اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أسباب النزول [3] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


أسباب النزول [3] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
اختلف العلماء في المرويات المتعلقة بأبواب التفسير بين الوقف والرفع لأدلة ذكروها في هذا الجانب، وأما ما كان من أسباب النزول فقد نص بعضهم على أن لها حكم الرفع، ولهم حالات في التعامل معها بين التشديد والتساهل، فيشددون في المرفوع والوارد في آي الأحكام وما كان خاصاً ما لا يشددون في غيرها.وقد اعتنى الأئمة بأسانيد أسباب النزول رواية وتصنيفاً إلا أن في مصنفاتهم ذكر الصحيح والضعيف مما ينبغي على طالب العلم أخذ الحيطة في الاستفادة من ذلك، والنظر في صور التمييز بينها.
تعامل العلماء مع المرويات في أبواب التفسير
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:فتقدم معنا الكلام على جملة من مسائل أسباب النزول, وفي هذا المجلس بإذن الله تعالى نتكلم على ما يتعلق بأسانيد أسباب النزول, وكذلك مظانها من جهة الصحة والضعف, والمصنفات الممكنة في ذلك, وكذلك طرائق العلماء في التعامل مع هذه الأسانيد. وهذا من الأمور المهمة, وهي خلاصة ما نتكلم عليه من أسباب النزول.وينبغي لطالب العلم أنه ما دخل علماً من العلوم إلا ويعتني بصحته ونقاوته من الدخيل فيه, وذلك أنه لا يخلو علم من العلوم أياً كان، سواء كان من العلوم العقلية أو العلوم النقلية إلا ويوجد دخيل فيها, فعناية طالب العلم بذلك من أعظم المهمات وأجلها.وذلك أن عدم العناية بذلك يؤثر على عمله بذلك المعلوم, فإذا كان ضعيفاً كان عمله ضعيفاً, وإذا كان ذلك المروي أو ذلك المعلوم خطأ كان العمل خطأ, وإذا كان ممزوجاً بخطأ وضعف كانت نسبة الخطأ في العمل بقدر نسبته في الضعف. وهذا أمر معلوم. أولاً: العلماء عليهم رحمة الله كما تقدم يتعاملون مع المروي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبواب التفسير على أنه في حكم المرفوع, وقد تقدم هذا أنه على قولين عند العلماء, منهم من قال: إنه على الإطلاق سواء كان في أسباب النزول أو كان في غيرها.وهذا جاء الإشارة إليه في كلام بعض العلماء كما تقدم الكلام عليه عند الحاكم كما في كتابه المستدرك, وكذلك في علوم الحديث وغيرها.ومنهم من قال: إن لها حكم الوقف وليس لها حكم الرفع, ويستثنون من ذلك ما كان من أسباب النزول, قال: وما كان من أسباب النزول فقد حكي الإجماع على هذا.وقد نص بعض العلماء أن ما كان من أسباب النزول فإنه على الإجماع له حكم الرفع.وإذا قلنا بذلك, والمتقرر في طرائق الأئمة النقاد أن الحكم على الأحاديث يتباين, فالمرفوع يشدد فيه ما لا يشدد في الموقوف, وما كان من أبواب الأحكام فإنه يشدد فيه ما لا يشدد في غيره, وهذا من الأمور التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم, أي: أنه يميز بين مراتب المتون التي يحكم عليها.وقد أشار غير واحد من العلماء في أثناء كلامهم على التفريق بين الموقوف والمرفوع, ونحن في أبواب التفسير وفي أبواب أسباب النزول يندرج الخلاف في هذه تحت خلاف آخر, وهو: هل هذا في حكم المرفوع أم لا؟فيتبع ذلك خلاف, وهو الخلاف الذي يقع فيه في التعامل مع تلك المرويات التي هي في أسباب النزول أو في أبواب التفسير على وجه العموم. وطرائق العلماء في التعامل معها, وهذا ما سنتكلم عليه بإذن الله تعالى.أولاً: من أشار إلى أن المرويات في أسباب النزول قد تقدم تعليلهم في ذلك, والوجه الذي قالوه: إن لها حكم الرفع, وأما من قال: إن جميع مرويات التفسير لها حكم الرفع, وهذا مروي عن بعضهم كما تقدم الكلام عليه.وتعليلهم في ذلك: أنه لا يجوز لأحد أن يخوض في كلام الله جل وعلا إلا ببينة ودليل, فإذا كان كذلك فهو مستندهم للرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فوجب حينئذ في هذا أن يرجع إلى التعامل مع المرويات الموقوفة في أبواب التفسير في تعاملنا مع المرويات المرفوعة. وإذا كان كذلك فإننا نشدد فيها من هذا الوجه.وكذلك قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أنزل الله جل وعلا عليه كتابه فإن التأويل إلى الله, كما تقدم الإشارة إليه: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:19] , أي: أنه ليس عليك ولا على غيرك, وإنما هو من حق الله جل وعلا, فليس لأحد أن يخوض في كلام الله سبحانه وتعالى بظن أو بغلبة ظن إلا بالرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.وما أقر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على تأويل فله حكم الرفع, وذلك أن المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون من القول والفعل والتقرير.فكان اللسان العربي نزل عليه القرآن فأدركوا ذلك المعنى, فيكون حينئذ خطاب القرآن إلى الصحابة كخطاب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم من جهة إدراك المعنى, فهم يدركونه على حد سواء, بل إن كلام الله جل وعلا أفصح وأدق وأشمل من سائر كلام البشر, وهذه مزية لكلام الله سبحانه وتعالى ليست لغيره من سائر أنواع الكلام.ولكن من جهة الأصل ينبغي قبل الولوج في الخوض في أحكام العلماء على أسانيد أسباب التنزيل أن ينبه على مسألة: أن العلماء من جهة الأصل والتقعيد يخففون في النظر في أسانيد التفسير على وجه العموم. وإذا كان كذلك فهل يندرج في هذا أسباب النزول باعتبار أنها من وجوه التفسير أم لا؟وهذا ما ينبغي أن ندقق فيه، وأن نفرق بين أمرين:الأمر الأول: أن نفرق بين المرويات التي تسمى النسخ, أي: أسانيد مدونة ومكتوبة ولم تكن مما ينقل في الحفظ, وما كان كذلك فإنه لا ينظر إليه بالنظر في أبواب الأحكام, وخاصة في أسباب النزول التي تدل على سبب معين لآية دلت على الأحكام, فإننا نتعامل معها بتعامل يختلف عن غيرها.وذلك أن النسخة التي تروى وفيها سبب نزول هي نسخة لا ينظر فيها إلى الضبط, وذلك أن الضبط على نوعين: ضبط صدر, وضبط كتاب, وضبط الصدر هو الذي يعتني به الإنسان، بضبط المروي من تلقاء نفسه وما ملكه من ملكة الضبط والحفظ والإتقان من غير أن يقيد من ذلك شيئاً في ورق أو رق أو جلد أو غير ذلك, فإنه لا يدون هذا باعتبار أنه يعتمد على محفوظه.وأما من يدون في النسخ فإنه لا ينظر إلى الضبط وإنما ينظر إلى العدالة, وعدالة الإنسان هي ما كان مسلماً وما كان مأموناً من الفسق, وكذلك يؤمن من الكذب, أما الضبط فإنه لا ينظر إليه في هذا الباب.لهذا ينبغي لطالب العلم أن يهتم بمعرفة النسخ المروية في ذلك, ومن نظر في الكتب المصنفة في هذا الباب ممن يتكلم على علل مرويات التفسير وأسباب النزول على سبيل التخصيص يجد أنه لا يفرق بين النسخ, ولا يفرق أيضاً بين أسانيد التفسير وغيرها, وهذا من الخطأ والخلل.وذلك أن الشخص حينما يأتيك بمكتوب ورسالة من شخص حملها إليه, وهذا الرجل ثقة في دينه لكنه لا يحفظ, وكانت هذه الورقة فيها كلام كثير أو منظومة شعرية في ثلاث صفحات أو أربع صفحات أو ملحمة أو مدونة ونحو ذلك, ثم أتاك وسلمك إياها, هل تنظر إلى حفظه هل هو يحفظ الكلام أو لا يضبط الكلام؟نقول: لا تنظر إلى ذلك, وإنما تنظر إلى عدالته وشدة احترازه, يعني: أنه هل إذا أتى إليك رمى الكتاب في موضع ثم تركه, وربما أتى شخص وأخذ الكتاب ووضع مكانه كتاباً آخر وهو غافل عنه, أو هو رجل حريص يقدر معنى الأمانة, فإذا كان هو من أهل العدالة في ذلك فلا ينظر إلى ضبط صدره.وما يدون في كتب الرجال هو من الضبط الذي يسمى ضبط الصدر لا ضبط الكتاب, وهذا ينبغي أن يلتفت إليه، أنه في أبواب الجرح والتعديل للرواة، العلماء يتكلمون على ضبط الصدر ولا يتكلمون على ضبط الكتاب.وإذا وجدت راوياً في أبواب التفسير قد تكلم عليه العلماء بضعف أو توثيق فإنهم يريدون بذلك في الأغلب ضبط الصدر لا ضبط الكتاب, وهذا من الأمور المهمة التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم.وإذا قلنا بهذا: فما هو المرد والفيصل في التمييز بين ضبط الصدر وضبط الكتاب؟نقول: يجب على طالب العلم أن يرجع في ذلك إلى مظانها من كلام العلماء في أبواب العلل وغيرها.العلماء لهم كلام مفرق في أبواب العلل, وكذلك أيضاً في كتب التفسير وطرائقهم في التعامل مع تلك المرويات المنثورة وليس لها قاعدة في ذلك. ثمة مصنفات في أبواب العلل نشير إليها مراراً, منها كتاب العلل لـــــابن المديني, كذلك العلل لـــــ ابن أبي حاتم والتاريخ الكبير للبخاري , وكذلك العلل للدارقطني , والضعفاء للعقيلي , والكتب التي اعتنت بالمفاريد، كالأفراد والغرائب للدارقطني، وكذلك مسند البزار , ومعاجم الطبراني . وكذلك الكتب التي اعتنت ببيان المعلول من الأحكام ولو اشتمل على شيء من معاني القرآن ككتاب سنن الدارقطني وغيره.ينبغي أن يرجع فيها إلى مظانها، فإن من كان له نسخة في ذلك فأمره يسير, بمعنى أن الراوي في أبواب ضبط الكتاب المشقة في ذلك أنك تنظر إليه, فإذا وجدته ضعيفاً فإنك تعمل ذلك في كل مروي من مروياته, وهذا يخضع إلى جملة من الضوابط لا توجد في ضبط الكتاب.ضبط الكتاب أنك إذا وجدت أن فلاناً يروي نسخة فإنك تحتاج إلى الوقوف على حكم العلماء على هذه النسخة فقط, وتكون هذه النسخة حينئذ فيها مئات أو آلاف الروايات, فحينئذ هذا ييسر عليك شيئاً كثيراً.فينبغي لطالب العلم أن يعتني بمعرفة النسخ عن غيرها, وألا يستعجل بالحكم على نسخة بحكم العلماء على راو من رواتها فيقع في الوهم والغلط.وكذلك أيضاً ينبغي أن يعتني طالب العلم بالأسانيد المروية عن تلك النسخ, فالنسخ قد تكون متداولة, لكن يروي تلك النسخة راو لم يسمعها من صاحب تلك النسخة, فيقع حينئذ خلط بين ضبط الصدر الذي هو نقل هذه النسخة, وبين ضبط الكتاب الذي تقدم عن تلك المرحلة, فينبغي أن يميز هذا عن هذا.العلماء عليهم رحمة الله من جهة الأصل يتساهلون في مرويات التفسير, ولهذا يقول عبد الرحمن بن مهدي : إذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب تساهلنا, وإذا روينا في الحلال والحرام تشددنا في الرواة, والمراد من هذا أن العلماء لا يلتفتون إلى التشديد في أبواب التفسير على الإطلاق, هذه هي القاعدة الأصلية.
 

حالات تعامل العلماء مع المرويات في أسباب النزول
وأما ما كان من أبواب النزول فإن ذلك من جهة التعامل يمكن أن يجزأ ويفصل على أحوال: ‏
 التعامل مع أسباب النزول في فضائل الأعمال
الحالة الخامسة في ذلك: ما كان من أسباب النزول في أبواب فضائل الأعمال, فما كان من أبواب فضائل الأعمال والثواب والعقاب فإنه يتساهل في ذلك, ولكنه من جهة التعامل أكثر تشدداً من معاني القرآن وتفسير الألفاظ, وذلك أن التشدد في أبواب النزول كما تقدم سببه أن له حكم الرفع ولو كان موقوفاً, بخلاف الألفاظ التي تروى عن الصحابة ببيانها, فقد جاء عن بعض العلماء أن لها حكم الرفع, ولكن كثير من العلماء لا يقطع بذلك كقطعه في أسباب النزول, فإذا كان كذلك فإنه ينبغي لنا أن نحترز في هذا الباب ما لا نحترز في غيره, ونفرق بين درجات التشدد في هذا الأمر, وإذا احترزنا في هذه الأبواب وقسمناها على هذا النحو نستطيع حينئذ أن نقول: إن طالب العلم ينبغي له في أمثال هذا أن يفرق في القرائن المحتفة في هذه الأبواب, من التماس الشواهد، وكذلك التماس الشاهد الأعلى على الأدنى من القرآن للسنة, وكذلك الأدنى للأعلى من السنة للقرآن, وكذلك الموقوف للمرفوع, والمقطوع بالنسبة للموقوف, فإن هذا يعضد هذا.كذلك أيضاً بالنسبة للتفريق في أبواب أسباب النزول، فإنه ينظر في ذلك بين أسباب النزول التي تروى عند المدنيين والمكيين, وبين أسباب النزول التي تروى عند غيرهم, وذلك أن أسباب النزول التي تروى عندهم من غير نكير، فإن هذا أهون من غيره مما يروى عن الآفاقيين.
اعتناء العلماء بأسانيد ومرويات أسباب النزول

 عناية أهل البلدان بأسباب النزول وتقديمهم في ذلك
وأما ما يتعلق بمسألة تقديم البلدان الأخرى في أسباب النزول على غيرها, فيقال: إن تقديم البلدان إذا عرفنا تقدم أهل الحجاز سواء كان مكة والمدينة في أسباب النزول, فإن بقية البلدان على حد سواء, لا تتباين في ذلك, إلا أن أهل الكوفة هم أقل الناس عناية بأسباب النزول, وكذلك أيضاً من جهة الضعف هم أقرب إلى الضعف من غيرهم؛ لأنهم لا يعتنون بالتخصيص, وأسباب النزول هي من قرائن تخصيص بعض المعاني, وإنما يعتنون بإحالة الألفاظ إلى مدلولها من لغة العرب, فهم يجنحون إلى التعميم, وذلك لا يتوافق مع أصولهم, ولهذا عنايتهم في ذلك بأسباب النزول ضعيفة, وهذا على سبيل العموم في مدرسة العراق مدرسة أهل الرأي, وإن كان أهل البصرة أخف منهم في ذلك, وأهل الشام فوقهم مرتبة, وكذلك أهل مصر وأهل اليمن.ومرجع ذلك ومرده هو إلى معرفة طبقات الشيوخ, وكذلك مراتبهم في هذا, فإن طالب العلم إذا كان من أهل الإحاطة والدراية في ذلك كان من أهل التسديد في الأحكام.
مصنفات الأئمة في أسانيد أسباب النزول والاستفادة منها
وأما أن يعمد طالب العلم إلى كتاب معين بعينه فيريد أن يأخذ منه الصحيح في أسباب النزول فإن هذا معدوم, ولا يوجد كتاب من الكتب اعتنت بأسباب النزول الصحيحة مسندة عن مؤلفها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ككتابي الصحيحين: البخاري و مسلم وأمثالها, كصحيح ابن خزيمة و ابن حبان ونحو ذلك, وإنما يوجد كتب متأخرة قد اعتنت بهذا الأمر.وسبب عدم عناية العلماء بذلك، يقال: إن العلماء من جهة لم يوردوا ويصنفوا كتباً في التفسير واشترطوا في ذلك الصحة على الإطلاق إلا ما كان من بعض إطلاقات ابن أبي حاتم في كتابه التفسير, وعليه مؤاخذات في هذا الإطلاق في بعض المواضع, وإن كان هو أمثل من غيره وأدق.والسبب في ذلك أن تعامل العلماء مع مرويات التفسير ومنها أسباب النزول هو دون التعامل مع أحاديث الأحكام، ما يتعلق في أصول الديانة وما يتعلق في الأحكام الفقهية؛ فإنهم يتساهلون في ذلك أكثر من تساهلهم في أبواب الأحكام, ولهذا اعتنى الأئمة بأحكام الدين, فصنعوا في ذلك الصحيح واعتنى الأئمة بهذا.ولكن يقال: إن طالب العلم ينبغي أن يعتني بأسباب النزول في الكتب التي اعتنى الأئمة بصحتها إسناداً, وهذا كالصحيحين، وكذلك ما يليها قوة كالسنن الأربع وأمثالها, وثمة رسالة في أسباب النزول في الكتب الستة رواية ودراية, وقد جمعت في هذا، وهي من أمثل المصنفات لأحد الفضلاء من المعاصرين, وهي رسالة جيدة في بابها يحسن الرجوع إليها في هذا الباب.وإن كان الحكم فيها قد لا يتسق في بعض الأحيان مع نسق ونفس طرائق الأئمة الأوائل, وفيها شيء من التشدد في بعض الأبواب والتساهل في بعضها, وهذا يرجع فيه إلى طرائق الأئمة في أبواب التعديل. وثمة رسائل أيضاً عند بعض المتأخرين في هذا يأتي الإشارة إليها بإذن الله تعالى.طرائق الأئمة في أبواب التصنيف في هذا, فمنهم من اعتنى بالجمع والإكثار في كل ما ورد أنه سبب للنزول, وذلك كالإمام الواحدي في كتابه أسباب النزول, فإنه جمع فأوعى, وأكثر من ذلك، حتى إنه أورد في ذلك أسانيد فيها ظلمة ونكارة, وفيها من الوضاعين والكذابين وكذلك من المجاهيل ما ينبغي لطالب العلم أن يحترز من ذلك, وأن يعمل في الأسانيد على الطريقة التي تقدم الكلام عليها.كذلك أيضاً في هذه المصنفات من اعتنى بأسباب النزول ولكن لا أعلمه موجوداً ككتاب علي بن المديني عليه رحمة الله, وهو لو وجد سيكون باباً من أبواب العلل, ومدرسة في أبواب التعامل مع علل أسانيد التفسير, وكذلك علل أسباب النزول, وهو فيما يظهر كعادة مصنفه الدقة في التعامل مع المرويات، سواء كانت في أبواب التفسير أو في غيرها.كذلك ثمة مصنفات في هذا ككتاب العجاب للحافظ ابن حجر عليه رحمة الله، وقد اعتنى بالجمع والإكثار من ذلك, وقد استفاد أيضاً من الواحدي فائدة ظاهرة في جمعه لذلك, وقد زاد عليه أشياء, ولكن أيضاً يعوزه في ذلك الدقة في أبواب أحكام العلماء على تلك المرويات، فكان فيه ثمة جملة من التساهل, وحكاية جملة من الأسانيد وذكرها مما لا يصح, أو جملة هي في عداد المنكر والضعيف.كذلك في كتاب الواحدي وكتاب الحافظ ابن حجر ذكر أسباب النزول ما لا يندرج تحت هذا الباب, وإنما هو من أبواب المناسبات وهو ما تقدم الكلام عليه في النوعين, في قولنا: إن أنواع أسباب نزول آي القرآن هي على نوعين:أسباب عامة, وذلك بمعرفة الحال التي كانت عليها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذلك السنة التي كانت فيها, وأحوال الناس من جهة الرخاء والشدة والغنى والفقر, وكذلك أيضاً معرفة مراتبها من جهة الأحكام, فيأتي في بعض كلام السلف، فيقول: نزلت في كذا وكذا، يعني: أن حكمها تضمن كذا وكذا ولا يتضمن غيره, فإنهم يوردونه في هذا الباب, وهذا ما لا يدخل في بابنا, باعتبار أن ثمة أصلاً متقرراً أنه ما من آية من آي القرآن إلا ولها سبب نزول, فإذا كان لها سبب نزول فإن التوسع في ذلك مما لا حاجة إليه، إلا ما جاء في كلام بعض الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في قولهم: إنها نزلت في كذا وكذا, هي أرفع مرتبة من بيان الحكم المتضمن للآية, وأظهر أيضاً في أبواب الرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.وأما النوع الثاني: وهو سبب النزول المخصوص بفرد أو جماعة ونحو ذلك, فإن هذا مما يدخل في بابنا, وهو المراد في كلامنا على أمثال هذه المرويات ونحوها, وثمة مصنف أيضاً في هذا وهو ضعيف أسباب النزول وصحيح أسباب النزول لأحد الأزاهرة، صنفه في مجلدين، وقد جمع فيه أسباب النزول الضعيفة وأسباب النزول الصحيحة بحسب رأيه, وهي محاولة جيدة أيضاً في هذا.وثمة كتاب الصحيح المسند في أسباب النزول للوادعي, وفيه نوع تشديد في بعض الأبواب, وتساهل في بعض الأبواب, وهذا مرده إلى عدم إعمال قواعد الأئمة في التفريق بين النسخ المروية في أسباب النزول وفي التفسير, وبين ما كان على ضبط الصدر, وأن العلماء يفرقون بين هذا وهذا, مما ينبغي لطالب العلم عند التعامل مع المرويات أن يفرق بينها حتى لا يقع في أبواب الخلط في ذلك، ويخالف كلام الأئمة عليهم رحمة الله تعالى, إذا صححوا رواية فيضعفها, أو يضعفوا رواية فيصححها.كذلك أن يفرق على المراتب التي تقدم الكلام عليها في ذلك, فيرجع في أبواب حكمه على أسباب النزول إلى ما تقدم تفصيله حتى يكون من أهل الدقة والعناية في ذلك.
 عناية أهل البلدان بأسباب النزول وتقديمهم في ذلك
وأما ما يتعلق بمسألة تقديم البلدان الأخرى في أسباب النزول على غيرها, فيقال: إن تقديم البلدان إذا عرفنا تقدم أهل الحجاز سواء كان مكة والمدينة في أسباب النزول, فإن بقية البلدان على حد سواء, لا تتباين في ذلك, إلا أن أهل الكوفة هم أقل الناس عناية بأسباب النزول, وكذلك أيضاً من جهة الضعف هم أقرب إلى الضعف من غيرهم؛ لأنهم لا يعتنون بالتخصيص, وأسباب النزول هي من قرائن تخصيص بعض المعاني, وإنما يعتنون بإحالة الألفاظ إلى مدلولها من لغة العرب, فهم يجنحون إلى التعميم, وذلك لا يتوافق مع أصولهم, ولهذا عنايتهم في ذلك بأسباب النزول ضعيفة, وهذا على سبيل العموم في مدرسة العراق مدرسة أهل الرأي, وإن كان أهل البصرة أخف منهم في ذلك, وأهل الشام فوقهم مرتبة, وكذلك أهل مصر وأهل اليمن.ومرجع ذلك ومرده هو إلى معرفة طبقات الشيوخ, وكذلك مراتبهم في هذا, فإن طالب العلم إذا كان من أهل الإحاطة والدراية في ذلك كان من أهل التسديد في الأحكام.
صور تقوية أسانيد أسباب النزول

 الاحتياط في التعامل مع الكتب المتضمنة لمرويات أسباب النزول
من المسائل المهمة عن الكتب المدونة في هذا: أنه لا يخلو كتاب من كتب التفسير من العناية بأسباب النزول, ولكن ينبغي لطالب العلم ألا يعلق ذهنه بكل ما يكتب, فأكثر ما يكتب في كتب المتأخرين الموسعة من أسباب النزول هو في عداد المعلول, ولا يمكن أن يعد الإنسان الأحاديث المروية في أسباب النزول لكثرتها؛ لأن فيها الضعيف والصحيح, وأما الصحيح فهي أشياء معدودة, فإن الإنسان إذا قرن هذه المقدمات في معرفة الكتب, كذلك أيضاً طرائق التعليل، كذلك أيضاً مراتب أسباب النزول, وقرنها أيضاً بالتفريق بين سور القرآن المكي والمدني ومواضعه أيضاً من جهة تراتيب النزول, استطاع حينئذ أن يميز الصحة من الخطأ, وكذلك الضعف, فإن ذلك له قرائن عديدة.فإذا وجد إنسان سبب نزول في خبر مرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكنه لا يتناسب مع مضمون هذه الآية مكاناً, ولا يتناسب زمناً. أو كذلك أيضاً وجد ما هو أصح منه من وجه آخر أعلى منه وأقوى, فإنه يصحح ذاك ويضعف هذا، لاعتبارات ربما لا يستطيع أن يعبر عنها, لأن ذلك المرسل قد خالف ذلك المرسل, وذلك المرسل الأول قد وافقه أصحابه ممن روى عنه.وينبغي أن يعلم أن الأئمة الذين يعتنون بأبواب الأحكام هم أدرى الناس بأسباب نزول آي الأحكام, والأئمة الذين يعتنون بتفسير الألفاظ هم أدرى الناس بأسباب نزول تفسير الألفاظ وهكذا, فنجد مثلاً سعيد بن جبير فإنه من أهل العناية بالأحكام, وأسباب نزول الأحكام وكذلك العلو والرفعة فيها, وأما أسباب النزول الواردة في أبواب الألفاظ, وكذلك أيضاً فضائل الأعمال, فإن مجاهد بن جبر مقدم في ذلك, و عكرمة مولى عبد الله بن عباس مقدم على هؤلاء في هذا وهذا باعتبار عنايته بهذين البابين: الباب الأول: في أبواب الأحكام. الباب الثاني: في أبواب تفسير الألفاظ. ويلي بعد ذلك مرتبة ما يتعلق بأسباب النزول.نسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لمرضاته, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أسباب النزول [3] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net