اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [42] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [42] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
الجهاد فريضة على كل الأمم إلا أن الله كرم هذه الأمة بأن أباح لها الغنائم. والجهاد قسمان: الأول جهاد الطلب، وهذا لا بد فيه من أمير، ولا بد أن يطاع هذا الأمير فيما لا معصية فيه، وعلى الأمير أن يحرص في اختيار الرجال الأقوياء الأشداء ولا بد في هذا النوع من الجهاد إخلاص النية. والثاني: جهاد الدفع، وهذا لا يشترط فيه إذن الأمير ولا التأمير، ولا إخلاص النية. ويجب على كل بلدة دخلها العدو أن تدافع عن نفسها فإن عجزت وجب الجهاد على من جاورها، ويختلف الواجب بحسب قرب الجوار وبعده.
قوله تعالى: (ألم ترى إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى...)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فقد تكلمنا في المجلس السابق على ما يتعلق بمتعة المطلقة ومتعة المتوفى عنها زوجها، والنفقة. ونتكلم هذا اليوم عن مسألة من المسائل المهمة، وقد جاءت هنا عرضاً في قول الله سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:246].هذه الآية فيها جملة من المسائل المهمة التي نتكلم عليها لأجلها، ويظهر فيها مسالتان. وقبل الدخول في هاتين المسألتين نتكلم على ما يتضمن هذه الآية من بعض المعاني، وكذلك أحوال الأمم السابقين. ‏
 الولاية في الجهاد والتأمير
وهنا في هذه الآية من المسائل ما تقدم الإشارة إليه، وثمة تتمة هنا في مسألة الولاية في الجهاد والتأمير، وذلك أن نبيهم قال لهم: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا [البقرة:247]، بعث الله سبحانه وتعالى لهم ملكاً بحسب ما أرادوا، لأنهم رغبوا القتال، فأرادوا من ذلك أن يكون أميراً عليهم.وفي هذا إشارة إلى معنى من المعاني الذي يحتاج إليه، وهي: مسألة القيادة والإمارة في الجهاد، ذكر الله سبحانه وتعالى خصلتين لـطالوت: الخصلة الأولى: العلم، بسطة العلم. الخصلة الثانية: بسطة الجسم، وهذا ظاهر، وفيه يقال: إن أولى ما يؤمر في الجهاد من جمع بين هاتين الخصلتين، وهي: بسطة العلم وبسطة الجسم، أما بسطة العلم وذلك ليجتمع الناس على قوله وفتياه، فلا يليق أن يكون قائداً وأميراً ويستفتى من دونه، ويتوجه الناس إليه؛ لأن الفتيا أمر في مسألة الغنائم، وأيضاً في الأمر بالنظر في حال الأسرى، والنظر في الإقدام والإحجام، ومعرفة الصلوات، والإمامة فيها وغير ذلك، فإذا قصر الأمير في ذلك قصر إجلال الناس له، فالأولى في ذلك أن يكون عالماً، والعلم في ذلك لا يلزم أن يكون الإنسان عالماً بالشريعة، وإنما عالم بما أنيط به، فإمام الناس في الصلوات إذا كان عالماً بأحكام الصلاة فقد أوتي بسطة في العلم في هذا الباب، ولا يلزم من ذلك أن يكون عالماً في أحكام البيوع والنكاح، ومسائل السياسة الشرعية، وإنما يكون عالماً بما أنيط به. كذلك الأمير في الجهاد أن يكون عالماً بمسائل الجهاد وأحكامه، وما يتعلق فيه، فحتى يجتمع الناس عليه، والإنسان يجب عليه أن يتفقه فيما وجب عليه وما تلبس به، ولهذا جاء عند الترمذي رحمه الله في كتابه السنن عن عمر بن الخطاب أنه قال: لا يبع في سوقنا إلا من فقه في ديننا، يعني: أن الإنسان إذا كان يريد أن يتلبس بعمل وجب عليه بعينه، فالذي يبيع وجب عليه أن يتفقه في أحكام البيوع، ولو لم يفقه فهو أولى منها، كأن يكون في الحج لأنه لم يتلبس في الحج، أو أدى الحج لا يجب عليه عيناً أن يتفقه الحج لأنه سقط عنه التكليف، فعيناً لا يجب عليه، ويكون حينئذٍ من فروض الكفايات أن يحمى ويحفظ هذا العلم، ولهذا جعل الله جل وعلا في طالوت هاتين الخصلتين، وهي: بسطة العلم، وأما بسطة الجسم فذلك إشارة إلى أن أمير الجيش يجب أن يكون مقاتلاً كذلك، وإلا ما ذكرت بسطة الجسم هكذا حتى يكون فيه قوة، فإذا كانوا في سير كان أمامهم، وإذا كانوا في لقاء عدوٍ كذلك أن يكون مشاركاً وأن يكون معهم، ولا عبرة لما عدا ذلك، وذلك من الأنساب أو الأحساب، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، وأمَّر النبي صلى الله عليه وسلم من صغار السن كحال أسامة وغيره، فلا ينظر إلى حسب ولا ينظر إلى نسب، وإنما ينظر إلى هذه وهي أولى الصفات. وفي هذا أيضاً إشارة إلى الاختلاف الذي يقع في حال التأمير، ولهذا قال: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا [البقرة:247]، يرون أنهم أولى به، ولكن مقياسهم مادي، فنظروا إلى المادة، والله سبحانه وتعالى أشار إلى أمر آخر يتعلق فيه وهو أن الله عز وجل آتاه بسطة العلم، وآتاه الله جل وعلا بسطة الجسم، حتى يتحقق في ذلك النصر.والعلماء عليهم رحمة الله يذكرون في أبواب السياسة الشرعية أن الولايات لا تتفق من جهة شروط صاحب الولاية إلا ما يتعلق بأمر الإسلام والأمانة، وما عدا ذلك فكل ولاية تختلف عن الأخرى، فالجهاد إذا اختلف في الجهاد بين أميرين: بين عابدٍ صالح ضعيف ليس بجريء، وبين جريء ولكنه قليل الديانة، يقال: في هذا الموضع الأمة بحاجة الجريء المقدام، ولو كان قليل الديانة في هذا الأمر، وهو أذخن في هذا الأمر، وكذلك ولاية المال فلها شروط تتعلق بأمر الأمانة أكثر من مسألة بسطة الجسم وكذلك العلم، فإن لها تعلقها، وكذلك ما يتعلق بولاية اليتيم، والولاية على النساء، وولاية الحسبة، كل ولاية لها شروطها عند العلماء.
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم ...)
الآية الثانية في هذا في قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:254]، هذه تتضمن معنى وربما يأتي معنا في سورة التوبة: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، في مسألة زكاة عروض التجارة. ‏
 زكاة حلي المرأة
كذلك في مسألة حلي المرأة في الذهب، حلي المرأة لا زكاة فيه على الصحيح، وثمة خلاف عند العلماء في هذه المسألة، ذهب جمهور العلماء وهو قول الإمام أحمد و الشافعي و مالك، وهو قول أيضاً جماعة من الصحابة صح عن خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قاٍل ذلك الإمام أحمد إلى أن حلي المرأة لا زكاة فيه، وذهب الحنفية إلى وجوب الزكاة وهو قول أهل الكوفة. والصواب عدم وجوب الزكاة، وذهب جماعة من الفقهاء أيضاً إلى أن زكاته عارية عند وجود من يحتاجه، إذا وجدت امرأة تحتاج الحلي في استعمالها في مناسبة ونحو ذلك، أن تعيره، فهذا مسقط للزكاة عندهم، قالوا: وإذا لم يعر عند وجود من يحتاج، فإنه حينئذٍ تجب فيه الزكاة، والأرجح في ذلك عدم وجوب الزكاة مطلقاً، ومن النساء من يكون لديها الحلي للاستعمال، ولكن لم تعرض لديها مناسبة، أن يكون ليس لدى المرأة يحصل في هذا الحول مناسبة زواج، أو وليمة، أو غيرها، فلم تحتج لذلك، فنقول: إنه لا عبرة بحدوث المناسبة وإنما العبرة بالقصد من الاقتناء، يكون لدى الإنسان سيارة لكن مر حول أو حولان وما استعملها لعدم حاجته إليها، لوجود كفاية له عن ذلك، فنقول حينئذٍ: العبرة بقصد الاقتناء في ذلك، هل قصدتها لأجل التجارة، أو قصدتها لأجل الاقتناء، أو كحال دار يكون لدى الإنسان دار هي مسكن له، ولكنه ما سكنها، فجلس سنة أو سنتين، نقول: لا زكاة فيها؛ لأن الأصل في ذلك أنه أراد الانتفاع منها واستعمالها، فلا يقال بوجوب الزكاة فيها.وأما حلي المرأة إذا اقتنته وقصدت به توفير المال أو ادخاره أو كنزه، فنقول حينئذٍ. بوجوب الزكاة ولو كانت حالته من جهة الظاهر هو حلي، فنقول: يجب في ذلك الزكاة.وبالله التوفيق والإعانة والسداد، ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [42] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net