اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رمضان فضائل وأحكام للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


رمضان فضائل وأحكام - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
من رحمة الله بعباده أن شرع لهم عبادات متنوعة؛ حتى تتناسب مع أحوالهم وميولهم، ومن تلك العبادات: صيام رمضان الذي يأتي في العام مرة واحدة، وهذه العبادة لها شروط وأحكام ومستحبات.
تنوع العبادات في الشريعة الإسلامية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:فالله سبحانه وتعالى شرع شرائع وفرض فرائض وحد حدوداً، وبين هذه الفرائض وهذه الشرائع وهذه الحدود للأمة وفصلها في كتابه وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ودلل عليها وبينها وأحكمها وجلاها وأوضحها حتى تقوم الحجة على الناس كافة.ومن هذه الشرائع والفرائض التي شرعها الله سبحانه وتعالى للناس: أركان الإسلام الخمسة، ومن هذه الأركان: الصيام، إذ جعله الله سبحانه وتعالى ركناً رابعاً من أركان الإسلام كما جاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً )، فهذه هي أركان الإسلام، والأركان: هي الدعائم التي يبنى عليها أو يقوم عليها بناء الإسلام، وذلك أنها إذا زالت هذه الأركان مجتمعة لا قيمة لهذا البناء. ‏
 التنوع في عبادة الصيام
ونجد أن الصيام الذي شرعه الله سبحانه وتعالى شرعه متعدداً ومتنوعاً وليس على زمن معين، فجعله الله سبحانه وتعالى على مراتب: منها ما هو حولي وهو صيام شهر رمضان، منها ما هو أيام حولية كصيام عرفة وكصيام يوم عاشوراء، ومنها ما هو أسبوعي كصيام الاثنين والخميس، ومنها ما هو شهري كصيام ثلاثة أيام من كل شهر، أو الأيام البيض، ومنها ما هو يوم وراء يوم كصيام داود: أن يصوم يوماً وأن يفطر يوماً، ومنها أن يصوم الإنسان شهراً بعينه من غير استيعاب له بكامله كصيام شهر الله المحرم وصيام شعبان؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكثر من صيامهما.ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى نوع هذه العبادة حتى تتناسب مع الإنسان، فربما يكون الإنسان مسافراً في هذا الشهر أو مريضاً فتفوته، فلا يستدرك العبادة إلا في العام القادم في تلك المناسبة، فجعل الله عز وجل هذه الشريعة تبقى مع الإنسان على سبيل الدوام، إن فاته هذا الفضل في هذا اليوم فثمة يوم يليه، وإن فاتته المناسبة الأسبوعية أو الشهرية فإن هناك ما يليها، فكان فضلاً من الله سبحانه وتعالى ومنة على العباد أن يستكثروا من أعمال الطاعات، وذلك رحمةً بالعباد ولطفاً بهم.والله سبحانه وتعالى يمتن على عباده كثيراً في أمور التشريع فيقول: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة:53] ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:52] ، يعني: أمثال هذا التنوع من العبادات هو الذي يقرب العباد إلى الله سبحانه وتعالى حتى يستكثروا من الطاعات رحمةً منه، فلو كانت العبادة نوعاً واحداً أو زمناً واحداً أو مناسبةً واحدة، أو على صفة وحال واحدة، فإن الإنسان يفوته من الخير الكثير الذي لا يمكن له أن يستدرك ذلك، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى وسعة فضله.
فرضية صيام رمضان
ونحن سنتكلم على ما يتعلق بأحكام الصيام:أحكام الصيام منها ما يتعلق برمضان ومنها ما يتعلق بغيره، ونتكلم فيما يتعلق برمضان وهذه المناسبة وقربها ودنوها، وكذلك لجلالة فضلها باعتبار أنها ركن من أركان الإسلام، وقد بين الله سبحانه وتعالى فضلها ومزيتها وأثرها أيضاً على الإنسان. ‏
 منة الله على هذه الأمة بصيام رمضان
لقد فرض الله سبحانه وتعالى الصيام على هذه الأمة، وأكرمها وامتن عليها بفرضيته، يقول الله سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] ، فامتن الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بأن شرع لها الصيام كما شرعه على الأمم السابقة، ولكن صيام رمضان هذا من خصائص هذه الأمة، فذكر الله عز وجل أن أصل شريعة الصيام موجودة، أما رمضان فهو خاص بهذه الأمة؛ ولهذا الله عز وجل يقول: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185] ، فخص هذه الأمة بهذا الصيام، قال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] ، فجعل الله سبحانه وتعالى اشتراك العبادة في الأمة مع الأمم السابقة هو في أصل وجنس العبادة لا في وصفها وكذلك عددها ومناسباتها، هذا في ظاهر السياق؛ ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى امتن على الأمة بتنوع عبادات وأوصافها، وامتن عليها بصيام رمضان.
من فضائل رمضان
ومن فضائل رمضان: أن الله سبحانه وتعالى جعله ركناً من أركان الإسلام، وذلك أنه بمقدار أهمية العمل تكون قيمته في الشريعة، فإذا تأكد الأمر على شيء فالثواب عليه عظيم؛ ولهذا تجد حتى في السنة الكونية أن الإنسان كلما قام بعمل أعظم، فإن الأجر والثواب عليه أعظم من غيره، وهذا يجده الإنسان؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى كلما أكد أمراً وأجراً أو عملاً عظيماً، فإنه يجعل له ثواباً عظيماً عنده في مقدار الوجوب؛ ولهذا الواجبات أعظم أجراً من المستحبات. ولهذا إذا تزاحم على الإنسان فريضة ونافلة فلا يفوت الفريضة لأجل النافلة ولو كانت النافلة أكثر عدداً، فمن الناس من يقول: إذا قمت الليل لم يتبق من وقت صلاة الصبح إلا وقت يسير، ولو قمت الليل لربما نمت بينهما ولم أقم وذلك لتعب ونحو ذلك، فهل نقول له: قم الليل كله باعتبار أنه إحدى عشر ركعة، وفوت صلاة الفجر وهي ركعتان؟ نقول: لا، إن صلاة الفجر وهي ركعتان هي خير من جميع النوافل؛ لأن تلك مستحبة وهذه واجبة، ولهذا كلما كان الشيء واجباً فإن ثوابه عند الله سبحانه وتعالى أعظم من غيره.ونأخذ من ذلك جملة من اللوازم: منها: أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل كما جاء في حديث أبي قتادة عن صيام يوم عرفة، فقال: ( يكفر السنة الماضية والسنة الباقية ) ، وسئل عن صيام يوم عاشوراء، قال: ( يكفر سنة ) ، إذا كان يوم عرفة يكفر سنتين ويوم عاشوراء يكفر سنة واحدة وهما نافلة وليسا بواجبين، فهذا يدل على أن رمضان أعظم تكفيراً من ذلك بأضعاف؛ وذلك لأنه أكثر عدداً وأعظم تأكيداً من جهة الشريعة، وهذا من فضله؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم جعل التكفير غير مؤقت بزمن ولا بعدد، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )، فما قال: ذنوب حول ولا حولين ولا سنة ماضية وباقية، وإنما قال: ما تقدم من عمر الإنسان: عشر عشرين ثلاثين سنة بحسب حال الإنسان، ولكن شريطة أن يكون ذلك إيماناً واحتساباً.ومعنى (إيماناً) أن يكون خالصاً لله سبحانه وتعالى، و(احتساباً) أي: راغباً فيما عند الله، لا أن يصوم مواكبةً أو عادةً لكون الناس يصومون ثم يمسك معهم، وهمه من ذلك أن يجتمع مع الناس في سحره وفطره، وما عدا ذلك لا يتذكر من صيامه واحتسابه من ذلك شيئاً، حينئذٍ يضعف الاحتساب ويضعف أثر الطاعة. ولهذا نقول: إن عظم العبادة عند الله سبحانه وتعالى بعظم عمل القلب، فعمل القلب هو الذي يعظم العبادات، فإذا أخلص الإنسان لله سبحانه وتعالى في صيامه فأقبل على الله جل وعلا أثابه الله سبحانه وتعالى على ذلك أعظم من غيره؛ ولهذا تجد الناس يشتركون في عبادة من العبادات هي في ظاهرها واحدة، هذا ترفعه عبادته إلى أعلى عليين وهذا تضعه عبادته -مع أنها عبادة- في أسفل سافلين؛ لأن هذا فعلها بإخلاص وصدق وإقبال على الله، وهذا فعلها برياء وسمعة وشرك، من أجل فلان أو أحب حمد الناس أو غير ذلك فضعفت، ومن الناس من تراهم في الصلاة مثلاً في صف واحد، لكن هذا تقبل له صلاة كاملة، وهذا الربع، وهذا الثلث، وهذا النصف، وهذا الخمس، وهذا العشر بحسب حال إقبال الإنسان، فلا يستوي الناس، وهذا الأمر الذي نعرف به بركة الأعمال الصالحة.وبركة الأعمال الصالحة ليست بكثرتها، وإنما بقوتها نوعاً، وبهذا يمتاز المتعبدون لله سبحانه وتعالى بما شرع الله بالأحب إلى الله سبحانه وتعالى من الأعمال، فيعرف ما يحب الله، ويعرف أيضاً ما يعظم الله سبحانه وتعالى به الأجر للإنسان، فيقبل على الله حتى يكون ثوابه في ذلك عظيماً.وهذا سر ما تجد كثيراً من الناس لديه نوع من العبادة الكثيرة، ولكن بركتها عليه قليلة؛ باعتبار أن هذه الكثرة قابلها قلة قلبية وضعف قلبي فأنزل أثرها عليه، وهذا عبادته في ذلك قليلة، ولكنه صاحب إقبال، فهو ممتلئ من جهة الصدق مع الله عز وجل، وهذه العبادة القليلة ترفعه في ذلك ويكون ميزانها عند الله سبحانه وتعالى عظيماً؛ ولهذا العبادات ليست بالظواهر، كما أن الماديات ليست بالظواهر، قد تأتينا بحجارة عظيمة جداً لكنها جوفاء، فما فيها فارغ فوزنها في ذلك خفيف، كذلك أيضاً قد تأتيني بما دونها، ولكنها ممتلئة حينئذ فيكون ثوابها عظيماً، كذلك العبادة إذا امتلأ قلب الإنسان بالتعظيم لله جل وعلا والتقرب إليه إيماناً واحتساباً كان ثواب العمل اليسير عند الله عز وجل عظيماً، وإذا أتى بعبادة عظيمة في ظاهرها لكنها جوفاء في داخلها خاوية، فإن أثرها على الإنسان يكون يسيراً.لهذا يجب على الإنسان أن يحتاط للعبادة مما يضعف قيمتها ووزنها؛ وذلك من خلو القلب من الإيمان والصدق والاحتساب لله سبحانه وتعالى، كذلك أن يجتنب المحرمات التي تقاوم تلك الطاعة وتضعفها، فالصيام أمر الله عز وجل الإنسان بأن يجتنب أثناءه المفطرات، ويجتنب أيضاً المحرمات الأخرى.قد يقول قائل: هي محرمة في غير رمضان، نعم؛ محرمة في غير رمضان، لكن أنت في عبادة عظيمة يجب أن تحافظ عليها حتى تخرج من رمضان وثقلها عظيم؛ لهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح: ( من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه ) ، يعني: الإنسان يقع في الغيبة في النميمة في الكذب في شهادة الزور وهو صائم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه ) ، يعني: ليس ثمة حاجة أن تترك الصيام حالك كحال المفطرين، عبادتك في ذلك جوفاء فارغة كحال البالونة: ضخامة ولكنها ليس لها وزن، وحينما تأتي بحجارة يسيرة تضعها تكون أثقل منها.لهذا نقول: ينبغي ألا ينخدع الإنسان بما يؤديه من عبادة ظاهرة إذا كان قلبه في ذلك فارغاً، فإن هذا يفرغ العبادة، فلا بد من الإخلاص والصدق والتجرد لله سبحانه وتعالى؛ ولهذا يذكر غير واحد من السلف مسألة ما ينقص ثواب الإنسان من الغيبة والنميمة والكذب والبهتان، حتى قال إبراهيم النخعي عليه رحمة الله: كانوا يقولون: إن الغيبة تفطر الصائم، وليس معنى تفطر الصائم: أنها أكل وشرب، ولكن وقوع الإنسان فيها يأتي على حسناته بالنقصان فيكون حينئذ كحال المفطرين، لم يتحقق له من ذلك أجر، وقد قال بهذا غير واحد من العلماء كـأنس بن مالك وغيره من السلف في هذه الحرمات التي تضعف عمل الإنسان.لهذا نقول: إنه من الأمور المتأكدة أن على الإنسان -قبل أن يباشر الصيام، وغيره من العبادات- أن يملأ قلبه إيماناً واحتساباً لله سبحانه وتعالى؛ حتى يثقل ميزانه ذلك العمل، ويكون أثره عليه بالبركة، وبالتكفير، وبالاستدامة ودوام العمل الصالح، فيكثر من ذلك تقرباً لله سبحانه وتعالى.
 منة الله على هذه الأمة بصيام رمضان
لقد فرض الله سبحانه وتعالى الصيام على هذه الأمة، وأكرمها وامتن عليها بفرضيته، يقول الله سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] ، فامتن الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بأن شرع لها الصيام كما شرعه على الأمم السابقة، ولكن صيام رمضان هذا من خصائص هذه الأمة، فذكر الله عز وجل أن أصل شريعة الصيام موجودة، أما رمضان فهو خاص بهذه الأمة؛ ولهذا الله عز وجل يقول: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185] ، فخص هذه الأمة بهذا الصيام، قال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] ، فجعل الله سبحانه وتعالى اشتراك العبادة في الأمة مع الأمم السابقة هو في أصل وجنس العبادة لا في وصفها وكذلك عددها ومناسباتها، هذا في ظاهر السياق؛ ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى امتن على الأمة بتنوع عبادات وأوصافها، وامتن عليها بصيام رمضان.
من يجب عليه صيام رمضان ومن يحرم عليه
ثم من الأمور المهمة التي ينبغي الكلام عليها: ما يتعلق ببدء رمضان.فقد جعل الله عز وجل فرض صيام رمضان في الشهر التاسع من العام الهجري من السنة القمرية التي تبتدئ بمحرم، وفرضه الله سبحانه وتعالى على العباد وكتبه على كل قادر مستطيع من المكلفين، فمن كان مسلماً بالغاً عاقلاً قادراً مستطيعاً على الصيام فإنه يجب عليه أن يمسك، ويستحب في هذا أن يصوم الصغار تعويداً لهم، بقدر وسعهم وإمكانهم حتى يتوطنوا على ذلك، ولو صاموا بعض رمضان لا كله، مثل: أن يصوم يوماً ثم يفطر اليوم الذي يليه، حتى يأتي شيء من التوطين بحسب أعمارهم، والصغير قد يجد كلفة من ذلك كابن السابعة أو الثامنة أو نحو هذا، فربما يجد كلفة بصيام يوم كامل، فيوطن على التيسير في ذلك؛ لأنه لا يأثم بهذا، ولكن حتى يكتب له في ذلك الأجر، فإنه يجري له قلم الحسنات ولا يجري عليه قلم السيئات، فيوطن في ذلك حتى إذا كبر فإنه يدرك في ذلك تمام الصيام.كذلك أيضاً من الأمور المهمة: أن الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده فرفق بهم من جهة الوجوب، فمن كان معذوراً كأن يكون مريضاً أو مسافراً فقد رخص الله عز وجل له أن يفطر، وأن يقضي بمقدار تلك الأيام؛ ولهذا الله عز وجل يقول: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] ، عدة الأيام التي أفطرها الإنسان في رمضان يقوم بقضائها بعد ذلك بالعدد، ولا يلزم من ذلك الترتيب إذا كان عليه خمسة أو عشرة أن يقضيها بعد رمضان، سواء سردها سرداً أو قضاها بعد ذلك متفرقة فإن الأمر في ذلك فيه سعة.وكذلك يحرم على المرأة أن تصوم رمضان وهي حائض أو نفساء؛ لأنها ليست من أهل التكليف في ذلك، وهي تختلف عن المعذور، المسافر لا يحرم عليه باعتبار أن عذره في ذلك ليس بمحرم عليه الصيام، وأما بالنسبة للحائض والنفساء فإنه يحرم عليهما الصلاة والصيام، ويجب عليهما قضاء الصيام، ولا يجب عليهما قضاء الصلاة، وإنما كان التفريق بين القضاء في الصلاة والصيام؛ لأن الصلاة كثيرة، وأما بالنسبة للصيام الواجب في رمضان فإنه يأتي في العام مرة، ثم قضاؤه ميسور بخلاف الصلاة؛ فإن المرأة يأتيها الحيض كل شهر، ومن النساء من يكثر حيضها فيأتيها عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً، فيشق عليها أن تقضي صلاة تلك الأيام، في كل يوم خمسة فروض، هذا عدد كثير على المرأة يشق عليها أن تعيدها بعد ذلك، ولديها من الذرية والأبناء والزوج والانشغال بنفسها وأهلها وبيتها ما يصعب عليها ذلك، فلا يكلفها الله سبحانه وتعالى بهذا، فمنعت منعاً من أداء الصلاة وقضائها، ومنعت من أداء صيام رمضان، وأوجب الله عز وجل عليها القضاء.
 منة الله على هذه الأمة بصيام رمضان
لقد فرض الله سبحانه وتعالى الصيام على هذه الأمة، وأكرمها وامتن عليها بفرضيته، يقول الله سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] ، فامتن الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بأن شرع لها الصيام كما شرعه على الأمم السابقة، ولكن صيام رمضان هذا من خصائص هذه الأمة، فذكر الله عز وجل أن أصل شريعة الصيام موجودة، أما رمضان فهو خاص بهذه الأمة؛ ولهذا الله عز وجل يقول: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185] ، فخص هذه الأمة بهذا الصيام، قال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] ، فجعل الله سبحانه وتعالى اشتراك العبادة في الأمة مع الأمم السابقة هو في أصل وجنس العبادة لا في وصفها وكذلك عددها ومناسباتها، هذا في ظاهر السياق؛ ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى امتن على الأمة بتنوع عبادات وأوصافها، وامتن عليها بصيام رمضان.
علامة دخول رمضان
والله سبحانه وتعالى قد جعل علامة دخول رمضان برؤية الهلال كما جاء في حديث عبد الله بن عمر وجاء أيضاً في حديث أبي هريرة بألفاظ متعددة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته )، فيدخل الشهر حينئذ بالرؤية، لا يدخل الشهر إلا بذلك، وهذا محل اتفاق عند العلماء: على أن الشهور القمرية لا يجوز أن يأخذها الإنسان إلا بالرؤية؛ لظاهر النص يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا وخنس في الثالثة بإبهامه )، النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: ( نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب ولا نحسب )، يعلم أن ثمة قراء وكتابة وحساباً، فالحساب معلوم حتى في الجاهلية، فلم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بتعلم الحساب لإثبات الأشهر.كذلك أيضاً من الأمور المهمة: أن بعض الناس يظن أن هذا العلم الجديد: علم الحساب ودقة الناس فيه، أنه علم جديد، والأمر ليس كذلك، بل هو معروف حتى عند الجاهليين ولكنه معلوم عند القلة؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( لا نكتب ولا نحسب ) ، إذاً: فيعلم أن ثمة حساباً، ولكن تركه عمداً. هنا أمر وهو: أن بعض الناس يقول: إن مسألة دخول الشهور وانصرامها إذا عرفنا بالدقة دخول الشهر لماذا لا نأخذ به؟ نقول: الشريعة لديها مقاصد، أحياناً لا تتشوف إلى الدقة وإنما تتشوف إلى التيسير، التيسير في هذا على الناس أن يأخذ الناس الوقت بما يرون، لماذا؟ لأن الشريعة لم تأت لزمن دقة وتدع زمن غير الدقة، ولم تأت إلى الحاضر وتدع البادي، الشريعة جاءت كاملة حتى يأخذ بذلك البحري والبري والحاضر والبادي في القرية في المدينة، حتى يأخذ بذلك برؤيته.ولهذا نقول: إن الشريعة إنما جاءت في أمر بالتيسير، وهذا شبيه بقول النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء مرفوعاً وموقوفاً عند الترمذي ، قال: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ) ، يعني: أن القبلة إذا كان الإنسان بعيداً عنها لا يجب عليه أن يصوب عليها، بل أن يصلي ناحيتها، هذا تشوف إلى مبدأ التيسير؛ ولهذا كان السلف عليهم رحمة الله كما جاء عن الإمام أحمد رحمه الله: أنه كان ينهى عن الاستدلال بالجدي، وهو من النجوم في معرفة القبلة تصويباً، وذلك أن الشريعة لم تتشوف إلى التشديد على الناس حتى يشق عليهم، فربما كان الإنسان في فلاة فيبحث عن النجوم حتى يصيب، فإذا مال عنها درجة أو درجتين جاءه شيء من الوسواس ثم يقول: صليت في عام كذا أو في فترة كذا ثم ملت انحرفت يسيراً؛ فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( المشرق والمغرب ما بينهما قبلة ) ، إذا كنت تصلي من جهة الناحية، بخلاف إذا كنت عند الكعبة وأنت تراها.إذاً: الشريعة من مقصدها في ذلك التيسير، وهذا التيسير حاصل لكون الشريعة عامة جاءت للشخص الذي في البحر الذي يصيد والشخص الذي في البر، وجاءت للشخص البادي وكذلك للحاضر في زمن الجهل وزمن العلم، وهذا شبيه بأوقات الصلوات الخمس، الصلوات الخمس الله ربطنا سبحانه وتعالى برؤية الشمس، إذا رأيت غروب الشمس وجب عليك أن تصلي صلاة المغرب برؤيتك أنت، وكذلك أيضاً من جهة طلوع الشمس وانصرام وقت صلاة الفجر، وينقضي الفرض بذلك؛ ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى أراد وقصد من ذلك تيسيراً للأمة.وأما بالنسبة للأخذ بالحساب فنقول: إن الأخذ بالحساب في أبواب النفي، والنفي في ذلك على نوعين:النوع الأول: النفي في نفي المطلع، وجود الكوكب في الفضاء، وجود القمر أو الهلال في الفضاء، إذا نفى أهل الفلك وجوده، كأن يقولوا: هو أصلاً في الفضاء غير موجود، وإنما في الجهة الأخرى من الأرض، فهذا هو نفي لوجوده، هذا قد يؤخذ به في النفي في هذا النوع.أما النفي الثاني: ما يتعلق بنفي الرؤية، يقولون: موجود في الفضاء، لكن ننفي الرؤية أن يرى، هذا لا يؤخذ بذلك، فإذا رئي فإنه لا يقدم إلا النص في ذلك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته ).
 منة الله على هذه الأمة بصيام رمضان
لقد فرض الله سبحانه وتعالى الصيام على هذه الأمة، وأكرمها وامتن عليها بفرضيته، يقول الله سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] ، فامتن الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بأن شرع لها الصيام كما شرعه على الأمم السابقة، ولكن صيام رمضان هذا من خصائص هذه الأمة، فذكر الله عز وجل أن أصل شريعة الصيام موجودة، أما رمضان فهو خاص بهذه الأمة؛ ولهذا الله عز وجل يقول: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185] ، فخص هذه الأمة بهذا الصيام، قال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] ، فجعل الله سبحانه وتعالى اشتراك العبادة في الأمة مع الأمم السابقة هو في أصل وجنس العبادة لا في وصفها وكذلك عددها ومناسباتها، هذا في ظاهر السياق؛ ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى امتن على الأمة بتنوع عبادات وأوصافها، وامتن عليها بصيام رمضان.
عقد النية لصيام الفريضة والنافلة
من الأمور المهمة في مسائل الصيام: النية؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( إنما الأعمال بالنيات )، وقد جاء أيضاً في حديث حفصة وكذلك في حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً وموقوفاً، قال: ( لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل )، ذكر النية من الليل، أي: لا بد أن تسبق العمل حتى يكتب له، وهذا في صيام رمضان بخلاف صيام النفل، صيام رمضان لا بد أن تكون النية من الليل، أن يعلم أن هذا رمضان.وأما الإنسان الذي لا يدري: أرمضان غداً أو ليس في غد؟ فأراد أن ينام يقول: ثم أنظر في أحوال الناس، لن أطعم في ذلك شيئاً ثم أصبح ووجد الناس صائمين، نقول حينئذٍ: يجب عليك أن تقضي وأن تمسك هذا اليوم لحرمة هذا الشهر، لماذا؟ لأن النية لم تسبق العمل، ويؤتى إن شاء الله الأجر، لكن يجب عليه في ذلك القضاء.أما صيام النافلة كصيام الإثنين والخميس، وصيام يوم وإفطار يوم، وصيام أيام البيض، وغيرها من الأيام التي يريد الإنسان أن يتعبد لله عز وجل فيها، وليست من الفرائض، فنقول: لا حرج عليه أن يعقد النية من النهار، كما جاء في حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى، أنها قالت: ( دخل علي النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أعندكم شيء؟ فقلنا: لا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إني إذاً صائم )، ( وجاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى عائشة فقال: إني أصبحت صائماً، أعندكم شيء؟ فقالت للنبي عليه الصلاة والسلام: نعم، أهدي إلينا حيس، فأهدي للنبي عليه الصلاة والسلام فأكل منه )، وهذا دليل على جواز قطع صيام النافلة وجواز النية أيضاً من النهار في النافلة.أما الفريضة فلا يجوز للإنسان أن يقطعها من النهار ولا تجزئ عنه نية النهار، بل يكون حينئذ من الليل، ونية صيام النافلة من النهار سواء كان من الصباح مبكراً أو من نصف النهار، الأمر في ذلك فيه سعة، كما جاء عن غير واحد من السلف عليهم رضوان الله تعالى.
 منة الله على هذه الأمة بصيام رمضان
لقد فرض الله سبحانه وتعالى الصيام على هذه الأمة، وأكرمها وامتن عليها بفرضيته، يقول الله سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] ، فامتن الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بأن شرع لها الصيام كما شرعه على الأمم السابقة، ولكن صيام رمضان هذا من خصائص هذه الأمة، فذكر الله عز وجل أن أصل شريعة الصيام موجودة، أما رمضان فهو خاص بهذه الأمة؛ ولهذا الله عز وجل يقول: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185] ، فخص هذه الأمة بهذا الصيام، قال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] ، فجعل الله سبحانه وتعالى اشتراك العبادة في الأمة مع الأمم السابقة هو في أصل وجنس العبادة لا في وصفها وكذلك عددها ومناسباتها، هذا في ظاهر السياق؛ ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى امتن على الأمة بتنوع عبادات وأوصافها، وامتن عليها بصيام رمضان.
الإمساك عن المفطرات
كذلك يجب على الإنسان أن يمسك عن المفطرات: المفطرات هي أصل الإمساك، ومنها الأكل والشرب، الأكل والشرب هو أمر معلوم، إذا تناول الإنسان من ذلك شيئاً متعمداً فقد أفطر، أما بالنسبة للناسي (إذا أكل الإنسان أو شرب ناسياً فإنما أطعمه الله وسقاه) كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيقال: إنه يعذر بذلك، ولا يجب عليه القضاء. ‏
 أحكام الدم الخارج من الصائم
وأيضاً من الأمور المهمة المتعلقة بمسائل الإمساك: ما يتعلق بأحكام الدم، فالدم الذي يخرج من الإنسان من جروح أو غير ذلك هذا لا يفطر الصائم.وأما بالنسبة للحجامة فقد اختلف العلماء في ذلك، وهي على الأرجح لا تفطر الصائم.وعلى هذا نقول في دم التبرع: إذا احتاج إليه الإنسان ولا يستطيع تأجيله إلى الليل فيفعله الإنسان ويتم صومه إن استطاع، وإذا لم يستطع وكان مضطراً إليه نهاراً فإنه يفطر، فيكون حينئذٍ من جملة الضرورات كأن ينقذ الإنسان مريضاً أو غير ذلك، أو نزف من الإنسان دم كثير فخشي على نفسه فأصيب مثلاً بضعف أو دوار، أو يخشى من حاله إغماء أو غير ذلك فلا حرج عليه أن يفطر، أما في ذات الفعل فالأرجح فيه أنه لا يفطر في هذا، وهي أيضاً من المسائل الخلافية، ولو قضى ذلك اليوم احتياطاً لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث شداد وثوبان: ( أفطر الحاجم والمحجوم ) فلا بأس.
مسائل متنوعة في الصيام

 صيام النوافل قبل القضاء
وكذلك من الأمور المهمة في هذا الباب: ما يتعلق بصيام الإنسان للنوافل قبل القضاء، وذلك أن من الناس يقول: أريد أن أتنفل كصيام الست من شوال أو غير ذلك وعلي قضاء أريد أن أأجل ذلك، هل يجوز له أن يؤخر القضاء ويقدم النافلة؟ نقول: المسألة أيضاً هي من مواضع الخلاف، والأرجح في هذا جواز ذلك، أن يصوم الإنسان من النوافل ما شاء وأن يؤجل القضاء، لكن الأفضل أن يقدم القضاء على النافلة؛ باعتبار أنه الآكد فلا حرج عليه في ذلك.ومن أفضل المواضع التي يكون فيها القضاء هي الأيام الفاضلة كأيام عشر ذي الحجة، أن يصوم الإنسان القضاء فيها كما كان عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى يفعل، ولو صام الإنسان فرق القضاء كأن يكون عليه خمسة أيام أو عشرة أيام، فجعلها الاثنين والخميس وأخذ يتتبع الأيام الفاضلة فتكون قضاءً وتكون في ذلك أجراً، فهذا أيضاً مما لا حرج فيه، وهو أيضاً من الأمور المستحسنة التي كان يحبذها السلف الصالح.أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة، وأن ينفعنا بما سمعنا وأن يجعله حجةً لنا لا علينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رمضان فضائل وأحكام للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net