اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الفرقة الناجية للشيخ : أبوبكر الجزائري


الفرقة الناجية - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
ثبت في السنة أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن جميعها في النار إلا ما كان على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولهذا كان للفرقة الناجية جملة صفات تتمثل في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وتصديقه في كل ما أخبر وأمر سواء كان في العقيدة أو العبادات أو المعاملات أو الأخلاق، ونبذ كل مظاهر الفرقة، والتمسك التام بالقرآن الكريم وما صح من سنة سيد المرسلين.
التحذير من مخالفة الفرقة الناجية بإثارة الفرقة في الأمة
قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام:159] إننا نتحدث عن هذه الآية توعيةً للأبناء وتفقيهاً لهم، وتبصيراً لهم بدينهم، ليطلبوا النجاة والكمال في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ماذا فهمنا من هذه الآية؟ فهمنا: أن الذين فرقوا دينهم فأصبحوا يعيشون طوائف وأحزاباً وجماعات، كل جماعة تطعن في الثانية، كل جماعة تصادر الثانية، كل جماعة تحمل البغضاء والعداء للأخرى، وجعلوا دين الله قطعاً، كل جماعة ذهبت بقطعة، هذه الطوائف أو الجماعات يُعلم الله تبارك وتعالى أن رسوله صلى الله عليه وسلم بريء منهم، وليس مسئولاً عنهم، وما هو في شيء من شأنهم وحالهم، وليترك أمرهم إلى ربهم، فمن انتقم منه اليوم فقد انتقم منه، ومن أخره إلى يوم القيامة فهو الذي يتولى جزاءه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام:159]، وهذا المعنى قد فهمته أم المؤمنين، أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رويت لكم ما صح من أنها: أخرجت يدها تشير بها من وراء الستر والمسجد في فوضى، والغبار يملؤه، وأهله يترامون بالحصى، تلك الفوضى التي كانت بسبب كيد عبد الله بن سبأ اليهودي الصنعاني اليمني ، ومن كان وراء ذلك من المجوس، وبالذات كان أيام حصار الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان ، والمدينة في هيجان، أخرجت يدها واستشهدت لهم بهذه الآية، إن الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام:159].. الآية. فنددت بالوضعية التي كانوا عليها من الانقسام والتطاحن والتناحر، فقد فهمت رضي الله عنها من هذه الآية: أن الجماعة أو الأمة إذا انقسمت على بعضها وتلاعنت وتمزقت أوصالها، استحقت نقمة الله، والرسول الذي هو المناعة للأمة والحصانة أمر أن يتخلى عنها لتنزل بها نقمة الله. ومن هنا: قلنا: يا أبناءنا! إن الآية تندد بالفرقة، فإياكم ثم إياكم ثم إياكم أن تعملوا على تفرقة هذه الأمة، فمن استطاع أن يجمع فليجمع، ومن استطاع أن يكتل فليكتل، ومن عجز فلا يراه الله يعمل على تفرقتها أو تمزيق شملها، ولا تبرأ ذمتك -يا عبد الله- إلا إذا وقفت أحد الموقفين: الأول: إيجابي، أن تعمل بلسانك، بوجهك الصبور، بلسانك الطيب على أن تجمع ولا تفرق، وأن تورث المحبة والولاء والإخاء والمودة بين المؤمنين، وإن عجزت عن هذا فكف لسانك ولا يراك الله تطعن، ولا تفرق ولا تمزق، لا تسب ولا تشتم، فإن من يعمل على تفريق هذه الأمة وتشتيت شملها وتمزيقها جنى جناية لا يُقدر قدرها. فهل أنتم فاعلون؟ وهنا: ذكرت لكم مذكراً إياكم ومعلماً غير العالمين، من أن هذه الأمة افترقت بالفعل، وتم فيها وعد الله، كما تم في غيرها من الأمم التي سبقتها، وقلنا: هذا علم من أعلام النبوة، بلغة فصيحة: هذا دليل على أن نبينا نبي حق وصدق، إذ أخبر والجماعة هذه على قلب رجل واحد، وأخبر أنها ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، ومن كان يظن ذلك؟ جماعة متلاحمة متوحدة متراحمة يؤثر بعضها البعض حتى في الحياة، وتعلم بأنها ستفترق ويقع ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفترق إلى العدد الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.لقد افترق اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى بعد اليهود بزيادة فرقة، وافترقت هذه الأمة بزيادة فرقة، فكانت ثلاثاً وسبعين.وقد صنفت ووضعت في قوائم، ذكر هذا الإمام القرطبي في تفسيره عند قوله الله تعالى من سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:102-103]، عند هذا النهي الإلهي عن الفرقة، ذكر الفرقة التي تمت وعدد الفرق وصنفها وهي موجودة، ومن أراد الاطلاع عليها فليطلع.والذي يهمنا يا طلاب النجاة! أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أعلن عن افتراق هذه الأمة، سئل بعد أن قال: ( كلها في النار إلا واحدة ) ففي الجنة، سئل: من هي الفرقة الناجية؟ لكن قبل ذلك: هل (كلها في النار) بمعنى الخلود والبقاء، أو بعضها يخلد وبعضها يخرج؟ هذا نعرفه من أصول الدين الأخرى، فالذين كانت فرقتهم على كفر، وعلى ردة، فهم في النار خالدون، كسائر الكافرين والمشركين، ومن كانت فرقتهم على فسق دون الكفر، فهم في النار ولكن يخرجون منها بإيمانهم.فلما أعلن هذا الإعلان قال قائلٌ: ( من هي الفرقة الناجية يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هم الذين يكونون على ما أنا عليه وأصحابي )، أي: أهل الفرقة الناجية.
 

صفات الفرقة الناجية
بناءً على هذا فكل واحد منا يعزم عزماً قلبياً أكيداً على أن يكيف حياته حتى تكون على الأقل شبيهة شبهاً قريباً بحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما قارب الشيء عادة يعطى حكمه، والكمال ليس مطموعاً فيه، وحسبنا ما أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال: ( سددوا وقاربوا )، فسدد وقارب.
 الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الأخلاق والآداب
في باب الأخلاق والآداب: إذا قيل لك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقلم أظافره كل جمعة فقلمها أنت كل جمعة، قالوا لك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب السواك فأحبب أنت السواك وتسوك. قالوا: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأكل بيمينه، كل بيمينك. قالوا: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبتسم لإخوانه ويبش في وجوههم، ولا يغلظ لهم في القول ولا يعنفهم ولا يسخط عليهم، فكن أنت كذلك.كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتفقد إخوانه ويسأل عنهم ويزورهم، فكن أنت كذلك.فإذا أنت أصبحت تقارب في حياتك حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأبشر مثبتاً بأنك من الفرقة الناجية.
بُعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهم أساس الفرقة الناجية- عن التكفير بالذنب
أخيراً: أضيف إلى هذا: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كرسولهم عليه الصلاة والسلام ما كانوا يكفرون مؤمناً بذنب، أبداً، وإذا رأيت الذين يكفرون المؤمنين بذنب من الذنوب فاعلم أنهم من أصحاب الأهواء والبدع، هذه تتميزون بها عن الروافض والنواصب والخوارج والجهمية والطوائف الضالة، فلا تكفرن مؤمناً بذنب لا بسرقة ولا بزناً، ولا بفجور ولا بأي ذنب من الذنوب إلا أن يكون في العقيدة، فلا تكفير إلا بما يعتقد.أما السلوك فاعلم أننا ضعفاء، وأننا بين أعداء: الدنيا والهوى والشيطان والنفس، فتزل قدم العبد ويضرب أخاه أو يذبحه، وهكذا يخرجه من ملة الإسلام وهو يصرخ: بـلا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويحرم ما حرم الله؟!
 بيان ما ينبغي اعتقاده تجاه المذاهب الفقهية الأربعة
ننتقل إلى نقطة: وهي المذهب، من يستطيع أن يقول: أنا لست حنفياً، ولا مالكياً، ولا شافعياً، ولا حنبلياً؟ هنا وقفة: نعم، الذي يقول: ما أنا بمالكي ولا حنفي ولا شافعي ولا حنبلي، قد يقال: إذاً: أنت زنديق ما أنت بمسلم، وهو كذلك إذا أراد أن يقول: أنا لست بكذا وكذا يرفض دين الله، هذا زنديق ما هو بمسلم؛ لأن ما عليه الأئمة الأربعة دين الله، فالذي يتبرأ منهم بهذا المعنى معناه: رفض الإسلام، أما الذي يتبرأ من النسبة فقط، وهو في نفس الوقت مالكي وحنفي وشافعي وحنبلي فلا حرج؛ لأن هؤلاء الأئمة أئمته وهداته ومعلموه ومرشدوه، وحاملو رسالة الله إليه.. هؤلاء أئمتك. هذا هو الواجب.أما أن يقول القائل: ما أنا بمالكي ولا حنفي ولا شافعي ولا حنبلي، ولا صلة لي بهم فهذا زنديق كافر ما هو بمسلم، لأنه إذا أراد أن يرفض دين الله يتبرأ من هؤلاء؛ لأن هذا هو دين الله عندهم.إذاً: كيف نقول؟ نقول: نحن المسلمون وهؤلاء الأئمة أئمتنا، كما تتعصبون لمشايخ بلادكم تعصبوا لأئمة دينكم، فترحموا عليهم وترضوا عنهم وأحبوهم وبجلوهم وأكبروهم وأجلوهم؛ لأن الله حمى بهم الملة والدين، هذا ما هو تملق؛ لأنهم ماتوا كالفقراء. هذا الواقع، حفظ الله بهم هذه الملة وإلا تلاشت وذهبت بها الطوائف وتمزقت، وكانوا على مستوى عال، أنى لنا أن نحلق فيه أو نطمع حتى في معشاره. إذاً: معشر الأبناء! اعتقدوا ما أقول لكم إن استطعتم: إن أئمة الإسلام الأربعة: أبو حنيفة أولاً، ومالك ثانياً، والشافعي ثالثاً، وأحمد رابعاً، وكان هناك الأوزاعي ، وكان هناك الثوري ، ولكن ما دونت مذاهبهم، وانتهت في أيامها، لكن هذه المذاهب الأربعة احتوت الشريعة الإسلامية، حتى أصبح وجود شيء خارج عن هذه المذاهب في الجملة يشك فيه، وقد لا يقع إلا بقلة وندرة كبيرة لأنهم أئمة هذه الأمصار، ونقلت مذاهبهم بأيد أمينة وألسن صادقة، وقلوب طاهرة، فأخذ بها الناس في الشرق والغرب على أنها دين الله، ليست أبداً مذهب مالك ولا أحمد ، وإنما دين الله جاء من طريق فلان وفلان وفلان، أئمة الإسلام وهداة الأنام، هذه هي الحقيقة.ثم تطورت الأحوال وتغير الزمان لتغير أهله، فأخذ أهل الأقاليم والدارسون والطلاب يتعصبون شيئاً فشيئاً، وينكمشون ويتكتلون، فاشتدت الأزمة وأصبح الإسلام يختنق، وأخذت النعرات والنزغات تبدو، ومع هذا ما وصل أهل المذاهب الأربعة إلى حد تكفير بعضهم بعضاً، ولا إلى حد لعن بعضهم بعضاً، ولا إلى حد قتل بعضهم بعضاً، وإنما وقع تقوقع وتكتل وأخذت الموالاة للمذهب وأهله لا لغيره، وذاق المسلمون شيئاً غير مرضي.حتى من هذه المذاهب التي هي أصل الدين، وهذا نتيجة للتفرق الذي حصل بسبب ذلك، وما ينبغي أن يكون. القول الفاصل في هذه المذاهب الأربعة: نقول: اعتقد أولاً: أنهم استقوا وأخذوا دين الله من مصدره، كانوا قريبين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو حنيفة روى عن بعض الصحابة، مالك روى عن تلامذة الصحابة، الشافعي روى عن مالك وعن غيره، أحمد روى عن الشافعي ، فكانوا في المائة الثانية بعد الأولى، وكانت الأمة هي الأمة، والصفا والطهر يعمانها، وما كانوا يدعون أبداً إلى مذهب، ولا كانوا يتعصبون؛ فلذا ما ورد عنهم هو الحق.فلما دونت مذاهبهم وما عرفوه عن دين الله، وكتبت وانتشرت أمة الإسلام في أقطار الأرض ، فلا بأس ولا مانع أبداً من أن المؤمن يأخذ بذلك المذهب يتعبد به الله، يصلي ويصوم ويزكي ويعتمر ويحج ويتزوج ويطلق ويبيع ويشتري على ذلك المذهب، مع اعتقاد أنه من الله ورسوله وليس من الشيخ، والشيخ فقط عالم كتب وحرر واجتهد وقدمها بيضاء واضحة. هل هذه واضحة؟ أيما مسلم وأيما مؤمن يعيش في إقليم من أقاليم المسلمين، يتناول كتاباً مما كتب في المذاهب الأربعة، وتعلم منه: كيف يعبد الله، إلا وهو على حق في الجملة، ما أخطأه اثنتان: الأولى: ألا يعتقد أن هذا من أبي حنيفة أو مالك وينسى الله ورسول الله، كما عاش أناس يعرفون الإمام وينسون الله ورسوله، فيجب أن يكون المسلم من الإدراك والوعي بأن ما في هذا الكتاب الذي كتبه أحمد أو مالك إنما هو من الله ورسول الله، وهو كذلك: حدثنا.. حدثنا.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.الثانية: مع العلم بأن المذاهب الأربعة يوجد في بعضها ما لا يوجد في غيرها، إذ ما أحاطوا بالعلم كله، فقد توجد سنة في مذهب أحمد ليست موجودة في مذهب مالك ، والعكس، ويروي الشافعي أو يحصل على رواية ما وصلت إلى مالك أو ما صحح سندها، والشافعي رحل وسهر ولازم أهل العلم وجاء بها صحيحة، هذا افترضوه وهو والله كائن، حتى ما تجعل الأئمة معصومين أو أنبياء أو يحجبونكم عن الله ورسوله، هم علماء أفاضل، لكن الواحد منهم يعلم شيئاً ويغيب عنه آخر، فلهذا مذهب واحد لا ينفع؛ لأنه سيضيع من دين الله ما يضيع، لكن مجموعها؛ أربعتها -بإذن الله- ما يخرج إلا نسبة (1%) أو أقل. وحينئذٍ إذا أخطأتك الأولى: وهي الاعتقاد أن هذا من الإمام ما هو من الله والرسول، إذا كنت تعتقد أن هذا الذي تدرسه على مذهب أبي حنيفة إنما هو قال الله وقال رسوله، وإنما الإمام شرح ودوّن ووضح وقدم لك، إذا حصلت على هذه نجوت. بقيت الثانية، ما هي؟ إذا جاءتك سنة رسول الله، أو جاءك أمر الله، فلا ترده لكونه لا يوجد في مذهبك، فإن رددته هبطت وهلكت يا عبد الله، وهذه تأملوها: أنت تقرأ في كتاب في المذهب وتعمل به في مزرعتك أو قريتك، فأنت تعبد الله بوحيه وشرعه، نعم، فجاءك مؤمن من إندونيسيا أو من المغرب أو من نيجيريا وقال: يا عبد الله: ما لك ما تعمل السنة الفلانية؟ قلت: أنا فتشت المذهب فما وجدت فليست عندنا، قال: لا، هذه ثابتة وعمل بها الإمام الفلاني، والإمام الفلاني والجماعة الفلانية، هذه سنة رسول الله، أو هذا أمر الله، هنا تمتحن، فإن قلت: مرحباً بما جاء عن الله ورسوله، أنا عبد الله وتابع رسول الله، قلت: نعم، كيف أبيت لا أعمل بسنة رسول الله، أو أرد ما ورد عن الله أو عن رسول الله؟ إذا كنت هكذا فأبشر، فإنك من الفرقة الناجية، وما ضرك أن تدرس المذهب الحنبلي أو الحنفي، وتتعلم دين الله، هل فهم الأبناء هاتين المسألتين؟ إن نجوت منهما فلا يضرك أن تدرس المذهب المعين، ولا تحد عنه إن شئت، وحسبك ويكفيك مع هذا الاستعداد أن تعمل متى جاءك قول الله وقول الرسول، لا ما يأتيك من سوقي مثلي أو صعلوك، إنما يجيؤك من أهل العلم وعمل به أئمة وعلماء أنا ما أُغرر بكم، فليس كل من جاءك بحديث افتراه أو كذبه تأخذه منه، هذا ما هو بمعقول ولا يقال. إذاً: إذا جاءتك سنة، أو جاءك أمر الله، حكم الله من كتابه، من رسوله، قال به العالمون والعارفون ودونوه وعملوا به فاعمل به، عندما نعيش على هذا المعنى انتهت العصبية المذهبية، وعندما نتورط في الأولى: وهي أن نفهم المذهب أنه دين الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يأتينا الرجل ويقول: يا شيخ: اسمع أنا حنفي، ينتقض وضوئي أو ما ينتقض من مس المرأة؟ وآخر يقول لي: يا شيخ، اسمع: أنا ما لكي؟ هذا هو عنوان الفرقة، هذا هو الذي مزق وشتت. قل يا عبد الله! أنا مسلم، أعبد الله تعالى بشرعه، فما حكم كذا؟ كيف أتوضأ؟ كيف أحرم؟ أما من أول مرة تقول لي: اسمع أنا حنفي، أعطني فتيا حنفية، فإن فعلت أنا شاركتك في هذه الفرقة والشتات والانحراف، هذه قد تثقل على بعض الأبناء، ولكنها خفيفة عند الواعين. أنت تريد أن تعبد الله عز وجل، تريد أن تعلم كيف الحكم فتأتي أهل العلم تسألهم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لا تسأل كيف كان فلان؛ لأن معناها: أنت تثق في أحمد وما تثق في الشافعي ! لماذا هذه الثقة الخاصة بواحد، مع أنهما رضوان الله عليهما كانا يتبادلان الثقة، وكان الشافعي يقول لتلميذه أحمد وهو أصغر منه وجاء بعده: يا أحمد : إذا بلغتك السنة أعطنيها سواء كانت عراقية أو يمنية أو حجازية، فإنك أعلم بالسنة، الشيخ يقول لتلميذه هذا، والمراد من هذا نحن يا طلاب النجاة في هذه المدرسة، نريد أن نرتقي بشعورنا الإسلامي، وأن نكون جمّاعين غير مفرقين، ما نرضى بفرقة بيننا، نحن مسلمون ندرس دين الله من طريق أئمة الإسلام وعلماء المسلمين، فما كان ديناً حقاً على عهد رسول الله وأصحابه، فهو الدين الحق اليوم، وما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ديناً لن يكون اليوم ديناً أبداً. بناءً على هذا: فنحن الآن متحابون، ما بيننا بغضاء ولا عداوة أبداً، ليس هناك ما يدعونا إلى الفرقة، قلوبنا مجتمعة على الرغبة في أن نعبد الله بما شرع، فمتى وصلنا دين الله ناصعاً ناصحاً نظيفاً سليماً، قبلناه وشكرنا لمن أتانا به، هكذا قضية الأئمة نقررها، وإن قال قائل من وراء: لم تسقط المذهب الزيدي والإباضي والرافضي والإمامي، مالك عن هؤلاء وتقول: الأئمة الأربعة، وتتملقهم، أو تتملق الجماعة التي تتبعهم؟ جوابنا: اترك كلمة أباضي، واترك كلمة إمامي أو جعفري أو شيعي، فنحن تركناها، ولا نخلطها مع مذاهب الأئمة الأربعة، ما نخلط الباطل مع الحق، لِم؟ لأنه بالتصفية وبالغربلة ظهر أن هذه المجموعة احتوت دين الله كتاباً وسنة، وأخذتم بـ(50%) أو بـ(70%) فضاع ثلث ما عندنا من دينكم. إذاً: نحن نغرر بكم ونخدعكم إن قلنا: أنتم على حق، تريدون أن نكذب عليكم؟ ترضون بالكذب، أو بالغش والخداع؟ فلهذا نقول: تفضلوا، كما تخلينا نحن عن النسبة واللقب وقلنا: مسلمون، قل: أنا مسلم وتعال ندرس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أما أن تصر على أنك شيعي لآل البيت أو أنك كذا، ثم تقول: اللهم ارض عنا واحشرنا في زمرة الأئمة، هذا غير صحيح، لا أغشكم، عرفتم الجواب؟ ويدلكم على مرونتكم وكمالكم أيها المسلمون، يا أهل السنة والجماعة، أن من تمسك بالمذهب الحنبلي، وأصبح حنبلياً، هو مستعد أن يترك هذه الكلمة.أسألكم بالله: ما تتركون هذه؟ والله نتركها.والوقت الذي يكون الكتاب بأيدينا ندرس المذهب الفلاني، فجاءتنا السنة من غير المذهب أخذنا بها؛ لأن المذاهب كلها لنا. اللهم: إذا كان الحاكم ينفذ أحكام الشريعة الإسلامية ولم يجد طاقة ولا قدرة على أن يستوعب علماء ورجال كل الشريعة، واختار مذهباً من المذاهب الأربعة المشهود لها بالصحة والسلامة، وقال: يا جماعة نحن ما نستطيع أن نحوي كل الشريعة، والعلم عندنا قليل والعلماء أقل، يكفينا المذهب المالكي أو الحنبلي أو الحنفي أو الشافعي نحفظ به المسلمين، حتى لا تضيع دماء إخواننا ولا أموالهم ولا تنتهك أعراضهم، ويكون حاكماً عليّ وعليكم. في هذه الحال نقول: يجب أن تطبق المذهب الحنبلي أو الشافعي أو المالكي؛ لأن القضية قضية مال، قضية دماء، قضية فروج وأعراض، فإذا كان العالم مثلي ما يستطيع أن يستوعب، فاليوم يحكم بحكم وغداً ينقضه، واليوم يعطي المال لفلان في المذهب الفلاني وغداً يعطيه لآخر بالمذهب الفلاني وتسوء الحال وتضطرب الأمة، فلابد من الاصطلاح على مذهب معين. وعلى شرط إذا جاءنا عالم من الشام أو العراق أو باكستان يقول: يا جماعة: المذهب قاصر في المسألة الفلانية والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا، وفلان من الصحابة قال كذا، نكون مستعدين أن ندخل هذه السنة أو هذا الحكم من الآن في الكتاب الذي ندرسه ونطبقه لابد من وجود هذا الاستعداد، استعداد نفسي لقبول ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفهم عن الله قطعاً وأن نطبقه، وقبل أن يأتي شيء نحن نعيش على هذا المذهب حتى نوزع العدالة بين المسلمين.هذا الذي جعل المذهب الحنفي حكم مدة العثمانيين، وجعل المذهب الشافعي يسود في مناطق، وجعل المذهب المالكي يسود في المغرب، وجعل الآن المذهب الحنبلي في الجزيرة، لِم؟ محافظة على أموال الناس ودمائهم وأعراضهم، في باب الدماء والحدود والأموال، مع الاستعداد الكامل، إذا كان المذهب الحنبلي في ناحية، وجاء الحق من مذهب مالك ، لا نقول: نحن حنابلة ما نقبل، هذا حرام ولا يجوز؛ لأننا ما نأخذ عن مالك ، وإنما نأخذ فقط مما روى، نأخذ عن الله ورسول الله.
الأسئلة

 معنى قوله: الناس على دين ملوكهم
السؤال: ما معنى قول القائل: (الناس على دين ملوكهم)؟ الجواب: هذه كلمة لم ترد عن الله ولا الرسول، ولكن معناها: أن الناس على مذهب الملك، فإذا كان الملك حنبلياً فالناس حنابلة، أو شافعياً فالناس شافعية؛ لأنه ينفذ المذهب الذي درسه وحفظه وفهمه. إذاً: فنحن نرضى بذلك؛ لأنه من الله ورسوله، أما إذا عممناها بالمعنى الذي تريد فلا، فقد يكون الملك عفريتاً، فلن نكون نحن عفاريت مثله!

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الفرقة الناجية للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net