اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أشراط الساعة رواية ودراية [5] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


أشراط الساعة رواية ودراية [5] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
تتابع علامات الساعة الكبرى كتتابع انفراط العقد بعد قطعه، فما أن يحصل خراب يثرب وعمران بيت المقدس حتى تقع بين المسلمين والروم ملحمة عظيمة بالشام، وهذه الملحمة تكون تمهيداً لما بعدها من فتح القسطنطينية وخروج المهدي والقحطاني وعيسى ابن مريم.
إخراج الأرض من كنوزها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:فقد تقدم معنا فيما مضى ذكر جملة من أشراط الساعة أو جل أشراط الساعة الصغرى، ونكمل ما تبقى من أشراط الساعة الصغرى.من هذه الأشراط: إخراج الأرض من كنوزها، وهذا قد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدة معان، منها: ما رواه محمد بن فضيل ، عن أبيه ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( تقذف الأرض بكنوزها كأمثال الأسطوان من الذهب والفضة، حتى يأتي القاتل فيقول: على مثل هذا قَتلت، ويأتي القاطع -يعني: رحمه- فيقول: على مثل هذا قطعت، ويأتي السارق فيقول: على مثل هذا قطعت يدي، فيدعونه ولا يأخذون منه شيئاً )، وقد جاء تخصيص ذلك من بعض البلدان، وهنا قد جاء على وجه العموم.وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن الفرات يحسر عن جبل من الذهب، يقتتل عليه الناس، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، كل واحد منهم يظن أنه الناجي )، وقد يقال: ليس في هذا ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل العموم؛ وذلك أن الأول كان فيه مقتل، وأما الثاني فكان فيه قتل، فيظهر أن ما كان في العراق من انحسار الجبل عن الذهب يكون في ابتداء خروجه؛ ولهذا قال في الخبر من حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى قال: ( يأتي القاتل فيقول: في مثل هذا قتلت )، يعني: قتلت الناس على هذا المال، وأما في حال الاستفاضة كأن الناس أمسكوه، قال: ( ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً )، وبه يعلم أن استفاضة المال وكثرتها تكون بعد انحسار الفرات عن جبل من الذهب. ‏
 تقديم المال على حفظ النفس
وفيه أيضاً من الفوائد التي تتعلق بهذا: أن الإنسان لطمعه يقدم المال على النفس؛ على حفظ نفسه، فإذا طلب أحد أخذ المال دفع عن نفسه؛ ولهذا ترى من هذه الثمرات ما تقدم الإشارة إليه في مسألة الزهد بالجهاد، والذود عن حياض الدين والملة، وهو فيه مظنة إزهاق النفس، وإذا كان الإنسان يرى الناس صرعى أمامه لأجل دنيا، ويريد دنيا، فهو من باب أولى لا يكون من أهل الدنيا، فإن هذا من مظنة الهلكة، والهلكة في سبيل الله أقل من الهلكة على هذا المال، فإن العدد ذكر هنا أنه كثير، بخلاف المقتلة التي تكون في سبيل الله والعدد في ذلك أقل بكثير، مما يدل على أن الناس إذا تعلقت قلوبهم بالدنيا والمال قل حبهم للقتال في سبيل الله، وانصرافهم إلى اللهو في الدنيا ومتعها في سائر الأعذار، وتقدم الإشارة إلى هذا المعنى.
عمران بيت المقدس وخراب يثرب
ومن أشراط الساعة وعلاماتها ما رواه الإمام أحمد و أبو داود و الترمذي من حديث عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه، عن مكحول ، عن جبير بن نفير ، عن مالك بن يخامر ، عن معاذ بن جبل أن سول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال ).وفي هذا الحديث تسلسل لمجموعة من الأحداث ينبغي أن تضبط على الترتيب؛ حتى لا يقع خلط في فهم بعض أشراط الساعة وعلاماتها. ‏
 أحوال الشام من جهة الفتنة
وهذا لا يعني أن الشام ليست بموضع أرض مباركة، فقد جاء بيان أن الشام من الأرض المباركة في جملة من الأحاديث، وتقدم الكلام عليها على وجه الخصوص في محاضرة بعنوان (المسجد الأقصى فضائل ومسائل) يحسن الرجوع إليه. ولكن علاقة الشام بالنسبة لهذا الموضوع من جهة الفتنة على أحوال متعددة: الحال الأولى: إذا كان يتضمن عمران بيت المقدس خراب المدينة فهذه مذمة وليست بمحمدة، وعمران بيت المقدس يظهر أنه بعد فتح المسلمين لبيت المقدس، ويكون بعد ذلك سعة في المال وترك للمدينة، والمدينة هي أفضل البقاع بعد مكة عند عامة العلماء وجمهورهم. الحال الثانية: في حال الفتن والملاحم والقتال فإن الذهاب إلى الشام أفضل من أي بلد آخر، بل أنه أولى من الرجوع إلى مكة والمدينة، لا للفضل، وإنما أن الشام هي أرض المحشر، وأرض الملحمة بين المسلمين والروم، والدليل على ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث عوف بن مالك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: ( أعدد ستاً بين يدي الساعة )، قال عليه الصلاة والسلام في هذا الخبر: ( ثم يكون بينكم وبين بني الأصفر عهد، ثم يغدرون، فيأتونكم على ثمانين غاية، على كل غاية مائة وعشرون ألفاً )، يعني: مائة وعشرون فرداً من المقاتلين، وهذا قريب من المليون إلا يسيراً، وهذا عدد مبالغ فيه جداً لا يمكن إلا مع التجييش الكثير المتضافر، وهذا الحديث في صحيح الإمام البخاري ، وهو من أصح الأحاديث في أشراط الساعة، ويكون ذلك في أرض الشام.
خروج الملحمة بالشام وما يلحقها من علامات
ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( وخراب يثرب خروج الملحمة ) والملحمة تكون بالشام.وقد جاء دليل ذلك على الصراحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جملة من الأحاديث، قال عليه الصلاة والسلام: ( تقاتلون الروم على نهر الأردن، أنتم شرقيه وهم غربيه )، وهذا دليل على أن المعركة تكون في الشام. ‏
 غدر بني الأصفر بالمسلمين
وفي هذا إشارة إلى أن المسلمين يتصالحون ويتعاهدون مع بني الأصفر، فيقاتلون عدواً دونهم، وقد جاء هذا في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود، مما يدل على جواز المصالحة مع المشركين لقتال عدوهم، ولو كان مشتركاً من جهة العداوة بين المسلمين الكفر، وهذا أمر جائز، يشير إلى هذه المسألة التي تقدم الإشارة إليها، ثم يكون الغدر بعد ذلك، يكون في بداية الأمر صلحاً، ثم يقاتلون عدواً دوننا، يعني: دون الروم بيننا وبينهم، الله أعلم بحاله، وفسره كثير من العلماء بجملة من الاجتهادات التي لا دليل عليها، ولا ينبغي أن يتعلق الإنسان بها.فيكون بعد هذه المقتلة وهذا التحالف بين المسلمين والروم غدر الروم على المسلمين وهم أهل غدر، فيأتون إلى المسلمين على حين غرة، والدليل أنه على حين غرة أنهم يأتون في بلاد الشام، وبلاد الشام هي من بلاد المسلمين، ولا يمكن أن يأتي هذا العدو ثمانين غاية على كل غاية مائة وعشرون ألفاً، إلا أن يكون ذلك على حين غرة ومفاجأة من المسلمين، سواء أن يمكنوا من بلاد المسلمين بدعوى حماية المسلمين، أو قتال عدوهم من دونهم، فيخرجون لذلك وهم يريدون أهل الإسلام.ومن جهة الأصل فإن مطامع أهل الكتاب من اليهود والنصارى هي مطامع دنيا، ويظهر أن غدرهم بالمسلمين هو لأجل مطمع في دنياهم، وهذا ظاهر.وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ( ثم خروج الملحمة ) هي بعد خراب يثرب، وبعد عمران بيت المقدس، ثم تكون الملحمة بين المسلمين والروم، وبه يعلم أن من ينتظر هذه الملحمة ولم يأت خراب المدينة، ولا عمران بيت المقدس فإنه يستعد لأمر ليس هذا محله، ثم تكون الغلبة لأهل الإسلام، والدليل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: (وخروج الملحمة فتح القسطنطينية )، يعني: أن المسلمين يفتحون القسطنطينية بعد ذلك، وتكون الغلبة لهم، وحماية ثغور الإسلام حتى يصلوا إلى ما يسمى بأوروبا في زمننا الحالي، وهذا مما وعد الله عز وجل به المسلمين.
خروج الدجال
قال عليه الصلاة والسلام: ( وفتح القسطنطينية خروج الدجال )، وخروج الدجال هو مصاحب لمجموعة من أشراط الساعة متتالية، وبينها جملة من التتابع، فالمهدي مصاحب لخروج الدجال، وكذلك القحطاني، ويأتي عيسى عليه السلام بعد ذلك كله، فيقتل المسيح الدجال عند بيت المقدس كما يأتي الكلام عليه في أشراط الساعة الكبرى.وفي هذا الحديث من إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بخروج الدجال لا يعني أنه يتخللها مجموعة من أشراط الساعة الأخرى، وإنما تكون هي على هذا الترتيب وعلى هذا النسق، بل يقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يشير إلى ما كان علماً من أمور الفتن. ‏
 فوائد بيان أمر الدجال في السنة أكثر من القرآن
وفي هذا جملة من الأمور والفوائد:من هذه الفوائد أنه ينبغي أن تقدس السنة وتعظم كما نقدس معاني القرآن، وذلك أن السنة من الوحي؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى عن نبيه عليه الصلاة والسلام: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، وإذا ترك الناس السنة وتعلقوا فقط بالقرآن ضلوا؛ لأن السنة هي المبينة للقرآن، فإذا كانت أعظم مصيبة على البشرية منذ أن خلق الله آدم إلى قيام الساعة ادخرها الله جل وعلا على لسانه نبيه دل على تعظيم هذه السنة وجلالة قدرها.ومعلوم أن الشيء يعرف أمره بمضمونه ومحتواه، وما يدفع من الشر، وما يدل على الخير، فإذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على هذا القدر العظيم من دفع الشر دل على وجوب التمسك بها، هذا في زمن من يتأول السنة عن مرادها، ولو تليت آي القرآن وآي السنة البينة الظاهرة التي أظهر تفصيلاً وأسهب تدقيقاً وبياناً من مجمل القرآن.والمقصود قد فصل الله جل وعلا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك من يقول: إن فيمن يقول: إنك لم تأت بجديد ولم تأت بأمر بين يزيل هذا الإشكال؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يتشبث بظواهر الأدلة من كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألا يلتفت إلى أقوال الناس، وإن قالوا: هذا ليس بدليل، وليست بينة؛ لهذا قال الله سبحانه وتعالى حاكياً عن حال قوم هود مع هود حينما أنزل الله جل وعلا عليهم الحجج: قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ [هود:53]، إذاً كان كلام الله جل وعلا ليس ببينة، وأظهر بياناً، وما أرسل الله جل وعلا من رسول إلا بلسان قومه، ثم هؤلاء يقولون: ما جئتنا ببينة، من الذي يأتي ببينة حينئذٍ أقوى بياناً من رب العالمين، ليعلم أن هذه من الحجج الباطلة التي يعلمون الحق في قلوبهم، ولكنهم يجحدونها كما فعل ذلك كفار قريش؛ ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم حاكياً حال كفار قريش: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، يعني: يجحدون بهذا الحق ولهذا يخرج يوم القيامة، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم في سورة الأنعام: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ [الأنعام:28] يخفون ذلك الحق في قلوبهم، لكنه يظهر عند سطوة العذاب وحينما يعرضون على النار.وينبغي على طالب الحق من الوحي إذا ظهر له الدليل وتمكن من قلبه؛ لا عليه من أي صاحب دعوى؛ أنك لم تقم الدليل ولم تقم البينة، أقمنا البينة والحجة، وإن لم تتبع، فلك أسلاف قد ضلوا وهلكوا، كما ضل قوم هود وقوم صالح وثمود وقوم موسى وعيسى وكفار قريش، حينما أنزل الله جل وعلا على أنبيائه الحجة والبيان من كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
خروج القحطاني
ومن أشراط الساعة: خروج رجل من قحطان، وهذا قد جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي سعيد أن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه )، وفي هذا جملة من المسائل: ‏
 الأوجه الدالة على أن القحطاني من أهل الظلم
ويظهر من قوله عليه الصلاة والسلام: ( يسوق الناس بعصاه ) أنه من الظلمة، وليس من أهل العدل، وهذا من وجوه: الوجه الأول: تقدم الإشارة إليه من الصنفين الذين معهم السياط.الوجه الثاني: أن الأصل في أشراط الساعة إذا ذكرت أنها في العرب، وفي مثل هذا الزمان يكون أهل الإيمان متوافرون؛ لأن خروج القحطاني متزامن مع خروج المهدي وقيل بعده، وفي هذا الزمن أهل الإيمان متواجدون لا يحتاجون إلى السوق بالعصا، يحتاجون إلى جمع الناس بالكلمة، ولما كانت يخاطب به العرب دل على أن المراد بذلك في قوله: (يسوق الناس) أي: يسوق المسلمين والعرب، ولا يسوق العجم، وهذا ظاهر، وأما لو كان يسوق العجم ودلت قرينة على ذلك لاحتمل أن يكون من أهل العدل والصلاح. ويظهر في بعض النصوص أن خروج القحطاني يكون بعد المهدي كما جاء عند نعيم بن حماد، وفي ذلك ضعف، لكن قرائن النصوص تحتمل هذا الأمر.وخلاصة هذا الأمر أنه لا ينبغي الخوض في تفاصيل القحطاني؛ لا من جهة اسمه، ولا من جهة البلد التي يخرج فيها، ولا من جهة أيضاً ما هي دعواه في الناس، وإذا خاض فيها الإنسان يخوض فيها من غير عمل؛ لأن الخوض في تفاصيل ذلك مع العمل ربما يورث مفاسد في الدين والدنيا، وإلا فخبر القحطاني من الأحاديث الصحيحة في الصحيح.وثبوت خروج القحطاني أثبت إسناداً من خروج المهدي ، وذلك أن البخاري قد أخرج حديث القحطاني، ولم يخرج شيئاً لا هو ولا الإمام مسلم في حديث المهدي مع شهرة أخبار المهدي عند أرباب الفتن، وعند عامة الناس.
خروج المهدي
ومن أشراط الساعة في ذلك: خروج المهدي ، وخروج المهدي في هذا هو مشابه لخروج عيسى.و المهدي خروجه قد صححه جماعة من الأئمة، ومن أول من جزم به وقطع من السلف سفيان الثوري ، وصححه واحتج بالأحاديث التي أوردها جماعة من العلماء كـالدارقطني و البيهقي ، وجماعة من المتأخرين كـابن كثير و ابن حجر و الذهبي وغيرهم على صحة الأحاديث. ‏
 نزع البركة من الأرض قبل خروج المهدي
ومن ذلك قبيل أو مصاحب لخروج المهدي قبل بدئه بنشر العدل أن تنتزع البركة من الأرض، فلا يمطر الناس مطراً فينتفعون به، وقد جاء عند أحمد وغيره من حديث قتادة عن أنس بن مالك قال: ( إنك تحدثت أنه لا تقوم الساعة حتى لا يمطر الناس ولا تخرج الأرض )، وجاء في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقوم الساعة حتى تمطر الأرض، لا تكن له بيت مدر، وإنما تكن له بيت الشعر )، والمراد من هذا أنه تأتي أمطار تفسد بيوت المدر؛ الطين والحجر، ولكن بيوت الشجر لا تتأذى، وفي هذا إشارة إلى جملة أمور:الأمر الأول: أن هذا يقصد به الهلاك، والهلاك يكون في المدن؛ بيوت المدر، وأما بيوت الشعر فهي البوادي، لا تتأذى، فيكون المطر قصد به أذية الناس وإفساد ما انتشر فيهم من الناس، فيكون حينئذٍ نزول المطر في الخبر في آخر الزمان نزول فساد.الأمر الثاني: أن يكون نزول ولا ينبت، فلا يستفيدون منه.الأمر الثالث: تمسك السماء القطر، والأرض النبات فلا تنبت، وفي ذلك انتزاع للبركة، ويكون هذا في أمر يسير.وهذه الأمور المتسارعة عن النبي عليه الصلاة والسلام تكون في زمن متقارب، قيل: سبعة أشهر، وقيل: ستة أشهر، والنصوص في ذلك محتملة. وينبغي أن يعلم أن أشراط الساعة لفترتها والتباس بعضها يضل في ذلك كثير من الناس، سواء في اتباع بعض التأويلات الفاسدة في هذا، وتقدم الإشارة إليه. والأمر الآخر: الانفكاك عن مسألة الاجتهاد في وقوعها؛ وقد روى ابن أبي شيبة من حديث ابن عون عن ابن سيرين قال: قال ابن مسعود : كل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من أمر الساعة ظهر إلا أربع، قال عبد الله بن مسعود: يأجوج ومأجوج، والدابة، و الدجال ، وطلوع الشمس من مغربها. فهنا ما يروى عن عبد الله بن مسعود أنه يرى أنها خرجت، مما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا إما ما بلغ عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى في أشراط الساعة، وقطعاً أن عبد الله بن مسعود لم يحط إحاطة بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من أخبار الفتن وأشراط الساعة؛ لأن الإحاطة ليست لأحد من الخلق على الإطلاق، وإنما ما بلغه من ذلك رأى أنه ظهر، ولكن يعلم أنه بعد التدوين وكثرة الكتب، وتوافر كثير من المسائل للناس مما يغيب عن الأفراد الأوائل لا يعني توفيق أولئك الناس، بل يكون فتنة وضلال.ولهذا ينبغي للإنسان أن يحذر من ذلك حتى لو ملك زمام العلم من مسائل العلم أن يسأل الله عز وجل التوفيق والإعانة والصواب؛ لأن كثرة المسائل والفتن التي يحويها الإنسان بين يديه سواء في بطون الكتب أو على صدره تكون مظنة لكثرة الاشتباه، فلا يدري هذه أول أو هذه أول؛ وينبغي للإنسان أن يتمسك بما ظهر من الأدلة، وأن يتمسك أيضاً بالحقائق، ولا يلتفت إلى المصطلحات التي يدعو إليها الناس، أو إلى الدعاوى التي يتشبثون بها.
هدم الكعبة
ومن أشراط الساعة ما تقدم الإشارة إليه على سبيل الإجمال وهو: هدم الكعبة، ويهدمها ذو السويقتين . ‏
 الرد على حصول الإحباط عند سماع أحاديث هدم الكعبة
بعض الناس يصاب بنوع من الإحباط، يقول: إذا هذه الأدلة ( لا يطاف بالبيت ) ( تهدم الكعبة ) ونحو ذلك، يدل على اضمحلال الإسلام، فكيف أجمع بينها وبين هذا؟ هذا يكون بعد قبض أرواح المؤمنين في حال قيام الساعة، ويكون الناس في الأرض هم الشرار، ويرفع العلم، ويرفع المصحف من الكتب ومن الصدور، ولا يبقى أحد من المسلمين حينئذٍ تكون قيام الساعة، وهذا في زمن متداخل ومتقارب على خلاف عند العلماء فيه.وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان ثبت أن المهدي يظهر قبل خروج الدجال وقبل خروج عيسى، فيخرج الدجال بعد عيسى يدل على أنه في عمر الإنسان السوي من الستين إلى السبعين، وفي زمن متقارب، ومع ذلك دل الدليل على أن المهدي لا يخرج ولا يقوم في الناس إلا وقد استوى وبلغ أشده، وهذا يعضده قرائن من الأدلة.وقد جاء في بعض الأخبار الموقوفة أنه ستة أو سبعة أشهر، يعني: يكون انفراط العقد، وجاء عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى عن النبي عليه الصلاة والسلام أن أشراط الساعة الكبرى كالخرزات تتابع، يعني: كانفراط العقد، فإن الإنسان إذا فرط عقداً انفرطت خرزته واحدة تلو الأخرى: خروج المهدي ، القحطاني، المسيح الدجال ، عيسى ابن مريم، هدم الكعبة، الروح التي تقبض المؤمنين، ثم متسارعة، وقد تقدم معنا أن ثمة تداخلاً بين أشراط الساعة الكبرى والصغرى نوع منها، كما تقدم الإشارة إليه في مسألة الجهجاه يظهر أنه أحد الفتن، وكذلك القحطاني مصاحب للمهدي، وهي متداخلة في أشهر، وربما تكون في عام واحد؛ ولهذا الظن أن أشراط الساعة الصغرى منفكة انفكاكاً تاماً عن الكبرى هذا قول ليس بسديد، أكثرها منفك، ولكن منها ما هو متداخل مع أشراط الساعة الكبرى كما تقدم. وفي هذا كفاية، أسأل الله عز وجل أن يوفقني وإياكم لمرضاته، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أشراط الساعة رواية ودراية [5] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net