اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [8] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [8] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
من سعة فضل الله على الإنسان أن خلق له ما في الأرض جميعاً، وقد قال العلماء: إن الأصل في الأشياء الإباحة، ولذلك لم يرد في القرآن ذكر المباحات؛ لأنه الأصل، وإنما ورد ذكر المحرمات مثل: الميتة، والدم المسفوح، والخنزير، وما أهل به لغير الله.ثم أكد أن الأصل العام هو الحل فأباح هذه المحرمات عند الضرورة.
قوله تعالى: ( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً.. )
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فأول الآي في هذا المجلس هو قول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا [البقرة:168]. ‏
 الأصل في المساكن والألبسة
وهذا فيه دلالة بالتضمين على أن الأصل في الألبسة الحل, والأصل أيضاً في المساكن الحل, وتقدم الكلام على هذا, وإنما قلنا: إن الأصل في هذه الأشياء الحل باعتبار أن المأكول أوسع منها موضعاً, الأصل في المأكولات أنها تنتشر في الأرض أكثر من مواضع المساكن, وكذلك أيضاً من مواضع اللباس, فلما تعدد موضع الأكل في الأرض لزم أن يدخل فيه الأصل في المسكن الحل؛ لأن الحل أضيق دائرة من المأكول, وذلك أن الإنسان إذا أحل الله عز وجل له ما في الأرض جميعاً مما يأكل منه الإنسان لا بد أن يكون مالكاً لأرضه, وإذا لم يكن مالكاً لأرضه فإنه لا يملك الثمر, فإذا كان البستان ليس له، أو كان الوادي ليس له فإنه لا يملك ذلك, ولهذا نقول: إن جعل الأصل في المساكن الحل هو لازم للأصل في المأكولات وكذلك أيضاً في مسائل الألبسة, وذلك أنها أضيق حاجة وتلبساً للإنسان فيها.
قوله تعالى: ( إنما حرم عليكم الميتة ... )
بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى أنه أحل للناس عموماً ما في الأرض جميعاً, ذكر الله عز وجل بعد آيات أنه حرم على عباده مأكولات, وهذه المأكولات أوردها الله سبحانه وتعالى بعد تحذيره من اتباع خطوات الشيطان, وخطوات الشيطان متنوعة, ومسالكه في ذلك متعددة كما تقدمت الإشارة إليه, وذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك أنه حرم على عباده شيئاً يسيراً, وهو شيء من التفسير للخطوات التي تقدمت الإشارة إليها في قوله جل وعلا: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [البقرة:173], وإنما من أدوات الحصر, مما يدل على أن الأصل في ذلك هو خلاف المحصور مما حرمه الله سبحانه وتعالى, ولهذا قال الله جل وعلا: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ [البقرة:173], أي: أن الله سبحانه وتعالى جعل المحرمات على الإنسان محصورة في هذه الأشياء المعدودة, وفي ذلك دفع لشبهة الكراهة, أو الفاضل والمفضول, أو نحو ذلك مما ينبغي للإنسان أن يتنزه عنه, ولهذا كان القرآن بيناً محكماً, وفصل الله عز وجل على العباد ما حرم عليهم, ومن تفصيله جل وعلا أن بين المحرم هنا: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [البقرة:173], وقوله جل وعلا: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ [البقرة:173], في ذلك قطع للشبهة التي قد تطرأ أن المحرم إنما يحرم على جنس دون جنس أو على طائفة دون طائفة, فبين الله سبحانه وتعالى أن الخطاب هنا يتوجه للناس كافة, الذين جاء عليهم الخطاب السابق في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا [البقرة:168], فقال الله جل وعلا: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ [البقرة:173], أي: يا أيها الناس إنما حرم عليكم الميتة, والدم, ولحم الخنزير, والميتة تكون بإسكان الياء وكذلك بتشديدها, يقال: ميتة, وميِّتة, وغلب إطلاق الميتة على ميِّت الحيوان, ويقال: ميتة, والميِّتة, ويقال: ميت, وميِّت, وغلب في اصطلاح الشرع إطلاق الميتة بالتسكين على ميِّتة الحيوان. ‏
 الفرق بين الكل والكلي في ألفاظ القرآن الكريم
ثم أيضاً من الدلالات على أن الأصل في الأشياء الحل: أن القرآن ألفاظه كلية وغائية, والكلية هي أعم من الكل, فلدينا كل ولدينا كلي, الكلي هو: الذي لا يكاد يدخله استثناء, وأما الكل فهو: الذي يطرأ عليه الاستثناء؛ مثل الميتة, الميتة كل وليست كلية, الكلية: هي التي يدخل فيها الأمر العام ولا يطرأ عليه استثناء, والكل: هو الذي يدخل عليه استثناء, فالميتة إنما جعلها العلماء كلاً وليست كلياً؛ لأنه يطرأ عليها استثناء من الشعر والصوف وهي داخلة في اسمها, كذلك أيضاً ما يكون مما يتكلم عليه بعض العلماء في الجلد على الخلاف الذي تقدم الكلام عليه, في جنينها أيضاً، وما يستثنى من ميتة البحر ونحو ذلك, فهذا كل ويدخل عليه استثناء, أما الكلي فهو في الأغلب لا يدخل عليه الاستثناء.نكتفي بهذا القدر, أسال الله عز وجل لي ولكم التوفيق والهداية والسداد إنه ولي ذلك والقادر عليه.وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [8] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net