اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [51] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [51] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
أمر الله عز وجل بالوفاء بالعهود والأيمان وحذر من نقض ذلك أيما تحذير، فأخبر أن من ينقض العهد لا نصيب له في الآخرة ولا يكلمه الله ولا يزكيه وله عذاب أليم. فالنزاعات التي تحصل بين المسلم وغيره من الكفار المرجع في حلها هو حكم الله تعالى؛ لأن قوله تعالى: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم...) نزلت في الأشعث بن قيس ويهودي فحكم بينهما الرسول صلى الله عليه وسلم بحكم الله وهو البينة على المدعي واليمين على من أنكر.وقد تنازع العلماء في كفارة يمين الغموس فقال بعضهم ليس عليه كفارة وعليه التوبة، وقال بعضهم تجب عليه الكفارة.
قوله تعالى: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً...)
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:نتكلم في هذا المجلس على قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [آل عمران:77] , لما ذكر الله سبحانه وتعالى ما يتعلق بالتعامل مع أهل الكتاب ذكر الله عز وجل تغليظ عهده وميثاقه وتغليظ الأيمان التي تكون بين المتعاقدين, سواء كان المتعاقدان من المسلمين أو من غيرهما, والسياق إنما جاء في حال غير المسلمين, في حال المسلم في تعامله مع غير المسلم, سواء كان كتابياً أو ليس بكتابي.وهنا ذكر الله سبحانه وتعالى الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم, لما ذكر الله عز وجل حال أهل الكتاب من جهة التعامل في الأموال سواء كان ذلك في البيوع أو كان ذلك في القيراط, وأن الله سبحانه وتعالى في ظاهر السياق قد أجاز للمسلمين أن يتعاملوا مع أهل الكتاب. ‏
 مدى انعقاد يمين الكافر ووجوب الكفارة عليه
ويمين الكافر في نفسه هل تنعقد ويجب عليه في ذلك الكفارة أم لا؟اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في يمين الكافر على قولين:ذهب جمهور العلماء إلى أنها تنعقد, سواء كان الحنث في زمن كفره أو في زمن إسلامه, فإذا حلف أني لأفعلن كذا وكذا, فلم يفعل هذا الشيء في زمن الكفر أو زمن الإسلام.نقول: ما دام أن اليمين وقعت منه معتقداً لها بتعظيمها فالكفارة عليه واجبة وهو موكول إلى الوفاء بها, والدليل على ذلك أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام, -يعني: في الجاهلية- فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أوف بنذرك ). وهذا نذر منه كان في الجاهلية، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يفي به.وعلى هذا نقول: إن يمين الكافر يجب الوفاء بها, فإذا نذر في زمن كفره ثم دخل الإسلام يجب أن يفي, وإذا لم يف كفر عن يمينه كأنه حلف في زمن الإسلام, وهذا هو القول الذي ذهب إليه جمهور العلماء خلافاً لـأبي حنيفة, فإن أبا حنيفة يرى عدم انعقاد يمين الكافر, وأنها لغو سواء دخل في الإسلام أو لم يدخل في الإسلام.لم يدخل في الإسلام واستفتى وسأل لا يؤمر بالكفارة باعتبار عدم مخاطبته في الفروع, وإذا دخل في الإسلام وكانت يمينه في الجاهلية لا يؤمر بالكفارة عند عدم الوفاء بها؛ لأن الكفارة بنيت على يمين باطلة عنده, فعلى هذا يلزم الوفاء بها.والصواب في ذلك: أنه يلزم الوفاء بها كما جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام في قوله لــــعمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى.
قوله تعالى: (كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل...)
الآية الثانية في قول الله عز وجل: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ [آل عمران:93]. ‏
 صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به عن الأمم السابقة
وفي قوله هنا: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93] , يعني: أنما ذكرته لكم إنما هو موجود عندكم في التوراة على التفصيل والتمام والبيان من غير نقصان, فإن كنتم صادقين في سؤالكم أنكم تتبعوني إن صدقت في قولي وأنبأتكم بما تعلمون, وتظنون أني لا أعلم إلا بواسطة الوحي, فيجب عليكم الإتباع.
قوله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة...)
الآية الثالثة: هي في قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:96], ذكر الله سبحانه وتعالى أول البيوت التي أوجدها للعبادة, وهي المسجد الحرام, ولا خلاف عند العلماء في ذلك أن أول البيوت إنما هو المسجد الحرام. ‏
 استدارة الصفوف حول الكعبة
وهذا تظهر فيه المشقة في الأزمنة المتأخرة أكثر من غيرها, كان في الزمن الأول الناس يصلون صفاً مستقيماً لا صفاً مستديراً إلى نحو العقد التاسع, في الثمانين أو التسعين الهجري, ثم بدأت الصفوف مستديرة.وأول من فعل ذلك هو خالد بن عبد الله القسري كما ذكر ذلك الفاكهي في أخبار مكة.ومن لطائف الاستدلال ما استدل به عطاء على ذلك في قوله جل وعلا: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الزمر:75] يستدل بأن الملائكة كانوا حول العرش حافين في الاستدارة, أيضاً الاستدارة من جهة الصفوف, فالثمانون سنة الأولى من الإسلام كانوا يصفون من جهة الباب, من جهة حجر إسماعيل من أقصاه إلى الباب, فإذا وصلوا إلى الباب عن صوب الكعبة بدأ الصف الثاني, ثم الثالث حتى يصلون إلى المسعى, ولا يحيطون بالكعبة.ثم لما كثر الناس وشق عليهم بدءوا بمسألة الاستدارة, ثم أصبحت أمراً سائداً, ويجعلون المنفرد يصلي في أي ناحية, وأما الجماعة فلا يصلون إلا من جهة الباب, ولهذا نقول: إن الصلاة من جهة الباب أفضل من الصلاة من غيره, لأنها فعل النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة, فإذا أراد المنفرد أن يصلي أو أراد جماعة نقول له: الأفضل في مثل هذا الموضع, ولهذا جعل الله عز وجل الصلاة لركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم, وهو من تلك الناحية كذلك, فيجمع بين الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام, وكذلك في أصحابه عليهم رضوان الله تعالى.وأما من جهة صحة الصلاة وسلامتها فلا يختلف العلماء عليهم رحمة الله في سلامتها من أي جهة صلى الإنسان, وتحققه لأجر التضعيف.نكتفي بهذا القدر, وأسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة, إنه ولي ذلك والقادر عليه, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [51] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net