اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [41] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [41] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
جعل الله عز وجل للمتوفى عنها زوجها الحق في البقاء في بيت زوجها حولاً كاملاً؛ وذلك رفقاً بها وجبراً لمصابها ولا يحق للورثة إخراجها، وأوجب على ورثة الزوج النفقة عليها خلال هذه المدة، وجمهور العلماء أن هذه النفقة تسقط بخروجها من البيت لغير عذر.وفرق الله بين حكم المطلقة وحكم المتوفى عنها زوجها فحرم على الأولى البقاء في البيت وأباح للثانية ذلك مدة عام؛ لأنها مكسورة غير متعرضة للخطاب بخلاف الأولى.
قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً...)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فقد تقدم الكلام معنا فيما يتعلق بالعدد، ومتعة الطلاق، وعدة المتوفى عنها زوجها، وفي متعتها، وتقدم معنا في عدد الطلاق ومهر المطلقة، وكذلك في أنواع الطلاق، وتكلمنا على المحافظة على الصلوات في قول الله عز وجل: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، وكذلك صلاة الخوف لما عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الأحزاب، وتكلمنا على ذلك، ويأتي تفصيل ذلك بإذن الله عز وجل في سورة النساء.توقفنا عند قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ [البقرة:240]، الله سبحانه وتعالى ذكر في عدة المتوفى عنها زوجها أنها تتربص أربعة أشهر وعشراً، وهذا مما لا خلاف عند العلماء عليهم رحمة الله تعالى فيه. وهذه الآية التي ذكر الله عز وجل فيها حال المرأة بعد وفاة زوجها ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أمرين: الأمر الأول: تربص المرأة بعد وفاة زوجها حولاً كاملاً، وهذا التربص هو تربص الزوجة في بيت زوجها.الأمر الثاني: ذكر الله عز وجل المتعة، مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ [البقرة:240]، يعني: أنه يجب للزوجة في مال زوجها المتاع مدة تربصها في بيت زوجها. هنا ذكر الله سبحانه وتعالى الوصية للأزواج أن يتربصن حولاً، وذكر الله سبحانه وتعالى كذلك المتعة حولاً، وفيما تقدم معنا أن الله جل وعلا جعل عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهرٍ وعشراً، وهذا في حق الزوجة من جهة المال، والسكنى بعد وفاة زوجها من غير الميراث.وأما الآية السابقة فالعدة التي تكون على المرأة وهي ما يسمى بالحداد، تقدم معنا الكلام على هذه المسألة.ومن العلماء من جعل هذه الآية سابقة للآية الأولى، ومنهم من جعل هذه الآية لاحقة للآية الثانية، ويأتي الكلام على ذلك. ‏
 أمر المرأة الثيب إليها
وقوله جل وعلا: فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ [البقرة:240]، إشارة إلى أن الثيب يرجع فيها إلى اختيارها بذاتها، ولا يرجع في هذا إلى وليها، ولكن وليها هو الذي يقوم بعقد النكاح، وتقدم معنا الكلام في ذلك عند قول الله سبحانه وتعالى: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ [البقرة:221]. وفي قوله سبحانه وتعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:240] إشارة إلى ما تقدم الكلام عليه أن الله سبحانه وتعالى فرق بين عِدِد النساء من جهة المطلقة، والمتوفى عنها زوجها، والتفريق في ذلك للخلاف بين الحالين، وهذا غاية في الإحكام، فالمفارقة بالطلاق تختلف عن المفارقة في أمر الوفاة.
قوله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين)
قول الله سبحانه وتعالى: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241]، ذكر الله سبحانه وتعالى هنا المطلقات بعدما ذكر الله عز وجل عدة الوفاة، والمتاع فيها، فالله سبحانه وتعالى فرّق بين متعة المتوفى عنها زوجها، وبين متعة المطلقة. تقدم معنا بعض أحوال المطلقات، المطلقة التي طلقها زوجها قبل أن يفرض لها وقبل أن يمسها، وتقدم معنا في المطلقة التي فرض لها زوجها وقبل أن يمسها، وتقدم معنا الذي مسها زوجها ولم يفرض لها، والذي مسها زوجها وقد فرض لها، باعتبار أن الحالتين الأخيرتين يستحقان المهر كاملاً، فهذه ما قبض لها، وهذه تأخذ مهر المثل. وأما بالنسبة للمرأة التي فرض لها زوجها ثم طلقها ولم يمسها، فلها نصف المهر، وأما المرأة التي طلقها زوجها ولم يفرض لها ولم يمسها فلها المتعة، وهذا محل خلاف عند العلماء على ما تقدمت الإشارة إليه. ‏
 كمال العقول في تدبر آيات الله
ثم ذكر الله سبحانه وتعالى في بيان آياته: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:242]، وهذا فيه إشارة أن الإنسان كلما كان أبصر بالعبر والحكم من آيات الله عز وجل فهو أوفر عقلاً ويعرف كمال عقل الإنسان بإيصاله لحكم الله عز وجل بتشريعاته، ويعرف نقص عقل الإنسان في حرمانه في عدم إلغاء رعايات الله سبحانه وتعالى وحكمه من التشريع، وكلما وجد الإنسان في عقله انغلاقاً أو في نفسه عن فهم مراد الله سبحانه وتعالى فليعلم أن ثمة قصوراً في عقله، ولهذا نقول: إن الشريعة كاملة والقصور في العقول، كذلك القصور لا يكون في البيان؛ لأن الله عز وجل بين، (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ) فالله عز وجل بين هذه الأحكام فهي ظاهرة، إذاً: القصور من عدم استيعاب العقول لذلك البيان، والعاقل إذا أعطى عقله ونفسه فرصة لتأمل مراد الله وجد ذلك ظاهراً، ولكن عيب العقول أنها تستعرض حكم الله عز وجل على عجل، الله عز وجل يقول: سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37]، لا تستعجل في الآية والحكمة، بل عليك بالنظر والتدبر والتفكر، يفتح لك المغلق من معاني الأحكام ومرادها، والإنسان ينبغي له إذا أراد أن يفهم شيئاً، أن يعلم أن الله عز وجل لا يحرمه في فهم آية من آيات كتابه إلا بسبب ذنب، ولهذا نقول: إن الاستغفار من دواعي فهم الآية، وكذلك يفتح مغاليق القلوب والعقول المحجوبة عن تدبر كلام الله سبحانه وتعالى، ولهذا ابن تيمية رحمه الله يقول: إذا استغلق عليّ من كلام الله عز وجل شيئاً لزمت الاستغفار حتى يفتح عليّ فيه؛ لأن القلب يغلق بالذنب، والذي يزيل الذنب؟ هو الاستغفار، فإذا زال الذنب بالاستغفار انفرج القلب والعقل، فإذا انفرج القلب والعقل رأى الحجة ظاهرة بينة، ولهذا يحرم الناس فهم الحجة وبيانها وتجليها بسبب القيد الذي يكون على القلوب والعقول، ولهذا يحرم الإنسان التدبر والتأمل بسبب الذنوب التي تقع منه، فينبغي له أن يكثر من الاستغفار والتوبة والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، ولهذا جعل الله جل وعلا آياته بينة: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:242]، والله سبحانه وتعالى بظهورها وجلائها تلك الآيات والأحكام أنها إليه، إلا أنه أضافها إليه لبيان منزلتها، وكذلك هو لا ينظر إليها، ولا تعامل كمعاملة الآيات والتشريعات والأحكام التي تكون من سائر الناس، فالله سبحانه وتعالى حكمه ماضٍ وقاضٍ على حكم خلقه جل وعلا.نكتفي بهذا القدر، أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [41] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net