة، ذكرها الفقهاء، وتعرضوا لها، ألا وهي: موضوع نفقة الزوجة.
 سبب وجوب النفقة على الزوجة
وما هو سبب النفقة على الزوجة؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن سبب وجوب النفقة على الزوجة، أنها محبوسة عند زوجها بحبس النكاح، ممنوعة من الخروج للاكتساب؛ لأنها إذا كانت محبوسة عنده، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( فإنهن عوان عندكم ) ولا يجوز لها أن تخرج إلا بإذنه، فمعنى ذلك أنها لا تستطيع أن تخرج لتكتسب إلا بإذنه، وهي محبوسة لحقه، متفرغة لشأنه وأولاده وبيته.فإذاً لا بد أن تنال كفايتها، وكل من كان محبوساً على أمر من الأمور بحيث يشغله هذا الأمر عن النفقة على نفسه، فإنه يُفرض له من بيت المال، كالقاضي والمفتي ونحوهم، إذا فُرِّغوا لأجل مصالح المسلمين، وجب أن يعطوا من بيت المال النفقة عليهم.وكذلك المرأة محبوسة عن النفقة، أسيرة في بيت زوجها، فكان لا بد له أن ينفق عليها.وذهب بعض أهل العلم -أيضاً- إلى أن سبب نفقة الزوجة على زوجها التي يجب أن يسلمها إياها هو تسليم نفسها إليه، وتمكينه تمكيناً تاماً من الاستمتاع بها، فإذا كانت الزوجة قد سلمت نفسها لزوجها وجب على زوجها أن ينفق عليها.وقال العلماء: إذا بذلت الزوجة تسليم نفسها البذل التام، بألا تسلم في مكان دون آخر، أو بلد دون آخر، بل بذلت نفسها لزوجها، وخلَّت بينها وبينه؛ بحيث يستمتع بها متى شاء، فإنه يجب عليه أن ينفق عليها.إذاً: إذا سلَّمت نفسها للزوج وجب الإنفاق.فلو قال قائل: أنا عقدت على امرأة وهي عند أبيها، ولم تسلِّم نفسها بعد، هل يجب علي أي نفقة؟الجواب: لا. لأن النفقة لا تجب إلا عند تسليم الزوجة لنفسها، فإذا سلمت نفسها، فإنه يجب على الزوج أن ينفق عليها.وكذلك فإن العقد الصحيح سبب لوجوب النفقة، لأن العقد الفاسد ليس فيه نفقة، ولا يجب على الزوج أن ينفق عليها، ولذلك بعض الذين يسافرون إلى الخارج، ويقترفون المحرمات، ويفعلون الفواحش، ثم ترسل له الزانية بصورة البنت أو الولد قائلة: أرسل النفقة! هل عليه نفقة؟ ليس عليه نفقة؛ لأن هذا زنا وليس بزواج، وهذه البنت ليست ابنته، بل هي بنت الزانية تُنسب إليها، ولذلك لا نفقة لها، ولا لمن يأتي من الزنا، فالنفقة من النكاح الصحيح، وليس من النكاح الفاسد.وكذلك فإن الزوجة إذا نشزت وامتنعت عن تسليم نفسها لا نفقة لها، فتسليم الزوجة نفسها للزوج في نكاح صحيح، وحبسِها لنفسها في بيته هو سبب النفقة.فإذاً: لا يجوز للزوجة أن تمتنع عن تسليم نفسها لزوجها بدون سبب شرعي، وعليها أن تخلي بين نفسها وبين زوجها، وفي هذه الحالة تستحق النفقة، وإذا امتنعت عن الذهاب معه إلى بيته، فليس لها نفقة.وينبغي أن يكون تسليمها لنفسها حقيقياً بأن تأتي إلى بيته، فإذا زفت إليه -مثلاً- تم التسليم، كما يُعتبر التسليم حاصلاً حكماً إذا كانت مستعدة للانتقال إلى بيته في أي وقت شاء؛ لكنه هو الذي أخر هذا الانتقال، فهي إذاً جاهزة من أجله، فهنا يجب عليه النفقة.
حالات يحق للزوجة فيها الامتناع عن تسليم نفسها
وللزوجة أن تمتنع عن تسليم نفسها بسبب شرعي، من أمثلة ذلك:
 إذا سافر بها إلى بلاد الكفار أو بلد غير مأمون
وكذلك إذا أراد أن يسافر بها سفراً غير مأمون:أو أن يسافر بها إلى بلاد الكفار، ويجلسها هناك في مكان الفتنة، لغير حاجة ولا ضرورة فإن لها أن تمتنع، ويكون امتناعها امتناعاً شرعياً.
حالات نشوز المرأة
أما إذا نشزت المرأة، وعصت الزوج، وامتنعت عما أوجبه الشارع عليها، كما لو امتنعت عن فراشه، أو خرجت من منزله بغير إذنه، أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مناسب لها، أو امتنعت من السفر معه سفراً مباحاً، فإنها في هذه الحالة لا نفقة لها؛ لأنها ناشز وعاصية، وخروج المرأة من بيت زوجها بدون إذنه يعتبر نشوزاً يسقط حقها في النفقة؛ لأنها بهذا الخروج قد خرجت عن طاعته، وفوتت عليه حق الاستمتاع بها، وخدمتها له.فمتى امتنعت من فراشه، أو خرجت من منزله بغير إذنه، أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن لائق بها وشرعي متوفر فيه كل الشروط، ليس بمسكن ضرة ولا ضرار، أو امتنعت من السفر معه فلا نفقة لها ولا سكنى.فلو قال: تأتين معي إلى هذا البيت، أو إلى هذا البلد، الذي صار فيه رزقي وعملي، فامتنعت بدون سبب شرعي، ولا شرطت شيئاً في العقد، فإنها ناشز وعاصية، ولا نفقة لها.ولو قالت له: أرسلني يجوز له أن يمتنع عن الإرسال؛ لأنها عاصية وناشزاً.أما إذا شرطت في العقد ألا تسافر من بلد أهلها -مثلاً- ووافق الزوج، فإن شرطها ملزم للزوج، وملزم للإنفاق عليها، ولو غادر هو البلد.نقول أيضاً: إن امتناع المرأة ونشوز المرأة يعتبر مسقطاً للنفقة.وكذلك إذا خرجت من بيته بدون إذنه، فإنها تعتبر ناشزاً إذا كان خروجها لغير سبب مشروع.وكذلك فإنها إذا امتنعت عن الزفاف والقدوم إلى بيت زوجها، وقد أعطاها مهرها المعجل، وقالت: لا آتي إلى بيتك، ولا أريد الدخول، ولا أريد الزفاف، فإنها في هذه الحال تعتبر ناشزاً، ولا نفقة لها.وكذلك إذا امتنعت عن الوطء، وعن إعطاء الزوج حقه بالاستمتاع، فإنها تعتبر ناشزاً إذا امتنعت عن الوطء أو مقدماته بدون سبب شرعي، بحيث كان ممكناً لها حصول الوطء والاستمتاع من قبل الزوج؛ ولكنها تأبَّت وتمنعت وخرجت عن فراشه، فإنها لا نفقة لها، وتعتبر ناشزاً عاصية لله تعالى.وأما خروج المرأة للحج، فإن كان الحج فريضة أو العمرة واجبة فإن خروجها صحيح، ولها النفقة؛ لأنها فعلت ما أوجب الشرع عليها.وكذلك صيام رمضان، فإنها تمتنع عن زوجها بالاستمتاع لأجل حق الله.ولذلك لا يعتبر امتناعها في نهار رمضان عن زوجها نشوزاً، ولا يعتبر خروجها لحج الفريضة أو العمرة الواجبة خروجاً ولا نشوزاً عن طاعة زوجها، وبالتالي النفقة تكون سائرة ومستمرة لها، ولا تعتبر ناشزاً في هذه الحالة، بخلاف خروجها في حج النافلة بغير إذن الزوج؛ فإنها تعتبر ناشزاً.وأما خروج الزوجة الموظفة أو ذات الحرفة إلى العمل: هل يعتبر نشوزاً أم لا؟إذا كانت شرطت على زوجها ذلك في العقد ووافق، وكان العمل حلالاً، أو سمح لها الزوج بالخروج، فإن خروجها صحيح إذا كان بالشروط الشرعية، ولها النفقة حتى لو كانت موظفة، لها النفقة، أما إذا لم يسمح لها الزوج بالخروج، وأمرها بالقرار في البيت، فخرجت بدون إذنه إلى وظيفتها -مثلاً- فإن خروجها يعتبر نشوزاً، فهي لم تحتبس في بيت زوجها، ولم تجلس فيه، وفوتت عليه مقاصده، وما يريد منها من القرار في البيت، فإن استمتاعه يكون به ناقصاً إذا كانت في النهار تعمل وتكدح، فتكون في الليل عنده متعبة.فإذاً إذا لم يحصل منها اشتراط، ولم يسمح لها الزوج، فإن خروجها للوظيفة نشوز يُسقِط النفقة، وعليها أن تتوب إلى الله، وترجع عن هذا النشوز؛ لأنها تكون عاصية لله تعالى، فإذا تابت إلى الله، وأطاعت برجوعها إلى بيته، عادت النفقة لها لعودها إلى الطاعة.
 إذا سافر بها إلى بلاد الكفار أو بلد غير مأمون
وكذلك إذا أراد أن يسافر بها سفراً غير مأمون:أو أن يسافر بها إلى بلاد الكفار، ويجلسها هناك في مكان الفتنة، لغير حاجة ولا ضرورة فإن لها أن تمتنع، ويكون امتناعها امتناعاً شرعياً.
حكم النفقة حال الإعسار والغيبة
وكذلك فإن المرأة إذا كانت ذات زوج معسِر، فما هو حقها في النفقة؟إذا كان معسراً فإن حقها في النفقة ثابت، ويكون ديناً على زوجها، يجب عليه الوفاء به إلا إذا سامحته، ولا شك أن أمور الزواج مبنية على التسامح والمحبة، ولكن الحقوق لا بد من ذكرها حتى يُعرف الحد، وأما بالنسبة لقضية التسامح فإنها لا بد أن تكون هي الطاغية والحاصلة؛ ولا يكون شأن الزوجين التحاكم إلى القاضي في كل صغيرة وكبيرة، ولكن إذا علم كل واحد منهم ما أوجبه الله عليه فإنه يسارع إلى بذله، وكذلك ينفع هذا العلم عند حصول الخلاف، فيعرف كل من الزوجين ماذا يجب عليه.ثم إن بعض انتهاكات الحقوق الشرعية هي من مسببات الخلاف في الغالب، فتقصير الزوج في النفقة من مسببات الخلاف، خروج الزوجة للعمل من مسببات الخلاف. انظر إلى مسببات الخلافات الزوجية تَجِد أن أكثرها يعود إلى مُخالَفة هذه الحقوق التي تذكر.والزوجة إذا غاب زوجها عنها، فإن عليه أن ينفق عليها أثناء غيابه، وأن يرسل لها بالنفقة في غيبته؛ لأنها سلمت نفسها، لكن هو الذي سافر.وبالتالي فإن زوجة الغائب نفقتها على زوجها، إذا كانت قد سلمت نفسها إليه؛ ولكنه هو الذي سافر عنها.والنفقة تصير ديناً في ذمة الزوج إذا امتنع عن أدائها، وإذا كان معسراً فإنها تبقى ديناً عليه، وقد قال الله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233] وكلمة (على) تفيد الإيجاب، فأخبر سبحانه عن وجوب النفقة والكسوة، وأطلق ذلك عن الزمان، أي: أنه دائماً عليه: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7] فإذا وجبت فإنها لا تسقط، لأنها مثل الحقوق، فإنها ما دامت عنده مسلِّمة نفسها يستمتع بها، فالنفقة عليه.
 إذا سافر بها إلى بلاد الكفار أو بلد غير مأمون
وكذلك إذا أراد أن يسافر بها سفراً غير مأمون:أو أن يسافر بها إلى بلاد الكفار، ويجلسها هناك في مكان الفتنة، لغير حاجة ولا ضرورة فإن لها أن تمتنع، ويكون امتناعها امتناعاً شرعياً.
أنواع النفقة على الزوجة
وكذلك فإن النفقة على الزوجة أنواع:الله تعالى يقول: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233].أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6] هذا المطلقة الرجعية، لها النفقة والسكنى، فمن باب أولى الزوجة التي ليست بمطلقة.وقد قال حكيم بن معاوية القشيري : (يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمتَ، وتكسوها إذا اكتسيتَ، ولا تقبح الوجه، ولا تهجر إلا في البيت).وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع: (ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا لهن في كسوتهن وطعامهن).فدلت الآيات والأحاديث على أن الزوج ملزم بالنفقة على زوجته في هذه الأنواع الثلاثة، ما هي الأنواع الثلاثة؟ أولاً: السكن.ثانياً: الطعام.وثالثاً: الكسوة.ثلاثة أشياء واجبة على الزوج، يلزمه كل ما تحتاج إليه المرأة من مأكول ومشروب وملبوس ومسكن، وتوابع هذه الأشياء، كما قلنا، مثل: الخادم إذا كانت من أهل بلد هذا عُرْفُهُم، لا يمكن أن تعيش بدلاً منه، وهذا قضية تختلف باختلاف الأحوال.
 السكن
وأما بالنسبة للسكن فإن العلماء قالوا: ليس للرجل أن يجمع بين امرأتين في مسكن واحد بغير رضاهما، صغيراً كان أو كبيراً؛ لأن عليهما ضرراً لما بينهما من الغيرة، واجتماعهما في بيت واحد يثير الخصومة، وتسمع كل واحدة منهما حسه إذا أتى الأخرى، أو ترى ذلك، لكن إذا رضيتا جاز؛ لأن الحق لهما، فلهما المسامحة.فإذاً: يجب على الزوج أن يسكنها في دار تصلح لمثلها، فيها مقومات البيت التي لا بد منها، ولا يسكن زوجتين في بيت واحد إلا بإذنهما، وإلا فالأصل أن كل واحدة لها بيت مستقل، إلا إذا رضيتا بأن تكونا معه في بيت واحد؛ فإن الحق لهما.ومن كفاية المسكن: أن يكون بين جيران صالحين؛ لتأمن أذاهم، ولهذا فإن البيت إذا كان فيه جيران سوء، لا تأمن المرأة على نفسها منهم، وربما تسوروا عليها سور البيت، وربما حاولوا إيذاءها، أو النظر من خلال النوافذ، ونحو ذلك، فإن هذه الدار لا تصلح سكناً لها في هذه الحالة.وأما بالنسبة لأثاث المسكن، فإن البيت لا بد أن يحتوي ما تتهيأ به حاجة المرأة من أثاث لنومها وجلوسها، وما تحتاج من أدوات الطبخ والطعام، ونحو ذلك؛ لأن المرأة ليس عليها إلا تسليم نفسها في بيته، وعليه أن يهيئ لها جميع ما يكفيها بحسب حالها، من أكل، وشرب، ولبس، وفرش، وأثاث، وأدوات منزلية، ولذلك نص الفقهاء على أنه يهيئ لها آلة الطحن، والخَبز، وآنية الشرب، والطبخ، وسائر أدوات البيت، والأثاث، كحُصُر وطنفِسَة -التي يجلس عليها- لكن هذا كان في السابق، حيث كان عندهم هذه الأشياء.وقال صاحب كشاف القناع رحمه الله: وللنوم: فراش، ولحاف، ومخدة، وملحفة؛ لأنه معتاد، وللجلوس بساط من صوف. لأن هذا هو المعتاد عندهم، والآن يوفر لها سريراً، ويوفر لها ما تجلس عليه في البيت، ويوفر لها ما تطبخ به من قدور، وسكاكين، وملاعق، وما تحتاجه، والآن صارت الثلاجة من الأساسيات، ولم تكن عند العلماء من قبل؛ فلا بد من أن يوفر لها هذا، فإذا كان من المعروف أن يشتري لها غسالة اشترى، ولا يقول: اغسلي على يديك، وافعلي على يديك، مادام هذا صار عرف البلد مما يؤتَى به للزوجة لا شيء في مغالاة، ولا هو خارج عن العادة، ولا هو خارج عن الحد، مثل الغسالة، والثلاجة، فقد أصبحت هذه أشياء لا بد منها وهي من توابع السكن.كذلك مثلاً: البيت اليوم في مثل هذا البلد، لا يمكن أن يُعاش فيه في الصيف من غير تكييف وشيء يلطف الحرارة؛ لأن الجدران الإسمنتية والمسلح بالحديد من الداخل يكنز الحرارة، ولا يمكن أن يطيق الإنسان العيش فيه، ولذلك بيت بلا تكييف لا يُعتبر مسكناً يسد الحاجة.والإنسان مطالَب أيضاً على قدر حاجته، وعلى الزوجة ألا تقول: اشترِ لي آخر ما وصل إليه العلم والتكنولوجيا من العصارات والفرامات، وهات، وهات.. لا بد أن تجدد الأثاث كل ستة أشهر، مللنا من الكنب، ومللنا من غرفة النوم، ومللنا من كذا، ولا بد أن تجدد، هذا إسراف وتكليف للزوج وخروج عن المألوف، وهو غير مكلف بإعطائها ذلك، ولا بالاستجابة لها.قال ابن قدامة رحمه الله: يكون المسكن على قدر يساره وإعساره، لقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6] فإذا كان يستطيع بيتاً مستقلاً فيسكنها بيتاً مستقلاً، وإذا لم يستطع فيسكنها شقة، ثم الشقق تختلف، هناك شيء بغرفة ومجلس وصالة ومطبخ وحمام، وهناك شيء بغرفتين، وشيء بثلاث، وشيء بأربع، وشيء بأكثر، فهو يسكنها على قدر ما تحتاج، على قدر ضيوفها، وحاجتها، وأولادها.فإذاً: السكنى على حسب حال الزوج، الله يقول: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6] من وجدكم: بحسب ما يتيسر لك فعليك أن تسكِن.ثم إن الزوج إذا امتنع عن أداء النفقة فإنه يجوز للزوجة أن تأخذ مما تصل إليه يدها من ماله، بقدر ما يكفيها ويكفي ولدها إن كان لها ولد، ولو كان بغير إذنه، تأخذ بالمعروف وبالقدر الذي عُرِف بالعادة بالكفاية، هذا أباحه النبي صلى الله وعليه وسلم.وإن امتنع وأخفى المال وما أبقى فلساً في البيت، فيجوز لها أن تذهب إلى القاضي تطالب بالنفقة، ويرتب القاضي لها نفقة، ويجبره على الدفع والإنفاق عليها ولها أن تطالب؛ لأن هذا حقها، لا بد أن يسلِّم لها حقها.وكذلك فإن على المرأة أن تحفظ مال زوجها في البيت، وسنأتي على ذلك في الحلقة الأخيرة من حقوق الزوج على زوجته.وقلنا: هذه النفقة تسقط بأشياء كثيرة، وذكرنا بعض هذه الأشياء، ومنها: سقوط النفقة بالطلاق: إذا انتهت العدة ما لها نفقة، إذا مات الزوج ليس لها نفقة بعد وفاته وانتهاء عدة الوفاة، وإنما تأخذ إرثها، ويكون هذا هو الذي انتهى إليها من حقها مما جاء من قِبَله.والمسألة على وجه العموم -أيها الإخوة- كما قلنا: بالمعروف، ينبغي أن يكون كل شيء بالمعروف، والزوج لا يحتاج أن يقول: أمشي على ما ذكر الفقهاء من الواجب، وما لي إلا واجب، نقول: لا، إذا أعطاك الله ويسَّر عليك وسِّع عليها، وأنت مأجور في كل ما تنفقه عليها، وكل ما توسِّع به على أهلك، وخصوصاً في الأعياد، لِمَا هو في معنى العيد من التوسعة على الأولاد، والأهل، والزوجة، التوسعة عليهم بالهدايا، بالطعام، بالكسوة، بالذهب، والحلي، يوسع عليها.ولذلك ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن مَن جعل يوماً معيناً يوسع فيه على أهله، يعود ويتكرر، يوسع فيه ويعطيهم نفقات وأشياء، فإنه في معنى العيد، ويكون هذا التعيين محرماً، مثل ما يحدث في بعض الاحتفالات التي يسمونها الآن بـ(القِرْقِيْعان)، والتي سنأتي عليها في هذه الأيام، ترى بعض الآباء يشترون للأولاد هدايا وتوسيعات، حقوقاً وأشياء، ويفرحونهم بهذا اليوم المعين، وهو الخامس عشر من رمضان أو الرابع عشر أو قبله أو كذا، ويُجعل احتفالاً ويُجعل فرحةً للأولاد في يوم معين، ويُشترى فيه أشياء وأكسية معينة للـ(قِرْقِيْعان)، وحلويات معينة، ومكسرات معينة لأجله، وقد أصدرت اللجنة الدائمة للإفتاء، برئاسة سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز فتوى بتحريم الاحتفال بهذا، وقطع الطريق على من يريد إضافة أعياد أخرى حتى على مستوى الأطفال، بل إن فرحة الأطفال بـ(القِرْقِيْعان) هذا أشد من فرحتهم بعيد الفطر والأضحى في بعض الحالات، ثم إنه طبعاً صار وسيلة للرقص، وعرض المحرمات، ومشاركة البنات الكبيرات، وصارت مؤخراً -يا جماعة- احتفالات في الفنادق، حفلة (قِرْقِيْعان) في الفندق الفلاني، ونساء وبنات كبيرات.فانظروا ما يجر إليه الشر، يجر بعضُه بعضاً! وتنمو هذه الأشياء وتكثر! وتأسَّسَ عيدٌ عند الناس، وهكذا تكون البِدَع، وتستشري، وتستفحل. نسأل الله السلامة والعافية. ومن تأمل في الواقع عَرَف كيف يؤتى المسلمون من إحياء هذه الأمور التي يجب أن تمر كأي يوم آخر، ولا يكون التوسعة والفرحة والعيد الذي يعود ويتكرر إلا الفطر والأضحى.هذا نهاية الكلام عن موضوع نفقة الزوجة.نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الكرماء الأوفياء القائمين بحقوق الزوجات والأولاد.والله تعالى أعلم.وصلى الله على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حقها عليه للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net