اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر [2] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
تباينت مراتب الحديث النبوي بين الصحة والحسن والضعف، وقد ذكر العلماء للحديث الصحيح شروطاً لا بد من اكتمالها في السند والمتن والراوي، فاشترطوا اتصال السند، وعدالة الراوي وضبطه، وخلو متنه من النكارة والشذوذ، ولحسن اختيار البخاري ومسلم للأحاديث وانتقائهم لها كان الصحيحان في علو المرتبة وأولها بين كتب الحديث.
مجمل الكلام على مسألة الغرابة في السند
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:فقال المصنف رحمه الله: [ثم الغرابة إما أن تكون في أصل السند أو لا، فالأول الفرد المطلق، والثاني الفرد النسبي، ويقل إطلاق الفردية عليه].تقدم معنا الكلام على الغرابة، وأن المراد بالغرابة هو التفرد، سواءً كان ذلك في جميع طبقات السند، أو كان في طبقة واحدة، فإن ذاك يوصف بالغرابة.والغرابة على نوعين: غرابة نسبية وغرابة مطلقة، والغرابة المطلقة هي التي تكون في جميع طبقات السند، يعني: يرويه راوٍ واحد عن راوٍ واحد عن راوٍ واحد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: في جميع الطبقات، وهذا يسمى بالغريب، ويسمى بالفرد، ويطلق عليه بعض النقاد تارة المنكر، ولا يعني من ذلك الرد، وإنما لم يكن معروفاً.وأما الغرابة النسبية فهي التي توجد في طبقة واحدة أو طبقتين، ولكن ليست في جميع الطبقات.الغرابة النسبية والغرابة المطلقة أيهما أقوى من الثاني؟ نقول: لا ينضبط هذا، أي: لا نستطيع أن نقول: الغرابة النسبية أقوى من الغرابة المطلقة، باعتبار أن الغرابة النسبية ربما تكون قرينة على إعلال الحديث، مع كون الحديث مثلاً يرويه ثلاثة عن ثلاثة، عن واحد عن ثلاثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا غريب نسبي، وقد يكون ذلك إشارة إلى علة، أي: كيف يكون هذا الحديث يرويه ثلاثة شيوخ، ثم لا يرويه عنهم إلا واحد، ولا يروي عن هذا الواحد إلا ثلاثة، فهذا يكون ضمن ورود الوهم والغرابة. وحينئذٍ لا نستطيع أن نقول: إن وجود العدد في بعض الطبقات أقوى من عدم وجوده في جميع الطبقات، فنقول: إن هذا ينظر كل حديث بحسبه.
 

تابع شروط الحديث الصحيح لذاته
قال المصنف رحمه الله: [وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته]. ‏
 عدم العلة والشذوذ
قوله: (غير معلل) يعني: ليس له علة، والعلة الغالب أن العلماء يطلقونها على ما كان خفياً من العلل، ولم يكن ظاهراً، والمصنف ذكر الاتصال وأنه ضده هو العلة التي تطرأ على الإسناد، وكذلك عدالة الراوي وعدم ذلك هي من وجوه العلل في الإسناد.قوله: (ولا شاذ) كذلك ألا يكون الحديث شاذاً، ومعنى الشذوذ أن يخالف غيره، ويأتي الكلام عليه، وله باب في مسألة الشذوذ، ولا معلل أيضاً بأي شيء من أمور العلل، ولهذا نجد العلماء من جهة معرفة دقائق الرواة ودقائق الأسانيد يقوون أحاديث هي في ظاهرها لا تجري صحة على القواعد.مثلاً حديث أبي قتادة عليه رضوان الله في الهرة، قال: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، يروي هذا الحديث الإمام مالك رحمه الله، وفي إسناده حميدة و كبشة ، عن أبي قتادة عليه رضوان الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث في إسناده مجهولة، وواحدة منهما هي زوجة ابن أبي قتادة ، تروي عن والد زوجها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء مجاهيل من جهة الجهالة، والعلماء يقوون هذا الحديث، يقول الإمام البخاري رحمه الله: جود مالك إسناده، يعني: جاء بإسناد قوي، مع أن الرواة مجاهيل، لكن كيف قويناه؟ هناك قرائن:أولاً: مالك مدني، ويعلم برجال ونساء أهل المدينة، ولا يروي إلا عن ثقة. ولدينا قرائن تدفع قاعدة أن رواية المجهول ترد الحديث، وقد تجتمع قرائن متعددة ثم تقوم بكسر القاعدة.ثانياً: كونه عن قريبها ومن أهل بيتها، يعني: ليست امرأة تروي عن رجل بعيد فيه غرابة. ثالثاً: نظافة الأواني من اختصاص النساء، فالنبي عليه الصلاة والسلام سئل عن سؤر الهرة قال: ( إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، والهرة تشرب في الأواني، وهذا الحكم في الغالب ينفرد به النساء؛ لأن الهرة تغشى المرأة في المنزل ونحو ذلك، وتهتم بهذا الأمر، أما الرجل فلا يهتم بغسيل ملابسه أصلاً، فكيف بغسيل الأواني.إذاً انتقاء المرأة وضبطها للحديث ليس بغريب، وانفرادها بهذا الحديث وجيه، بل إنها ينبغي أن تروي الحديث أولى من الرجل.
رتب الحديث الصحيح والضعيف
قال المصنف رحمه الله: [وتتفاوت رتبه بتفاوت هذه الأوصاف. ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ، ثم شرطهما]. ‏
 تقديم صحيح البخاري وصحيح مسلم
قوله: (ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ) نقول: إنما قدم الأئمة البخاري و مسلم لأنه صاحب آلة، واجتمع فيه أمر الحفظ والملكة والسبر ومعرفة الرواة والبلدان والفقه كذلك، فكانا عليهما رحمة الله أشد الأئمة احتياطاً في ضبط المرويات، وكذلك انفراد الواحد منهما كـالبخاري يلي الحديث المتفق عليه، ثم مسلم ، وليس هذا على إطلاقه، وإنما هو الأغلب، ثم شرط البخاري و مسلم .ثم ينبغي أن نتنبه إلى مسألة شرط البخاري و مسلم ، وأن نحتاط في هذه المسألة، نحتاط على ماذا؟ نقول: إن إطلاق شرط البخاري و مسلم على حالين: الحالة الأولى: أن نقول: إن الحديث على شرط البخاري و مسلم ، وهذا أرى أنه مجازفة، فلا تليق بأحد من أهل العصر أن يطلق هذه العبارة، أن يقول: هذا الحديث على شرط البخاري و مسلم ؛ لأن شرط البخاري و مسلم شرط أسانيد وشرط متون، للبخاري شرط في إيراد المتن، كما له شرط في إيراد الراوي والإسناد، وإذا كنت تملك ملكة البخاري في انتقاء المتن فحينئذٍ أطلق هذه العبارة. أما رواة البخاري فموجودون، وترى تراكيبها لك حق أن تقول: هؤلاء الرواة على شرط البخاري أو إسناده على شرط البخاري .الحالة الثانية: الإطلاق أن نقول: إسناده على شرط البخاري و مسلم ، أو على شرط أحدهما، يعني: الإسناد، وهذا سليم، ولكن ليس على إطلاقه أيضاً؛ لارتباط الإسناد بالمتن، فـالبخاري رحمه الله قال: يترك أحاديث أسانيدها على شرطه، لماذا؟ لأن هذا الإسناد لا يحتمل المتن، لا يركب على المتن، فربما حديث إسناده قوي يتحفظ عنه البخاري و مسلم ؛ لأن مثل هذا لا ينقله مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ، وإنما ينقله من دونه، ولهذا لا تكاد تجد الإمام مالك رحمه الله يتكلم عن أحاديث السير والمغازي والفتن، ولا يرويها عن النبي عليه الصلاة والسلام وإن وجد فهو نزر يسير، فإذا جاءك حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر في حديث من الفتن عظيم، وتقول: إنه على شرط البخاري و مسلم ، فهذه مجازفة، وقد يقول قائل: هذا الإسناد؟ نقول: هذا الإسناد، لكن لا يركب على المتن.ولهذا تجد البخاري و مسلم يدع أحاديث كثيرة أسانيدها أخرج مثلها ولكن بمتون أخرى، ولكن إذا قلت: إسناده على شرط البخاري أخليت نفسك من مسئولية المتن؛ لأنه ربما يكون المتن منكراً، وأنت لا تستطيع ولا تملك تلك الآلة.و للبخاري و مسلم نفس في انتقاء المتون وتقديمها على غيرها، ولهذا نجد أن كتاب البخاري وكتاب مسلم مع كونهما أحاديث صحاح إلا أنها تتضمن نفساً دقيقاً من نفس العلل، لا يدركه إلا من تأمل ذلك بدقة.يورد البخاري حديثاً في الباب تعلم أنه يريد بذلك ترجيح هذا الحديث على أحاديث الباب الأخرى المخالفة له في هذه المسألة، وربما يورد البخاري رحمه الله حديثاً موقوفاً على صحابي، ولا يورد في الباب حديثاً مرفوعاً، إشارة إلى علة المرفوعات عنده، ولو كان واحد منها إسناده على شرط البخاري ، وقد ذكر البخاري رحمه الله غير ما حديث في كتابه التاريخ وهو كتاب علل، ظاهر إسنادها على شرطه فغمزها.ولهذا نقول: إن التجوز في إطلاق الحديث إنه على شرط البخاري و مسلم مجازفة؛ لأن ذلك يلزم منه أن يملك الإنسان ملكة المتون والإحاطة بها، وملكة الرواة والإحاطة بها، والإنسان يستطيع أن ينظر الإسناد من أوله إلى آخره، فيقول: هذا الإسناد بهذا الترتيب وهذا الانتظام أخرج به البخاري ، لكن هل أخرج البخاري لمثل هذا بمثل هذا المتن أو لم يخرج؟ لم يخرج.ثم أيضاً: هل هو على شرط البخاري في إيراده لمسائل الدين في كتابه؟ البخاري رحمه الله أراد أن يخرج في كتابه الصحيح مسائل معينة من مسائل الدين، لا كل مسائل الدين، فإذا أقحمت باباً من أبواب الدين على شرطه فذلك من القصور، وهذا باب يحتاج إلى إسهاب وإطالة.
شروط الحديث الحسن لذاته
قال المصنف رحمه الله: [ فإن خف الضبط فالحسن لذاته، وبكثرة طرقه يصحح ].قوله: (فإن خف الضبط فالحسن لذاته) يعني: خف ضبط الراوي، والحسن لذاته هو من المواضع المشكلة، فقد يوجد في الإسناد الواحد راوٍ واحد خفيف الضبط والبقية ثقات، وقد يوجد اثنان، وقد يوجد ثلاثة، وقد يوجد كل الإسناد من خفيفي الضبط، وهذا يتباين، فمنه حسن وحسنه ظاهر، ومنه ما هو حسن دون ذلك، ومنه ما هو قريب من الضعيف، ويطلق عليه الحسن، فهي إذاً تتباين، وهي على مراتب متعددة.
 تقديم صحيح البخاري وصحيح مسلم
قوله: (ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ) نقول: إنما قدم الأئمة البخاري و مسلم لأنه صاحب آلة، واجتمع فيه أمر الحفظ والملكة والسبر ومعرفة الرواة والبلدان والفقه كذلك، فكانا عليهما رحمة الله أشد الأئمة احتياطاً في ضبط المرويات، وكذلك انفراد الواحد منهما كـالبخاري يلي الحديث المتفق عليه، ثم مسلم ، وليس هذا على إطلاقه، وإنما هو الأغلب، ثم شرط البخاري و مسلم .ثم ينبغي أن نتنبه إلى مسألة شرط البخاري و مسلم ، وأن نحتاط في هذه المسألة، نحتاط على ماذا؟ نقول: إن إطلاق شرط البخاري و مسلم على حالين: الحالة الأولى: أن نقول: إن الحديث على شرط البخاري و مسلم ، وهذا أرى أنه مجازفة، فلا تليق بأحد من أهل العصر أن يطلق هذه العبارة، أن يقول: هذا الحديث على شرط البخاري و مسلم ؛ لأن شرط البخاري و مسلم شرط أسانيد وشرط متون، للبخاري شرط في إيراد المتن، كما له شرط في إيراد الراوي والإسناد، وإذا كنت تملك ملكة البخاري في انتقاء المتن فحينئذٍ أطلق هذه العبارة. أما رواة البخاري فموجودون، وترى تراكيبها لك حق أن تقول: هؤلاء الرواة على شرط البخاري أو إسناده على شرط البخاري .الحالة الثانية: الإطلاق أن نقول: إسناده على شرط البخاري و مسلم ، أو على شرط أحدهما، يعني: الإسناد، وهذا سليم، ولكن ليس على إطلاقه أيضاً؛ لارتباط الإسناد بالمتن، فـالبخاري رحمه الله قال: يترك أحاديث أسانيدها على شرطه، لماذا؟ لأن هذا الإسناد لا يحتمل المتن، لا يركب على المتن، فربما حديث إسناده قوي يتحفظ عنه البخاري و مسلم ؛ لأن مثل هذا لا ينقله مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ، وإنما ينقله من دونه، ولهذا لا تكاد تجد الإمام مالك رحمه الله يتكلم عن أحاديث السير والمغازي والفتن، ولا يرويها عن النبي عليه الصلاة والسلام وإن وجد فهو نزر يسير، فإذا جاءك حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر في حديث من الفتن عظيم، وتقول: إنه على شرط البخاري و مسلم ، فهذه مجازفة، وقد يقول قائل: هذا الإسناد؟ نقول: هذا الإسناد، لكن لا يركب على المتن.ولهذا تجد البخاري و مسلم يدع أحاديث كثيرة أسانيدها أخرج مثلها ولكن بمتون أخرى، ولكن إذا قلت: إسناده على شرط البخاري أخليت نفسك من مسئولية المتن؛ لأنه ربما يكون المتن منكراً، وأنت لا تستطيع ولا تملك تلك الآلة.و للبخاري و مسلم نفس في انتقاء المتون وتقديمها على غيرها، ولهذا نجد أن كتاب البخاري وكتاب مسلم مع كونهما أحاديث صحاح إلا أنها تتضمن نفساً دقيقاً من نفس العلل، لا يدركه إلا من تأمل ذلك بدقة.يورد البخاري حديثاً في الباب تعلم أنه يريد بذلك ترجيح هذا الحديث على أحاديث الباب الأخرى المخالفة له في هذه المسألة، وربما يورد البخاري رحمه الله حديثاً موقوفاً على صحابي، ولا يورد في الباب حديثاً مرفوعاً، إشارة إلى علة المرفوعات عنده، ولو كان واحد منها إسناده على شرط البخاري ، وقد ذكر البخاري رحمه الله غير ما حديث في كتابه التاريخ وهو كتاب علل، ظاهر إسنادها على شرطه فغمزها.ولهذا نقول: إن التجوز في إطلاق الحديث إنه على شرط البخاري و مسلم مجازفة؛ لأن ذلك يلزم منه أن يملك الإنسان ملكة المتون والإحاطة بها، وملكة الرواة والإحاطة بها، والإنسان يستطيع أن ينظر الإسناد من أوله إلى آخره، فيقول: هذا الإسناد بهذا الترتيب وهذا الانتظام أخرج به البخاري ، لكن هل أخرج البخاري لمثل هذا بمثل هذا المتن أو لم يخرج؟ لم يخرج.ثم أيضاً: هل هو على شرط البخاري في إيراده لمسائل الدين في كتابه؟ البخاري رحمه الله أراد أن يخرج في كتابه الصحيح مسائل معينة من مسائل الدين، لا كل مسائل الدين، فإذا أقحمت باباً من أبواب الدين على شرطه فذلك من القصور، وهذا باب يحتاج إلى إسهاب وإطالة.
المراد عند الجمع بين الصحيح والحسن في لفظ
قال المصنف رحمه الله: [ فإن جمعا فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين].قوله: (فإن جمعا) يعني: في حكم على حديث، ولعله يشير إلى الترمذي رحمه الله في حكمه على حديث حسن صحيح، وقد تكلمنا على ألفاظ الترمذي في إطلاقه: حسن صحيح، وصحيح وحسن، وغريب، وغير ذلك في كتاب صفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام، وفي ثنايا الكتاب تكلمنا عن ذلك بسبرها، ثم الحكم على كل لفظ ومراد الترمذي منه، فيرجع إليه في موضعه أشمل وأتم.
 تقديم صحيح البخاري وصحيح مسلم
قوله: (ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ) نقول: إنما قدم الأئمة البخاري و مسلم لأنه صاحب آلة، واجتمع فيه أمر الحفظ والملكة والسبر ومعرفة الرواة والبلدان والفقه كذلك، فكانا عليهما رحمة الله أشد الأئمة احتياطاً في ضبط المرويات، وكذلك انفراد الواحد منهما كـالبخاري يلي الحديث المتفق عليه، ثم مسلم ، وليس هذا على إطلاقه، وإنما هو الأغلب، ثم شرط البخاري و مسلم .ثم ينبغي أن نتنبه إلى مسألة شرط البخاري و مسلم ، وأن نحتاط في هذه المسألة، نحتاط على ماذا؟ نقول: إن إطلاق شرط البخاري و مسلم على حالين: الحالة الأولى: أن نقول: إن الحديث على شرط البخاري و مسلم ، وهذا أرى أنه مجازفة، فلا تليق بأحد من أهل العصر أن يطلق هذه العبارة، أن يقول: هذا الحديث على شرط البخاري و مسلم ؛ لأن شرط البخاري و مسلم شرط أسانيد وشرط متون، للبخاري شرط في إيراد المتن، كما له شرط في إيراد الراوي والإسناد، وإذا كنت تملك ملكة البخاري في انتقاء المتن فحينئذٍ أطلق هذه العبارة. أما رواة البخاري فموجودون، وترى تراكيبها لك حق أن تقول: هؤلاء الرواة على شرط البخاري أو إسناده على شرط البخاري .الحالة الثانية: الإطلاق أن نقول: إسناده على شرط البخاري و مسلم ، أو على شرط أحدهما، يعني: الإسناد، وهذا سليم، ولكن ليس على إطلاقه أيضاً؛ لارتباط الإسناد بالمتن، فـالبخاري رحمه الله قال: يترك أحاديث أسانيدها على شرطه، لماذا؟ لأن هذا الإسناد لا يحتمل المتن، لا يركب على المتن، فربما حديث إسناده قوي يتحفظ عنه البخاري و مسلم ؛ لأن مثل هذا لا ينقله مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ، وإنما ينقله من دونه، ولهذا لا تكاد تجد الإمام مالك رحمه الله يتكلم عن أحاديث السير والمغازي والفتن، ولا يرويها عن النبي عليه الصلاة والسلام وإن وجد فهو نزر يسير، فإذا جاءك حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر في حديث من الفتن عظيم، وتقول: إنه على شرط البخاري و مسلم ، فهذه مجازفة، وقد يقول قائل: هذا الإسناد؟ نقول: هذا الإسناد، لكن لا يركب على المتن.ولهذا تجد البخاري و مسلم يدع أحاديث كثيرة أسانيدها أخرج مثلها ولكن بمتون أخرى، ولكن إذا قلت: إسناده على شرط البخاري أخليت نفسك من مسئولية المتن؛ لأنه ربما يكون المتن منكراً، وأنت لا تستطيع ولا تملك تلك الآلة.و للبخاري و مسلم نفس في انتقاء المتون وتقديمها على غيرها، ولهذا نجد أن كتاب البخاري وكتاب مسلم مع كونهما أحاديث صحاح إلا أنها تتضمن نفساً دقيقاً من نفس العلل، لا يدركه إلا من تأمل ذلك بدقة.يورد البخاري حديثاً في الباب تعلم أنه يريد بذلك ترجيح هذا الحديث على أحاديث الباب الأخرى المخالفة له في هذه المسألة، وربما يورد البخاري رحمه الله حديثاً موقوفاً على صحابي، ولا يورد في الباب حديثاً مرفوعاً، إشارة إلى علة المرفوعات عنده، ولو كان واحد منها إسناده على شرط البخاري ، وقد ذكر البخاري رحمه الله غير ما حديث في كتابه التاريخ وهو كتاب علل، ظاهر إسنادها على شرطه فغمزها.ولهذا نقول: إن التجوز في إطلاق الحديث إنه على شرط البخاري و مسلم مجازفة؛ لأن ذلك يلزم منه أن يملك الإنسان ملكة المتون والإحاطة بها، وملكة الرواة والإحاطة بها، والإنسان يستطيع أن ينظر الإسناد من أوله إلى آخره، فيقول: هذا الإسناد بهذا الترتيب وهذا الانتظام أخرج به البخاري ، لكن هل أخرج البخاري لمثل هذا بمثل هذا المتن أو لم يخرج؟ لم يخرج.ثم أيضاً: هل هو على شرط البخاري في إيراده لمسائل الدين في كتابه؟ البخاري رحمه الله أراد أن يخرج في كتابه الصحيح مسائل معينة من مسائل الدين، لا كل مسائل الدين، فإذا أقحمت باباً من أبواب الدين على شرطه فذلك من القصور، وهذا باب يحتاج إلى إسهاب وإطالة.
مسائل في زيادة الثقة
قال المصنف رحمه الله: [ وزيادة راويهما مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق، فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ، ومقابله الشاذ، ومع الضعف الراجح المعروف، ومقابله المنكر].يعني: إذا كان الراوي العدل سواءً كان عدالة تامة أو دون ذلك فزيادته مقبولة، وهذا هو الأصل. ‏
 مخالفة الثقة في روايته
قوله: (فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ ومقابله الشاذ) يعني: إذا تعارضت الروايات، أو تعارض الحديث ورجحنا أحد الوجهين، فنقول: هذا هو المحفوظ، أي: هذا الذي ضبط، وضده في ذلك الشاذ، أو يسميه بعض العلماء المنكر. والمعنى: أن الحديث إذا ورد اختلاف في بعض ألفاظه، وكان الحديث صحيحاً، ورجحنا أحد ألفاظه، فإن الراجح في ذلك هو المحفوظ، أي: هو المضبوط على وجهه. ويخالفه في ذلك الشاذ، وسمي الشاذ شاذاً لخروجه عن نسق الجماعة.وقوله: (ومع الضعف الراجح المعروف ومقابله المنكر) إذا كان الحديث أصلاً ضعيفاً، وورد فيه اختلاف، فرجحنا لفظاً على غيره، فنقول: إن الراجح في ذلك المعروف، يعني: هذا الذي يعرف، ولا يعني أنه محفوظ إلى منتهى السند، وينسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام.وما يخالفه المنكر، ومعنى كلمة المنكر في لغة العرب: ما لا يعرفه الإنسان، ولا يعني من ذلك الرد.وعدم معرفتك للشيء أنه لم يمر عليك، هذه يستعملها العلماء الحفاظ الذين لديهم ملكة بكثرة الحفظ، فإذا مر عليهم حديث لا يعرفونه يقولون: هذا حديث منكر، يعني: ما مر علينا، ويقول الله سبحانه وتعالى عن يوسف لما دخل عليه إخوته: فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [يوسف:58]، معروف ومنكر، فالمنكر إنكار معرفة يوسف لهم حقيقية، لكن إنكارهم له هل ينفي أن هذا يوسف؟ لا ينفي، ولكن يوسف عليه السلام عرفهم؛ لأنه كان صغيراً وهم كباراً، فلم تتغير صورهم عنه، وهو صغير، ثم كبر فتغيرت صورته عنهم فأنكروه: فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [يوسف:58].ولهذا الأئمة يصفون الحديث الذي لا يعرفونه من باب احترام مقام الحديث وربما يكون صحيحاً، يقولون: هذا حديث منكر، يعني: لا نعرفه، وهذا يعطيك أن الأئمة إذا حكموا على حديث بالنكارة، وكان الإمام محيطاً بالحفظ، أن غلبة الظن أنه لا يفوته شيء إلا وهو ضعيف، وهذا من غلبة الظن، ولهذا إذا وجدنا مثل هذه العبارات في كلام الأئمة على راوٍ منكر أنهم يريدون به هذا، وإذا قالوا على راو: يروي المنكرات أو له منكرات، يعني: يأتي بأحاديث لا نعرفها، وقد يكون هذا الراوي من أهل الإحاطة وكثرة التنقل والرواية، فيسمع من فلان، ويروي عن فلان، وانتقل إلى عدة بلدان، فهذا يحمل منه أن يأتي بأشياء لا نعلمها عنه، لماذا؟ لأنه صاحب رواية وشيوخ وسماعات كثيرة جداً، ولهذا إذا قيل في راو: (يروي المنكرات) انظر في شيوخه، وكلام العلماء عنه، فإذا كان كثير التنقل ونحو ذلك نقبل منه التفردات ولو كانت كثيرة، ولهذا ابن شهاب الزهري تفرد بسبعين سنة أو أكثر عن النبي عليه الصلاة والسلام لم يروها أحد غيره، لماذا؟ لأن ابن شهاب الزهري من أهل الكثرة في الرواية، وكثرة السماع والشيوخ، فمثله يحتمل منه التفرد، لكن شخص لم يتجاوز بلده، ولم يخرج عنها، وليس لديه إلا شيخان أو ثلاثة، ثم يأتي بمرويات لا يعرفها الثقات، هل يقبل منه التفرد؟ لا يقبل منه التفرد. ولهذا نقول: إن حكم الأئمة على راو من الرواة بأنه منكر أنه يجعل طالب العلم يتوقف في ذلك، وينظر في أسباب هذه النكارة.
المتابعات والشواهد للحديث
قال المصنف رحمه الله: [والفرد النسبي إن وافقه غيره فهو المتابع، وإن وجد متن يشبهه فهو الشاهد، وتتبع الطرق لذلك هو الاعتبار].تقدم معنا الكلام على الفرد النسبي والمطلق، وأن التفرد النسبي إذا كان بنسبة في طبقة معينة ثم توبع الراوي على طبقته هذه فأصبح متابعاً. ‏
 شواهد الحديث
قوله: (وإن وجد متن يشبهه فهو الشاهد) الشاهد هو ما يعضد الشخص، ولهذا يسمى الشاهد شاهداً لأنه يصدق غيره، فكان شاهداً، فهو مثبت لحقيقة جاءت قبله، لا منشئاً لها، فإنشاؤها جاء من غيره، وهو جاء على سبيل التأكيد، ولهذا يطلق لبعض الحقائق والعقود شاهدان، حتى يثبتا شيئاً نشأ قبلهما، فهم لا ينشئان الحقيقة، وإنما يثبتانها، فما جاء مما يوافقه من جهة المعنى، وقاربه في اللفظ فهو الشاهد.والشواهد متعددة، منها شواهد القرآن وشواهد السنة، وشواهد الآثار، وشواهد الأعمال، وشواهد الإجماعات المروية في هذا مما يعضد ويقوي الخبر.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net