اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , آداب الوليمة للشيخ : محمد المنجد


آداب الوليمة - (للشيخ : محمد المنجد)
تحدث الشيخ في هذا الدرس عن تعريف الوليمة وأنواع الدعوات من وليمة عرس وعقيقة مولود... إلى آخر تلك الأنواع.وبين حكم إجابة الدعوة إلى الوليمة أو إلى غيرها، سواء كانت الدعوة من امرأة أو رجل، وذكر الحالات التي يسقط فيها حكم الوجوب عن المدعو, وختم الدرس ببعض أخبار الطفيليين.
تعريف الوليمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:سنتحدث -أيها الإخوة- في هذه الليلة في سلسلة الآداب الشرعية عن آداب الوليمة.ومعنى الوليمة في اللغة هو مشتقٌ من الجمع والضم، فيقولون: الولم: هو الجمع والضم، ويقال: أولم الرجل إذا اجتمع عقله وخلقه، وسمي القيد في الرجل ولماً لأنه يجمع الرجلين، واشتهر إطلاق الوليمة على الطعام الذي يُصنع للعرس لأن فيه اجتماع الزوجين، وكذلك فإن فيه اجتماع الناس للطعام، فالوليمة طعام العُرس، وقيل: هي كل طعام، والجمع ولائم. ولكن اشتهر إطلاقها واختصاصها بطعام العرس، وكذلك قالوا: إن الوليمة تقع على كل دعوة تتخذ لسرورٍ حادث من نكاح أو ختان أو غيره، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح، وتقيد في غيره، فإذا قيل وليمة يُفهم أنها وليمة النكاح، هذا إذا أطلقوا، إذا أردنا غيرها نقول: وليمة الختان، وليمة السفر، وليمة النقيع ونحو ذلك من الأسماء، والدعوة أعم من الوليمة، فالدعوة ما دعوت إليه من طعامٍ وشراب.
 

أنواع الولائم
فالدعوة أعم من الوليمة والوليمة أخص منها، والولائم أنواع، ذكرها الناظم في قوله: أسامي الطعام اثنان من بعد عشرةٍ سأسردها مقرونة ببيانِ وليمة عرسٍ ثم خـرس ولادة عقيقة مولودٍ وكيرة بان وضيمة ذي موتٍ نقيعة قـادمٍ عذيرٌ أو اعذارٌ ليوم ختانِ ومأدبة الخلان لا سببٌ لها حذاقة يوم الختم للقرآنِ وعاشرها في النظم تحفة زائـرٍ قرى الضيف مع نزلٍ له بأمانِ وسنأتي على شرحها بسرعة، ثم نتوسع في مسألة وليمة الزواج أو النكاح، وبعض التفاصيل المتعلقة بها.
 الفرع والعتيرة
وكذلك فإن من أنواع الولائم التي ذكرت وليمة الفرع، والفرع هو أول نتاج الناقة، كان أهل الجاهلية يذبحونه لطواغيتهم، فأبطله الإسلام بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا فرع). وأما العتيرة: فهي الشاة التي كانوا يذبحونها في رجب، وتسمى الرجبية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا عتيرة) وهنا اختلف العلماء هل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا عتيرة) إبطال لذبيحة رجب بالكلية، أو لا عتيرة بمفهوم أهل الجاهلية، كأن يكون هناك اعتقادٌ معين عند الجاهليين، كما أنهم كانوا يذبحون لأصنامهم في رجب مثلاً ويسمونها عتيرة، فتكون مشروعة إذا كانت لله؟قال بعض العلماء: يشرع ذبح شاة في رجب لله عز وجل، وأجابوا عن حديث: (لا عتيرة) أن المقصود ذبحها بمفهوم أهل الجاهلية، أو كما كان أهل الجاهلية يذبحون.
حكم إجابة الدعوة
أما بالنسبة لإجابة الدعوة فقد ورد في الولائم والدعوات أحاديث، فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (حق المسلم على المسلم خمس (وفي رواية ست) -وذكر منها- وإذا دعاك فأجبه) وقوله صلى الله عليه وسلم: (فكوا العاني، وأجيبوا الداعي، وعودوا المريض).وبالنسبة للدعوة العامة أيضاً ورد في صحيح مسلم : (إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك) كأن يكون صائماً أو كأن يعاف الطعام أو يكون مريضاً ونحو ذلك، وقوله عليه الصلاة والسلام : (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصلِّ وإن مفطراً فليطعم) رواه مسلم رحمه الله في صحيحه ، وقال عليه الصلاة والسلام: (ائتوا الدعوة إذا دعيتم) رواه مسلم .أما بالنسبة للوليمة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عُرساً كان أو نحوه) وقال صلى الله عليه وسلم: (شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها -الفقراء الذين يريدون الطعام يمنعون والأغنياء الذين لا يريدون الطعام يدعون- ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله).وقال: (بئس الطعام طعام الوليمة؛ يدعى إليها الأغنياء، ويترك المساكين) وجاء ذلك من كلام أبي هريرة رضي الله عنه، وكان ابن عمر يأتي الدعوة في العرس وغير العرس وهو صائم، وهو الذي روى حديث: (أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها) رواه البخاري رحمه الله. فيتضح لنا من هذه الأحاديث أن إجابة الدعوة أقل ما يُقال فيها أنها سنة مشروعة أياً كانت الدعوة، ما دامت من مسلم وليس فيها منكرات، ويتأكد إجابة وليمة العرس تأكيداً خاصاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخر الحديث: (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله) فيتأكد ذلك، لأن عدم إجابة وليمة العرس معصية لله ورسوله. وكذلك أمره عليه الصلاة والسلام في البخاري : (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) وهو أمرٌ بالحضور، ولا شك أن الوليمة هنا وليمة العرس. وقال جمهور العلماء: إن إجابة وليمة العرس فرض عين لمن دعي إليها وهي واجبة، وقال بعض العلماء: فرض كفاية، لكن قول الجمهور أرجح، ويسند قولهم حديث: (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله) بأن الأصل إجابة الدعوة إلى وليمة العرس.
 حكم إجابة دعوة المرأة
والمرأة تشترك في وليمة العرس، وينبغي أن تفهم هنا حديث البخاري عن سهل قال: (لما عرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فما صنع لهم طعاماً ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد ، بلت تمراتٍ في تورٍ من حجارة من الليل، فلما فرغ النبي من الطعام أماتته له، فسقته تتحفه بذلك) وفي رواية لمسلم: (تخصه بذلك) وينبغي أن يفهم هذا الحديث فهماً صحيحاً. النووي رحمه الله قال: إن هذا الحديث كان قبل الحجاب، لأن المرأة أجنبية عنهم، وكانت تقدم لهم الطعام، وقال بعضهم: محمولٌ على أنها مستورة ستراً تاماً، وليس هناك فتنة بطبيعة الحال، فمحل ذلك أمن الفتنة ومراعاة الستر، ولذلك الأحوط أن المرأة لا تخرج على الرجال مطلقاً، خصوصاً إذا ترجح كلام من قال: إن ذلك كان قبل فرض الحجاب.وأما ما ورد من دعوة المرأة للرجل للوليمة، فقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك قال: أبصر النبي صلى الله عليه وسلم نساءً وصبياناً مقبلين من عرسٍ، فقام ممتناً فقال: (اللهم أنتم من أحب الناس إلي) قال القسطلاني في شرح الحديث: فلو دعت امرأةٌ امرأةً أو رجلاً لوليمة وجب أو استحب للرجل الإجابة لا مع خلوةٍ محرمة، فلا يجيبها إلى طعامٍ مطلقاً -أي: في حالة وجود الخلوة- أما إذا بعثت إليه بطعام أو لم يكن هناك خلوة ولا فتنة، فلا بأس بذلك. فالمرأة لها أن تدعو المرأة لوليمة الطعام، فما حكم إجابة المرأة المدعوة للوليمة هل هي واجبة أم لا؟ الجواب: تستأذن زوجها فإن أذن لها زوجها فإنها تذهب، بل يتعين عليها الذهاب، وإن لم يأذن فإنه لا يجوز لها الذهاب، أما دعوة المرأة رجلاً للوليمة فلا بأس بها إذا لم تكن فتنة، أي: مثلاً امرأة عندها بنت وزوجت البنت، وأبوها ميت، فصارت هي التي تدعو الناس، وهي امرأة كبيرة في السن وليس هناك فتنة، فوجهت الدعوة للرجال، فيحضرون ويطعمون وينصرفون. و مليكة جدة أنس -وهي امرأة كبير في السن- دعت النبي صلى الله عليه وسلم لطعامٍ صنعته، فأتى فأكل ولم يكن هناك خلوة ولا فتنة، أما في الأحوال التي يكون فيها فسادٌ وفتن فلا تدعو امرأةٌ رجلاً أبداً، ولذلك فرق العلماء بين المرأة الكبيرة العجوز وبين المرأة الشابة، وبين المرأة الصالحة والمرأة السوء، ولا يمكن بأي حال أن تجعل الشريعة ستاراً لأعمال الفحش.
شروط وجوب تلبية الدعوة للولائم
نعود فنقول: إن وليمة العرس يتأكد إجابتها، والراجح الوجوب في ذلك، والأحوط أن يجيب الإنسان الدعوات الأخرى إذا لم يكن ثم مانعٌ شرعي أو مصلحة أعظم تفوت.لكن ما هي شروط وجوب تلبية الدعوة؟ ذكر العلماء شروطاً لوجوب تلبية الدعوة، والأصل أنه يجب عليك أن تلبي، ولكن متى لا يجب عليك؟ ما هي الأشياء التي لو حصلت لا يجب عليك أن تلبي، بل ربما لا يجوز لك أن تلبي الدعوة؟
  من مسقطات الوجوب قبول عذرك من الداعي
كذلك مما يسقط الوجوب أن يعتذر المدعو ويقبل الداعي العذر، فإن اعتذر له فرضي عن تخلفه، فإنه لا يجب عليه أن يأتي، ولذلك لو كان عند الإنسان مصلحة أو كان عنده شيء أهم، أو أحس بشيء من الكسل والخمول والفتور، أو أراد أن ينام فاتصل بمن دعاه فاعتذر إليه، أو أرسل من يعتذر عليه، فإن وجده قد قبل ورضي رد رسوله إليه رضا الداعي عن عدم الحضور، وبذلك ينتهي الحرج عنه. وكذلك المرأة الأجنبية إذا دعت لا تجب الإجابة، وإذا كانت هناك خلوة أو فتنة فإنه لا يجوز، وليس مما يُسقط الوجوب أن يكون بين الداعي والمدعو عداوة شخصية.وكذلك لا تسقط الإجابة بالصوم، فلو كان صائماً يجيب ويدعو لهم، ولا يشترط أن يُفطر، وإذا أفطر فصام يوماً مكانه إذا كان صوم نفل، فهذا قد جمع بين أمرين حسنين، فله ما فيهما من الأجر والثواب.وعلى الإنسان بعد الطعام أن يخرج من بيت الداعي ولا يمكث فيه حتى لا يثقل على صاحب البيت، كما قال الله: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [الأحزاب:53] قال ابن كثير رحمه الله: فإذا فرغتم من الذي دعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل وانتشروا في الأرض.
حكم الإتيان إلى وليمة لم يدع إليها
أما إذا أتى الإنسان إلى وليمة لم يدع إليها، فالذي يظهر أن هذا الأمر محرمٌ والله أعلم، من دخل بغير إذن وأكل بغير إذن، فهو كالسارق، ولذلك يحذر العلماء من التطفل والتطفيل، والتطفيل قيل: إنه مأخوذٌ من الطفل، وهو إقبال الليل على النهار بظلمته لأن الطفيلي يدخل على القوم بغير استئذان ولا يدرون من دعاه، وقيل: إنه منسوبٌ إلى طفيل رجل من بني غطفان، كان يأتي الولائم من غير أن يدعى إليها. وكان هذا الأمر مذموماً حتى في الجاهلية، وإذا أراد الإنسان أن يأتي إلى وليمة ويدعو غيره، فإنه يستأذن من صاحب الدعوة، يقول: معي فلان يأتي؟ فإن قال: نعم فيأتي به معه، أو يأتي به، فإن أراد الدخول قال: معي فلان، هل يدخل معنا؟ فإن رضي من غير إحراج فإنه يدخل ويطعم معهم، وقد ذكرنا بعض الأحاديث فيما مضى مما يتعلق بهذا الأمر.ولكن الإنسان يحذر أن يأتي إلى وليمة لم يُدع إليها وأن يكون متطفلاً، وإذا كان لرجلٍ صديق قد تأكدت حرمته به، وثبتت مخالطته له فقد رُخص في إتيان طعامه من غير أن يدعوه إليه، إذا علم أنه يؤثر ذلك، ويشتهيه ولا يكرهه، بل يرغب فيه، قال ذلك الخطيب البغدادي رحمه الله. إذا كنت تعلم أنه يُسر لو أتيته ولو بغير دعوة، وأن عدم دعوته ليست إلا نسياناً، أو أنه قال: فلان ما يحتاج دعوة لأنه صاحب محل، فهنا يجوز لك أن تأتي من غير دعوة، فهو قد اعتبرك من أصحاب البيت، فيجوز لك أن تأتي بغير دعوة.وأما التلميح بالإتيان عند الحاجة فلا بأس به إن شاء الله، كأن يكون بالشخص جوع فيلمح لرجلٍ أن يدعوه فلا بأس بذلك.
 حكم التعريض بالحاجة إلى طعام من غير سؤال
وقد جاء ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأنه رضي الله عنه كان يسأل بعض الصحابة عن مسائل أحياناً لا لأجل العلم، ولكن لأجل أن يكفوه الجوع، قال أبو هريرة : (كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبع بطني، حين لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وألصق بطني بالحصى، وأستقرئ الرجل الآية وهي معي كي ينقلب بي فيطعمني) وقال: (إن كنت لأسأل الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية لأنا أعلم بها منه، لا أسأله إلا ليطعمني شيئاً) لأنه كان يخر من الجوع مغشياً عليه حتى يظن الناس أن به جنوناً - صرعاً- فيجثم الواحد على صدره يقرأ عليه، يريد إخراج الجن وهو ليس به صرع، ما به إلا الجوع رضي الله عنه. ولذلك حفظ هذه الآلاف من الأحاديث، قال: (فكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب لا يجيبني حتى يذهب بي إلى منزله، فيقول لامرأته: يا أسماء أطعميه، وإذا أطعمني أجابني، وكان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه) ولذلك كان يسمى بـأبي المساكين رضي الله عنه. فالتعريض في مثل هذه الحالة لا بأس به إن شاء الله، لأن ذلك مما يُحتاج إليه عند الحاجة إليه، أما أن يأتي الإنسان بغير دعوة ولا حاجة؛ ويفرض نفسه، فهذا هو المكروه.
من أخبار الطفيليين
وقد جاءت الأخبار عن الطفيليين أنهم كانوا يحتالون للدخول.جاء طفيلي إلى عرسٍ فمُنع من الدخول، وكان يعرف أن أخاً للعروس غائباً، فذهب فأخذ ورقة وطواها وختمها وليس في بطنها شيء، وجعل العنوان من الأخ إلى العروس، وجاء فقال: معي كتابٌ من أخ العروس إليها، فأذن له فدخل ودفع إليهم الكتاب، فقالوا: ما رأينا مثل هذا العنوان ليس عليه اسم أحد، فقال: وأعجب من هذا أنه ليس في بطنه حرفٌ واحد، لأنه كان مستعجلاً؛ فضحكوا منه، وعرفوا أنه قد احتال ليدخل.وقيل لـنوح الطفيلي : كيف تصنع إذا لم يتركوك تدخل إلى عرس؟ قال: أنوح على الباب فيتطيرون مني فيدعونني، وكان بعضهم إذا أراد أن يدخل ذهب إلى باب النساء، فإذا أراد أن يدخل نادوه، وقالوا: من هنا من هنا، فقال: أنا أعتبرها دعوة، وليست سرقة.وأيضاً من الأشياء الظريفة التي ذكرها الخطيب البغدادي رحمه الله في كتاب التطفيل قال: عن نصر بن علي أبي عمرو الجهضمي قال: كان لي جار طفيلي، وكان من أحسن الناس منظراً، وأعذبهم منطقاً، وأطيبهم رائحةً، وأجملهم لباساً، فكان من شأنه أني إذا دُعيت إلى مدعاةٍ تبعني، فيكرمه الناس من أجلي، ويظنون أنه صاحبٌ لي، ينتظرني إذا خرجت لدعوة مشى ورائي، والناس يسمحون له بالدخول بناءً على أنه صاحبٌ لي، فاتفق يوماً أن جعفر بن القاسم الهاشمي أمير البصرة أراد أن يختن بعض أولاده، فقلت في نفسي: كأني برسول الأمير قد جاء، وكأني بهذا الرجل قد تبعني، والله لئن تبعني لأفضحنه، فأنا على ذلك إذ جاء رسوله يدعوني، فما زدت أن لبست ثيابي وخرجت، وإذا أنا بالطفيلي واقفٌ على باب داره قد سبقني بالتأهب، فتقدمت وتبعني، فلما دخلنا دار الأمير جلسنا ساعة، ودُعي بالطعام وحضرت الموائد، وكان كل جماعة على مائدة لكثرة الناس، فقُدمت إلى مائدة والطفيلي معي، فلما مد يده وشرع لتناول الطعام قلت: حدثنا رستم بن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من دخل دار قومٍ بغير إذنهم فأكل طعامهم دخل سارقاً وخرج مغيراً) فلما سمع ذلك قال: أنفت لك والله أبا عمرو من هذا الكلام؛ ألا تستحي أن تتكلم بهذا الكلام على مائدة سيد من أطعم الطعام، وتبخل بطعام غيرك على من سواك. ثم لا تستحيي أن تحدث عن رستم بن زياد وهو ضعيف عن أبان بن طارق وهو متروك الحديث تحكم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون على خلافه؛ لأن حكم السارق القطع وحكم المغير أن يعزر على ما يراه الإمام، وأين أنت من حديثٍ حدثنا أبو عاصم النبيل عن ابن دريد عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية) وهو إسنادٌ صحيحٌ ومتنٌ صحيح. قالنصر بن علي : فأفحمني فلم يحضرني له جواب، فلما خرجنا من الموضع للانصراف فارقني من جانب الطريق إلى الجانب الآخر بعد أن كان يمشي ورائي، وسمعته يقول: ومن ظن ممن يلاقي الحـروب بألا يصاب فقد ظن عجزا وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن أحكام الوليمة، وما يتيسر من الأحكام والآداب المتعلقة بالوليمة، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
 حكم التعريض بالحاجة إلى طعام من غير سؤال
وقد جاء ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأنه رضي الله عنه كان يسأل بعض الصحابة عن مسائل أحياناً لا لأجل العلم، ولكن لأجل أن يكفوه الجوع، قال أبو هريرة : (كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبع بطني، حين لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وألصق بطني بالحصى، وأستقرئ الرجل الآية وهي معي كي ينقلب بي فيطعمني) وقال: (إن كنت لأسأل الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية لأنا أعلم بها منه، لا أسأله إلا ليطعمني شيئاً) لأنه كان يخر من الجوع مغشياً عليه حتى يظن الناس أن به جنوناً - صرعاً- فيجثم الواحد على صدره يقرأ عليه، يريد إخراج الجن وهو ليس به صرع، ما به إلا الجوع رضي الله عنه. ولذلك حفظ هذه الآلاف من الأحاديث، قال: (فكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب لا يجيبني حتى يذهب بي إلى منزله، فيقول لامرأته: يا أسماء أطعميه، وإذا أطعمني أجابني، وكان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه) ولذلك كان يسمى بـأبي المساكين رضي الله عنه. فالتعريض في مثل هذه الحالة لا بأس به إن شاء الله، لأن ذلك مما يُحتاج إليه عند الحاجة إليه، أما أن يأتي الإنسان بغير دعوة ولا حاجة؛ ويفرض نفسه، فهذا هو المكروه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , آداب الوليمة للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net