اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح حديث جبريل في الإسلام والإيمان [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح حديث جبريل في الإسلام والإيمان [2] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
الإسلام هو الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء به الأنبياء السابقون كذلك ولكن لما دخل التحريف الملل السابقة واستحال الوصول إلى الحق منها، كان لابد من بعث رسول يأتي بتجديدها, فلا دين حينئذ يستحق وصف الإسلام في الأرض كما يريده الله إلا ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم, وسؤال جبريل هو عن أصل الأصول وكلي الكليات وهو الإسلام, وما يأتي من أحكام فهي تبع لذلك. فجبريل عليه السلام سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الكليات, وأعظم الكليات اتساعاً وهو الإسلام, ثم ما يدخل بعد ذلك في جزئياته وتفاصيله ومعرفتها من جهة مراتبها
فوائد ودلالات نداء جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم باسمه واستخباره لنفسه
الملقي: [ ( وقال جبريل عليه السلام: يا محمد ! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ]. ‏
 تأكيد المعلوم لدى الصحابة من الأركان
وهنا مسألة وهي أن جبريل حينما سأل النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأسئلة في علم الله, وأيضاً فيما يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظاهر الأمر في أمر جبريل أنه يعلم أن الصحابة يعلمون هذه المسائل, وهي مسألة الإسلام وأركان الإسلام وأركان الإيمان هذه معلومة ما قبل هذا السؤال.إذاً: ما الحكمة من هذا السؤال حتى ترد هذه الإجابة لإعلامهم بشيء يعلمونه قبل ذلك؟ فالصلاة معلومة الزكاة معلومة الصيام معلوم من أركان الإسلام, الحج معلوم, هذه الأشياء معلومة. كذلك أيضاً الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله, وظاهر أن الحديث أنه جاء؛ ولهذا سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإحسان, وسأله عن أشراط الساعة, وهذه الأخبار والأنباء, وأحاديث أشراط الساعة كانت في آخر العهد النبوي في المدينة.فالحكمة من سؤال جبريل عليه السلام بالاستخبار لنفسه, وظاهر الأمر في حال أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يعملون، أنه يريد من ذلك تأكيد المعلوم لديه, فالتكرار لذلك يرسخ العلم, وفي هذا إشارة أيضاً أن دين الله سبحانه وتعالى للغريب والقريب أنه وحي, فإذا سأل السائل بدين الله عز وجل عن مسألة وهو من أهل البلد أو كان بعيداً، فدين الله سبحانه وتعالى في ذلك سواء لا يوجد فيه سرية ولا يوجد فيه خفاء، ولا يوجد فيه دقائق, لا يصح إيمان الإنسان إلا بها, وإنما هو دين ظاهر يجاب فيه السائل لسؤاله من أي جهة أو من أي بلد كان.كذلك أيضاً فإنه لو سأل جبريل النبي عليه الصلاة والسلام ليعلم الصحابة في هذا نوع من ظاهر الاعتداد بالنفس, وهم يجهلون حال جبريل, وجبريل يعلم, فإنه إنما جاء العلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل وإن كان العلم من الله سبحانه وتعالى.إذاً: فـجبريل وهو الواسطة علم قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومع ذلك جبريل سأل العلم لنفسه, وما سأله للصحابة؛ لماذا؟ لأنه ما ظهر بصورة جبريل ظهر بصورة بشر وإنسان, وإذا ظهر بصورة إنسان ينبغي أن يكون الحال والكلام والسؤال مناسباً له؛ حتى لا يخرج خارجاً عنه, فسأل بما يليق ويناسب حاله, لا بما يناسب حاله الحقيقية وهي كونه الملك الذي جعله الله سبحانه وتعالى رسولاً إلى أنبياء الله جل وعلا، ينزل إليهم وحي الله سبحانه وتعالى.
سؤال جبريل عن الإسلام وما يدل عليه
الملقي: [ ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله ) ].الشيخ: هنا سأل جبريل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإسلام, وهذا أول سؤال توجه به جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عن الإسلام, فقال: أخبرني عن الإسلام؟ الإسلام هو الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء به الأنبياء السابقون كذلك, ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]. ويقول الله جل وعلا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85].ولكن لما دخل التحريف الملل السابقة واستحال الوصول إلى الحق منها، كان لابد من بعث رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بتجديدها وكذلك الإضافة إليها من الأحكام, فلا دين حينئذ يستحق وصف الإسلام في الأرض كما يريده الله إلا ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهو سأل عن أصل الأصول وكلي الكليات وهو الإسلام, وما يأتي من أحكام فهي تبع لذلك.ولهذا في سؤاله الثاني عن الإيمان, قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه. من هو الله؟ الله هو أن تشهد أن لا إله إلا الله هو الواحد الفرد, أن لا معبود بحق إلا هو, بل هو الواحد المعبود بحق, وألا يعبد إلا هو سبحانه وتعالى, وأن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره وبالبعث بعد الموت. ‏
 المراد من توجيه الخطاب لجبريل في إجابة النبي صلى الله عليه وسلم عليه
قوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله, هذا خطاب بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين جبريل, والمراد به إعلام السامعين, وليس المراد به النبي صلى الله عليه وسلم، وليس المراد به جبريل, وفي هذا إلى أنه يجوز أو يستحب للإنسان أن يظهر الإجابة, والسائل يظهر السؤال، فلا يريد المجيب الإجابة للسائل, ولا يريد السائل السؤال لنفسه ممن يجيب وإنما يريد غيره, وهذا نوع من التمثل أن يتمثل الإنسان بصورة الجاهل, وأن يوجه الإنسان الخطاب لأحد وهو يريد غيره ليعلمه بما يريد إعلامه.ولهذا توجه الخطاب بأسلوب الفرد لما سأله عن الإسلام قال: أن تشهد أنت يا جبريل أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.
خطاب الملائكة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم
الشهادة هنا توجهت إلى جبريل, هل جبريل مخاطب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم حينما يبين له ذلك؟ جبريل ليس بمخاطب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم اتباعاً, وإنما علماً وإيماناً بذلك, ولهذا نقول: إن الملائكة لهم اختيار أو ليس لهم اختيار؟ لهم اختيار, ولهذا حمدهم الله عز وجل وأثنى عليهم سبحانه وتعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .الذي ليس له اختيار وليس له تصرف، ويسير من غير اختيار، لا يحمد إذا بدر منه فعل, كحال الحجر حينما تأتي به الرياح ويسير فلا تحمد الحجارة؛ لأنه سيرها وليس لها اختيار, ولكن إذا كان للإنسان اختيار أن يختار ثم اختار الخير ولم يختر غيره حمد على ذلك, والله جل وعلا جعل للملائكة اختياراً, وجعلهم لا يخرجون سبحانه وتعالى عن أمره, فحمدهم الله سبحانه وتعالى على ذلك.ولهذا نقول: إن الملائكة ليسوا بمخاطبين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم من جهة الاتباع, فلا يخاطبون بالصلاة ولا بالصيام ولا بالزكاة ولا بالحج ولا بغير ذلك من الشرائع, ولكن يخاطبهم الله سبحانه وتعالى أمراً بشيء من أجناس ذلك على سبيل المناسبة لا على أصل التشريع.مثال ذلك: أن الله عز وجل يأمر الملائكة أن تقاتل مع محمد صلى الله عليه وسلم، إذاً فهو تشريع جهاد, فهل الملائكة حينما قاتلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم قاتلوا اتباعاً لأصل التشريع أو أمراً استثنائياً من الله خاصاً؟ أمراً استثنائياً من الله سبحانه وتعالى خاصاً؛ ولهذا نقول: إن في قول جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام أخبرني عن الإسلام, وإجابة النبي عليه الصلاة والسلام له في قوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله, المراد بذلك هو الإيمان والعلم، وليس المراد بذلك هو الاتباع والاقتداء بأمر الرسالة, فالذين يؤمرون باتباع محمد صلى الله عليه وسلم هم الأنس والجن؛ ولهذا يقول الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] . فما خلق الله عز وجل الإنس والجن وهم الذين تتوجه إليهم خطاب الرسل وخطاب النذر, ويجب عليهم حينئذ أن يتبعوا. ما عداهم من المخلوقات هل هم مخاطبون في ذلك أم لا؟نقول: ما عداهم من المخلوقات ممن يخاطب بالتكليف ولديه إدراك هذا لا دليل على دخولهم في هذا, وإن وجد أو دلت بعض الأدلة على وجود من يدرك ويعقل من غير الثقلين, وخلق الله عز وجل لا يعلمهم إلا هو سبحانه وتعالى, ولهذا جاء في حديث سلمان الفارسي وغيره مرفوعاً وموقوفاً: ( أنه ما من رجل يكون في بادية ثم يؤذن لنفسه ويقيم ويصلي إلا صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طرفاه )، من خلق الله, من هم هؤلاء الخلق؟ الله أعلم بهؤلاء.ولكن الله سبحانه وتعالى وجه الخطاب في ظاهر النص إلى الثقلين من الجن والإنس, وهناك من مخلوقات الله سبحانه وتعالى ما يقطع بعدم دخولهم في هذا, وذلك لظواهر النصوص في الملائكة عليهم السلام, وأما الجواب هنا في توجيه الخطاب إلى جبريل في قوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله المراد بذلك هو العلم والإيمان بهذا.وهذا الجواب أراد النبي عليه الصلاة والسلام على ما تقدم إعلام الصحابة.
 المراد من توجيه الخطاب لجبريل في إجابة النبي صلى الله عليه وسلم عليه
قوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله, هذا خطاب بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين جبريل, والمراد به إعلام السامعين, وليس المراد به النبي صلى الله عليه وسلم، وليس المراد به جبريل, وفي هذا إلى أنه يجوز أو يستحب للإنسان أن يظهر الإجابة, والسائل يظهر السؤال، فلا يريد المجيب الإجابة للسائل, ولا يريد السائل السؤال لنفسه ممن يجيب وإنما يريد غيره, وهذا نوع من التمثل أن يتمثل الإنسان بصورة الجاهل, وأن يوجه الإنسان الخطاب لأحد وهو يريد غيره ليعلمه بما يريد إعلامه.ولهذا توجه الخطاب بأسلوب الفرد لما سأله عن الإسلام قال: أن تشهد أنت يا جبريل أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.
معنى الشهادتين ومقتضيات دخول الإسلام بهما
أما الشهادة فهي إخبار بما في القلب, وأن ينطق بما في القلب اللسان, ولهذا يسمى الشاهد شاهداً، أنه شهد بشيء ثابت في قلبه فنطق به بلسانه, فلا يعتبر شاهداً حتى يتكلم, فإذا تكلم فهو أثبت وبين ما في قلبه واستقر وظهر به؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( على مثل هذا فاشهد )، فما سماها شهادة حتى ينطق بها, مع أن العلم بها مستقر قبل ذلك.ولهذا الذي يوجد في قلبه إيمان بالله وتصديق برسالته وبنبوة النبي عليه الصلاة والسلام والملائكة؛ لكنه لا ينطق بالشهادتين هل يعد مؤمناً؟ لا يعد مؤمناً؛ لأن الإيمان قول وعمل ونية, ولابد من وجود هذا في الإيمان, ولهذا أصل معنى الشهادة في قوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله أن تخبر عما في قلبك وإلا أخذ الحكم من ظاهرك؛ لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الإيمان قولاً وعملاً, والناس مأمورون بأن يأخذوا بما ظهر من أمور الناس.وفي قوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله, لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله, وقد فسر هذا غير واحد من العلماء, وأوائل من فسر هذا هو ابن جرير الطبري رحمه الله, لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله.وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهنا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: وأن محمداً رسول الله يأتي في بعض ألفاظ الحديث: ( وأني رسول الله )، وأظهر في هذا بقوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم, والشهادة للنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة أنه خاتم الأنبياء والمرسلين بعثه الله عز وجل للناس كافة, ختم به سائر الرسالات, وأنزل عليه كتابه الحكيم، القرآن الكريم, وجعله الله سبحانه وتعالى باقياً خالداً إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها. ‏
 اشتراط نفي الكفر السابق لمن دخل في الإيمان
وشهادة أن محمداً رسول الله على ما تقدم أن يخبر الإنسان وأن يخرج ما في قلبه فيشهد فيقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله, وهل كل من كان على غير الإسلام لا يدخل إلا بها أم لا؟نقول: جاء في كلام بعض السلف الزيادة على ذلك في أمر النصارى أن يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وأن أمه صديقة, وذلك لينفي الكفر القائم في ذاته في العقيدة السابقة في مثل هذا.وهذا لو أخذنا به من جهة الأصل والمعنى هل يدخل في غيره من العقائد إذا كان الإنسان أراد أن يدخل في عقيدة التوحيد ودين الله عز وجل الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم, هل لابد أن يصرح بالكفر بالنص على ما كان عليه ويعتقد فيما عداه؟نقول: هذا هو الأصل ما لم يدرك معنى الشهادتين من جهة الحقيقة، وأنها ملغية ونافية لكل ما عداها مما مضى, وإنما قدم النبي عليه الصلاة والسلام الشهادتين في ذلك؛ لأن الشهادتين هي أول ما يدعى إليه, ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما بعث معاذاً إلى اليمن كما جاء في الصحيحين من حديث أبي معبد عن عبد الله بن عباس قال النبي عليه الصلاة والسلام لــمعاذ بن جبل: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله ) .فالشهادتان يختصران معنى التوحيد, ولهذا تسميان بكلمتي التوحيد, ولا إله إلا الله هي كلمة التوحيد, أي: لا معبود بحق إلا الله, ولهذا جاء في رواية البخاري قال: ( فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله )، أي: أن يفردوه بالعبادة سبحانه وتعالى, وهذا يدل على أنه أول ما يدعى إليه يجب أن يكون بتوحيد الله سبحانه وتعالى لا أن يتجاوزه إلى غيره من الفروع, إذ لا يصح من أحد عملاً فرعياً حتى يؤمن بالله وحده وحقه في العبادة وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
أداء الصلاة والحفاظ عليها
الملقي: [ ( قال صلى الله عليه وسلم: وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ) ]. الشيخ: هنا ذكر إقامة الصلاة قال: وتقيم الصلاة, أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن تقيم الصلاة, مسألة الصلاة انتقل النبي عليه الصلاة والسلام مما يتعلق بالشهادتين ولازمهما، وما يتعلق بالإخبار بما في القلب إلى عمل الجوارح.
 تقديم الصلاة على غيرها وحكم تاركها
الأركان أخذها العلماء من هذا الحديث وحديث عبد الله بن عمر وغيره, فسميت أركان الإسلام الخمسة, أخذت على هذا المعنى, كذلك أيضاً فإن النبي عليه الصلاة والسلام إنما قدم الصلاة على غيرها؛ لأن إسلام الإنسان لا يصح إلا بأداء الصلاة على الأرجح, وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث كثيرة, وهي من الوحي في بيان كفر تارك الصلاة, ومن ذلك ما جاء في الصحيح من حديث جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة ), وكذلك أيضاً ما جاء في حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة, فمن تركها فقد كفر ), وغير ذلك.وكذلك أيضاً ما جاء في حديث بشر بن المفضل عن الجريري عن عبد الله بن شقيق أنه قال: ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون الشيء من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة, كما جاء عند الترمذي ومحمد بن نصر في كتابه تعظيم قدر الصلاة.وقد جاء عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذا, على كفر تارك الصلاة, كما جاء عند محمد بن نصر حديث ابن سعد بن أبي وقاص أنه سأل أباه في قول الله عز وجل: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5]، قال: ما المراد بالساهين؟ قال سعد بن أبي وقاص: هو أن يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها, وليس هو الترك, فإنه إن كان تركاً كان كفراً.ويتفق العلماء على أن تارك الصلاة كافر, ولكن يختلفون في الكفر, هل هو كفر أكبر أو كفر أصغر؟ كما أشار إلى هذا محمد بن نصر, بعض العلماء يرون أن المقصود في هذه الأحاديث هو الكفر الأكبر المخرج من الملة, وهذا هو المترجح, وقد نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله, أي: نقل عنه ذلك في مواضع عديدة, جاء أيضاً عن الإمام الشافعي قد نقله عنه الطحاوي في كتابه مختصر اختلاف العلماء, وكذلك أيضاً نقله عن الإمام مالك رحمه الله ورواية عنه بكفر تارك الصلاة, وجاء أيضاً عن بعض الأئمة القول بعدم كفر تارك الصلاة, جاء ذلك عن أبي حنيفة عليه رحمة الله.ولهذا نقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام إنما قدم هذا الركن العملي على غيره لأهميته ومنزلته وفضله ومن وجوه تأكيده أيضاً وأهميته أنه ما من شرعة من الشرائع إلا وأمر الله عز وجل بالصلاة فيها, فهي تشترك فيها سائر الشرائع, ولكن تختلف من جهة عدد ركعاتها وأوقاتها وهيئاتها, فمنهم من يقول: إن بعض ركعات الشرائع أنها تكون بسجدة واحدة, ومنهم من يقول ركوع بلا سجود, وبعضهم يأخذها في بني إسرائيل كما في قول الله عز وجل لــمـريم: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:43] . قالوا: هو ركوع لا يكون عنده سجود, ومنهم من يقول: إن ذكر الركوع لا يلزم من ذلك هو نفي السجود باعتبار أن من ركع سجد.ونقول: إن الاختلاف بينهم من جهة الأزمنة, وكذلك أيضاً عدد الركعات أو ربما أيضاً بعض الصفات والأذكار التي تكون في الصلاة, أما الأصل فالصلاة شرعها الله سبحانه وتعالى لسائر أنبيائه وأمر بها الأمم. والشريعة إذا اشتركت بها سائر الشرائع فهذا دليل على أهميتها وجلالة قدرها.كذلك أيضاً في هذا الحديث قال: أن تقيم الصلاة, ما قال: أن تؤمن بالصلاة, أن تؤمن أن الله أمرك بالصلوات فقط, وإنما ذكر إقامة الصلاة, إقامة الصلاة أن تؤديها كما أمر الله سبحانه وتعالى, إذاً: الخطاب هنا توجه إلى إقامة الصلاة لا إلى الإيمان بها, فإن الإنسان إذا لم يؤمن بالصلاة, وأنها واجبة, فهو كافر بالله وإن أداها, فلو فرض أنه يوجد شخص يقول: إن الصلاة ليست بواجبة ولكنها مستحبة, وأنا أؤديها؛ لأنها مستحبة فقط فهو كافر بالله ولو أداها, وخير منه من يؤمن بها وجوباً ولا يؤديها, وهو أخف منه باعتبار أن ذاك جاحد وهذا معطل, والجاحد أشد من المعطل.ولهذا إنما جاء الأمر بإقام الصلاة في قوله: وأن تقيم الصلاة, يعني: التي أمر الله سبحانه وتعالى بها, ويتفق العلماء على أن المراد بالصلاة هنا هي الصلوات الخمس, وذلك لأنها هي الركن الثاني من أركان الإسلام, وليس المراد بذلك ما يتعلق بالنوافل وما يتعلق بفروض الكفايات كصلاة الاستسقاء والخسوف والكسوف وغيرها مما يشرعه الله سبحانه وتعالى على غير وجه التأكيد والإلزام على الأفراد, وإنما المراد بذلك هي الصلوات الخمس, وهي المرادة في أوامر الله سبحانه وتعالى بقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43], هذا أمر من الله سبحانه وتعالى بالإتيان بالصلوات الخمس.والخطاب هنا أن تقيم الصلاة تتوجه إقامتها إلى الإنسان في صور: أول هذه الصور: أن يؤديها كما شرع الله سبحانه وتعالى من جهة صورتها الظاهرة والباطنة.الثانية: أن يؤديها جماعة, ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، أن تؤدى الصلاة على وجه الحقيقة كما أمر الله, وأن يكون ذلك أيضاً مع الراكعين, لا أن يكون الإنسان منفرداً بأدائه للصلاة.
إيتاء الزكاة
الملقي: [ ( قال صلى الله عليه وسلم: وتؤتي الزكاة ) ].الشيخ: وقوله هنا: تؤتي الزكاة فيها تجانس مع قوله: وأن تقيم الصلاة، ذكر الإقامة مع الصلاة وما قال أن تؤمن بالصلاة, كذلك أيضاً في قوله: أن تؤتي الزكاة, وما قال أن تؤمن بوجوب الزكاة, ذكر الإيتاء يعني: تخرج، لا مجرد الإيمان, وبه نعلم أن الإسلام يتعلق بالأعمال الظاهرة, ولهذا جاء عن غير واحد من السلف قال: إن الإسلام علانية والإيمان السر, يعني: الإيمان يطلق على العمل الباطن في حال اجتماع الاسمين، والإسلام يطلق على العمل الظاهر. فإذا انفردا حمل كل واحد منهما معنى الآخر. ‏
 الواجب على الإنسان في ماله من الصدقة غير الزكاة
ومن المسائل أيضاً: ما يتعلق بالواجب على الإنسان في ماله من غير الزكاة, هل يجب على الإنسان شيء في ماله يخرجه لغير ما يجب عليه عيناً من نفقة ذريته ونحو ذلك غير الزكاة, فهل يوجد صدقة واجبة على الإنسان؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين, منهم من قال بوجوب شيء في المال سوى الزكاة, وهي الصدقة لابد أن تتصدق بشيء غير الزكاة بدينار بدرهم، أن يخرج منك شيء.من العلماء من قال: أنه لا يجب على الإنسان إلا الزكاة, وما عدا ذلك فيكون مستحباً, هما قولان في هذا, والأظهر في هذا أنه لا يجب على الإنسان في ماله شيء إلا الزكاة, ولو وجب عليه شيء من غير الزكاة لجاء بنص صريح, وأما التأكيد والفضل في هذا فإن النصوص في ذلك كثيرة ومتظافرة, فـ (إن المؤمن في ظل صدقته يوم القيامة ) .
صيام رمضان
الملقي: [ ( قال صلى الله عليه وسلم: وتصوم رمضان ) ].الشيخ: قوله هنا: وتصوم رمضان, ذكر الصيام بعدما ذكر الزكاة وهو أيضاً الركن الرابع من أركان الإسلام. ‏
 اختلاف الصيام عن غيره ووجوب النية فيه
وكذلك أيضاً فإن صيام رمضان يختلف من جهة جنسه عن الصلاة وكذلك أيضاً الزكاة باعتبار أن الصلاة عمل, والزكاة أيضاً عمل في الأموال وتلك بالأبدان, أما الصيام فهو تروك, وهذا يدل على أن الأعمال في الشريعة وكذلك أيضاً في اللغة تطلق على الأفعال والتروك, فالفعل عمل الجوارح يدخل في دائرة الأعمال, وكذلك التروك وهو الإمساك يدخل في دائرة الأعمال.فالظاهر من عمل الصائم أنه ما فعل شيئاً, فلم يؤد شيئاً من حركات أو نحو ذلك، إلا أنه امتنع عن شيء يعني: تركه, إذاً: فنقول: الصيام هو أعظم الأعمال التروكية, وأما بالنسبة للصلاة فهي أعظم الأعمال الفعلية البدنية التي يفعلها الإنسان, وأيضاً بالنسبة لعبادات الأفعال والتروك يجب فيها النية, وهذا ظواهر النصوص, بعض الفقهاء من أهل الرأي والقول ينسب أيضاً للأوزاعي أن أفعال التروك وأعمالها لا يجب فيها نية، وإنما الواجبات إنما تكون هي في الأعمال البدنية التي يفعلها الإنسان ولا تكون تروكاً.والصواب في ذلك أنه واجب فيها, وهذا ظاهر في قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمر بن الخطاب: ( إنما الأعمال بالنيات ), بعض من يقول بعدم وجوب النية في التروك يقول: إن الصيام ليس عملاً وإنما تروك, وهذا قول ضعيف, والمشهور عن أبي حنيفة خلافه, ولكن يختلفون في مسألة وجوب النية هل تكون من الليل أو تكون من النهار, وكذلك يفرقون بين الواجب المتعين وبين الواجب غير المتعين, فيوجبونه في الواجب غير المتعين للحاجة إلى تحليله, بخلاف ما كان معيناً, فإن العلم به كاف عن عقد النية هكذا يقولون.
حج البيت
الملقي: [ ( قال صلى الله عليه وسلم: وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً ) ].الشيخ: وقوله هنا: وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً, وهذا فيه على ما تقدم مشابهة ومجانسة لما تقدم من الأعمال لقوله: (أن تشهد) (أن تقيم) (أن تؤتي) (أن تصوم) (أن تحج) فذكر العمل, هذا يدل على أن المراد الأصل من جهة الإسلام أنه يكون متعلقاً بالعمل الظاهر الذي يلزم الإنسان فيه ما يعتقده في باطنه, تعتقد وجوب الحج فوجب عليك أن تعرف. ‏
 حكم أداء العمرة
والعمرة لا تغني عن الحج وليست هي المقصودة في ذلك, فهي لها حكم خاص وقد اختلف العلماء في وجوبها على قولين, والأظهر في ذلك الوجوب, وقد جاء هذا عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجابر وغيرهم وهو ظاهر صنيع البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح أن العمرة واجبة ولكن وجوبها هو دون وجوب الحج وتأكيده.
معنى قوله: (فعجبنا له يسأله ويصدقه)
الملقي: [ ( قال: صدقت, قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه ) ].الشيخ: هنا في قوله: (قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه), قال: لما أجاب النبي عليه الصلاة والسلام جبريل, جبريل قال له: صدقت, وهذه اللفظة من جبريل في قوله: صدقت محتملة لأمرين:الأمر الأول: أن جبريل يعلم الجواب قبل ذلك فطابق الجواب العلم الذي لديه فصدقه فيه.الأمر الثاني: أن جبريل يعلم صدق النبي عليه الصلاة والسلام، فصدقه فيه ولو لم يعلم الجواب قبل ذلك, وجبريل يعلم بالجواب قبل ذلك؛ لأنه هو الذي بلغه النبي عليه الصلاة والسلام, فهو الرسول إليه, إذاً: ما المراد من قول جبريل: صدقت لإعلام الصحابة بهذه العبارة؟ أراد أن يعلمهم بأن النبي عليه الصلاة والسلام صادق في قوله, وأني أسأله وأنا أعلم بصدقه, فلم أسأله مغالطة ولا اختباراً ولا استطلاعاً وإنما إيماناً، فأي جواب يقوله فهو صادق به, ويحتمل أيضاً أنه أراد معنى التصديق العلم الذي وافق عندي. فقوله: صدقت أي: صدقت بما بلغني عنك أنك أخبرت به غيري، فأتيت أسألك عنه فجئت بما يصدق القول المنقول.والأظهر والله أعلم أن جبريل في قوله للنبي عليه الصلاة والسلام: صدقت في هذا أنه أراد أن يبين للصحابة استسلامه للجواب، وثقته بصاحبه وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وأن ما يقوله هو الحق, وذلك لينتبه الصحابة لكلام النبي عليه الصلاة والسلام وفيه أيضاً تعظيم للاتباع والانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم.وقوله هنا: (فعجبنا له يسأله ويصدقه), وموضع العجب أنك كيف تسأل عن شيء لا تعلمه ثم تصدق من أجابك، فإما أن تكون تعلم قبل ذلك الجواب، فلماذا تسأل؟ فقولك: صدقت بشيء إما أن يكون لديك علم قبل هذا فوافق, فالسؤال ليس في محله إما أن يكون استعلاماً أو استطلاعاً أو من باب التأكد أو إعلام الغير أو غير ذلك, فلعل من مقصد جبريل في قوله: صدقت أن يشد انتباه الصحابة للسؤال الذي يليه, هل سيقول له: صدقت كما قال في الأولى أم لا؟ ولهذا كان بإمكانه أن يؤخر قوله: صدقت إلى آخر الإجابات, وإنما أراد أن يكون منه كلام يتخلل تلك الإجابة, وهذا أيضاً من السياسة في إفهام السامع، وكذلك شد انتباهه, وكذلك أيضاً فيه من أدب السؤال، أن السائل أو التلميذ إذا سأل عالماً عن مسألة من المسائل وهو يثق بعلمه أن يقول له: صدقت؛ إبداء لإحسان الظن به.
 حكم أداء العمرة
والعمرة لا تغني عن الحج وليست هي المقصودة في ذلك, فهي لها حكم خاص وقد اختلف العلماء في وجوبها على قولين, والأظهر في ذلك الوجوب, وقد جاء هذا عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجابر وغيرهم وهو ظاهر صنيع البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح أن العمرة واجبة ولكن وجوبها هو دون وجوب الحج وتأكيده.
سؤال جبريل عليه السلام عن الإيمان
الملقي: [ ( قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ) ]. ‏
 العمل الذي يثبت به الإيمان
وما هو العمل الذي لابد من توفره في جوارح الإنسان حتى يثبت الإيمان؟ العمل نقول: الذي جاءت به الشريعة على نوعين: النوع الأول: عمل اختصت به شرعة محمد صلى الله عليه وسلم إما أصلاً أو وصفاً. اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أصلاً يعني: شرع هذا العمل من جهة الأصل لا يعلم ولم يذكر فيما عداها من الشرائع. أو وصفاً جاء أصلها في الشريعة، ولكن وصفها انفردت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.النوع الثاني: هو ما لم تنفرد به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون جاء العمل وجاء في الأمم السابقة, وذلك ككثير من الأعمال بر الوالدين، الصدقة، الإحسان إلى الجار، إكرام الضيف، إماطة الأذى عن الطريق، سقيا الناس سقيا البهائم كسقيا الكلب كحال البغي في حديث بني إسرائيل, حديث أبي هريرة وغير ذلك. هذه أعمال دلت عليها الشرائع السابقة ودلت عليها الفطرة.المراد بثبوت الإيمان في الإنسان وتحققه فيه هو النوع الأول، أن يأتي بعمل اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم, وأما النوع الثاني وهو ما يتعلق بما جاءت به الشرائع السابقة، فوافقت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم غيرها فهذا لا يثبت به الإيمان وإنما يزيد به الإيمان وينقص، ما لم يجحده كالذي يجحد شريعة بر الوالدين فيكفر بذلك, وأما من جهة العمل فإنها تزيد الإيمان وتنقصه.أما من جهة وجود أصل الإيمان فإنه لابد أن يكون بعمل اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ حتى يثبت بذلك إيمان وإسلام, وبهذا نعلم أن الذي يبر والديه ويحسن إلى الجار ويميط الأذى عن الطريق، هل يكفي في هذا للدلالة على إيمانه بالله؟ لا, لأن هذا الأمر تدل عليه الفطرة ولو لم تكن مؤمناً بالله.الآن الملحد أو البوذي أو غيره ممن يعبد الكواكب أو يعبد النار، أو يعبدون البقر أو الفأر أو غير ذلك، ألا يحمدون بر الوالدين والإحسان إلى الجار وإماطة الأذى عن الطريق، والصدق في الحديث وكراهة الأفعال المحرمة، من القتل والسرقة أو غيرها، أليست مذمومة عند جميع البشر؟ مذمومة, وهذه الأفعال لو جاء بها الإنسان هل يثبت بها إيمانه؟لا يثبت بها إيمانه, لكن لو فعلها معتقداً لها متديناً لله, وهو يشهد أن لا إله لا الله وأن محمداً رسول الله زاد بها إيمانه, وبمقدار تقصيره ينقص بذلك الإيمان. لكن لا يثبت إيمانه إلا بوجود النوع الأول وهو ما اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.وما هو ما اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؟ هي ما قال به النبي عليه الصلاة والسلام أن تقيم الصلاة, وأن تؤتي الزكاة, وأن تصوم رمضان, الصيام هل صيام رمضان على صفته هذه خاص بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم أم بسائر الشرائع؟الله عز وجل يقول: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183], الصيام أو صيام رمضان؟ الصيام, لا صيام رمضان, الصيام كأصل, لكن رمضان اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم, لهذا نقول: العمل الذي يثبت به الإيمان هو ما اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ حتى يثبت أنك إنما تفعل هذا اتباعاً لمحمد لا استجابة للفطرة السليمة.لهذا نجد اليهودي والنصراني وهم أصحاب شرائع مبدلة سابقة وخلطوا باطلاً وحقاً, ولا يميزون هذا من هذا, والملاحدة عباد الأحجار والأشجار والكواكب أيضاً لم نجد من هذه الأعمال التي اشتركت فيها سائر الشرائع؛ لماذا؟ لأنها توافق الفطرة.لماذا جيء بالنوع الأول, وهو ما تمتاز به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؟ للبرهنة على الاتباع، ولو كان الأمر في ذلك لما تدل عليه الفطر السليمة فقط، لم يكن في ذلك مجال للاختبار والامتحان لاتباع النبي عليه الصلاة والسلام, يقول: أنا أستجيب للفطرة لست بحاجة إلى نبي يعلمني أن السرقة حرام, أو القتل حرام, لكن بحاجة إلى نبي يعلمني وجوب الصلاة والصيام والزكاة، وبحاجة إلى نبي يؤكد لي أن القتل والسرقة حرام. أما أصل التحريم فهو مستقر في النفوس, فتأتي الشرائع والأنبياء لتأكيد هذا لا لتأصيله.ولهذا ما يأتي من الشرائع بالنهي عن السرقة والنهي عن القتل، هذا تأكيد لشيء مستقر في النفوس على الفطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها.كذلك أيضاً توحيد الله جل وعلا, توحيد الله الإيمان بأن الله هو الخالق, تأتي الشرائع تأكيداً للفطرة, ولهذا الله عز وجل يقول: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30], ويقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة, فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )، الأصل أنه مؤمن بوجود خالق واحد متصرف به, لكن لا يعرف الصفات، لا يعرف الأسماء إلا عن طريق الله سبحانه وتعالى بوحيه جل في علاه, وما عدا ذلك يقع الإنسان في الأقيسة, يقيس هذا على هذا, والله عز وجل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] .لهذا نقول: إن إيمان الإنسان لا يصح منه حتى يكون بقول وعمل واعتقاد, إذا فهم هذا الأصل فهم ضده وهو الكفر, فإذا علمنا أن الإنسان لا يكون مؤمناً حتى يعتقد ويقول ويعمل, وكذلك أيضاً أن هذه الثلاثة لابد من وجودها حتى يكون الإنسان مؤمناً, لكن لو زالت واحدة بكاملها فالإنسان لا يعمل خيراً أبداً, لكنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله, لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يحج, ولا يفعل شيئاً من الطاعات التي اختصت به شرعة محمد صلى الله عليه وسلم.وأما ما يندر منه من رحمة لابنه ورحمة لأمه وغير ذلك نقول: هذه فطرة وجدت في المخلوقات حتى في البهائم, هذه لا يثبت بها الإيمان, لكنها تزيد وتنقص إذا فعلها إخلاصاً لله سبحانه وتعالى.أما ما يثبت به الإيمان ما امتازت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم, لهذا إذا انتفى واحد بتمامه من هذه الثلاثة لا يصح إيمان الإنسان, إذا فهمنا ذلك فهمنا ضد ذلك وهو ما يتعلق بالكفر، أن من بدر فيه كفر اعتقادي أو قولي أو فعلي عملي كفر بالله سبحانه وتعالى؛ لماذا؟ لأن الكفر إذا وجد في أي واحد من هذه الثلاثة ألغى الثلاثة جميعاً كحال صلاة المغرب ثلاث ركعات, الركعة الأولى والثانية والثالثة هذه تسمى صلاة المغرب, القول والعمل والاعتقاد هذه تسمى إيمان.إذا انتقض وضوء الإنسان في الركعة الثالثة هل تصح الركعة الأولى والثانية, أم تبطل صلاة المغرب؟ تبطل صلاة المغرب, كذلك أيضاً الذي يكفر بالعمل، ويقول أنا أنطق بالشهادتين ويؤمن بقلبه, هل يصح هذا منه؟ فعل مكفراً، سب الله سجد متعمداً لصنم من الأصنام, ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله يكفر أو لا يكفر؟يكفر؛ لأنه جاء الناقض على واحد من هذه الثلاثة فانتقض الإيمان, ولكن لا نكفر إلا بشيء دل الدليل على كونه كفراً, وهل هذا ينفي زيادة الإيمان ونقصانه؟ نقول: لا، يزيد الإيمان ونقصانه, حينما نقول: إن هذه الثلاثة كحال صلاة المغرب، هل يعني أن هذه الثلاثة إذا زال واحد منها بالكلية زالت الثلاثة جميعاً؟ نعم, ولكن لو فعل الإنسان أو اعتقد أن هذه الثلاثة كحال صلاة المغرب وهي الإيمان قول وعمل واعتقاد, يعني: أن هذا الإيمان لا يزيد ولا ينقص؟لا, لأننا نقول: أن الإنسان إذا فعل معصية لا يكفر بها؛ لكنها تنقص عمله وإيمانه, كحال الذي يزني أو يسرق, ولكنه مؤمن ويعمل ويؤدي الصلاة ويؤدي شيئاً من الصيام أو نحو ذلك، مقصر في هذا فهو مؤمن.كذلك أيضاً ما يتعلق بالصلاة, صلاة المغرب ثلاث ركعات, تبطل بورود مبطل أو ناقض, مبطل للصلاة أو ناقض للوضوء فيه, لكن هل الصلاة تزيد وتنقص من جهة الأجر؟ نعم, تزيد وتنقص من جهة الأجر, إذا زاد خشوعاً زاد أجراً, وإذا ارتكب محظوراً نقص أجراً.من المحظورات: الافتراش في الصلاة كافتراش السبع, كذلك أيضاً الإقعاء كإقعاء الكلب, النظر إلى السماء, منهيات, لكنها لا تبطل الصلاة؛ لأنه لا نبطل الصلاة إلا بشيء دل الدليل عليه, لو انتقض وضوءه بطلت الصلاة, نظر إلى السماء, النهي موجود لكن لا تبطل به الصلاة, كحال الذي يزني ويسرق لا يبطل الإيمان, لكن أجره ناقص, وإيمانه ناقص, كذلك أيضاً في مسألة الإيمان قول وعمل واعتقاد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح حديث جبريل في الإسلام والإيمان [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net