اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح منظومة رشف الشمول في أصول الفقه لابن بدران [8] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح منظومة رشف الشمول في أصول الفقه لابن بدران [8] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
من المهم لطالب العلم أن يعرف القياس، وهو: رد فرع لأصل لعلة جامعة بينهما في الحكم، وأركانه: الأصل والفرع والعلة وثبوت الحكم، ولكل ركن منها شروط.ومن المهم كذلك أن يعرف استصحاب الأصل، وهو البقاء على ما كان، وأن يعلم أن أدلة الأحكام تتباين من جهة القوة والضعف، وكذلك أصول الأشياء، هل هي على الإباحة أم على المنع.
القياس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.قال الشيخ العلامة ابن بدران رحمه الله تعالى: [ باب القياس ].بعد أن تكلم على أقوى الأدلة وهي الكتاب والسنة، والإجماع، جاء بعد ذلك إلى القياس؛ وإنما كان القياس في هذه المرتبة لوجود ضعف وقصور في كثير من صوره وأجزاءه، وكذلك لعدم التسليم به.وعدم التسليم ببعض الأدلة: إما أن يكون في حقيقة هذا الدليل وأصله، وإما أن يكون في تحققه، والقياس هو أول دليل بعد الأدلة السابقة، التي لم يسلم بحقيقتها أصلاً، أما الأدلة السابقة فيسلم بحقيقتها، ولكن لا يسلم ببعض صورها.و الدليل إما يكون قطعياً من جهة وروده، وظنياً من جهة الاستدلال به، وإما أن يكون قطعياً من جهة الدلالة، ومن جهة الورود، وإما أن يكون ظنياً من جهة الورود، وقطعياً من جهة الاستدلال، وإما أن يكون ظنياً من جهة الورود، ومن جهة الدلالة كذلك.وأما بالنسبة للقياس فهناك من أهل الإسلام من نازع فيه من أصله كما هو قول الظاهرية، وكذلك في بعض صوره؛ ولهذا تأخر إيراده عن الأدلة السابقة وهي الكتاب والسنة والإجماع. ‏
 قياس الطرد وقياس العكس
والقياس إذا أردنا أن نقسمه من جهة النظر نجد أن القياس على نوعين: قياس طرد، وقياس عكس، فبالنسبة لقياس الطرد هو: اطراد العلة في الفرع والأصل فحينئذ يشابه العلة الأصل في الحكم؛ لاطراد العلة بينهما، وأما بالنسبة للنوع الثاني وهو قياس العكس، فهو مناقضة الفرع لحكم الأصل للاختلاف في العلة، وذلك أن الأصل إذا وجدت فيه علة من العلل، وكانت العلة مخالفة في الفرع، فينبغي أن تكون العلة الموجودة في الأصل هي سبب ورود الحكم، فلما كانت العلة في الفرع مخالفة لعلة الأصل، ينبغي أن يختلف الفرع عن الأصل في الحكم، وذلك يجري في بعض الأحكام الشرعية، وذلك كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال: ( وفي بضع أحدكم صدقة ) ، يعني: في إتيان الرجل أهله، وهذا من جهة أصله.فالأصل أن حكم الزنا التحريم، وأما بالنسبة للزواج وإتيان الرجل لأهله فهو التشريع، وإذا قلنا بذلك فإنه يلزم باختلاف الحكمين أن تعاكس النتيجة أن يعاكس الحكم في إتيان الرجل أهله، فيقال: إن الإنسان يؤجر على ذلك بدلالة العكس.ودلالة أو قياس العكس وقياس الاطراد كثير، بل يقال: إنها متشابهة، ولكن الناس أحوج إلى قياس الطرد من جهة إثبات الدليل؛ لأن قياس الطرد في الأغلب يقتضي منه العمل وظهور الحكم، بخلاف قياس العكس؛ فإن قياس العكس في الأغلب أو في كثير من الصور يكون في أبواب التروك، والتروك في الغالب يتغافل الناس عن إيجاد علة لها؛ باعتبار اشتراكها في عزم النفس، وإن قصد الشرع على تركها، وذلك ككثير من الأمور في مسألة الربا مع البيوع، فإنا إذا قلنا إن الربا حرمه الله عز وجل ويأثم الإنسان به، كذلك أيضاً إذا احتسب الإنسان في أمر البيع فإنه يأتيه الأجر، كذلك أيضاً في تعاملات الإنسان في كف أذاه عن الغير أو نحو ذلك، أو صلة الإنسان لجاره المسلم في مقابله مثلاً صاحب عدوان ونحو ذلك، فإن هذا يسمى بقياس العكس، فإذا قلنا: إن الإنسان إذا وصل عدواً حربياً فإنه يأثم بذلك، فعلى هذا: إذا وصل صاحب طاعة من أهل الإيمان فإنه متعبد بذلك بقياس العكس، وهذا كثير، وكلامنا هنا وغالب كلام الأئمة عليهم رحمة الله يتكلمون على قياس الطرد لا يتكلمون على قياس العكس.
أنواع القياس الثلاثة
قال رحمه الله تعالى: [ إن علة جامعة للحكمفهي القياس باعتلال الحتموإن تدل لا لحكم توجبفهي دلالة القياس تنسبوإن يكن فرع له أصلينمردد في بين ما هذينمُلحَّق بأشبه له بهفسمه قياس حكم الشبه ]بالنسبة لقياس الطرد على ثلاثة أنواع: النوع الأول قياس العلة، وذلك أن العلة فيه موجبة للحكم، فإذا انتفت العلة أو كان فيها ضعف، كان في ثبوت الحكم ضعف أيضاً، ولا يصار إليه على سبيل القطع، وأما بالنسبة للنوع الثاني فهو: قياس الدلالة، وقياس الدلالة هو: أن تكون العلة فيه دليلاً على وجود الحكم، وليست موجبة له، وأما النوع الثالث وهو: قياس الشبه، وذلك في حال وجود أصلين يتردد الحكم بينهما، وجود أصلين وفرع واحد، فالإنسان يريد أن يلحق هذا الفرع بأحد هذين الأصلين، فيلحقه بأقربهما له شبهاً؛ ولهذا يسمى بقياس الشبه.وكلما كان الإنسان بصيراً بمعرفة العلل ومعرفة الحكم، ومعرفة مقاصد التشريع وأدلتها، يكون من أهل الإصابة بين هذين الأمرين، وقياس الشبه كثير في إلحاق بعض الصور، وتارة ينقدح في ذهن الإنسان أصل، ولا ينقدح في ذهنه الآخر، مع كون الذي انقدح في ذهنه ضعيف؛ وذلك لغياب الآخر عنه أو لعدم العلم به، فإذا كان الإنسان جاهلاً بمجموع الشريعة، ومواضع الأحكام فيها، وكذلك القوة والضعف فإنه يكون حينئذ من أهل القصور فيها، وربما استعمل القياس استعمالاً خاطئاً. ‏
 أنواع العلة
تقدم معنا أن العلة على نوعين: علة منصوصة، وعلة مستنبطة، فالعلة المنصوصة هي الظاهرة والقوية في ذلك، وتقوى العلة بنص الشرع عليها، كما تقوى باشتراك حكم مع ذلك الأصل في علة واحدة؛ وذلك أن الحكم في الشرع إذا ظهر في أكثر من صورة، واشترك معه صور مساوية له بعلة واحدة، أصبحت أقوى من العلة التي تختص بحكم واحد لا يشابهه شيء؛ لهذا العلة المتعددة بجملة أحكام أقوى من العلل المنفردة.وأما بالنسبة للفرع فيذكرون أيضاً فيه جملة من الشروط، وفي كثير منها خلاف، يذكرون: عدم ورود الدليل المخصص، فليس لك أن تنظر فتلحق فرعاً بأصل مع وجود دليل فيه، لست بحاجة إلى إلحاقه بالقياس؛ فقد خصصه غيره، كورود بعض أدلة الفروع التي تكون في عامة المؤمنين مثلاً، مما استثنى النبي عليه الصلاة والسلام غيره به، فهذه الأحكام أحكام لعامة المؤمنين، وأحكام عامة للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو عكس المثال السابق، فإذا جاء دليل بتخصيص عامة المؤمنين بحكم؛ ليس لك أن تلحق العامة بالنبي عليه الصلاة والسلام، مع ورود دليل مخصص لهؤلاء العامة.ويشترطون كذلك ثبوت العلة، فإذا ثبتت العلة في ذلك الفرع ألحق بالأصل، والعلة كما أنها في أقسامها في الفرع كذلك أيضاً تكون في الأصل، كذلك أيضاً المشابهة في العلة بين الفرع والأصل، وأن تكون العلة مطردة لا تنقض، يعني: ليس لها استثناءات في بعض صورها أو في بعض وجوهها، فتطرد سواء كانت فرعاً أو كانت أصلاً، فاشتراط الاطراد كما أنه في العلة كذلك أيضاً في الأصل والفرع، فأن تكون علة الأصل مطردة، وكذلك علة الفرع مطردة، وكذلك أيضاً الحكم أن يكون مطرداً بلا استثناء، سواءً كان في الفرع أو كان في الأصل.قال رحمه الله تعالى: [ وتابع للعلة ما وجدتوجوده ونفيه إن نفيت ]بما أن العلة يدور عليها الحكم وهي كقطب الرحى، وكفلكة المغزل التي يدور عليها الحكم وجوداً وعدماً، فإذا انتفت العلة انتفى الحكم تبعاً لها؛ فلهذا لا بد من متابعة الفقيه والمجتهد للعلة؛ لأن الحكم يتبعها، ولا تتبع العلة الحكم؛ لأن الحكم إنما نتج عن علة، فينظر في العلة فينفي الحكم التابع لها، وهذا هو الفقه، وأما نفي الحكم مجرداً مع ورود العلة في ذلك من غير نص أو أصل في الشريعة، فهذا قصور وهوى؛ ولهذا الذين ينفون الأحكام مع ثبوت العلل هؤلاء هم أهل الأهواء، أو ينفون الأحكام مع ثبوت العلل لأمور باطلة نفسية، كما يفعل هذا كثير من أهل الطرق من المتصوفة وغيرهم؛ ولهذا العلماء يذكرون قاعدة فيقولون: الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً.قال رحمه الله تعالى: [ لأنه لعلة مجلوبوأصله من أصلها مطلوب ]يعني: أن العلة في الفرع والأصل هي مطلوبة من الجميع، فلا بد من توفرها هنا وهناك، فيدور عليها الأصل والفرع، ولكن الأصل في ذلك أقرب، وذلك كدوران الأفلاك حول الشمس، وذلك أن الأفلاك منها ما هو دون الشمس ويدور معها، ومنها ما هو أبعد من ذلك، فتكون العلة من جهة الأصل هي كحال الشمس، وأما بالنسبة للكوكب الآخر هو الأصل، والذي وراءه هو الفرع، فهذه تدور مع بعضها، فإذا انتفى الأصل وثبتت العلة نقول: يثبت الحكم للفرع أيضاً، كأن يكون مثلاً الأصل نسخ، ولكن العلة ثابتة، وثبت الدليل بإقرارها بالشرع، فنقول حينئذٍ: يثبت ذلك.
الاستصحاب
قال رحمه الله تعالى: [ فصل.وما انتفى فيه دليل الحكمفرده لأصله في العلم ]هذا ما يسميه العلماء استصحاب الأصل، وهذه قاعدة وهي من أدلة الأحكام. ‏
 خلاف أهل العلم في الأصل في الأشياء
وقوله: (وقيل: أصل الكل حل النفعوقيل: للتحريم أصل الوضع)اختلف العلماء من الأصوليين في هذه المسألة وهذا الأمر، وقالوا: إن الأصل في الأشياء المنع، وهذا قول شاذ لا يعول عليه، والأصل في ذلك هو أن يقال: إن الأصل فيها الحل، وتقدم معنا أن الإشكال عند المتكلمين من الأصوليين وغيرهم أنهم يوغلون في النظر في الاستثناءات، فإذا نظروا في الاستثناءات وجدوا أن هذا المستثنى؛ لانشغال الذهن به أنه قسيماً للمستثنى منه، وهذا خطأ؛ لهذا الله عز وجل حينما خلق البشر خلقهم في أحسن تقويم، لكن يوجد من الناس من هو صاحب عاهة، ابتلاه الله عز وجل بعاهة؛ ولهذا تجد في الناس الأبتر، والأقطع، والأعمى، والمشوه، وكذلك ربما أيضاً تجد حتى الملتحم في الجسد، يولد اثنين إخوة متصلين يحتاجون إلى فصل، وهذا تجده كثيراً، وهذا أمر استثناء، هل نقول: إن الله خلق البشر منهم على أحسن تقويم، ومنهم من ليس على أحسن تقويم؟ نقول: لا، هذا من الخطأ، كذلك الناس الذين مثلاً يذهبون إلى المستشفيات، ويرون المرضى، ويرون أصحاب العاهات، ويقولون: الناس كلهم على هذا النوع، الذين يوغلون في النظر في الاستثناءات، ويدققون فيها، ويقعون في التخيلات فيها، هم الذين يولعون بالتقسيم إن لم يجعلوا هذه الاستثناءات هي الأصل، وهذا يظهر عند كثير من أهل الأهواء؛ لأن الشريعة جاءت بالكليات، جاءت بالمعاني العامة؛ حتى يفهم الناس ذلك، وما يأتي عرضاً فهذا لحكم جعلها سبحانه وتعالى. قال: (والأول المشهور وهو المعتمدفليحكه أهل الكمال والرشد)أي: أن الأصل في ذلك النفع هو المعتمد عند العلماء، والذي ينبغي أن يصار إليه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح منظومة رشف الشمول في أصول الفقه لابن بدران [8] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net