اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [1] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم على هذه الأمة نعمة منه وفضلاً, وجعل فيه الأحكام الظاهرة فيما يصلح شأن العباد في دينهم ودنياهم, فإذا تمسكت به الأمة نجت, وسددت وألهمت الرشاد, وإن حادت عنه فبقدر حيدتها عنه يكون اختلال نظامها, ويحق عليها غضب الله سبحانه وتعالى.
فضل الله على الأمة بإنزال كتابه عليها
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فالله سبحانه وتعالى قد أكرم هذه الأمة وأنعم عليها بهذا الكتاب العظيم, وقد فصل الله عز وجل فيه الآيات, وجعل فيه الأحكام الظاهرة فيما يصلح شأن العباد في دينهم ودنياهم, من تمسك به نجا, وقد سماه الله جل وعلا حبله المتين, قال الله سبحانه وتعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103], فسر ذلك غير واحد من السلف, وسمى الله جل وعلا كتابه (الفضل) على هذه الأمة, والتكرم من الله سبحانه وتعالى, وجاء معنى ذلك في قول الله جل وعلا: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس:58], حيث قالوا: إن المراد بفضل الله عز وجل القرآن, ورحمته الإسلام, وهذا جاء تفسيره عن غير واحد كما رواه ابن جرير الطبري في التفسير, من حديث مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عباس , وجاء ذلك عن مجاهد , وجاء أيضاً عن قتادة وغيرهم من المفسرين, فالله سبحانه وتعالى قد أكرم هذه الأمة بهذا الكتاب, وجعل فيه حكمه بيناً ظاهراً؛ وروى الترمذي من حديث الحارث عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الله: ( فيه نبأ من قبلكم, وخبر من بعدكم, وحكم ما بينكم, هو الجد ليس بالهزل, من تمسك به نجا, من تركه من جبار قصمه الله ), فهذا الكتاب إذا تمسكت به الأمة نجت, وسددت وألهمت الرشاد, وإن حادت عنه فبقدر حيدتها عنه يكون اختلال نظامها, ويحق عليها غضب الله سبحانه وتعالى.
 

التحذير من الميل عن حكم الله لشهوة ونحوها
والله جل وعلا قد جعل أمور الناس منها ما هو ظاهر ومنها ما هو باطن, فما كان من الأمور الباطنة من عقائد الناس في الله جل وعلا وفي غيره, فهذا من الأمور الباطنة التي مردها إلى الله جل وعلا ومآلها إليه, وأما ما كان من الأمور الظاهرة من أعمال الجوارح, فإن الحكم في ذلك يكون لله جل وعلا ولعباده؛ ولهذا أمر الله جل وعلا أنبياءه أن يحكموا بين الناس بما أنزل الله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49], وحذر الله عز وجل من ضد ذلك: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [الشورى:15], وهذا الخطاب إذا توجه لنبي فإنه من باب أولى يتوجه إلى غيره, فقد حذر الله عز وجل أنبياءه من أن يخالفوا أمره سبحانه وتعالى, فأمرهم بالحكم بما أنزل الله, وهو كلام الله جل وعلا, وحذرهم من الأهواء, وهذا التحذير يفهم منه أن الله عز وجل ما حذر أنبياءه من أهوائهم إلا لقوة الشبهة فيها, وهذه الشبهة التي ترد على أذهان بعض الأنبياء لولا تثبيت الله عز وجل لهم ربما أخذوها بحسن قصد, ولكن الله عز وجل حذرهم من ذلك جملة وتفصيلاً, وإذا توجه هذا الخطاب إلى أنبياء الله عز وجل فإنه يتوجه إلى أولياء الله والحكام في الأرض أن يأخذوا بما أمر الله عز وجل به, وأن يجتنبوا الأهواء, سواء كانت أهواء الأنفس أو كانت أهواء الغير, وسواء كان ذلك بحسن قصد أو بسوء قصد, ما كان بحسن قصد من أهل الإيمان مما يبدر منهم من رأي ونحو ذلك, وما كان بسوء قصد كأن يكون ذلك من خصوم الإسلام من الكفار والمنافقين والفساق وأهل الأهواء وغير ذلك.فحذر الله عز وجل من اتباع الأهواء جملة, وحذر نبيه عليه الصلاة والسلام وخاطبه بخطاب تحذير في قوله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1], وهذا تحذير من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم من أن يلتفت إلى شيء من أقوال الكفرة والمنافقين, وحينما يتوجه الخطاب إلى عال فإنه يدخل تحته من باب أولى من كان دونه؛ ولهذا يظهر في القرآن أن الله سبحانه وتعالى يخص نبيه بخطاب هام؛ ليدخل فيه من تحته ممن يظن ألا يدخل في خطاب العامة من الجبابرة والكبراء ونحو ذلك؛ ولهذا نجد أن ما خص الله عز وجل به النبي صلى الله عليه وسلم هو من الأمور العظيمة, حتى يدفع الظن أن الخطاب لا يتوجه إلى الكبراء والعظماء في الأرض.
 

المواضيع التي عليها مدار القرآن
وكلام الله سبحانه وتعالى القرآن إذا أردنا أن ننظر في معناه, وأن نتأمل فيما جعله الله عز وجل فيه من حكم وأحكام؛ نجد أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ‏
 الموضوع الثالث: الحلال والحرام
القسم الثالث من أقسام معاني القرآن: الحلال والحرام مما أمر الله عز وجل بالعمل به أو نهى عنه, ومما يتعلق بأمور الحلال والحرام: ما يدخل في أبواب الأحكام التكليفية من الواجب والمندوب, والمحرم والمكروه, وكذلك ما كان الأصل فيه الإباحة, ويدخل في هذا الباب جميع ما يثاب عليه الإنسان ويعاقب مما خرج من الأمور السابقة, ويدخل في هذا الباب ما يتعلق بأمور الآداب والسلوك, باعتبار أنها من المستحبات, ولهذا ترجم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه على القرآن؛ كما جاء في حديث عائشة في الصحيح.
مقدمة في الحديث عن آيات الأحكام
ونحن في هذا المجلس إنما نريد الكلام على القسم الثالث؛ وهو ما يتعلق بتفسير آيات الأحكام من كلام الله سبحانه وتعالى. ‏
 الحكمة من بيان الله الأحكام دون الحِكَم
والله سبحانه وتعالى يبين الأحكام في كتابه العظيم في كثير من الأحيان ولا يبين العلل من ورود الحكم, وذلك أن بيان الحكم في كلامه جل وعلا أظهر وأسهل من بيان العلة في عقل الإنسان، لا من جهة سهولة بيانها فكل شيء سهل لله سبحانه وتعالى, والمراد من هذا أن الله عز وجل يأمر عباده بشيء ثم لا يبين علته؛ لأن العلة لا يمكن أن تتضح إلا بتمام سبر للإنسان منذ بدء الخليقة إلى أن يبعث الله عز وجل البشرية يوم القيامة, وأما من نظر إلى يوم وحكم وحده جعله الله على فرد ثم أراد أن يبين فساد حكم أو صحته في كلام الله فهذا من قصور العقل وضعف الإدراك؛ وذلك أن الأحكام العامة لا تبطل بنظرة الأفراد فضلاً عن قضايا أعيان تنزل في البشر؛ ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى لا يبين الأحكام, ولا يبين في الناس بعض الحكم لأن العقل لا يدرك, كما أن البصر لا يدرك لو حد, فإذا جاءه ضوء شديد بهره؛ لهذا منع الله عز وجل موسى من رؤيته؛ فـ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143], يعني: أنت في خلقتك هذه لا تستطيع أن تراني, كذلك في عقل الإنسان لا يستطيع أن يرى أو أن يدرك كثيراً من أحكام الله سبحانه وتعالى، وحاله كحال الإناء إذا أردت أن تفيض فيه البحر لا يستطيع أن يحويه بل لو أفضت عليه بحراً لضاع في هذا البحر, كذلك حال علم الإنسان إذا أراد أن يعرف علة الشيء من أمر الله سبحانه وتعالى وأراد الجواب عليها, لو بينها الله له لأفاض له من الحكم شيئاً كثيراً فضاع وأصيب بحيرة؛ لهذا يبين الله عز وجل للإنسان حكماً ثم يمسك عن بيان العلة؛ لأن العلة لا يدركها الإنسان.
منهجية الشيخ في تفسير آيات الأحكام
وما اعتمدنا عليه في النظر في آيات الأحكام من كلام الله هو اعتماد على الله عز وجل, وهو اعتماد فردي على النظر في آيات الأحكام, وقد نظرت في القرآن تأملاً وتدبراً لاستخراج آيات الأحكام, وقد خلص لي من آيات الأحكام سبعمائة وأربعون آية من آي القرآن, منها ما الدلالة فيها صريحة على حكم من الأحكام, ومنها ما الدلالة بغلبة ظن, ومنها ما هو ظن, وهذا نأخذه استئناساً للحجج البينة الظاهرة لترجيح شيء, ويكفي أن ما يأخذه الإنسان ظناً فيما يفهمه من كلام الله أولى من الأقيسة العقلية والنظر البشري المتجرد؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يعتمد على كلام الله سبحانه وتعالى في بيان الأحكام أولاً, وأن يعتمد أيضاً على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.ويلحظ التقصير في كثير من المتعلمين وطلاب العلم في العناية بآيات الأحكام وفهمها وإدراكها, ويظهر القصور في الإكثار من الأدلة من السنة, مع أن الدليل في كلام الله ظاهر, وهذا من أوجه القصور؛ ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يفهم مسألة أن يترقى في معرفة قوة الأدلة, وأن ينظر في أدلتها من كلام الله, ثم من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم ما يليه بعد ذلك من أدلة عقلية ونقلية, فيأخذ أعلاها صحة ويرقى في ذلك كما كان يفعل أهل العلم وأهل التحقيق، ولهذا في الآيات التي نذكرها لا نعتمد على كتاب معين ولا على كلام أحد من الأئمة عليهم رحمة الله تعالى, وإنما هو نظر مجرد, فإن أصبنا فمن الله عز وجل وتسديده وعونه, وإن أخطأنا فمن أنفسنا والشيطان, ونسأل الله عز وجل المغفرة والتوبة.نكتفي بهذا القدر.أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم لمرضاته, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
 الحكمة من بيان الله الأحكام دون الحِكَم
والله سبحانه وتعالى يبين الأحكام في كتابه العظيم في كثير من الأحيان ولا يبين العلل من ورود الحكم, وذلك أن بيان الحكم في كلامه جل وعلا أظهر وأسهل من بيان العلة في عقل الإنسان، لا من جهة سهولة بيانها فكل شيء سهل لله سبحانه وتعالى, والمراد من هذا أن الله عز وجل يأمر عباده بشيء ثم لا يبين علته؛ لأن العلة لا يمكن أن تتضح إلا بتمام سبر للإنسان منذ بدء الخليقة إلى أن يبعث الله عز وجل البشرية يوم القيامة, وأما من نظر إلى يوم وحكم وحده جعله الله على فرد ثم أراد أن يبين فساد حكم أو صحته في كلام الله فهذا من قصور العقل وضعف الإدراك؛ وذلك أن الأحكام العامة لا تبطل بنظرة الأفراد فضلاً عن قضايا أعيان تنزل في البشر؛ ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى لا يبين الأحكام, ولا يبين في الناس بعض الحكم لأن العقل لا يدرك, كما أن البصر لا يدرك لو حد, فإذا جاءه ضوء شديد بهره؛ لهذا منع الله عز وجل موسى من رؤيته؛ فـ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143], يعني: أنت في خلقتك هذه لا تستطيع أن تراني, كذلك في عقل الإنسان لا يستطيع أن يرى أو أن يدرك كثيراً من أحكام الله سبحانه وتعالى، وحاله كحال الإناء إذا أردت أن تفيض فيه البحر لا يستطيع أن يحويه بل لو أفضت عليه بحراً لضاع في هذا البحر, كذلك حال علم الإنسان إذا أراد أن يعرف علة الشيء من أمر الله سبحانه وتعالى وأراد الجواب عليها, لو بينها الله له لأفاض له من الحكم شيئاً كثيراً فضاع وأصيب بحيرة؛ لهذا يبين الله عز وجل للإنسان حكماً ثم يمسك عن بيان العلة؛ لأن العلة لا يدركها الإنسان.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net