اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحاديث المعلة في الطهارة [5] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الأحاديث المعلة في الطهارة [5] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
من الأحاديث المعلة حديث: (ما ألقى البحر أو جزر عنه ميتاً فكلوه وما طفا عليه ميتاً فهو حرام) ، وحديث: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)، وحديث: (ستر ما بين عورات بني آدم وأعين الجن قول: باسم الله). ومما ينبغي لطالب العلم مراعاة تركيب الإسناد، فقد يكون الراوي مشهوراً بالرواية عن شيخ لكنه أحياناً يذكر واسطة لم يشتهر بالرواية عنها.وعليه أيضاً أن يراعي أموراً عند الحكم على رواية المدلس منها: معرفة نوع التدليس، وأن المدلس أحياناً لا يدلس إلا عن أناس محدودين، ومن اشتهر بكثرة الرواية من المقل ونحو ذلك.
حديث: (ما ألقى البحر أو جزر عنه ميتاً فكلوه وما طفا عليه ميتاً فهو حرام)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فنتكلم في هذا اليوم على جملة من الأحاديث المعلة في أبواب الطهارة.الحديث الأول: حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما ألقى البحر أو جزر عنه ميتاً فكلوه، وما طفا عليه ميتاً فهو حرام ).هذا الحديث رواه أبو داود و ابن ماجه في كتابه السنن من حديث يحيى بن سليم الطائفي عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وقد اختلف في رفعه ووقفه، وقد تفرد بروايته على هذا الوجه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ، و إسماعيل بن أمية مع كونه ثقة إلا أنه قد خولف في هذا، فرواه جماعة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله موقوفاً عليه، فرواه سفيان الثوري و ابن جريج و زهير و عبيد الله بن عمر و أيوب و حماد بن سلمة كلهم عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله موقوفاً عليه وهو أصح.وقد اختلف فيه على سفيان الثوري بين الوقف والرفع, فرواه وكيع و عبد الرزاق و عبد الله بن وليد العدني و مؤمل و أبو عاصم كلهم عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله موقوفاً.ورواه أبو أحمد الزبيري عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله مرفوعاً وهو وهم وغلط، والصواب في ذلك أنه موقوف على جابر بن عبد الله .وقد جاء من وجوه أخرى أيضاً لا تصح مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رواه ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله مرفوعاً، وهذا الإسناد مع كون ظاهره الحُسْن إلا أن البخاري عليه رحمة الله تعالى قد أعله، كما نقل ذلك الترمذي في كتابه العلل أن البخاري عليه رحمة الله قال: إني لا أعرف لـابن أبي ذئب عن أبي الزبير حديثاً، والمراد من ذلك أن ابن أبي ذئب في روايته عن جابر بن عبد الله لا يروي بواسطة أبي الزبير , وإنما بواسطة غيره، فإنه يروي عن شرحبيل بن سعد عن جابر بن عبد الله , ويروي عن المقبري عن جابر بن عبد الله , ويروي عن المقبري عن القعقاع عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارة موقوفاً. ‏
 تفرد الراوي عن شيخه برواية حديث في مسائل الأصول دون غيره من مشاهير زملائه
ومن قرائن التعليل التي يستفاد منها في الكلام على هذا الخبر، النفس الذي ظهر من كلام البخاري بإعلاله لهذا الحديث أنه قال: بتركيب طريق ابن أبي ذئب عن أبي الزبير ، وهذا حينما يقف عليه، وقد وقف عليه بعض المتأخرين وحكم عليه بالصحة، باعتبار أن ابن أبي ذئب قد تابع إسماعيل بن أمية في روايته عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ، وقال: هذه المتابعة قوية وتكون حينئذ صحيحة، وهذا فيه نظر فإن تراكيب الإسناد مردها إلى معرفة الأخذ، فــأبو الزبير له أحاديث كثيرة عن جابر بن عبد الله ، وهذه الأحاديث التي يرويها أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أخذها عنه أصحابه، وثمة من أصحابه من هو مشهور بالأخذ عنه، وممن أخذ عنه شعبة بن الحجاج وجماعة، وأمثال هذه الرواية التي تروى بمثل هذا الأصل الذي جاء النص فيه في كلام الله جل وعلا وتفرد به من هو دونه دليل على النكارة ولو لم يركب الإسناد؛ لأنه بحاجة إلى ما هو أقوى من ذلك.ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يتكلم على حديث من الأحاديث ووجد متابعات أن ينظر في الشيوخ والتلاميذ، وأن ينظر في بلدان المحدثين وأصحابهم، وأن ينظر في عدد الأحاديث التي رواها، فإذا نظرنا في رواية ابن أبي ذئب عن أبي الزبير فإننا لا نجد له أحاديث إلا هذا الحديث, وهذا من علامات النكارة التي يرد بها الحديث.
حديث: (كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك)
الحديث الثاني: حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك ).هذا الحديث رواه أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه ، و الدارمي و ابن خزيمة و ابن حبان و الحاكم وجماعة من حديث إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه أبو بردة بن عبد الله بن قيس عن عائشة عليها رضوان الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث قد تفرد بروايته إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة ، و يوسف بن أبي بردة لا تعرف حاله وهو من المستورين، وهذا الحديث قد جاء من هذا الوجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ بقوله: ( غفرانك ). قد جاء عند ابن خزيمة في بعض النسخ: ( غفرانك ربنا وإليك المصير )، وجاء في نسخة: ( غفرانك وإليك المصير )، وهذه الزيادة زيادة منكرة، قد أنكرها غير واحد من الأئمة كالإمام البيهقي عليه رحمة الله تعالى كما في كتابه السنن، وقال: لعله زادها بعض أصحابه، أو بعض النساخ فزادها فيه؛ وذلك لعدم ورودها في مجموع المصنفات والطرق التي جاءت في الحديث عن إسرائيل عن يوسف بهذا, فلم تأتي من وجه من الوجوه. قد جاءت في بعض النسخ كما ذكر البيهقي وغيره كـابن الملقن أنه قد جاء هذا الحديث في بعض النسخ الصحيحة، ولم تذكر هذه الزيادة مما يدل على اطراحها وعدم صحتها.وهذا الحديث قد تفرد به يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة , وهو كما قال أبو حاتم : أصح شيئاً جاء في هذا الباب، والتفرد في ذلك قد نص عليه الترمذي و البزار و الدارقطني و الطبراني وغيرهم.وأما قول أبو حاتم عليه رحمة الله: أنه أصح شيء جاء في هذا الباب، فيظهر من كلامه أنه يعل ما جاء في هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: في أبواب الدعاء عند الخروج من الخلاء، لا عند الدخول، فإن حديث الدخول في الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أعوذ بالله من الخبث والخبائث )، ومراده بذلك عند الخروج. والغرابة في هذا الحديث في قول بعض الأئمة كـالبزار والترمذي وغيرهم: أنه لا يعرف إلا من حديث يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، فيقال: إن مرادهم بذلك أنه لا يعرف من وجه يحتمل ويثبت، وإلا فقد جاء من وجه آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير حديث عائشة ، فقد رواه ابن عدي في كتابه الكامل من حديث علباء بن أحمر و عبد الله بن بريدة عن أبيه، و علباء بن أحمر يرويه عن علي بن أبي طالب ، و عبد الله بن بريدة يرويه عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا الخبر منكر؛ فقد تفرد به حفص ، كما ذكر ذلك ابن عدي في كتابه الكامل، ولا يصح هذا الحديث إلا من حديث عائشة . وأما العلة التي أعله بها بعض العلماء فإن هذا الحديث قد أعله بعض الحفاظ كـابن الجوزي في كتابه العلل المتناهية، فإنه أورد هذه الخبر في كتابه الموضوعات، وكذلك ذكره الدارقطني عليه رحمة الله في كتابه الأفراد والغرائب, وقال: إنه قد تفرد به يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة وهو معل له بذلك. وقد أعله أيضاً في ظاهر سياقه الذهبي عليه رحمة الله في كتابه ميزان الاعتدال، فإنه أورد هذا الحديث في ترجمة يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى. ‏
 بعض قرائن قبول حديث: (كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك)
وهذا الحديث قد احتمله بعض الأئمة ولم يعله جماعة منهم ممن تكلم عليه، وإنما استعملوا عبارة أخرى وهي قولهم: أصح شيء في الباب، كما جاء عن أبي حاتم كما نقل عنه ابن أبي حاتم في كتابه العلل قوله: أصح شيء في الباب، مع كون الحديث في هذه العلة وتفرد يوسف وهو مستور إشارة إلى احتمال قبوله، واحتمال القبول جاء من وجه وهو أن يوسف بن أبي بردة مع كونه مستوراً فإنه يروي عن أبيه، ورواية المستور عن أبيه الثقة، وأبوه هو ابن أبي موسى الأشعري ، و ابن أبي موسى معروف وهو من الأئمة الثقات، يروي عن أبيه وعن عائشة عليها رضوان الله تعالى، ويروي أيضاً عن جماعة، فرواية المستور عن أبيه وهو أدرى بأبيه وإن كان مستوراً, فإذا أمنا نكارة المتن، وكذلك عرفنا القربى بين الراوي المستور وشيخه فإن هذا من قرائن القبول. كذلك فإن الذي تفرد بروايته عنه إسرائيل وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي هو من الثقات النبلاء, وهو من رجال الصحيحين، وقد رواه عن إسرائيل بن يونس جماعة من الثقات، وعنه اشتهر واستفاض.فلهذا يقال: بأن هذا الحديث محتمل التحسين ولا بأس به، ومن أعله فإعلاله فيه نظر؛ وذلك لما تقدمت الإشارة إليه.الأمر الثاني: أن هذا الحديث لم يرو في بابه ما هو أقوى منه كحال الدخول، ولو ورد في الباب ما هو أقوى منه لملنا إلى إعلاله.وقول أبي حاتم عليه رحمة الله: أصح شيء في الباب، إشارة إلى أنه ما جاء في الباب ما هو أصح منه فيعل، ولو ورد في الباب ما هو أقوى منه بإسناد أظهر قوة لدعانا إلى إعلاله، ولما كان كذلك لم يرد في الباب إلا هو فاحتمل.الأمر الثالث: أن هذا الحديث في أبواب الأدعية والأذكار, وهو من أدنى مراتبها لا من أعلاها، وذلك أن الأذكار التي يراد منها حمد لله سبحانه وتعالى، ويراد منها حرز، والحرز يكون قبل مباشرة الحدث، يعني: قبل دخول الإنسان إلى الخلاء، ولهذا الدخول إلى الخلاء جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك بأسانيد كالشمس، وأما حديث الخروج لكونه متضمناً لحمد الله سبحانه وتعالى على نعمته فكان دون الدخول مرتبة, فحمل من هو دون ذلك، والرواة الكبار في روايات الأدعية والأذكار يهتمون بضبط الأحاديث التي فيها حرز في بابها، وأما ما كانت من جملة مطلق الأدعية والأذكار التي لا تتضمن حرزاً وإنما من الأذكار التي يثاب عليها الإنسان من حمد الله سبحانه وتعالى وتسبيحه وغير ذلك، فإن هذا يرويه الواحد منهم ويدعه الجماعة، وهذا ظاهر في هذا الحديث. وأيضاً فإن ذلك دلت عليه الأصول العامة وهو أن الإنسان إذا أزال الله جل وعلا عنه الأذى فإنه يحمد الله سبحانه وتعالى على ما أنعم عليه من زوال ذلك. واختلف تعليل العلماء في سبب سؤال الله الغفران في علل مختلفة متباينة، ولا يظهر لي رجحان شيء منها. وهذا يؤخذ منه أن الراوي المجهول لا يعل بإطلاق, وإنما يحتمل قبول روايته في بعض الأحيان، بالنظر إلى جملة القرائن المحتفة ببعض المتون، وكذلك النظر إلى شيوخه؛ فإذا كان مجهولاً يروي عن أبيه أو عن أمه، أو كان من النساء، أو أبوه أو جده ونحو ذلك, أو من بيت صحبة ونحو ذلك فإن ثمة وازعاً من الطبع يبعده عن الخلط المتعمد، أو عدم العناية بضبط المرويات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن يوسف بن أبي بردة يروي عن أبيه وجده أبي موسى الأشعري عليه رضوان الله تعالى، و أبو بردة هو من أجل التابعين وخيارهم وفضلائهم، وكذلك فإن روية الثقة عنه وهو إسرائيل مع تفرده بهذا الحديث وإخراج الأئمة لهذا الحديث في هذا الباب من قرائن قبوله.
حديث: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)
وأما الأحاديث التي جاءت في هذا الباب التي أشار إليها أبو حاتم عليه رحمة الله تعالى بقوله: أصح شيء جاء في هذا الباب، فهي إشارة إلى أن ثمة أحاديث قد جاءت في هذا الباب وهي دونه مرتبة, وذلك ما جاء في حديث أبي ذر و أنس بن مالك , و حذيفة بن اليمان عليهم رضوان الله تعالى، وذلك في قوله: ( الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني )، وهذا الحديث -هو الحديث الثالث- قد رواه ابن ماجه في كتابه السنن من حديث إسماعيل بن مسلم عن الحسن و قتادة عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاء من حديث أبي ذر , وجاء أيضاً موقوفاً على أبي ذر , وموقوفاً على حذيفة بن اليمان , وجاء مرفوعاً وموقوفاً من حديث عبد الله بن عباس.وحديث أنس بن مالك قد تفرد به إسماعيل من هذا الوجه، وحديثه في ذلك ضعيف. وقد جاء من حديث عبد الله بن عباس كما رواه الدارقطني في كتابه العلل من حديث زمعة عن سلمة بن وهرام عن طاوس عن عبد الله بن عباس , فيرويه زمعة عن سلمة بن وهرام عن طاوس عن عبد الله بن عباس , وجاء على وجهين: فجاء من قول طاوس بن كيسان , وجاء من حديث عبد الله بن عباس ، والصواب في ذلك أنه من قول طاوس بن كيسان لا من حديث عبد الله بن عباس , كما رجح ذلك الدارقطني .وقد جاء أيضاً عند ابن أبي شيبة ورواه الدارقطني في كتابه السنن من حديث شعبة بن الحجاج عن منصور بن المعتمر عن أبي الفيض عن ابن أبي حثمة عن أبي ذر مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خالف شعبة سفيان الثوري في روايته لهذا الحديث، فرواه عن منصور عن رجل عن أبي علي عبيد بن علي عن أبي ذر ، ورواه سفيان الثوري عن منصور عن أبي عبيد علي بن عبيد عن أبي ذر موقوفاً عليه، وصوب الوقف ورواية سفيان الثوري جماعة من الحفاظ؛ كـأبي زرعة والدارقطني , وذهب بعض العلماء إلى أن شعبة بن الحجاج قد وهم في رواية هذا الحديث في اسم أبي الفيض ، والصواب أن الكنية التي يتكنى بها هي أبو علي عبيد بن علي عن أبي ذر، والصواب في ذلك أيضاً الوقف، وجاء بالحديث على وجهه سفيان الثوري فقال: يرويه منصور وتارة يقال: عن رجل، وتارة يقال: منصور عن أبي علي عبيد بن علي عن أبي ذر موقفاً، وقال أبو زرعة : إن شعبة وهم في اسم الراوي، وضبطه سفيان الثوري , وقال: إن وهْم شعبة في أسماء الرجال كثير, و شعبة بن الحجاج مع جلالة قدره فإنه ربما يهم في أسماء الرجال.والأئمة عليهم رحمة الله في ذكرهم هذا عن شعبة بن الحجاج الوهم في أسماء الرواة كـأبي حاتم والبيهقي , والإمام أحمد إشارة إلى شدة ضبط هذا الإمام، وأنه مع شدة ضبطه الوهم الذي يرد عنه مقارنة بالمتون فإنه يهم في الأسانيد ولا يكاد يهم في المتون، وإذا أردنا أن نقارن وهم شعبة بن الحجاج في أبواب الأسانيد مع وهم الثقات المتوسطين لوجدنا أن أوهام شعبة بن الحجاج عنده لا تذكر، وإنما يريدون من ذلك أمرين:الأمر الأول: أنه عند المخالفة، إذا خالفه من هو أجل منه في أبواب ضبط الأسانيد كـسفيان الثوري فإن سفيان الثوري يقدم، ومع جلالة سفيان الثوري في هذا الباب فإن أبا حاتم قد توقف في هذا، قال: ولا أدري أيهما الصواب، يعني: لا شعبة ولا سفيان لجلالة هذين الإمامين، وعند التضاد فإنه إذا كان في جلالة شعبة أو من هو فوقه أو قريناً له فإنه يقدم عليه عند اختلاف أسماء الرواة، فإنه ربما وهم شعبة في هذا، وبعض العلماء قد جمع الأوهام التي وهم شعبة فيها في أسماء الرواة.الأمر الثاني: أن الاختلاف في أبواب الأسانيد ينبغي ألا يصرف إلى اختلاف الذات، فإننا إذا نظرنا إلى هذا الإسناد فإنه يروى من حديث منصور عن أبي الفيض ، وتارة يقال: عن أبي علي , فالكنية هنا متباينة، والوهم في ذلك محتمل من أحد الرواة، ولهذا إذا وجد الإسناد مغايراً في الرجل فينظر إلى ذات الراوي الذي يروي ذلك الإسناد، هل هو ممن يوصف بأنه يغلط في أسماء الرواة أم لا؟ حتى لا يقال: إن فيه راوياً مجهولاً تابعه راو آخر ونحو ذلك، وهذا ينظر فيه في تراجم الرواة, ومن تكلم على أبواب الأسانيد من الأئمة. وجاء هذا الحديث أيضاً من حديث جويبر عن الضحاك عن حذيفة بن اليمان موقوفاً عليه, كما رواه ابن أبي شيبة في كتابه السنن، وهذا الحديث ضعيف بجميع طرقه.وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض المراسيل كما جاء ذلك من حديث إبراهيم التيمي, ولا يصح منها شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 بعض قرائن قبول حديث: (كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك)
وهذا الحديث قد احتمله بعض الأئمة ولم يعله جماعة منهم ممن تكلم عليه، وإنما استعملوا عبارة أخرى وهي قولهم: أصح شيء في الباب، كما جاء عن أبي حاتم كما نقل عنه ابن أبي حاتم في كتابه العلل قوله: أصح شيء في الباب، مع كون الحديث في هذه العلة وتفرد يوسف وهو مستور إشارة إلى احتمال قبوله، واحتمال القبول جاء من وجه وهو أن يوسف بن أبي بردة مع كونه مستوراً فإنه يروي عن أبيه، ورواية المستور عن أبيه الثقة، وأبوه هو ابن أبي موسى الأشعري ، و ابن أبي موسى معروف وهو من الأئمة الثقات، يروي عن أبيه وعن عائشة عليها رضوان الله تعالى، ويروي أيضاً عن جماعة، فرواية المستور عن أبيه وهو أدرى بأبيه وإن كان مستوراً, فإذا أمنا نكارة المتن، وكذلك عرفنا القربى بين الراوي المستور وشيخه فإن هذا من قرائن القبول. كذلك فإن الذي تفرد بروايته عنه إسرائيل وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي هو من الثقات النبلاء, وهو من رجال الصحيحين، وقد رواه عن إسرائيل بن يونس جماعة من الثقات، وعنه اشتهر واستفاض.فلهذا يقال: بأن هذا الحديث محتمل التحسين ولا بأس به، ومن أعله فإعلاله فيه نظر؛ وذلك لما تقدمت الإشارة إليه.الأمر الثاني: أن هذا الحديث لم يرو في بابه ما هو أقوى منه كحال الدخول، ولو ورد في الباب ما هو أقوى منه لملنا إلى إعلاله.وقول أبي حاتم عليه رحمة الله: أصح شيء في الباب، إشارة إلى أنه ما جاء في الباب ما هو أصح منه فيعل، ولو ورد في الباب ما هو أقوى منه بإسناد أظهر قوة لدعانا إلى إعلاله، ولما كان كذلك لم يرد في الباب إلا هو فاحتمل.الأمر الثالث: أن هذا الحديث في أبواب الأدعية والأذكار, وهو من أدنى مراتبها لا من أعلاها، وذلك أن الأذكار التي يراد منها حمد لله سبحانه وتعالى، ويراد منها حرز، والحرز يكون قبل مباشرة الحدث، يعني: قبل دخول الإنسان إلى الخلاء، ولهذا الدخول إلى الخلاء جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك بأسانيد كالشمس، وأما حديث الخروج لكونه متضمناً لحمد الله سبحانه وتعالى على نعمته فكان دون الدخول مرتبة, فحمل من هو دون ذلك، والرواة الكبار في روايات الأدعية والأذكار يهتمون بضبط الأحاديث التي فيها حرز في بابها، وأما ما كانت من جملة مطلق الأدعية والأذكار التي لا تتضمن حرزاً وإنما من الأذكار التي يثاب عليها الإنسان من حمد الله سبحانه وتعالى وتسبيحه وغير ذلك، فإن هذا يرويه الواحد منهم ويدعه الجماعة، وهذا ظاهر في هذا الحديث. وأيضاً فإن ذلك دلت عليه الأصول العامة وهو أن الإنسان إذا أزال الله جل وعلا عنه الأذى فإنه يحمد الله سبحانه وتعالى على ما أنعم عليه من زوال ذلك. واختلف تعليل العلماء في سبب سؤال الله الغفران في علل مختلفة متباينة، ولا يظهر لي رجحان شيء منها. وهذا يؤخذ منه أن الراوي المجهول لا يعل بإطلاق, وإنما يحتمل قبول روايته في بعض الأحيان، بالنظر إلى جملة القرائن المحتفة ببعض المتون، وكذلك النظر إلى شيوخه؛ فإذا كان مجهولاً يروي عن أبيه أو عن أمه، أو كان من النساء، أو أبوه أو جده ونحو ذلك, أو من بيت صحبة ونحو ذلك فإن ثمة وازعاً من الطبع يبعده عن الخلط المتعمد، أو عدم العناية بضبط المرويات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن يوسف بن أبي بردة يروي عن أبيه وجده أبي موسى الأشعري عليه رضوان الله تعالى، و أبو بردة هو من أجل التابعين وخيارهم وفضلائهم، وكذلك فإن روية الثقة عنه وهو إسرائيل مع تفرده بهذا الحديث وإخراج الأئمة لهذا الحديث في هذا الباب من قرائن قبوله.
حديث علي: (ستر ما بين عورات بني آدم وأعين الجن قول: باسم الله)
الحديث الرابع: في هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ستر ما بين عورات بني آدم وأعين الجن قول: باسم الله ). وهذا الحديث قد رواه الترمذي وغيره من حديث أبي إسحاق عن أبي جحيفة عن علي بن أبي طالب، وقد تفرد به شيخ الترمذي محمد بن حميد الرازي وهو مضعف.وهذا الحديث قد نسبه بعضهم إلى الإمام أحمد في مسنده وليس في المسند المطبوع، وقد رواه كذلك أيضاً ابن ماجه في كتابه السنن. وهذا الحديث حديث علي بن أبي طالب معلول بـمحمد بن حميد , وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أنس بن مالك و أبي سعيد الخدري , فحديث أنس بن مالك رواه ابن عدي و الطبراني من حديث الأعمش عن زيد العمي عن أنس بن مالك ، وجاء أيضاً من حديث جابر بن عبد الله رواه ابن منيع في كتابه المسند من حديث زيد العمي عن جعفر العبدي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزيد العمي ضعيف, وقد وهم فتارة يجعله من مسند أنس بن مالك ، وتارة يجعله من مسند أبي سعيد الخدري وكلها وهم وغلط.وبعض من تكلم على هذا الحديث جعل حديث أبي سعيد الخدري شاهداً لحديث أنس بن مالك وهذا وهم وغلط.وقد جاء هذا الحديث مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء أيضاً موقوفاً على بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا يصح من هذه الطرق شيء. ‏
 دواعي التدليس عند الرواة
ودواعي التدليس كثيرة عند الأئمة منها: الأمر الأول: ما يكون لشرف الانتساب إلى الأعلى وترك الأدنى، ولا يريدون بذلك الكذب.الأمر الثاني: أن يكون الراوي فيه مطعن عند غيره وهو يثق به، فإذا حدث به عند غيره وذكر اسمه طرحوه مع أنه يثق بصدقه في هذا الموضع، وهذا يرد عند بعض الأئمة.الأمر الثالث: أن يراد به الكذب والتدليس وهذا عند جملة من الكذابين والوضاعين.الأمر الرابع: أن يختصر الراوي الشيوخ، وهذا يوجد عند بعض الأئمة، ولا يوصفون بالتدليس، فالذين يقطعون الإسناد إما أن يكون لمعرفة التلاميذ به، فيعرف التلاميذ أنه لم يسمع من شيخه، وإنما يحدد الواسطة المعروفة فذكر في هذا الموضع، فكان في المجلس غريب, فسمع هذا الإسناد ورواه على هذا الوجه. والتوسع في إطلاق التدليس على أئمة كبار ونحو ذلك مع كون هذه اللفظة شديدة، ويشدد فيها الأئمة فيه ما فيه، وقد توسع بعض الأئمة المتأخرين في إطلاق التدليس حتى شُمل البخاري بوصف التدليس, فجعل من طبقة متأخرة من المدلسين، وهذا ليس المراد به التدليس المعروف المذموم، وإنما يراد به أنه لا يصرح بالسماع عن بعض شيوخه، مما يحتمل معه التدليس.وبهذا القدر نكتفي.
الأسئلة

 حمل رواية أبي إسحاق السبيعي على السماع إذا عنعن
السؤال: أبو إسحاق السبيعي إذا روى وعنعن هل الأصل حمل روايته على السماع أم لا؟الجواب: لا يخلو ذلك من النظر إلى تلاميذ أبي إسحاق ، فإذا كان من كبار الحفاظ والثقات كـإسرائيل و شعبة و سفيان فإنه يحمل على السماع؛ لأن هؤلاء يحترزون جداً، فإذا انضم احتراز هؤلاء مع ثقة أبي إسحاق فإنه يقال: إن روايته -ولو عنعن- تحمل على السماع، أما إذا روى عنه غير هؤلاء وكان المتن يعل بأدنى علة، فإنه يعل بالعنعنة ويطلب حينئذ السماع.فالأصل قبول رواية إسرائيل و شعبة و سفيان بخلاف غيرهم؛ لأن أبا إسحاق له أصحاب كثر.وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحاديث المعلة في الطهارة [5] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net