اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [54] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [54] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
أرشد الله عز وجل إلى كيفية استخدام المال كسباً وإنفاقاً، فبين ما يحرم من طرق الكسب كالربا وأن الجاهلية كانوا يأكلونه أضعافاً مضاعفة. ثم حث الله عز وجل على النفقة في السراء والضراء، وحث على كظم الغيظ، والعفو عن الناس، وذكر ذلك بعد الأمر بالنفقة لأن من لم يعف قد يشفي غيظه من مؤذيه بعدم النفقة عليه فأرشد إلى العفو وأنه سبحانه وتعالى يحب المحسنين.
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة...)
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] , تقدم معنا في سورة البقرة الكلام على الربا وبيان خطورته, وعقوبة فاعله, وأنه من المحاربين لله عز وجل, وذكرنا أن الله سبحانه وتعالى ما ذكر حربه مع أحد من عباده إلا في حال الكفر, ومعاداة المؤمنين, وكذلك في حال آكل الربا, وقرن الله عز وجل لذلك دليل على شدة ذلك الفعل وعظم إثمه.وهنا في هذه السورة ذكر الله سبحانه وتعالى الربا والأضعاف المضاعفة.بالنسبة لتحريم الربا تقدم الكلام عليه في سورة البقرة ومنزلته وخطورته, وذكر الله عز وجل للأضعاف المضاعفة في الربا ليس وصفاً للأمر المحرم بتقييده, وإنما ذلك حكاية حال أهل الجاهلية في تعاملهم بالربا, وذلك أنهم يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة. ‏
 أنواع المحرمات في الأموال
تقدم معنا أيضاً الإشارة إلى أن المحرمات في الأموال على نوعين لا تخرج عنهما, وكل الفروع تتفرع عنه:النوع الأول: الربا.والنوع الثاني: الجهالة والغرر.والجهالة والغرر يدخل فيها القمار والميسر, ويدخل فيها أنواع الغرر, وذلك من بيع الملامسة والمنابذة والمزابنة, وغير ذلك من أنواع البيوع، سواء كان ذلك في المبايعات أو كان ذلك في أمور المزارعة, كالمخابرة وغير ذلك مما يتكلم عليه الفقهاء في هذا الباب.وهذه إنما حرم الربا وعظم أمره لأنه يؤخذ عن يقين, وأما الغرر فيؤخذ عن ظن, واليقين في ذلك مكابرة وعناد, فهو يأخذ العشرة بعشرين أو يأخذ المائة بمائتين.وأما بالنسبة للجهالة والغرر فهو محتمل أن يربح ومحتمل أن يخسر كما هو في القمار والميسر وفي البيوع المحرمة كالمزابنة والملامسة والمنابذة وغير ذلك.والآيات التي تأتي بعدها أيضاً هي تبع لها, كذلك في التفسير من التحذير من أمور الربا, من اتقاء عقاب الله عز وجل الذي توعد الله سبحانه وتعالى آكل الربا بالنار, ويحتمل أن الله جل وعلا لما ذكر الكافرين: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران:131] , بعد ذكر الربا, هل المراد بهذا أن آكل الربا كافر؟ليس المراد بذلك إلا إذا كان المراد بمن يأكله استحلالاً.وكذلك من الصوارف أن الله سبحانه وتعالى يقول: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران:131] , فالنار من جهة الأصل أعدت للكافرين ما أعدت للمؤمنين ولو كانوا فساقاً، فدخول المؤمن للنار تبعاً, والجنة أعدت لأهل الإسلام والإيمان فلا يدخلها إلا مؤمن.وإنما قلنا: (تبعاً) لأن المسلم لا يخلد في النار, ولو كانت النار لفساق المؤمنين ولم تكن للكافرين لم تكن خالدة لأنهم لا يخلدون فيها, فالله سبحانه وتعالى ذكر أنها أعدت للكافرين، أي: اتقوا النار التي تجمعكم بالكافرين وهي قد أعدت لهم فتشاركوهم في العذاب, وهذا من الصوارف في هذه المسألة, ويحتمل أن المراد بذلك هو الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة.
قوله تعالى: (الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس...)
الآية الثانية: قول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134]. ‏
 المفاضلة بين العفو والانتصار للنفس
كذلك: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134] في الأمور المستحبة, أي: أن الإنسان له حق أن ينتصر لنفسه, وإذا لم ينتصر فقد حمد الله عز وجل له كظم غيظه وعفوه, وحمد الله عز وجل له عفوه عن خطأ غيره عليه بصبره على أذاه.وهل ذلك على الإطلاق: أن الإنسان يحمد له العفو؟نقول: العفو يحمد ويذم, يحمد إذا كان في مقدور الإنسان ويطيقه ويصبر عليه, ولا يجرئ الباغي عليه، فيزداد في ذلك ويستطيل في الشر.ولا يحمد إذا كان فيه شدة أذية لا يطيقها الإنسان, ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في المسند: ( لا ينبغي لمؤمن أن يؤذي نفسه ) , وجاء في رواية: ( أن يذل نفسه. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يتحمل من البلاء ما لا يطيق ) يعني: ما لا تطيقه العفو فيه غير محمود, ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، يتحمل من البلاء ما لا يطيق ) .
قوله تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان...)

 الذنوب وآثارها في تحقق الهزيمة
وفي هذه الآية إشارة إلى معنى عظيم جداً: أن الإنسان لا يحرم الخير إلا بالذنب, لهذا الله سبحانه وتعالى لما ذكر من تولى من المسلمين عن النبي عليه الصلاة والسلام يوم أحد جعل الله عز وجل سبب ذلك استزلال الشيطان لهم في ما سبق من ذنوب ومعاص, قال: بـ مَا كَسَبُوا [آل عمران:155] , يعني: بما اقترفوا من ذنوب ومعاص.لهذا يثبت الله سبحانه وتعالى صاحب الطاعة، والمعصية تقيد الإنسان وتثقل كاهله حتى يضعف عند الإقدام, والانتكاسة بسبب معصية إما ظاهرة وإما باطنة, والمعاصي الباطنة أعظم عند الله عز وجل من المعاصي الظاهرة؛ لأن المعاصي الباطنة فيها تخصيص للخالق سبحانه وتعالى بالاستهانة, وأما في الظاهر فإنه يستهين بالخلق والخالق, وأما في الباطن فيعظم المخلوق ولا يعظم الخالق, وكأنه رفع المخلوق هيبة في قلبه على الخالق, وأما في العلن فقد جعل الخالق والمخلوق سواء, وفي السر رفع هيبة المخلوق على الخالق.ولهذا كانت ذنوب الخلوات أعظم عند الله عز وجل من ذنوب الجلوات, ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى لا يحرم عبده من أمور الخير إلا بسبب ذنب, فإذا انتكس الإنسان أو ارتد فبسبب ذنوب عاقبه الله سبحانه وتعالى بها, وفي هذا أيضاً إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يعلم أن الله عز وجل إذا حرمه من عمل خير فليعلم أنه بسبب ذنب اقترفه فليبحث عن ذلك الذنب ليزيله؛ لأنه هو العائق, وإما بالتوبة والاستغفار ونحو ذلك, فإذا حرم من عمل خير، من سفرة الخير، أو من صحبة خير، أو من نفقة، أو غير ذلك, أو حيل بينه وبين عمل البر وحيل بينه وبينه فليعلم أن الله عز وجل حرمه إياه بسبب ذنب؛ فإن الله عز وجل لا يحرم عبده إذا اكتمل قصده وصلح ظاهره.والتولي يوم الزحف سيأتي معنا بأقسامه وأنواعه ومراتبه فيما نستقبل بإذن الله تعالى, ونرجئ الكلام عليه بتفصيله هناك.
قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة...)
قول الله سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161]. ‏
 الحكمة من إتيان الغال بما غل يوم القيامة
وقوله جل وعلا: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161] , لماذا يأتي بما غل يوم القيامة؟وهل المراد يأتي يوم القيامة بما غل في النار أم في غيرها؟نقول: يأتي بما غل يوم القيامة على ظهره أمارة على غدرته.قد جاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان ), وغدرته لأنه غدر المسلمين, ائتمن على الغنيمة فأخذها له, وائتمن على مال المسلمين فأخذه له, فيؤتى ذلك لواء, وانظروا ماذا غدر وماذا سرق من حق المسلمين؟وإذا كانت غدرته ليست من الأمور المادية مما يحمل كان له لواء يوم القيامة يكتب عليه: هذه غدرة فلان ابن فلان.وإذا كانت مالاً أو أرضاً أو ثمراً أو غير ذلك، يأتي بها يوم القيامة كل إنسان بمقدار غلته, وقيل: إن المراد بذلك أن يؤتى بما غل يوم القيامة ليعذب به في النار, قالوا: وهذا قدر زائد على الأرض مما يعرف مع الإنسان يوم القيامة من غدرته.قال: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [آل عمران:161] , قالوا: في هذا إشارة إلى أن ما يأتي به يوم القيامة هذا يأتي به قبل العذاب, وذلك للعذاب النفسي والإهانة مما جرى منه من غدرة للمسلمين.قال: بـ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [آل عمران:161] ؛ لأن الله عز وجل: لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:44] .نتوقف عند هذا القدر, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [54] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net