اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [16] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [16] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
الأشهر الحرم هي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب الفرد، وسميت حرماً لحرمة القتال فيها وهي معظمة حتى في الجاهلية؛ والعلة في ذلك أنها أشهر حج وعمرة فكان ترك القتال فيها تأميناً لمن يريد الحج أو العمرة.وقد مر القتال في الأشهر الحرم بمراحل: الأولى: مرحلة التحريم والتشديد فيه، الثانية: مرحلة تخصيص القتال بدفع المعتدي، الثالثة: جواز القتال مطلقاً لقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم).
قوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. تكلمنا في المجلس السابق على بعض الآي من كلام الله سبحانه وتعالى، مما يتعلق بأحكام القتال في سبيل الله, وتوقفنا عند قول الله جل وعلا: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، ثم أول آي هذا اليوم هو قول الله جل وعلا: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194]، النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد العمرة وقصدها في عام ست للهجرة في شهر ذي القعدة؛ قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة, فصده المشركون على مشارفها ومنعوه من دخولها, ثم تدافع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المشركين على دخولها, ثم تصالحوا على أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام القابل في ذات الشهر، ويدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ثلاثة أيام ولا يقيم فيها زيادة عن ذلك, وألا يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من السلاح إلا سلاح الراكب، ومعلوم أن سلاح الراكب هي النبال والسيوف، وأما بالنسبة للرماح فإنها تكون غالباً للماشي, ولهذا قيدوا السلاح بالنسبة للراكب؛ لأنه أمر يحمله الإنسان في مسيره, بخلاف الماشي فإنه قد أعد العدة للقتال، ولهذا جاء في بعض النصوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعد العدة لما خشي من المشركين نقض العهد، وأذن الله عز وجل له بقتالهم حال نقض المشركين لذلك العهد, وقد تقدم معنا الكلام على هذه الآية. ‏
 استحضار تقوى الله عز وجل في كل حال
وفي قوله جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194]، أمر الله عز وجل بتقواه بعد ذلك لمناسبة الحال؛ لأن الله نهى عن الاعتداء.وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للمؤمن أن يستحضر تقوى الله في كل حال ولو في تعامله مع المشركين؛ ولهذا قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:194], بعد نهيه عن العدوان, إلا على عدوان يشابه ويماثل عدوان المشركين، فأمر الله عز وجل بتقواه, وأن التقوى ينبغي أن تكون حاضرة.كذلك أيضاً فيه دفع لشهوات النفوس, فإن الشهوة قد تدفع الإنسان إلى الانتصار لنفسه, خاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخرجه المشركون من مكة ومعه جملة من أصحابه, فقد يوجد في نفوس بعض أصحابه وهم بشر ما يمتزج ببعض الحق ويتدثر ببعض الحق فيكون في ذلك شيء من الانتصار للنفس, فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتدي المسلمون على المشركين, وأن يستحضروا تقوى الله؛ ولهذا قال الله جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:194]، يعني: أنه يجب عليكم أن تستحضروا ما حرم الله عز وجل عليكم اقترافه ولو كان ذلك مع المشركين.وفي قول الله جل وعلا: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194]، هنا أمر بالعلم أن الله عز وجل مع المتقين, وذلك أن ذلك لا يمكن فيه العمل, أن الإنسان إذا علم أن الله عز وجل معه إن اتقى فإنه يعمل بتلك التقوى، فالعمل حينئذ بالتقوى, وأما بالنسبة لمعية الله عز وجل هنا في هذه الآية فهي تسديد الله عز وجل وإعانته ورعايته ونظره سبحانه وتعالى لعباده وكفايته لهم؛ ولهذا الله عز وجل يقول في كتابه العظيم: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36]، وكفاية الله لعبده هو أن يسدد قوله وفعله, كلما زاد في التقوى زاد الله في كفايته وتسديده، ولهذا يقول الله جل وعلا كما جاء في الخبر القدسي كما في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: ( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه )، وهنا أشار إلى زيادة التقوى، ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه )، وفي هذا نعلم أن الإنسان كلما زاد في جانب التقوى كفاه الله عز وجل, وليس المراد من ذلك أن الله يكفيه الأذى, ولكن الله عز وجل يكفيه الأمر ظاهراً وباطناَ، ومعنى ظاهراً وباطناً: أي: أن الله عز وجل قد ينزل الأذى بالإنسان ويرزقه يقيناً وصبراً وثباتاً، فيكون صبره وثباته على الألم الشديد أشد من صبر الإنسان على الألم اليسير؛ كالشوكة التي يشاكها الإنسان, فالأمر حينئذ في كفاية الله للثبات الباطن ليس لوقوع الأمر الظاهر.ولهذا يختلف الناس في مسألة كفاية الله لهم, فمن لم يكن الله عز وجل معه يتضجر من الشيء اليسير ولو كانت شوكة, ويتألم كحال ضربة السيف التي تقع على من كان الله عز وجل معه؛ لأن الأمر بالباطن, وهو: ما يجده الإنسان من طمأنينة وراحة وثبات على ما هو عليه؛ ولهذا كثير من المنتكسين عن الحق نقصت معية الله لهم بحسب نقصان تقربهم لله عز وجل باطناً وظاهراً، فقصروا في جانب تقوى الله سبحانه وتعالى بالتقرب إليه في جانب النوافل والإكثار منها بالإتيان بما أمر الله عز وجل به من أمور الفرائض, فلما كانوا كذلك قصر الله عز وجل في كفايته لهم ولم يتمها، فأتمها الله عز وجل لنبيه؛ ولهذا كان الأنبياء أشد الناس بلاء وأشدهم ثباتاً، فكان ثبات النبي صلى الله عليه وسلم على شدة البلاء أعظم من ثبات الإنسان المعرض عن الله في حال ورود شوكة إليه؛ ولهذا نقول: إن أمور الباطن من أعظم ما يتقرب إلى الله عز وجل بها المتقربون، ولهذا حينما قدم الله الأمر بتقواه بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194]، أي: أنه ينبغي أن يصاحب العمل احتساب أن الله عز وجل يكفيك هم ما يعترضك من بلاء، ولهذا نرى كثيراً من المتساقطين عن طريق الحق استحضروا العمل وما استحضروا كفاية الله, وأنهم ربما عملوا من غير عبادة وتقرب إلى الله, فلم يكن ثمة حماية لقلوبهم من ذلك, وكثير من الناس يربطون بين كفاية الله لعبده بعدم نزول البلاء عليه وبين كفاية الله في الثبات, فكافية الله عز وجل بتثبيت عباده, لا بعدم نزول البلاء عليه؛ ولهذا وجد من الأنبياء من يقتل؛ كحال زكريا و يحيى , ووجد منهم من يسجن ويحبس؛ كحال يوسف ومحمد عليه الصلاة والسلام، ووجد منهم من يطرد ويؤذى ويسب كعامتهم عليهم الصلاة والسلام فوقع فيهم أصناف الأذى، فهذه ليست الكفاية التي قصدها الله, وإنما هي راحة القلب وطمأنينة النفس, فيطمئن الإنسان على البلاء الشديد أعظم من طمأنينة الإنسان المعرض مع النعيم في الدنيا، ولهذا ينبغي للمتصدر للحق أن يكثر من العبادة حتى يكون الله عز وجل معه؛ لأنه يصنع سياجاً من الثبات بينه وبين الانتكاسة, ومن كان الله عز وجل معه ثبته، ولهذا جاء في بعض الروايات في حديث أبي هريرة ( قال الله عز وجل: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي, ولئن سألني لأعطينه )، إلى آخر الخبر, ومعنى ذلك أن الله عز وجل يسدده في قوله وفعله, فقلما يكون مخطئاً, ثم أيضاً إن وقع بلاء فيقع على حق أراده الله عز وجل فيه؛ ولهذا البلاء الذي ينزل على الإنسان في الحق أعظم قربى عند الله عز وجل من البلاء الذي ينزل على الإنسان بباطل, فإذا اقترف الإنسان سيئة تخالف أمر الله سبحانه وتعالى فعوقب عليها أشد منها كان ذلك بلاءً زاد عن حده فذلك البلاء دون البلاء الذي يصاب الإنسان به وهو على حق, ولهذا الله سبحانه وتعالى حينما ذكر أحكام القتال في قوله: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194]، لما علم الله أنهم بحاجة إلى الثبات قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194]، فناسب ذلك التثبيت أن يكون عقب التعرض للبلاء, فالذين يواجهون البلاء سواء في القتال في سبيل الله, أو أمور الإصلاح والدعوة, أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, أو غير ذلك هم أحوج ما يكونون إلى التعرض لأسباب الوقاية وكفاية الله بالإكثار من تقوى الله, ولهذا لا يمكن لأحد أن ينتكس عن الحق إلا بسبب ذنوب لديه وتقصير في جانب العبادة، فإذا انتكس الإنسان عن الحق ببلاء وقع فيه فنقول: هذا بسبب ذنب, ثم إن الله سبحانه وتعالى عدل, إذا أنزل بعبده بلاءً كان ذلك البلاء سبباً لتغير الإنسان عن الحق الذي هو عليه، ذلك التغير الذي حصل للإنسان هو نسبة زيادة كانت لغير الله قبل ذلك, فنفضها الله وأزالها وأبقاها على ما هو عليه؛ لأن الله لا يجمع على الإنسان مصيبتين وبلائين:المصيبة الأولى: أن ينزل عليه البلاء وهو على حق تام وإخلاص لله عز وجل, ثم ينزل عليه العقاب.المصيبة الثانية: أن يبتليه بالحرمان من الحق الذي هو عليه، والله عز وجل أعدل من ذلك, فإذا أنزل على عبد من عباده بلاءً وكان على حق تام وتقوى تامة فإن الله يثبته على الحق الذي هو عليه, فإذا كان على حق ظاهر وتقصير باطن فنزل به البلاء وتغير بعد البلاء فما أنقصه الله من عمله كان لغير الله أزاله الله عنه, فبقي على الأمر الذي هو لله, ولهذا كثير من المتغيرين عن منهج الحق إنما أزال الله عنهم بذلك البلاء ما كان لغير الله ولو كان حقاً, ولهذا يعجب البعض لماذا تغير الإنسان وكان على حق بعد ما نزل به البلاء؟ نقول: لأن ما كان بين مرحلة التغير وما كان عليه كان ذلك لغير الله فأزاله الله بذلك البلاء, فأراد به خيراً في ذلك, والخير كله أن يبقى الإنسان خالصاً لله عز وجل مع شيء من العمل ولو كان يسيراً مع عدم اقتراف الباطل, وإذا ابتلى الله عز وجل وأبدل الإنسان الخير الذي كان عليه بِشَر آخر فليعلم أنه لم يكن مخلصاً قبل ذلك، فعاقبه الله عز وجل ببلاء وبسيئة أخرى يبقى عليها, ولهذا ينبغي للإنسان أن يكثر من عبادة الله, والتعرض لتقوى الله سبحانه وتعالى فإن ذلك من أسباب كفاية الله عز وجل لعبده ووقايته له.
قوله تعالى: ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )

 ترتيب المأمورات حسب الأولية
وفي هذا إشارة أيضاً إلى أن أعظم المأمورات ما أمر الله به ونهى عن ضده, ولهذا أمر بالإنفاق فقال: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، فآكد المأمورات هو أن يأمر الله عز وجل بشيء ثم ينهى عن ضده في ذات السياق, فهذا دليل على تأكيده, ثم يليه بعد ذلك ما أمر الله به ولم ينه عن ضده, ثم يليه ما نهى الله عنه ولم يأمر بضده, ثم بعد ذلك ما تركه النبي عليه الصلاة والسلام, ثم يكون ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمع بين الحالين, هذه كما تقدم في مسألة الأقوال, وقد جمع الله عز وجل هنا في مسألة الإنفاق فقال: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، وفي هذا أيضاً معنى أن الأمة إذا أنفقت في سبيل الله كان ذلك عزاً وتمكيناً، كما أن الهلاك في الحبس فإن في الإنفاق العز والتمكين, وإنما ذلت الأمة؛ لأنها عطلت أسباب الجهاد, ولم يكن للأمة طريق بيِّن, ولهذا قال: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:195]، فسبيل الله حينئذ تعطل سلوكه بسبب أن الأمة قد عطلت هذا الباب. ثم قال: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195]، والإشارة هنا في قوله: (( وَأَحْسِنُوا )) أي: أنه ينبغي للإنسان أن يستزيد ولو لم يتعطل ذلك الأمر وأن ينفق في هذا الباب زيادة, في هذا الجانب الإحسان, وهذا دليل على فضل النفقة في سبيل الله, ولو زاد ذلك فإنه من أعظم وجوه النفقة, وقوله هنا: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195]، إشارة إلى عظم الجزاء, فالله مع المتقين حينئذ, ويحب المحسنين عند إحسانهم, وهذا عظيم منزلة، وإظهار محبة الله عز وجل لعباده, وكذلك أيضاً أن المحبة الحقيقية من الله عز وجل لعبده ومن العبد لله هو أن يمتثل الإنسان طاعة ربه سبحانه وتعالى.كذلك في هذه الآية إشارة إلى أن الأمة لا تهلك إلا بعدم إظهار قوتها؛ لأن الخصومة لا بد منها, فالخصومة بدل أن تجعلها في دائرتك ومحيطك اجعلها في الأبعدين, وهذه سنة كونية, إذا أردت أن يجتمع الناس على أمر فارفع درجة الخلاف مع الأبعدين, وكلما لم تجعل لك عدواً بعيداً انشغل الناس فيما بينهم, وطبيعة بشرية أن الناس يتخاصمون, وإذا رأيت الأمة تختصم في جزئيات فاعلم أن الكليات معطلة, وهذا أمر مشاهد ملموس.أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة, إنه ولي ذلك والقادر عليه.وبهذا نكتفي ونكمل في الدرس القادم.وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [16] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net