اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [6] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [6] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
عرف اليهود على مر العصور بنقض المواثيق، ومع ذلك يأخذ الله عليهم ميثاقاً بعد ميثاق، وفي هذا إشارة إلى جواز أخذ الميثاق ممن عرف بنقضه إذا كان في ذلك مصلحة.ومن أهم العهود ما يكون بين العبد وربه مما يأمره به, ولذلك أثنى الله على خليله إبراهيم عليه السلام حين وفى بما أمره به ربه من كلمات, وقد اختلف العلماء في ماهية هذه الكلمات, والذي يظهر أنها سنن الفطرة.
قوله تعالى: (أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم..)
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: ‏
 نقض بعض المعاهدين العهد إذا انفصلوا عمن لم ينقض
الأمر الثالث: أن هؤلاء من جملة المتعاقدين من الطرف الآخر, فإذا نقضوا ذلك العهد والميثاق كمن نقضه أو لم يوقعه أو يبايع عليه عند إنشائه, وهذا نظير العقود في أمور المعاملات، إذا تعاقد جماعة على شيء ثم جعلوا ذلك الشرط على الخيار, فيكون مثلاً خمسة لهم بستان أو أرض أو ماشية لهم فيها شرك وباعوها على واحد أو على جماعة وكان الأمر بينهم على الخيار لمدة شهر, فرفض واحد منهم أن يبيع بعد ذلك, فإنه حينئذ يقال: إن البيع لاغ ولو وافق البقية حتى ينفصل البقية عن ذلك الشخص أو ينفصل ذلك الشخص عنهم بماله, ثم بعد ذلك يقال بصحة إنشاء عقد جديد. يستثنى من هذا أن الجماعة إذا عاهدت المسلمين والذين نقضوا انفصلوا عنهم أو الذين لم ينقضوا انفصلوا عن الذين نقضوا فإن هذا من الأمور الجائزة.ودليل ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أجلى بني النضير لما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة قبل أن يجلي عليه الصلاة والسلام بني قريظة, وأبقى بنو قريظة مع كونهم حلفاء لبني النضير من وجه على أمرهم ولم يخرجوا مع بني النضير, فمن كان من بني قريظة مما يخالف الذين أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام انفكوا عنهم وبقوا في المدينة فأقرهم النبي عليه الصلاة والسلام على ما بقوا عليه, فكان ذلك إقراراً لهم، وأن عدم التزام بني النضير بالعهد والميثاق الذي أخذه النبي عليه الصلاة والسلام على اليهود جميعاً ما جعله ناقضاً لعهد يهود كلهم لانفصال بني النضير عن بني قريظة، فلما خان بنو قريظة النبي صلى الله عليه وسلم قتل النبي عليه الصلاة والسلام رجالهم وسبى نسائهم وأخذ أموالهم غنيمة للمسلمين، إلا أن بعض بني قريظة آووا إلى المسلمين ولم يكونوا مع من خان، فأمنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك, وهل هو عهد بين المسلمين وغيرهم من الكفار على سبيل العموم؟ نقول: هو على سبيل العموم، فالحلفاء فيما بينهم عهدهم واحد ولو تعاهدت فئة دون أخرى, فإذا كان ثمة دولتان أو فئتان متحالفتان فيما بينهما, وهذا التحالف يعني أن كل عداء لطائفة هو عداء للأخرى, وكل عقد مع طائفة تلتزم به الأخرى فتعاقد المسلمون مع فئة واحدة من الاثنتين, ثم نقض العهد فئة أخرى لم يعقد معها المسلمون فإن النقض ينتقل إلى المعاهدة، ويكون حكم ما يكون عليه أولئك من أخذ أموالهم وسبي نسائهم وقتل رجالهم على السواء؛ لأنهم حلفاء لهم على حد سواء، والتزموا فيما بينهم فكان دمهم واحد, ويؤيد هذا ما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث ابن المهلب عن عمران بن حصين أنه قال: ( كانت بنو ثقيف حلفاء لبني عقيل فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم منهم رجلاً وأخذ ناقته وتسمى العضباء فحبس, فقال: يا رسول الله بم أخذتني؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أخذناك بجريرة قومك ), مع إنهم حلفاء ولم يكونوا منهم أصلاً, وسبب ذلك أنه أسر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين, ففدى النبي عليه الصلاة والسلام ذلك الرجل بهاذين الرجلين، ولهذا نقول: إن التحالف في ذلك إذا كان ثمة دول متحالفة وأن التزام دولة يلزم دولة أخرى أو فئة والتزام جماعة تلتزم به الأخرى فتعاهد أحد المسلمين مع جماعة واحدة ولم يتعاهدوا مع البقية فإنه شامل لهم, فإذا خانت واحدة من الحلفاء ذلك الأصل فإن النقض يجري على العموم, وهذا ظاهر في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب، وفي هذه الآية حمل الله عز وجل اليهود جميعاً النقض مع أن الذي بدأ بالنقض واحد. ومن القرائن والأدلة في هذا أن الله سبحانه وتعالى جعل الذي يسمع الباطل وسكت كالمبطل في نفسه، فالله عز وجل جعل من الذين هادوا سماعون للكذب أكالون للسحت، والذي يسمع الكذب يسب ولم يتكلم؛ لأنه سمع الكذب في وقت يلزمه أن يوافق أو يخالف, فسكت فدل على الموافقة، فدل على أنهم إن سمعوا الكذب وهم ملزمون بالموافقة أو المخالفة أنه يجب عليهم أن يتكلموا وإلا فهم مذمومون، وهذا محل مؤاخذة اليهود, أنهم سكتوا عن ذلك الناقض لذلك العهد والميثاق، فجعلهم الله عز وجل على حد سواء، وفي هذا أيضاً حديث عمران بن حصين : أن النافر من الجماعة المناقضة الخارج منهم وولاؤه لهم ولو لم يكن في بلدهم أن حكمه وحكمهم على حد سواء، ولهذا جاء في حديث عمران بن حصين عليه رضوان الله تعالى في الرجل الذي أسر أنه لم يكن في جماعتهم ولا في أرضهم وإنما جاء عابراً, فلما رؤي في طريق أُخذ، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام بجريرة قومه ولم يرتكب هو جريرة بنفسه، هذا في حال المؤمنين مع المشركين. وأما بالنسبة للعهود التي يأخذها المسلمون فيما بينهم فإنه لا يؤاخذ أحد بجريرة قومه، فإذا تحالف جماعة أو عائلة أو قبيلة أو نحو ذلك فلا يؤاخذ فرد منهم لم يرتكب فعلاً بفعل قبيلته؛ لأن هذا ليس في أمر المسلمين، وقد روى الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث أبي النضر عن رجل من بني تميم ( أن أباه لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, اكتب لي كتاباً ألا يؤاخذني أحد بجريرة قومي, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هذا لك ولكل مسلم )، وهذا فيه دليه على أن المسلمين قد حقن الإسلام ودماءهم, وأن الوزر يلحق الأفراد لا الجماعات، وأن إلحاق أمر الجماعات في دائرة الإسلام من أمر الجاهلية الذي ألغاه الإسلام في أمر المسلمين وأبقاه الله عز وجل في أمر المشركين.
قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات)

 تأخير الاستنجاء عن الوضوء
وأمر آخر من المسائل: الاستنجاء والاستجمار هل يجوز تأخيره بعد الوضوء أم لا؟ مثال ذلك لو أن الإنسان ذهب إلى الخلاء وقضى حاجته كأن يكون في بر ونحو ذلك ولم يستنج ثم أراد أن يتوضأ هل نقول: استنج أولاً ثم توضأ أم توضأ ثم استنج؟ هذا محل خلاف بين العلماء على قولين.والصواب في ذلك الذي يظهر: أنه يجوز للإنسان أن يستنجي بعد وضوئه؛ لأن الناقض هو خروج النجاسة لا وجودها؛ لأن وجود النجاسة على موضع من الجسد مثل وجود النجاسة مثلاً على ساق الإنسان أو على ركبته فتوضأ الإنسان ثم رأى النجاسة على قدمه؛ كدم مسفوح أو بول أو نحو ذلك هل نقول أعد الوضوء؟ اغسل النجاسة ثم أعد الوضوء؟ لا، لأنه لا فرق بين النجاسة التي على المحل بين سائر المواضع؛ لأن الشارع إنما أمر بالاستنجاء لأن غالب موضع النجاسة هو خروج النجاسة، فأمره بالاستنجاء اختصاراً وتيسيراً عليه, وهذا هو المعتاد من عمل الناس، أما لو أن الإنسان أخر استنجاءه وهذا أمر مفضول, وكذلك أيضاً ليس من الإنقاء التام, لكن لو قدر الإنسان أنه قضى حاجته من غير أن يستنجي ثم توضأ وأراد أن يستنجي بعد ذلك نقول: صح أمره ما لم ينتقض وضوءه, وإزالته لتلك النجاسة كإزالة النجاسة من موضع من ركبته أو ساقه ونحو ذلك، ثم يستمر بمبادرته لأمر الصلاة.
قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد...)
الآية الثالثة نأخذها على عجل وفيها معنى يسير جداً في قول الله عز وجل: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]. ‏
 الدعاء بقبول العمل بعد الانتهاء منه
وفي قول الله عز وجل: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]. إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان إذا أنجز عملاً يستحب له أن يدعو الله قبول ذلك العمل سواء كان بناء أو طاعة أو مثلاً عمل صدقة, أو إحسان أو نحو ذلك، أن يسأل الله عز وجل أن يتقبل منه هذا العمل. وفيه: إظهار امتنان لله عز وجل, وفيه أيضاً: الافتقار لله سبحانه وتعالى. وفيه: إشارة إلى أن هذا العمل يمكن ألا يتقبل من الإنسان, ولهذا ينبغي للإنسان أن يتضرع لله عز وجل بهذا القبول، فإذا كان هذا من إمام الحنيفية السمحاء إبراهيم وابنه إسماعيل هذا الدعاء ربنا تقبل منا, مع أن الآمر هو الله، والقائم بذلك المأمور هو نبي ومع ذلك يقول: ربنا تقبل منا إنفاذنا لأمرك سبحانك وتعالى, لهذا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى حاله في أمور العبادة، فيسأل الله عز وجل القبول لعمله ذلك، وهذا شامل لسائر أنواع الأعمال مما يفعله الإنسان من أمور العبادات والعادات. أسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق والإعانة والسداد. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [6] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net