اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اعتقاد سفيان الثوري [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


اعتقاد سفيان الثوري [1] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين, يدعون إلى التوحيد الخالص، وسفيان الثوري مع كونه نشأ في الكوفة إلا أنه كان سليم العقيدة والجنان، وهذا ما ظهر في جوابه لسؤال شعيب بن حرب، وثمة مسائل فرعية ذكرها الثوري في ذلك, وليست من العقائد، وإنما لأنها تتكئ على أصل عقدي, وهو المخالفة للمبتدعة وغيرهم.
منزلة سفيان الثوري وسبب اختيار عقيدته
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فكلامنا بإذن الله عز وجل سيكون على عقيدة سفيان الثوري .هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ، من أئمة السلف، ومن أئمة الاعتقاد في الكوفة, وهو إمام جليل القدر, ومن أهل السنة والأثر, وقد أطبق العلماء على إمامته في السنة، وإمامته في الفقه، وإمامته في الرأي والاتباع والاهتداء, وإمامته في الزهد والورع, فقد كان إماماً في ذلك كله، وقد سماه غير واحد من العلماء بأمير المؤمنين في الحديث.ومع كونه نشأ في الكوفة إلا أنه عليه رحمة الله كان من أنقى تلك الطبقة اعتقاداً وأسلمهم جناناً, وأبصرهم بسلامة العمل, واتباعاً لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومعلوم أن أهل الكوفة فيهم شيء من مخالفة هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مسائل الاعتقاد مما يتعلق ببعض مسائل التشيع, وبعض مسائل العقائد مما يتعلق بخلق القرآن؛ كقول طائفة منهم: إن القرآن مخلوق, أو ما يتكلم به بعض متأخريهم من قولهم: إن لفظي بالقرآن مخلوق, فكان سفيان رحمه الله سليماً من ذلك كله. وإنما كان الاختيار لعقيدة سفيان الثوري ذلك لأمور: الأمر الأول: لإمامة هذا الرجل وجلالة قدره. الأمر الثاني: لكونه من الأئمة المتقدمين، ومن طبقة متقدمة جداً.وتقرير ذلك على ألسنتهم مما ينبغي لطالب العلم أن يعتني به عناية بالغة, والعناية بذلك هي مما ينبغي لطالب العلم والمتعلم أن يسلكه، وأن يرجع إلى المنبع الأصيل على سبيل التدرج, فيرجع إلى الأئمة الأربعة, فأتباع التابعين, فالتابعين, فالصحابة, فالكتاب والسنة, وألا يأخذ العقائد عن المتأخرين؛ وذلك للبون والمدد المترامية بين المتقدمين والمتأخرين مما دخل في أبواب الاعتقاد والفروع من التغيير والتدليس, وربما التلبيس في بعض المواضع, وربما كان ذلك عند بعض أهل الأهواء من تحريف كلام الله جل وعلا عن غير ما أراده الله.وإذا كان هذا قد وجد في بعض القرون الأولى فإنه يوجد في العصور المتأخرة من باب أولى, فينبغي للإنسان إذا أراد أن يرجع إلى عقيدة أحد بعينه فليرجع إلى قائلها, فإنه لا أصلح من منهج الإنسان من قوله بنفسه, ومن قول أتباعه ومن كان قريباً منه؛ كحال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه, وحال الصحابة مع التابعين عليهم رضوان الله تعالى.
 

مكانة رسالة عقيدة سفيان الثوري
وهذه الرسالة مع اختصارها فإنها جليلة القدر, وتوسم وتوصف بأنها عقيدة سفيان الثوري , و سفيان الثوري اعتقاده كغيره, وإنما تسمى هذه العقائد وتنسب إلى أصحابها باعتبار أنها نقلت ونسبت إليهم بأسمائهم, وإلا لو نظرنا إلى طبقة سفيان الثوري من أئمة السنة ومن سبقه لوجدنا أنهم على اعتقاد واحد في ذلك.والعلماء في أبواب العقائد عند تصنيفهم خاصة المتقدمين فإنهم لا يسلكون طريقاً واحداً في التصنيف في أبواب العقائد, وإنما يغايرون بين الأساليب والطرق بحسب ما يعيشونه في زمنهم من خلل في أبواب العقائد, ولهذا نجد في عقيدة سفيان الثوري عدم ذكر ما يتعلق بأبواب ربوبية الله جل وعلا, فجملة من مسائل الربوبية لا يذكرها؛ لأن تعلق البيئة التي هو فيها بيئة أهل الكوفة؛ إنما انحرفت في بعض مسائل الاعتقاد, ولهذا ربما يشير إلى بعض المسائل الفرعية التي هي من جهة الأصل، ولا تدخل في أبواب الاعتقاد، وإنما هي من فروع الدين, فذكرها لأنها هي الفيصل والفارق بين عقيدة أهل الإيمان وعقيدة أهل الابتداع.
 

أهمية العقيدة في حياة الإنسان
وعلم العقائد مما ينبغي للإنسان أن يعتني به؛ لأنه هو الذي يدور عليه إيمان الإنسان من جهة السلامة, وأول ما يسأل عنه العبد, والله جل وعلا بعث الأنبياء كلهم إلى دعوة التوحيد, وقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: ( نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتنا شتى، وديننا واحد ), والمراد بذلك أنهم من جهة أصل العقيدة واحدة, ولكن الفروع وما يأتي مما يتعلق ببعض أجزائها فإنهم يتباينون في ذلك, ولهذا وجب أن يعتني الإنسان بمسائل العقيدة؛ لأنه لا تصح أعمال الإنسان إلا بصحة عقيدته, وهذا مما لا خلاف فيه, والله جل وعلا لا يبقي للإنسان كفة ثانية إذا لم يوجد لديه الإيمان, لهذا قال الله جل وعلا: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5], يعني: أن ذلك العمل الذي يعمله الإنسان إنما هو تكلف، ولا يغني عنه من الحق شيئاً, ولهذا وجب تصحيح الاعتقاد؛ لأنه بوابة الصراط المستقيم والمدخل إليه, ومن رام اتباع الفروع بعيداً عن الأصول فإنه عكس التشريع، وطلب شيئاً متوهماً لا يوصله إلى الغاية المنشودة. ‏
 إرسال الرسل لتصحيح مسار التوحيد
وقد أرسل الله عز وجل رسله مبشرين ومنذرين, وأرسلهم تباعاً, وأنزل عليهم الكتب, يدعون أقوامهم إلى توحيد الله جل وعلا, يقول نوح لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59], ويقول شعيب: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ [الأعراف:85], ويقول إبراهيم: اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ [العنكبوت:16]. وهذا فيه إشارة إلى أن هذه الدعوة التي أنزلها الله عز وجل على هذه الرسل كلها لتصحيح مسار التوحيد, وقد جاء في الخبر القدسي قول الله جل وعلا: ( خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين ), يعني: أنها أخذت بهم يمنة ويسرة, وأعظم وجوه الاختلاف هو كان في بني إسرائيل, ثم طرأ على أمة محمد, وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند والسنن من حديث أبي هريرة : ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة, وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة, وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ), وهذه الواحدة المستثناة هي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما جاء عند الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ( قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: من هم على مثل ما أنا عليه وأصحابي ), في إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتبع ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مسائل العقيدة في رسالة سفيان الثوري
وما يتعلق بهذه المسائل التي نتكلم عليها وجاءت ووردت في كلام سفيان الثوري حينما سأله شعيب بن حرب هي في مجملها من مسائل العقيدة, والعلماء قد تقرر لديهم أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية, توحيد الألوهية, توحيد الأسماء والصفات. ‏
 الإشارة إلى بعض مسائل الفروع ضمن مسائل عقيدة الثوري
وإنما أشار - وهذا من التباين في هذه الرسالة -إلى بعض المسائل التي تتعلق ببعض الفروع التي تعد من المسائل الفقهية, وترك أصولاً كلية من مسائل العقيدة في الربوبية وكثيراً من مسائل الألوهية وكثيراً من مسائل الأسماء والصفات, وإنما ذكر أصولاً يحتاج إليها في زمن.وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للعالم أن يعيش زمنه, فيعرف مواضع الخلاف التي تقع في زمنه ثم ينكرها, وهذا أمر إذا لم يتقنه العالم على هذا النحو فإنه يقع في الحرمان وعدم التوفيق وعدم وصول الرسالة التي أرادها الله جل وعلا أن تكون على يديه, ولهذا تجد سفيان الثوري يذكر ضمن مسائل العقيدة مسألة الجهر بالبسملة, والجهر بالبسملة من الفروع, ولكنه لما كان في الكوفة، وكان أهل الكوفة يغلب عليهم التشيع، وانفردوا عن غيرهم من أهل السنة والسلف بأنهم يقولون بالجهر بالبسملة عند قراءة الفاتحة في الصلاة, فقد أشار إلى مسألة عدم الجهر بالبسملة وأن هذا هو السنة.وفيه إشارة إلى أنه ينبغي المفارقة بين أهل السنة وأهل البدع حتى في الفروع، وبيان الفروع التي يخالفون فيها.وثمة فروع كثيرة يذكرها العلماء في مسائل العقائد, وليست هي من العقائد، وإنما لأنها تتكئ على أصل عقدي, وهذا الأصل العقدي هو المخالفة, وعدم المشابهة للكفار والمبتدعة وغيرهم, كحال الإنسان حينما يلبس، واللباس من الأمور المباحة, ولكن حينما يتشبه بأحد من الكفار رجعت المسألة إلى العقيدة وهي من القماش, والمسائل الفقهية التي يتباين فيها أهل السنة عن غيرهم ينبغي أن تبين أن هذه طريقة السلف وتلك طريقة المبتدعة، ولو كانت في الأصل هي من المسائل الفقهية, وقد ذكر أهل العقيدة فيما يتعلق بالفروع مثلاً الجهر بالبسملة في مسائل العقائد, ويذكرون المسح على الخفين, والصلاة في السراويل, وهذه مخالفة لمنهج الخوارج؛ لأنهم يحترزون احترازاً شديداً خشية أن يقع أو يصل إليها شيء من البول, بل يرون أن الإنسان إذا خرج من الخلاء فإنه يصلي في أقرب موضع عنده؛ حتى لا يتسلل شيء من البور أو القذر إلى ملابسه فتبطل بذلك صلاته, فيوردون هذه المسألة في مسائل العقيدة.وكذلك ما يتعلق بمسألة البداءة باليمين في حال الوضوء, فإن الرافضة يوجبون ذلك, فعندهم أن الإنسان إذا بدأ بيده اليسرى في وضوئه قبل اليمنى بطل وضوءه, ويوردون مسألة الوضوء باليسرى قبل اليمين أن ذلك جائز من عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل العقائد. وكذلك يوردون ما يتعلق ببعض المسائل من الصلاة خلف البَر والفاجر, والصلاة في الجنازة خلف المؤمن الطائع, والمؤمن الفاسق العاصي, ويرون أن هذا من عقيدة أهل السنة والجماعة, والدعاء لهم.وكذلك الدعاء لأئمة الجور بالصلاح والهداية ونحو ذلك, وهذه من المسائل التي لا تتعلق من جهة الأصل بالعقيدة, وإنما يذكرونها لتعلقها بأهل البدع والمفارقة بين أهل السنة وبينهم, ولهذا يدخلونها في هذا العلم, وهو يسمى بعلم العقائد.
اصطلاحات وأسماء علم العقائد
هذا العلم يسمى بعلم العقائد، ويسمى بعلم التوحيد, ويسمى بعلم أصول الدين أو السنة أو الشريعة, أو الأصول الكلية من مسائل الدين, وهذه أسماء كلها ترجع إلى أصل واحد وهو توحيد الله جل وعلا.وهذه الاصطلاحات مردها ومآلها إلى معانٍ واحدة, ويختلف في ذلك أهل السنة عن غيرهم في هذا الباب. ‏
 مصطلحات أهل السنة في مسائل العقائد
وأما من جهة طرائق أهل السنة والجماعة فإنهم يطلقون على مسائل العقائد بعلم العقيدة أو علم التوحيد, وهذه من جهة الاصطلاح مصطلحات حادثة، فلم يرد في كلام الله جل وعلا ولا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المصطلح والمصدر العقيدة، وكذلك مصطلح التوحيد، وإنما يوجد أصلها وهو أحد ووَحِّد ونحو ذلك، فإن هذا موجود، أما هذا الاصطلاح في قوله: (التوحيد أو العقيدة) فإن هذا لا يوجد في كلام الله ولا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم جاء في حديث عبد الله بن عباس لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله )، وقد ذكر هذا البخاري في كتابه التوحيد من كتابه الصحيح، وذكره بالمعنى، وإلا فالأصل في ذلك هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )، وهذا من الاصطلاح الذي لا مشاحة فيه، وهو من تقريب المعاني, ويذكرها العلماء على طرق متنوعة، ويتباينون في ذلك.
بعض المؤاخذات على سفيان الثوري
وهذه العقيدة وهي عقيدة سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري , وهو من أئمة أهل الكوفة وأئمة أهل الأثر والنظر, والرأي والاتباع والزهد والورع، فكان إماماً في الزهد والورع متبعاً لنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكد يأخذ عليه أحد من أهل العلم شيئاً من مسائل العقائد، وربما أخذوا عليه ما يروى عنه النقل من تفضيل علي بن أبي طالب على عثمان بن عفان عليه رضوان الله تعالى, وقيل: إنه رجع عنه كما نسب هذا إليه جماعة من الأئمة؛ كـابن كثير و ابن تيمية رحمه الله، والمشهور عنه تقديم علي بن أبي طالب على عثمان ، أما الرجوع عن ذلك فالله أعلم فيه، وهذه من المسائل التي يوافق فيها سفيان الثوري طريقة أهل الكوفة.ومعلوم أن ثمة مدارس فيها أهل الشام يقدمون عثمان ويغلون فيه، وأهل الكوفة يقدمون علي بن أبي طالب ويغلون فيه، فالمسألة فيها ليست مفاضلة مجردة, وإنما نوع غلو في هذا, وربما يحملهم ذلك على الإزراء بغيره، وثمة أناس وطوائف متبعون لذلك فيميلون إلى التفضيل في بعض الوجوه, ولا يقومون بالإزراء بالآخر والتنقص منه، وقد كان سفيان الثوري يقول: (إذا كنت في الشام فاذكر مناقب علي بن أبي طالب , وإذا كنت في الكوفة فاذكر مناقب عثمان بن عفان ), يريد الإشارة إلى نوع من التوازن في ذلك عند المخالفين.
 مصطلحات أهل السنة في مسائل العقائد
وأما من جهة طرائق أهل السنة والجماعة فإنهم يطلقون على مسائل العقائد بعلم العقيدة أو علم التوحيد, وهذه من جهة الاصطلاح مصطلحات حادثة، فلم يرد في كلام الله جل وعلا ولا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المصطلح والمصدر العقيدة، وكذلك مصطلح التوحيد، وإنما يوجد أصلها وهو أحد ووَحِّد ونحو ذلك، فإن هذا موجود، أما هذا الاصطلاح في قوله: (التوحيد أو العقيدة) فإن هذا لا يوجد في كلام الله ولا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم جاء في حديث عبد الله بن عباس لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله )، وقد ذكر هذا البخاري في كتابه التوحيد من كتابه الصحيح، وذكره بالمعنى، وإلا فالأصل في ذلك هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )، وهذا من الاصطلاح الذي لا مشاحة فيه، وهو من تقريب المعاني, ويذكرها العلماء على طرق متنوعة، ويتباينون في ذلك.
السلالة التي ينتمي إليها سفيان الثوري
سفيان الثوري من سلالة علم، فأبوه من الرواة, وجده قيل: إنه صحابي، وقد روى عنه كما عند عبد الرزاق في كتابه المصنف عن عبد الرزاق عن أبيه عن جده؛ وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري .وجده مسروق يحتمل أن يكون صحابياً، وإن لم يكن صحابياً فلا يبعد أن يكون ممن عاصر أواخر زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الخلفاء الراشدين الأربعة عليهم رضوان الله تعالى.
 مصطلحات أهل السنة في مسائل العقائد
وأما من جهة طرائق أهل السنة والجماعة فإنهم يطلقون على مسائل العقائد بعلم العقيدة أو علم التوحيد, وهذه من جهة الاصطلاح مصطلحات حادثة، فلم يرد في كلام الله جل وعلا ولا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المصطلح والمصدر العقيدة، وكذلك مصطلح التوحيد، وإنما يوجد أصلها وهو أحد ووَحِّد ونحو ذلك، فإن هذا موجود، أما هذا الاصطلاح في قوله: (التوحيد أو العقيدة) فإن هذا لا يوجد في كلام الله ولا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم جاء في حديث عبد الله بن عباس لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله )، وقد ذكر هذا البخاري في كتابه التوحيد من كتابه الصحيح، وذكره بالمعنى، وإلا فالأصل في ذلك هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )، وهذا من الاصطلاح الذي لا مشاحة فيه، وهو من تقريب المعاني, ويذكرها العلماء على طرق متنوعة، ويتباينون في ذلك.
فوائد من سؤال شعيب بن حرب لسفيان الثوري
قال المصنف رحمه الله: [سمعت شعيب بن حرب يقول: قلت لـأبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري : حدثني بحديث من السنة ينفعني الله عز وجل به، فإذا وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى وسألني عنه، فقال لي: من أين أخذت هذا؟ قلت: يا رب! حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري ، وأخذته عنه، فأنجو أنا، وتؤخذ أنت].سفيان بن سعيد أجاب في هذا السؤال لمن سأله وهو شعيب بن حرب ، و شعيب بن حرب هو أبو صالح المدائني ، وهو من أئمة الرواية، وروى عن جماعة من الأئمة كـسفيان الثوري و شعبة بن الحجاج و زهير بن معاوية , وتتلمذ عليه جماعة, وأخذ عنه، منهم الإمام أحمد رحمه الله، وقد أخذ عن شعيب بن حرب جملة من مروياته, وروى عنه شيئاً في كتابه المسند، وروى عنه ابنه عبد الله بواسطة أبيه عن شعيب بن حرب في كتابه السنة وفي مواضع من كتابه العلل, وفي بعض مسائله. وقد توفي شعيب بن حرب بمكة.أما سفيان الثوري فقد توفي عام مائة وواحد وستين, وله تأثر بالرأي, وإن كان من أهل الأثر, وربما قلد أبي حنيفة في بعض المسائل, يقول أبو يوسف: (إن سفيان الثوري يقلد أبا حنيفة أكثر مني)، ولهذا في مسائل الخلاف تجد إن مدرسة سفيان الثوري هي قريبة من مدرسة الكوفيين ومدرسة أهل الرأي، وهذا يُشاهد كثيراً في موافقته لهم في بعض المسائل، وكان من المكثرين برواية الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, واجتمع فيه خصال الفضل, وهي: الإمامة في الرواية, والإمامة في الدراية، فكان مبرزاً نابغاً نابهاً في ذلك. ‏
 الاحتراز في مسائل العقيدة واستحضار خشية الله عز وجل
وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان فيما يتعلق بمسائل العقيدة, وما يتعلق بمسائل الحساب والأمور العظام أنه لا حرج عليه أن يحترز شدة الاحتراز, وأن يستحلف غيره مما وقع فيه الريبة أو نحو ذلك من كلامه.وفيه أيضاً شحذ لعقل الإنسان وقلبه, وأنه ينبغي في مثل هذا أن يستحضر خشية الله عز وجل, وأن يتحرى في حديثه, فربما كان الإنسان يحدث حديثاً مسترسلاً فيه، فوقع فيه شيء من الزيادة أو النقصان, وإذا جاء على سبيل التشديد والتخويف والترهيب فإنه يتوقف في ذلك ويدقق في العبارة, وهذا لا يكون إلا عند استشعار الأمانة.
أهمية كتابة العلم وحفظه
قال المصنف رحمه الله: [فقال لي: يا شعيب ! هذا توكيد وأي توكيد, اكتب ].قوله: (فقال لي) يعني: سفيان الثوري , (هذا توكيد وأي توكيد, اكتب) فهم سفيان الثوري من هذا الكلام الذي قاله أنه ينبغي الكلام أن يكون ليس منك، وإنما تحدثني به عن السنة, وأن هذا فيه إشارة إلى أن الأمر ينبغي أن يكون من فوق لا منك, وكذلك الإشارة إلى أمر المؤاخذة, وأمر النجاة, وهذا أيضاً فيه تأكيد, وفيه الإشارة للتذكير بأمر الله جل وعلا, أنه سيقف بين يديه ويسأله عنه. وفي قول سفيان الثوري : (اكتب) إشارة إلى أهمية كتابة العلم, وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ كما جاء في حديث أبي شاة في الصحيح حينما أورده البخاري في كتاب العلم, قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اكتبوا لـأبي شاة ), ففيه أهمية الكتابة وأهمية حفظ العلم وضبطه, وفي حديث وفد عبد قيس قال ابن عباس : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحنتم, والدباء, والمزفت, والنقير, وربما قال: المقير, قال: احفظوهن، وحدثوا بهن أو أخبروا من ورائي ), فقال عليه الصلاة والسلام: (احفظوهن) يعني: ينبغي للإنسان إذا بلغ شيئاً أن يوصيه بالتوثيق, وأن يوصيه بالكتابة, أو الحفظ والاستحضار, ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى من كلامه قال: (احفظوهن), وقال في المرة السابقة: ( اكتبوا لـأبي شاة ), يعني: اكتبوا هذا الكلام الذي تحدثت به, وفيه أهمية الكتابة وأهمية الحفظ, والتقييد يحفظ العلم.
 الاحتراز في مسائل العقيدة واستحضار خشية الله عز وجل
وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان فيما يتعلق بمسائل العقيدة, وما يتعلق بمسائل الحساب والأمور العظام أنه لا حرج عليه أن يحترز شدة الاحتراز, وأن يستحلف غيره مما وقع فيه الريبة أو نحو ذلك من كلامه.وفيه أيضاً شحذ لعقل الإنسان وقلبه, وأنه ينبغي في مثل هذا أن يستحضر خشية الله عز وجل, وأن يتحرى في حديثه, فربما كان الإنسان يحدث حديثاً مسترسلاً فيه، فوقع فيه شيء من الزيادة أو النقصان, وإذا جاء على سبيل التشديد والتخويف والترهيب فإنه يتوقف في ذلك ويدقق في العبارة, وهذا لا يكون إلا عند استشعار الأمانة.
الابتداء بالبسملة في التصنيف
قال المصنف رحمه الله: [بسم الله الرحمن الرحيم ]. ‏
 أحوال الابتداء بالبسملة
وعلى كل فبسم الله من جهة البداءة فيها على ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: البداءة بها تامة, بسم الله الرحمن الرحيم, وهذا يكون في الصلاة, وفي قراءة القرآن, وعند المراسلات والمكاتبات ونحو ذلك.الحالة الثانية: أن يبتدئ ببسم الله، ويضاف إليها شيء آخر غير الرحمن الرحيم؛ كوضع الميت في القبر: (بسم الله وعلى ملة رسول الله), أو مثلاً عند الخروج من المسجد كما في حديث كعب بسم الله والحمد لله وغير ذلك.الحالة الثالثة: الاقتصار على بسم الله من غير زيادة, وهذا يكون عند الذبح والأكل, وما جاء في هذا من قول الله أكبر عند الذبح, فبعض العلماء استحبه, وبعض العلماء استحب الاقتصار على بسم الله, أما عند الطعام فالسنة أن يقول: بسم الله, ولا يقول: الرحمن الرحيم, وكذلك عند الذبح يقول: بسم الله، ولا يقول: الرحمن الرحيم؛ لأن مقتضى الفعل هو الرحمة والشفقة, ولا يناسب إيراد هذا الاسم عند هذه الحال, وإنما يقال: بسم الله طلباً للعون, وكذلك الإهلال: بسم الله سبحانه وتعالى.ونقف عند هذا القدر, ونسأل الله جل وعلا العون والسداد والتوفيق والهداية والرشاد, إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اعتقاد سفيان الثوري [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net