اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح منظومة رشف الشمول في أصول الفقه لابن بدران [7] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح منظومة رشف الشمول في أصول الفقه لابن بدران [7] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
السنة هي طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهجه، وقوله كفعله في دائرة الاحتجاج، والمراد بذلك هو الاعتداد، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقسام باعتبار التكاليف الشرعية: أولها: الأقوال وهي تفيد التكاليف الشرعية الخمسة. الثاني: الأفعال وهي التي تفيد الوجوب والندب. الثالث: التقريرات وهي تفيد الإباحة.والعلم ينقسم إلى قسمين: علم يقيني وعلم ظني، والأخبار على قسمين: متواترة وآحاد. ومن أدلة الأحكام الإجماع وهو حجة لعصره ولمن أتى من بعدهم، وهو ينقسم إلى قسمين: إجماع حقيقي، وإجماع سكوتي، ومن المسائل المتعلقة بأدلة الأحكام قول الصحابي وهل قوله حجة أم لا؟
السنة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا يا رب العالمين.قال رحمه الله تعالى: [ باب السنة ].المراد بالسنة الطريقة، وهي طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهجه؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الراشدين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ )، وهي سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قال الله عز وجل: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي[يوسف:108]، فسبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم هي طريقته ومنهجه.ويعرفها بعض العلماء: بأنه ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلقية، أو خُلقية، والصواب أن يقال: إنه ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلُقية، باعتبار أن الأخلاق على قسمين: أخلاق فطرية غير مكتسبة مجبول عليها الإنسان، وهناك أخلاق مكتسبة، وكل ذلك من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، المكتسب والفطري؛ لأن الله عز وجل خص رسوله به، فاستحب للإنسان أن يأخذه اكتساباً إذا لم يوجد فيه. ‏
 الاحتجاج بالحديث المرسل
قال رحمه الله تعالى: [ وإن حديث مرسلاً عنهم أتىفحجة في قولنا قد أثبتا ]الحديث المرسل هو من أنواع الانقطاع، ويريد به أهل الاصطلاح: ما سقط منه صحابي ويرويه تابعي كبير، وإنما قلنا تابعي كبير؛ لأنه إذا رواه التابعي الصغير فيحتمل أن يكون سقط صحابي ومعه تابعي، والكبير هو الذي يغلب على الظن أنه يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تابعي وأسقط الصحابي، وهذا القيد الذي نذكره هنا على سبيل الاحتياط.والحديث المرسل في قول بعض العلماء حجة، كما قال هنا: (في قولنا قد أثبتا)، يعني بذلك في الاحتجاج من جهة الاعتداد به، لا كون هذا الحديث صحيحاً؛ ولهذا مسألة الاحتجاج شيء، ومسألة القول بصحته شيء آخر.لكن الصواب أنه ليس بحجة عند عامة النقاد، وإنما يقبل إذا اعتضد بغيره، وهذا الاعتضاد إما أن يجري على أصل، أو يعضده قياس، أو عمل الصحابة، أو توافقه أحاديث أخر ضعيفة ونحو ذلك، وبعض العلماء نجد أنه يحتج بالحديث المرسل لاعتضاده بأشياء أخرى، لكن لا ينص عليها ونظن أنه احتج بالحديث المرسل على سبيل الانفراد، والعلماء يحتجون بما هو أبعد من ذلك.قال رحمه الله تعالى: [ سوى الذي روى سعيد المجتبىفإنه الصحيح فاطلب مأربا ]ويظهر من كلام المصنف أنه يفرق بين الحجة وبين الصحيح، وأن الاحتجاج شيء والصحة شيء، يعني أن الاحتجاج قد يكون بحديث ضعيف، وقد يكون بصحيح، وهنا استثنى ما جاء من مراسيل سعيد بن المسيب، قال: (فهي صحيحة) وسبب هذه الصحة أن الغالب في مراسيل سعيد بن المسيب أن معانيها صحيحة والعمل عليها يجري، ولكن ثمة مراسيل لا يعمل بها العلماء، وذلك كما رواه أبو داود عن سعيد بن المسيب مرسلاً أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من ضرب أباه فاقتلوه )، هذا مرسل، ولكن لم يعمل به حتى الإمام الشافعي الذي يعتد بمراسيل سعيد بن المسيب، كذلك أيضاً مرسلة في دية أهل الكتاب لم يعمل به الإمام الشافعي رحمه الله؛ لهذا نقول: إن صحة المعنى لا يعني صحة الإسناد، ونستطيع أن نقول إنه كلما تقدمت طبقة الراوي الذي أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم قوي القول بصحة مرويه.
الإجماع
قال رحمه الله تعالى: [ باب الإجماع. وما عليه فقهاء العصربعد النبي المصطفى ذي الطهرعن اتفاق في أمور تحدثفهو الصحيح ما سواه محدث ]مسألة الإجماع تقدم الإشارة إليها، وأن الإجماع من الأدلة الإجمالية التي تدخل في أبواب علم الأصول، قال: (وما عليه فقهاء العصر)، يعني لابد أن يطبق أهل زمن في عصر معين، لا أن يجمع قول واحد من عصر مع قول واحد من عصر آخر، ثم يؤلف بينها فيقال: أجمع هؤلاء، ويسمى إجماعاً على الاصطلاح، فقوله: [ بعد النبي المصطفى ذي الطهرعن اتفاق في أمور تحدثفهو الصحيح ما سواه محدث ]في قوله: (بعد النبي)، يعني: أنه في زمن النبي ينبغي أن يرجع إلى الدليل، وقوله: (في أمور تحدث)، أي: ما لم يحدث بل كان في زمن النبي ينبغي أن يرجع فيه إلى الدليل، وأما الأمور النوازل والأمور الحادثة فهذه مما يجتهد فيها الإنسان، ويقع فيها الإجماع.يقول: (وما سواه محدث)، وهذا يحمل على معنيين: ما يظن فيه الإجماع فهذا مخالف ومحدث من المعاني، أو ما يخالف الإجماع فهذا إحداث وشذوذ وسلوك لسبيل غير المؤمنين، وهذا مما حرمه الله سبحانه وتعالى، وهذا فيه إشارة إلى النظر إلى مسألة وهي أن الإجماع إذا صح الخروج عنه فيمن بعده شذوذ وإحداث وابتداع كخروج الإنسان عن النص.قال رحمه الله تعالى: [ ولا اعتبار بالعوام قل ولابقول مولود لعصرهم تلا ] وقوله هنا: (ولا اعتبار بالعوام) لأنه خصه بفقهاء العصر، فقال: (وما عليه فقهاء العصر)، قد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلوك طريق العامة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: ( ودع عنك العوام )، أما العلماء فأمرنا الله عز وجل بسؤالهم فقال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[النحل:43]، والعوام أمرنا الله عز وجل باجتنابهم، لماذا؟ لأنهم لا يدركون معاني الشريعة، إذاً ليسوا بمعتبرين في مسائل الإجماع، فإذا كان العمل على حال عند العامة لا اعتبار به، بل العبرة بالعلماء، ومن أراد أن يلتمس إجماعاً في زمن معين فلينظر إلى علماء عصره.وفي قوله: (ولا بقول مولود لعصرهم تلا)، يعني من جاء ممن ولد بعدهم لا عبرة بقوله؛ ولهذا العلماء يذكرون في شروط الإجماع: انقراض العصر الذي انعقد فيه الإجماع، بمعني إذا أجمع أهل زمن فيموت آخر واحد منهم يصح الإجماع، وما دام حياً فالإجماع ليس بصحيح، لماذا؟ لاحتمال أن يرجع واحد منهم، فمثلاً يقولون: إن بيع أمهات الأولاد كان عليه العمل، ثم طرأ العمل على خلاف ذلك؛ لهذا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطبقوا في زمن أبي بكر ثم خرج قول لـعمر في خلافته أو قول لـعلي في خلافته وعلي موجود قبل ذلك هذا هل يعد من الإجماع المعتبر عند العلماء؟ في كلام المصنف هنا يشترط انقراض أهل العصر الذين انعقد فيهم الإجماع، فمن شروط صحة الإجماع أن لا يرد عن واحد منهم خلاف بعد ذلك، ولكن نقول: ينبغي أن لا نخرج الإجماع الذي ثبت في زمن عن قوته -من جهة القوة لا من جهة إثبات ذلك الإجماع- إذا ورد من يخالفه بعد ذلك. ‏
 تقسيم الإجماع إلى حقيقي وسكوتي
قال رحمه الله تعالى: [ ونقل الخلف عن الصديقوذهب الجمهور للتصديقبالقول والفعل جميعاً صححواإجماعهم إن لم يكونوا أفصحوابالخلف من بعض الذين أجمعوامن غير حمل لاضطرار يمنع ]ينبغي أن يشار إلى مسألة: أن الإجماع يمكن أن يقسم إلى قسمين: إجماع حقيقي، وإجماع سكوتي، الإجماع الحقيقي: هو الذي طرأ عليه النطق والبيان، والإجماع السكوتي: هو أن يقول قائل منهم بقول ولا يعلم له مخالف، الإجماع السكوتي هو أكثر أنواع الإجماع، وهو أكثر ما يقع فيه الوهم والتجوز في حكاية الإجماع؛ لهذا نقول: إن الإجماع السكوتي لا يوصف بأنه إجماع إلا إذا توفرت فيه أمور: من هذه الأمور أن يشتهر قول القائل في المسألة، وصورته تعرف بأحوال: من هذه الأحوال أن يقول ذلك أمام جمع، إما على منبر جمعة، أو كان له أصحاب متوافرون واشتهر قوله ذلك عندهم ونقلوه عنه، ولا يعلم له مخالف، أو قضاء يفعل أمام جماعة كالحدود التي تفعل ويشهدها طائفة من المؤمنين، ونحو ذلك، فهذا من القرائن.الأمر الثاني في مسألة الإجماع: أن يستقصى أحوال المخالفين له، وأنه ينبغي أن يعلم أنه عدم وجود المخالف لا ينفي العدم من جهة الحقيقة، بل ينبغي له أن يستقصي من جهة التتبع، كذلك أن ينظر إلى اتحاد البلد التي طرأ فيها القول، ربما يشتهر هذا القول في الكوفة ولكن في غيرها من البلدان لا يعرف، فلا يقال: إن هذا من مسائل الإجماع باعتبار أنه لم يوجد مخالف له؛ لأن من كان في المدينة ربما لا يعلمون عن هذا القول، وأقوى وجوه الإجماع السكوتي هو في المدينة ومكة؛ لانتشار العلم، ولقوة الديانة، والقرب من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقوى وجوه الإجماع أن يثبت بالقول والعمل، يقولون بالقول، ثم يوافقونه من جهة العمل.
قول الصحابي
قال رحمه الله تعالى: [ وليس قول للصحابي حجةعلى صحابي فاقتفِ المحجة ].هنا ذكر ما يتعلق بقول الصحابي عليه رضوان الله هل قوله حجة أم لا؟ هذا مما اختلف فيه الأصوليون، وينبغي قبل ذلك أن نعلم أن من الصحابة فقهاء، ومنهم من له شرف الصحبة ولا يعرف له قول في الفقه، وهذا لعدة اعتبارات منها: أن يكون من جهة حقيقته هو ليس بفقيه باعتبار أن النبي عليه الصلاة والسلام توفي وتأخر إسلام هذا الصحابي قبل وفاة النبي بزمن يسير، وهؤلاء الصحابة كثير؛ لهذا الذين حجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً من مائة وعشرين ألفاً كما ذكر ذلك أبو زرعة، وهذا العدد هل نقول: إنهم كلهم فقهاء يعلمون الأدلة من القرآن، العام والخاص، والمطلق والمقيد، المحكم المتشابه، المجمل والمبين، وغير ذلك؟ نقول: إن هذا متعذر عقلاً أصلاً، ولكن من جهة شرف الفضل والمنزلة والمكانة والصحبة فهي للجميع، لهذا نعلم أن التباين موجود قدراً حتى في دائرة الفقهاء بذاتهم، فينبغي أن ننظر إلى الصحابة بأن السابقين من الصحابة هم أفقه من اللاحقين، لماذا؟ لأن الشريعة نزلت وعاينوها، فنقول: إن المهاجرين أفضل من الأنصار، وهم أقعد منهم في هذا الأمر؛ لأن القرآن نزل على لسان قريش، وهم أقرب وأفهم إلى مراد الله سبحانه وتعالى، ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام ولدته قريش كما قال: ( ولدتني قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر، فأنى يأتيني اللحن )، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ولدته قريش، ونشأ فيهم، وأخذ منهم سلامة اللسان الذي نزل عليه القرآن، فكان عليه الصلاة والسلام أفصح العرب، واقترن ذلك بعصمة الله عز وجل له؛ لهذا نقول: إن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى السابقون منهم أقوى من اللاحقين لهم، والمهاجرون أقوى من الأنصار، ثم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الشجرة شهدوا معه بدراً وأحد، ثم الذين آمنوا قبل الفتح أفضل من الذين آمنوا بعد الفتح بنص القرآن.نقول: إن أفضل السابقين هم العشرة المبشرون بالجنة وكلهم من قريش، ثم يأتي بعد ذلك جملة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ممن يعتد به في أبواب الفقه، وفي فهم التأويل كـعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وهم فيما بينهم ليس أحداً منهم حجة على الآخر، ولكن إذا أجمعوا فالإجماع إجماع الصحابة كما قال الإمام أحمد رحمه الله كما نقله القاضي أبو يعلى، فقال: الإجماع إجماع الصحابة ومن بعدهم تبع لهم، ونقل هذا أيضاً ابن حزم الأندلسي، فإذا أجمعوا على شيء وجب إتباع قولهم؛ لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين )، وهذا بدلالة الأولى أنه إذا أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين فكيف بالإجماع إذا اقترن الخلفاء مع غيرهم، فكان إطباق الأمة، ومن خالف سبيلهم فقد اتبع غير سبيل المؤمنين فيوله الله ما تولى ويصله جهنم.لهذا نقول: إنه يجب في الاتباع اتباع ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء عن الصحابة في حال الإجماع، وأما في حال الخلاف فنقول: إذا اجتمع الخلفاء الراشدون الأربعة على قول فلا يخرج القول عن قولهم، وقولهم حجة بنص الدليل ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور )، وهنا حذر من المحدثات إشارة إلى أن قول الصحابة لا يخرج عن هديه عليه الصلاة والسلام، ويكفي في ذلك عطفه لهديهم بعد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.وأما أقوال الصحابة فيما بينهم فهم مجتهدون في ذلك ويتباينون فيه، ونعلم أنه لاختصاص الصحابة أثر في ذلك، فمنهم من يختص في أبواب، كـابن عباس وهو من أهل التأويل، وعبد الله بن مسعود وهو من أهل التأويل والفقه بأحكام الحلال والحرام، وهناك من امتاز بمعرفة الحلال والحرام على غيره كـمعاذ بن جبل، ومنهم من هو من أهل الفرائض وهو زيد بن ثابت، ومنهم من يعرف بمسائل الأقضية كالتعزيرات ونحوها وهو كـعلي بن أبي طالب، كذلك الحال أيضاً في زمن التابعين عليهم رضوان الله تعالى، ويستدل في هذا ما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي موسى قال عليه الصلاة والسلام: ( أصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد )، وهذا فيه إشارة إلى أن العمل بما جاء عن الصحابة والتمسك به هو أمان للأمة وهداية وتثبيت، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، ونرجئ ما تبقى إلى الدرس الأخير في الغد بإذن الله جل وعلا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
 تقسيم الإجماع إلى حقيقي وسكوتي
قال رحمه الله تعالى: [ ونقل الخلف عن الصديقوذهب الجمهور للتصديقبالقول والفعل جميعاً صححواإجماعهم إن لم يكونوا أفصحوابالخلف من بعض الذين أجمعوامن غير حمل لاضطرار يمنع ]ينبغي أن يشار إلى مسألة: أن الإجماع يمكن أن يقسم إلى قسمين: إجماع حقيقي، وإجماع سكوتي، الإجماع الحقيقي: هو الذي طرأ عليه النطق والبيان، والإجماع السكوتي: هو أن يقول قائل منهم بقول ولا يعلم له مخالف، الإجماع السكوتي هو أكثر أنواع الإجماع، وهو أكثر ما يقع فيه الوهم والتجوز في حكاية الإجماع؛ لهذا نقول: إن الإجماع السكوتي لا يوصف بأنه إجماع إلا إذا توفرت فيه أمور: من هذه الأمور أن يشتهر قول القائل في المسألة، وصورته تعرف بأحوال: من هذه الأحوال أن يقول ذلك أمام جمع، إما على منبر جمعة، أو كان له أصحاب متوافرون واشتهر قوله ذلك عندهم ونقلوه عنه، ولا يعلم له مخالف، أو قضاء يفعل أمام جماعة كالحدود التي تفعل ويشهدها طائفة من المؤمنين، ونحو ذلك، فهذا من القرائن.الأمر الثاني في مسألة الإجماع: أن يستقصى أحوال المخالفين له، وأنه ينبغي أن يعلم أنه عدم وجود المخالف لا ينفي العدم من جهة الحقيقة، بل ينبغي له أن يستقصي من جهة التتبع، كذلك أن ينظر إلى اتحاد البلد التي طرأ فيها القول، ربما يشتهر هذا القول في الكوفة ولكن في غيرها من البلدان لا يعرف، فلا يقال: إن هذا من مسائل الإجماع باعتبار أنه لم يوجد مخالف له؛ لأن من كان في المدينة ربما لا يعلمون عن هذا القول، وأقوى وجوه الإجماع السكوتي هو في المدينة ومكة؛ لانتشار العلم، ولقوة الديانة، والقرب من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقوى وجوه الإجماع أن يثبت بالقول والعمل، يقولون بالقول، ثم يوافقونه من جهة العمل.
الأسئلة

 معرفة الحكمة في الأحكام الشرعية
السؤال: [ هل يشترط على الفقيه معرفة الحكمة؟ ].الجواب: الفقيه ليس بالضرورة أن يعرف الحكمة، إذا عرف العلة فهو فقيه، معرفة الحكمة ليس بلازم حتى يوصف الإنسان بالفقه، من عرف الحكمة ولم يعرف العلة فهذا قصور، شخص يعرف الحكمة من التيسير في ولوغ الهرة ولكن لا يعرف العلة، هذا لا يستطيع أن يقيس، وهذا جانب يتعلق بالإيمانيات في جانب التعبد، هناك من يغلو ويبالغ في جانب العلل، وهناك كتاب للحكيم الترمذي اسمه العلل، وهو غير الترمذي المصنف، وفيه زيادات ومبالغات في هذا، وصنف بعضهم رسالة في أبواب العلل حتى أشار إلى كثير من العلل كما في إشارة المصلي بيديه هكذا في الصلاة، ما المقصود بها؟ وفي قبضه على يديه، وفي إشارته بالسبابة، ما هو المقصود بها؟ وفي التفاته لماذا يلتفت يميناً ويلتفت شمالاً؟ لماذا يبقى في الصلاة هكذا لجهة القبلة قليلاً؟ لماذا يغلب عليه التفاته على اليمين؟ ونحو ذلك، فهذه علل يستنبطها الإنسان وفيها نوع من التكلف، نقول: لا حرج من ذلك لكن الحرج في إبراز كل علة تنقدح في الذهن للناس بحيث يظنون أن هذا هو الذي نزل لأجله الشرع، فإذا انتفت العلة قالوا: ليس لها حاجة، مثال ذلك: التصاوير، فقد منع الله عز وجل منها أن ينصب الإنسان الصور، وأن يرسم بيده شيئاً؛ خشية أن تجر الناس إلى العبادة، يقول لك: الحمد لله في بلدنا لا يوجد وثنية، وما رأينا أحداً يسجد عند الصور، لماذا لا ننصب التماثيل؟ ووضعوا الصور في المجالس ووضعوها في كل مكان، هذا يطرأ من بعض العامة، ولكن العلة في الحقيقة أبعد من ذلك، وهي أن يتوطن جيل ثم جيل ثم يأتي الجيل الثالث هو الذي يعبد؛ ولهذا تماثيل ود وسواع ويغوث لم يعبدوها مباشرة، ولكن أول شيء نصبوها، ثم جاء جيل عظموها في نفوسهم، ثم جاء جيل عبدوهم من دون الله، كما قال ذلك عبد الله بن عباس، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح منظومة رشف الشمول في أصول الفقه لابن بدران [7] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net