اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر [6] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر [6] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
علم الحديث علم واسع المعارف والفوائد، ومن اشتغل بهذا الفن حري به أن يعرف الكثير من تواريخ الرواة وتراجمهم، وأسماء وألقاب وكنى رواة الحديث للتفريق بينهم، وأن يطلع على ألفاظ الجرح والتعديل عند الأئمة على الرواة ليفهم مدلولاتها عندهم، وأن يتأدب مع شيخه في لين وتواضع، ولا ينسى في الأول والأخير أن يخلص طلبه للعلم لله، ويعالج نيته في ذلك.
معرفة تواريخ الرواة
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقال المصنف رحمه الله: [ خاتمة].بعد أن ذكر المصنف رحمه ما يتعلق بقواعد المصطلح وعلوم الحديث أراد أن يعرج على شيء هو في الغالب منفصل عن المسائل السابقة، فأراد أن يجعلها في خاتمة، لا في فصول وثنايا الكتاب، وذلك لتعلقها بشيء من الآداب، أو ببعض المسائل التي هي ليست في جوهر علم الحديث ولا في قواعده، وإنما هي بعض المهمات، أو اللطائف أو الآداب.قال المصنف رحمه الله: [ومن المهم معرفة طبقات الرواة ومواليدهم، ووفياتهم، وبلدانهم وأحوالهم، تعديلاً وتجريحاً وجهالة ].تقدم الكلام معنا على هذا فيما يتعلق بمعرفة التاريخ عند قول المصنف: (ثم احتيج إلى التاريخ) وأنه ينبغي للطالب أن يعرف تواريخ الرواة من جهة الولادة والوفاة، ومن جهة ابتداء السماع، وزمن الارتحال، ومعرفة أزمنة الاختلاط التي وقع فيها اختلاط، وكذلك الأزمنة التي كان فيها الإنسان صاحب كتاب، أو صاحب ضبط كتاب، والأزمنة التي كان فيها صاحب ضبط صدر. إذاً فالحاجة إلى التاريخ متسعة، ولا تتعلق بباب دون باب.
 

مراتب الجرح والتعديل
هنا سيذكر المصنف مراتب الجرح، ومراتب التعديل. ‏
 ألفاظ العلماء في الجرح والتعديل
قال المصنف رحمه الله: [ ومراتب الجرح: وأسوؤها الوصف بأفعل كأقرب الناس، ثم دجال، أو وضاع أو كذاب. وأسهلها لين، أو سيئ الحفظ، أو فيه أدنى مقال. ومراتب التعديل؛ وأرفعها الوصف بأفعل كأوثق الناس، ثم ما تأكد بصفة أو صفتين كثقة ثقة أو ثقة حافظ، وأدناها ما أشعر بالقرب من أسهل التجريح كشيخ. وتقبل التزكية من عارف بأسبابها، ولو من واحد على الأصح].قوله: (وأسوؤها الوصف بأفعل) هذا الوصف بـ(أفعل) كما أنه في الجرح فهو كذلك في التعديل، يقولون: أوثق الناس، أو أعلم الناس، أو أحفظ الناس، أو أحفظهم، أو أعلمهم، أو أوثقهم ونحو ذلك، وهذه من العبارات التي تعني تعديلاً قوياً على غيره.ومثل هذه الإطلاقات وصيغة (أفعل) لا بد أن يعرف سياقها، حتى يعرفها طالب العلم على وجهها، وذلك أن مثل هذا الإطلاق إذا جاء: فلان أحفظ هؤلاء، أو فلان أحفظهم، أو فلان أحفظ، أو نحو ذلك، هذه ربما تأتي في سياق المقارنة مع الضعفاء، فإذا قال الإمام في الراوي: فلان أحفظ من فلان، فلا يعني أنه حافظ، بل ربما يكون ضعيفاً وهم مطروحون ومردودو الرواية، وهذا نجده كثيراً في صيغة (أفعل) عند الاقتران مع مجموعة من الرواة، ولهذا يسأل بعض الأئمة: أيهما أحفظ فلان أم فلان؟ فيقول: فلان، ولا يعني أنه حافظ، وإنما ينظر فيمن اقترن معه، وإذا أطلقت من غير اقتران فإن هذا تعديل، أو أقوى مراتب التعديل.ومن ألفاظ الجرح نعرف مراتب الحكم على الحديث في الغالب، وليس على الاطراد، وهذا من الأمور المهمة أن طالب العلم لا بد أن يعرف مراتب ألفاظ الجرح والتعديل، ولا بد أن يعرف مناهج العلماء بإطلاقها، وأن يعرف أيضاً أحوال الأئمة من جهة تشددهم، وتساهلهم، وتوسطهم.قوله: (وأدناها ما أشعر بالقرب من أسهل التجريح كشيخ) إطلاق كلمة شيخ، وهذه العبارة إذا أرادها الإنسان أن يحملها على الوضع فهي تعني التزكية، أو ربما الإمامة، فيقال: فلان شيخ، يعني: إمام في الناس، وسيد في قومه، ولكنها عند أئمة الجرح إذا أطلقوا هذه العبارة فيقولون: شيخ، يعني: مقل الرواية، وربما فيه ستر، وليس معروفاً بالعلم، ولا معروفاً بالرواية.
ضوابط في تزكية الرواة
قال المصنف رحمه الله: [ وتقبل التزكية من عارف بأسبابها ولو من واحد على الأصح].التزكية لها أسباب، وتقدم الكلام على مسألة شروط العدالة، وتقدم أيضاً في أنواع الضبط أنه لا بد أن يكون عارفاً بذلك، وأن يكون من أهل الرواية، ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن ينظر في ألفاظ الجرح والتعديل أن يكون متبصراً في أمور عدة، وهي من المهمات: ‏
 النظر إلى حال الراوي
ثالثها: أن ننظر إلى حال الراوي هل له حال واحدة أم له حالات؟ فالرواة إذا رووا عن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحيان لا يكون لهم حال واحدة، وإنما يحتاج إلى تعديل تارة، ويحتاج إلى جرح تارة أخرى، وذلك إما أن يكون مر بمرحلة اختلاط، واختلاطه مثلاً جاء متأخراً في زمن يسير كسنة أو سنتين، والغالب من مرويه أنه روى قبل اختلاطه، وأكثر كلام العلماء عليه بالتعديل، وتجد من العلماء من يضعفه، وسبب تضعيفه لأجل اختلاطه، فهو له حالات.ولا بد أن ننظر إلى حال الراوي من جهة مرويه، وكذلك من جهة اختصاص بعض الرواة ببلد، أو ضعفه ببلد دون بلد، كحال إسماعيل بن عياش وأضرابه، أو ربما بعض الرواة تجده ضابطاً لفن دون غيره، كـمحمد بن إسحاق ، فبعض الأئمة يوثقه، وبعض الأئمة يجرحه، وهذا الجرح والتعديل نحمله على اختلاف الأنواع، وكأننا نضع الجرح في قسمه، ونضع التعديل في قسمه، ونقول: لا يوجد خلاف بحيث لا نحمل العبارات على تعارض. ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن ينظر في رواية راوي أن ينظر في ترجمته من جهة اسمه وعمله، ومن جهة شيوخه، واختصاصه، فربما يقولون: إمام في السير، إمام في التفسير، ونحو ذلك، فنحمل أن المرويات عنه تتباين بحسب اختصاصه، وبحسب عنايته في باب من الأبواب، أو في بلد من البلدان.وربما يكون اللفظ الذي أطلق عليه من التعديل يتعلق بديانته وصلاحه، لا من جهة ضبطه وحفظه، وهذا له مؤشرات في ترجمة الراوي، فإذا قرأت في ترجمة الراوي: فلان بن فلان، إمام في الزهد والصلاح والورع والديانة، وعابد، وحج سبعين حجة أو خمسين، أو غير ذلك من العبارات التي يطلقونها على كثير من المتعبدين.وليس كل عابد حافظ؛ لأن ألفاظ الضعف لا تعني طعناً في الديانة، وإنما تعني طعناً في الملكة، والملكة لا يملكها الإنسان، فليس كل الناس حافظاً، وحينما تطعن وتقول: فلان ضعيف الحفظ، وربما يكون في الفردوس الأعلى من الجنة، وأنت تتكلم على حفظه، ولا علاقة للأمر بدينه، ومن الناس من هو ثقة في حفظه، ولكن من أمر الديانة دون غيره، ولهذا ينبغي أن نفرق، فنعرف ما يتعلق بأحوال ذلك الراوي، وقلما نجد راوياً من الرواة إلا وله أكثر من حال، وإما أن يكون مثلاً إماماً في العلم أو في السنة أو نحو ذلك.وبعض الأئمة شديد على أهل البدع، ويمدح ويثنى عليه في هذا الباب كحال نعيم بن حماد الخزاعي ، وهو إمام من أئمة السنة، وشديد على أهل البدع، ويثنى عليه كثيراً في هذا الباب، ولكن إذا أردت أن تنظر إلى ما يتعلق بحفظه تجد الأئمة يقولون بالضعف، ويثنون عليه في هذا الباب.ومن الأئمة كذلك من هو من أهل القراءة، كـنافع و حفص وغيرهم، وهؤلاء أئمة القراءة، وكذلك شهر بن حوشب مقرئ، وعالم بالقراءة، يزكى في هذا الباب، ولكن من جهة الحفظ يطعن به.فإذا وجدنا ألفاظاً مختلطة على راوٍ من الرواة ننظر إلى تعدد أحواله، هل له حال واحدة، باعتبار أنه فلان بن فلان، لا يوجد له عمل، ما وصف بالعبادة، ما وصف بالديانة، وإنما له مرويات أطلق الحكم عليها، حينئذٍ نقول: إن هذه الإطلاقات هي على الحفظ.ومثل هؤلاء الذين ليس لهم إلا حال واحدة قلما تجد الخلاف فيه، وإذا تعددت أحواله تجد خلافاً عند العلماء، ولكن الخلاف في ذلك في قولنا: قلما تجد الخلاف عند الأئمة الذين هم أهل توسط واعتدال، وعلى هذا نحمل الألفاظ التي تأتي على بعض الأئمة من جهة الخلاف في راوٍ بعينه، فتجد مثلاً يحيى بن معين يقول في راوٍ: ثقة، وتارة يقول: لا بأس به، وتارة يقول: ضعيف، وتارة يقول: لا بأس به أو ثقة، وهو إمام واحد ويتكلم في راوٍ واحد، فنحمل هذا على ما تقدم الكلام عليه، فربما الراوي له أكثر من حال، فتارة أراد ديانته لزهده وورعه وإمامته، أو أراد علمه الذي اختص به كالسير أو إقراء القرآن أو غير ذلك، والتضعيف أراد في ذلك الحفظ.
تقديم الجرح على التعديل للراوي
قال المصنف رحمه الله: [ والجرح مقدم على التعديل إن صدر مبيناً من عارف بأسبابه، فإن خلا عن تعديل قبل مجملاً على المختار ]. ‏
 خلو الراوي من التعديل مع وجود الجرح فيه
قوله: (فإن خلا عن تعديل قبل مجملاً على المختار) يعني: الراوي لا يوجد من عدله، وإنما وجد من جرحه مفسراً أو بلا تفسير، ونقول حينئذٍ: لا يوجد لدينا إلا القبول.ولهذا نقول: إن أظهر وجوه التقليد عند المتأخرين للمتقدمين هي في ألفاظ الجرح والتعديل؛ لأنك تقف على كلام الأئمة في الراوي، فتجده يقول: ثقة، ثم تقوم أنت بتصحيح الحديث بناءً على قول ذلك الإمام.وكثير من الذين يزعمون التحرر في علوم النقد، وعلوم التصحيح والتضعيف هم مقلدون، لماذا؟ لتعطيلهم لآلة السبر، فهو ينظر في كتب الرجال، ويرى أن الأئمة وثقوا فلاناً أو ضعفوه، ثم يقوم بناءً على تقليده هذا يخرج حكماً بصحة الحديث، ويظن أنه قد تحرر في هذا الباب، هل رأيت الراوي؟ لم يره، هل سبرت حديثاً؟ لم تسبر حديثاً، إذاً: كيف عرفت أنه ثقة إلا عن طريق أولئك الأئمة؟ إذاً أنت مقلد.والعالم الحاذق في هذا هو الذي إذا عطل لديه مسألة اللقاء، وفاته ذلك الزمن، فإنه يقوم بالسبر، أي: بجمع مرويات الراوي، مائتين، ثلاثمائة، مائة وخمسين، سبعين، يجمع هذه المرويات ثم يقوم بسبرها، ثم يخرج بحكم دقيق جداً، وحينئذٍ يجد أنه لا يكاد يخالف أولئك الحفاظ.
معرفة الكنى والأسماء للرواة
قال المصنف رحمه الله: [ ومن المهم معرفة كنى المسمين وأسماء المكنين، ومن اسمه كنيته، ومن اختلف في كنيته، ومن كثرت كناه أو نعوته]. ‏
 معرفة الإخوة والأخوات والقرابات من الرواة
قال المصنف رحمه الله: [ ومعرفة الإخوة والأخوات].معرفة القرابات والأرحام مهمة، وكذلك معرفة الآباء والأبناء، ورواية بعضهم عن بعض، ومعرفة الأنساب والأصحاب، ورواية بعضهم عن بعض، ومعرفة الإخوة والأخوات، ورواية القرابات، ورواية ابن الأخ عن عمه أو عن خاله، أو روايته عن جده تعطي في ذلك قوة وربما تقدمه على غيره.ولهذا تجد البخاري رحمه الله في بعض المواضع من صحيحه يقدم رواية إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق على رواية شعبة و سفيان لماذا؟ لأنه حفيده، و أبو إسحاق السبيعي كان رجلاً أعمى، يقوده حفيده عند الذهاب إلى المسجد، فكان يسمع منه ذهاباً وإياباً، و إسرائيل مع ثقته إلا أن شعبة و سفيان أوثق منه، ولكنه لاختصاصه وقرابته في هذا يقدم على غيره، وتجده في كثير من المواضع في كتب المسانيد والسنن والصحاح حينما تأتي الرواية يقول: إسرائيل عن أبي إسحاق ، ومن لا يعرف النسب يظن أنه لا يوجد بينه وبينه قرابة وهو جده، حينئذٍ يقدم على غيره.وكذلك القرابة والقرب تتباين، فربما لا تكون في الأرحام والأصهار، وتكون في البلد، فرواية المدني عن المدني تقدم عن رواية الكوفي عن المدني، لماذا؟ لأنه من أهل بلده وعارف بحديثه ويسمع قوله، ويعرف ما يروى عنه، وهو أطول ملازمة، بخلاف الرجل الآفاقي فإنه يأخذ الحديث ثم يمضي، وربما لا يتيسر له في الارتحال أن يدون لحال المسافر من جهة توفر المداد والأوراق وغير ذلك.
بعض الأمور المهمة التي يحتاجها طالب العلم أثناء طلبه
قال المصنف رحمه الله: [ومعرفة آداب الشيخ والطالب، وسن التحمل والأداء، وصفة كتابة الحديث وعرضه وسماعه وإسماعه، والرحلة فيه، وتصنيفه إما على المسانيد أو الأبواب أو العلل أو الأطراف].وهذه من الأمور المهمة والآلات والأسباب التي تعين طالب العلم على طلب الحديث وطول معالجته، والعناية به. ‏
 الرحلة في طلب العلم
قوله: (والرحلة فيه) الارتحال إلى البلدان والسماع من الشيوخ من الأمور المهمة لطالب العلم، وهي من الأمور المهمة التي قلت وضعفت في الأزمنة المتأخرة، ويظن كثير من الطلاب أن الارتحال إنما يفيد طالب العلم بسماع الجديد من العلوم ونحو ذلك، مع أن العلوم الآن تيسرت لكثير من الناس سواءً بالسماع لها بواسطة الأشرطة، أو القراءة لها بالكتب، أو غير ذلك، أو ربما يستمع الإنسان لدروس تبث في مشارق الأرض وهو في مغاربها، ويكون سماعه كسماع من كان حاضراً، فصار حال من بينه وبين الشيخ متر كحال الشخص الذي بينه وبينه آلاف الكيلو مترات.وفي الارتحال فوائد كثيرة، منها: الاقتداء بالشيخ من جهة سلوكه، وأدبه، وتعامله، وكذلك طريقة عرضه، تواضعه، رفقه، عبادته، سلوكه، أسلوبه، وغير ذلك.ومنها: أن الإنسان إذا ارتحل تخلى من كثير من العلائق، باعتبار أن الإنسان في بلده يتعلق بالناس، الأصحاب، الرفقة، الجيران، الأهل، المال، وغير ذلك، فإذا ارتحل تجرد وتخلى من ذلك كله، وتفرغ، وخلا دينه في هذا الباب؛ ولهذا تجد من السلف الصالح عليهم رحمة الله من كان يرتحل، وربما يرتحل الفاضل إلى المفضول لطلب هذه المقاصد.
أهمية معرفة أسباب الحديث
قال المصنف رحمه الله: [ومعرفة سبب الحديث، وقد صنف فيه بعض شيوخ القاضي أبي يعلى بن الفراء ، وصنفوا في غالب هذه الأنواع، وهي نقل محض ظاهرة التعريف، مستغنية عن التمثيل مبسوطاتها، وحصرها متعسر، فيراجع لها مفروضاتها، والله الموفق والهادي، لا إله إلا هو].تقدم الكلام معنا أن للأحاديث أسباباً، كما أن للآيات أسباباً، فثمة أسباب نزول، فكما أن من الآيات ما ينزلها الله جل وعلا على نبيه عليه الصلاة والسلام بلا سبب بين معروف، ومنها ما لها سبب بين، كذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام منها أحكام صدرت لوقائع عرفت فضبطها مهم، لماذا؟ لأنه يفسر الحالي، ومنها ما وقع بعد سؤال، ومنها ما كان صادراً سداً لحاجة، ومنها ما كان نازلاً من غير حاجة، فذلك آكد، ولهذا يأخذ كثير من العلماء صوارف الألفاظ في الأمر والنهي وربما التقييدات أو التخصيصات بمعرفة أسباب ورود الحديث.
 الرحلة في طلب العلم
قوله: (والرحلة فيه) الارتحال إلى البلدان والسماع من الشيوخ من الأمور المهمة لطالب العلم، وهي من الأمور المهمة التي قلت وضعفت في الأزمنة المتأخرة، ويظن كثير من الطلاب أن الارتحال إنما يفيد طالب العلم بسماع الجديد من العلوم ونحو ذلك، مع أن العلوم الآن تيسرت لكثير من الناس سواءً بالسماع لها بواسطة الأشرطة، أو القراءة لها بالكتب، أو غير ذلك، أو ربما يستمع الإنسان لدروس تبث في مشارق الأرض وهو في مغاربها، ويكون سماعه كسماع من كان حاضراً، فصار حال من بينه وبين الشيخ متر كحال الشخص الذي بينه وبينه آلاف الكيلو مترات.وفي الارتحال فوائد كثيرة، منها: الاقتداء بالشيخ من جهة سلوكه، وأدبه، وتعامله، وكذلك طريقة عرضه، تواضعه، رفقه، عبادته، سلوكه، أسلوبه، وغير ذلك.ومنها: أن الإنسان إذا ارتحل تخلى من كثير من العلائق، باعتبار أن الإنسان في بلده يتعلق بالناس، الأصحاب، الرفقة، الجيران، الأهل، المال، وغير ذلك، فإذا ارتحل تجرد وتخلى من ذلك كله، وتفرغ، وخلا دينه في هذا الباب؛ ولهذا تجد من السلف الصالح عليهم رحمة الله من كان يرتحل، وربما يرتحل الفاضل إلى المفضول لطلب هذه المقاصد.
الإخلاص في طلب العلم وما يقويه ويضعفه
ومن الأمور المهمة، بل هي أهم شيء في هذا الباب هو ما يتعلق بالإخلاص لله في الطلب، فإن هذه آداب وهذه علوم، وهذه رسوم يدرسها الإنسان، فإذا حرم الإخلاص حرم التوفيق والسداد، ووكله الله عز وجل إلى نفسه، وعاقبه الله عز وجل أشد عقاب ممن فسق وتجبر وطغى في الأرض، لماذا؟ لأن الله عز وجل أراد تشريفه بهذا العلم، فأبى إلا أن يطلب به غير الله. ‏
 ضرورة ترك الجزئيات والاشتغال بالكليات
وينبغي لطالب العلم ألا يوغل في الجزئيات وقد عطل الكليات، فأنت تجد بعض طلاب العلم ينشغل في تحقيق مخطوطات، وتجد الوثنيات عن يمينه وعن شماله، الإعراض عن الله سبحانه وتعالى، الفواحش والمنكرات، الفسوق وغير ذلك عن يمنيه وشماله، وهو يعتني بتحقيق مخطوط في فقه بعيد عن الحاجة، أو في جزء لا تحتاج إليه الأمة، فيهدر عمره لسنوات عديدة، والأمة بحاجة إلى ما هو أوجب من ذلك، أليس هذا من التشهي؟ هذا من التشهي، فالرسالة ليست لك، ما الذي أمرك الله عز وجل به؟ ما هي حاجة الناس في هذا الزمن وفي هذا العصر؟ ما الواجب عليك؟ الواجب عليك أن تعلمهم فيما قصروا فيه، وهذا من توفيق الله عز وجل للعبد.
بعض الأمور المؤهلة للتمكن في علم الحديث
كذلك ينبغي أن نشير إلى مسألة مهمة في هذا الباب؛ فإن أمثال هذه القواعد في هذا الكتاب، وفيما يسمى بعلوم الحديث، وقواعد الحديث، أو مصطلح الحديث، هي مسائل أو ألفاظ مترادفة من جهة المعنى، ولن يتمكن طالب العلم منها، ويكون من أهل البصيرة والحذق فيها إلا وقد استكثر من عدة أمور:الأمر الأول: الحفظ، أي: أن يكثر من المحفوظات للسنة.الأمر الثاني: أن يكثر من الممارسة لإعلال الأحاديث وتمحيصها، فيقوم بالتخريج، فيخرج خمسمائة، ألفاً، ألف وخمسمائة، ألفي حديث، ويقوم بالحكم عليها منفرداً.وما هي الطريقة السليمة في هذا؟ الطريقة السليمة في هذا أن يعمد إلى كتاب من الكتب التي تشترط الصحة والضعف، ثم يقوم بتخريجه بنفسه، وليس تصنيفاً للناس، ولا يريد بذلك تشبعاً، وإنما يريد من ذلك تعليماً وتدريباً لنفسه، وإذا عرف طرائق العلماء عرف المناهج من جهة الإعلال، ويقوم بالتطبيق، وينبغي له ألا يلتفت إلى الكتب المعتنية بأبواب التخريج ابتداءً، ككتاب التخليص الحبير لـابن حجر ، والبدر المنير، وهو من أكبرها لـابن الملقن ، ونصب الراية للزيلعي ، وإرواء الغليل للألباني ، فهذه الكتب اعتنت بمسائل التخريج، وإذا أراد طالب العلم أن يخرج حديثاً عليه أن يبعد هذه الكتب جانباً؛ لماذا؟ حتى يجرب نفسه هل يوافق أو لا يوافق؟ ثم إذا انتهى من النتيجة يقوم بعرض كلامه على كلام العلماء الأوائل في كتب العلل، ككتاب العلل للدارقطني ، وكتاب العلل لـابن أبي حاتم ، والتاريخ الكبير للبخاري ، والجرح والتعديل لـابن أبي حاتم ، والعلل للإمام أحمد ، والعلل لـابن المديني ، وغير ذلك من كتب العلل، فيقارن كلامه بكلام هؤلاء الأئمة، ومن وافقه ومن خالفه، فإذا وجد أنه خالفهم فإن الخلل عنده؛ لأنه مبتدئ، فينظر في موضع الخلل، أين موضع الخلل هل في هذه النقطة أو في هذه الجزئية؟ أما النظر ابتداءً لحكم الأئمة فإنه لا يجعل طالب العلم ينتج، ويختبر نفسه؛ لأنه في ذلك تأثر بأول شيء وصل إليه. ‏
 عدم الحزن عند الخطأ في البحث والتطبيق
وينبغي لطالب العلم ألا يحزن ولا يوجل لوجود خطأ عنده في بحثه ونحو ذلك، بل ينبغي له أن يفرح؛ لماذا؟ لأن الصواب لا يمكن أن يلج إليه الإنسان إلا على عتبة الخطأ، ولا يمكن الإنسان أن يصيب مباشرة، إذاً إذا وجدت خطأ فافرح لأن هذه عتبة ستوصلك إلى صواب، وهي عتبات، كلما اكتشفت خطأ اكتشفت عيبك، فالذي يضجر أو يحزن من وجود الخطأ هذا يطبع نفسه على التنكر لأخطائه، وغض الطرف عنها، بينما الناس يرونه، فيصبح في ضعف، ولا يصحح أخطاءه، ويبقى على ما هو عليه، وربما أورثه ذلك كبراً ومعاندةً للحق، وبطراً وغمطاً لحق الناس أهل الصواب والعدل.وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر [6] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net