اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح منظومة رشف الشمول في أصول الفقه لابن بدران [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح منظومة رشف الشمول في أصول الفقه لابن بدران [2] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
أصول الفقه حقيقته: معرفة الأدلة الإجمالية، والأدلة عند العلماء منها ما هو متفق عليها، وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ومنها أدلة مختلف فيها وهي الاستحسان، والمصلحة، وأفعال الصحابة، والعرف أو العادة، وغير ذلك من الأدلة التي هي من مواضع الخلاف عند العلماء. ويتفرع عن مسألة الأدلة ومعرفتها من الكتاب والسنة معرفة أقسام هذه الأدلة وما تتضمنه من أحكام شرعية، من الأمر والنهي، والإباحة، وغير ذلك وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم تشريع، فإن الله جل وعلا أمرنا بالاقتداء به، والأدلة الشرعية لها: نص وظاهر ومنطوق ومفهوم، والمفهوم هو: مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة.
أصول الفقه.. تعريفه وموضوعه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين والحاضرين يا رب العالمين.قال العلامة ابن بدران رحمه الله: [ أصول الفقه ].بعد إيراد المصنف للمقدمة وبيان مقصوده من التأليف مع الإشارة إلى أهمية أصول الفقه، وما ينبغي لطالب العلم أن يتعلمه منها، والطرق التي يسلكها في ذلك.وهنا شرع في بيان حقيقة أصول الفقه، وقد تقدم معنا أن أصول الفقه: معرفة الأدلة الشرعية الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.وأصول الفقه إذا أردنا أن ننظر إليها من جهة التعلم والتفقه نعلم أن محلها الأدلة الإجمالية كما تقدم الإشارة إليه، وليست المباحث الفرعية، فضلاً عن أن تكون هي من جهة الأدلة التفصيلية، ومعرفة القضايا العينية أو معرفة العلة، وكذلك أيضاً مدار الحكم على مسألة بعينها، فضلاً عن أقوال الأئمة القائلين بهذه المسائل، وإنما هي قواعد عامة من جهة الاستدلال، فأراد المصنف رحمه الله أن يبين حقيقة هذا العلم والمقصد من وجوده، وكذلك أيضاً التأليف فيه وتعليمه وتعلمه.
 

الأدلة الإجمالية وكيفية الاستدلال بها
قال رحمه الله تعالى: [ أمر ونهي والقياس في الطلبفعل وإجماع بذال يصطحبتلك الأدلة على الإجماليليهما كيفية استدلال ]تقدم معنا أن موضوع وحقيقة أصول الفقه: معرفة الأدلة الإجمالية، وليس معرفة الأدلة التفصيلية؛ إذ أن الأدلة التفصيلية هي معرفة الحكم العيني بدليله، والقائل به، وكذلك وجه الاستدلال، وهذا ليس محل ما يسمى بأصول الفقه.فأراد رحمه الله أن يبين ما هي هذه الأدلة، فذكر أنها ( الأمر والنهي والقياس في الطلبفعل وإجماع بذال يصطحب ) يعني: أراد أن يبين أن هذه هي الأدلة الشرعية التي سنشرع فيها.وتقدم معنا: أن الأدلة عند العلماء منها ما هو متفق عليه، وهو الكتاب والسنة والإجماع والقياس، باستثناء ما يذهب إليه بعض أهل الظاهر من نفي بعض صور القياس، وهو ما يسمى بقياس الشبه وما دونه، وأما بالنسبة لقياس الأولى على اختلاف عندهم في تحقق الوصف فيه، فإنهم يقولون به، كما هو ظاهر في استدلال ابن حزم رحمه الله في كثير من المواضع، وجرى على نهجه بعض أئمة أهل الظاهر من المتأخرين، وكذلك بعض الفقهاء من المتمذهبين في بعض أنواع الأقيسة.وقد ذكر بعد ذكره للأمر والنهي، وكذلك أيضاً القياس في الطلب، والفعل، والإجماع، أن هذه الأدلة على الإجمال هي المرادة بالأدلة الشرعية. ‏
 أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقسامها وأحكامها
وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم تشريع، فإن الله جل وعلا أمرنا بالاقتداء به، كما هو ظاهر في القرآن قال سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، وأمر الله جل وعلا بما هو أبعد من ذلك فأمر بالاقتداء بسير السابقين الذين سبقوا النبي عليه الصلاة السلام، من الأنبياء والأولياء والصديقين، الذين ثبت الخبر عنهم، مما لم يخالفه ظاهر النص في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90].وفعل النبي صلى الله عليه وسلم سنة وهدي وهو على ثلاثة أنواع:النوع الأول: هو فعل عبادة، وهذا هو الأصل، فكل ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام فهو عبادة، وذلك من هديه: من ذهابه ومجيئه وزيارته، وكذلك أعماله في صلواته، وكذلك أيضاً صلته، وكذلك إهداؤه وقبوله، وأسفاره، ونحو ذلك، والأصل في ذلك أنها تشريع، فإذا ذهب النبي عليه الصلاة والسلام في سرية أو غزوة فهذه من العبادة، وإذا زار النبي عليه الصلاة والسلام أحداً بعينه من أرحامه أو جيرانه أو نحو ذلك أو أجاب دعوة فهذه الأفعال بمجردها هي من أفعال العبادة، وعلى هذا نقول: إن الأصل في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام التعبد إلا لصارف يصرفها عن ذلك.النوع الثاني: أفعال عادة يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام بحكم العادة، وهذه أمارتها أن يشترك النبي عليه الصلاة والسلام مع عادة أهل عصره مؤمنهم وكافرهم، فهذا الذي يصرف الفعل من العبادة إلى العادة، وهذه الأفعال التي يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام كالألبسة، والأشربة, ونوع الطعام, ونحو ذلك مما يفعله النبي عليه الصلاة والسلام كسائر قومه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل مما يأكل منه أهل زمنه، ولا يجلب له طعاماً مخصوصاً بعينه، وإنما يأكل ما يأكل منه الكافر، وما يأكل منه المؤمن، شريطة ألا يدل الدليل في كلام الله تعالى على تحريمه، وهذا لا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا امتثالاً لربه، فيحمل امتناع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك على أنه عبادة؛ لقرينة ورود الدليل.وعلى هذا نحمل ألبسة النبي عليه الصلاة والسلام وكذلك طعامه؛ لأنه يشترك مع غيره، فالإزار، والرداء، والعمامة، والحذاء، وكذلك لبس الجبة، والألوان، ونحو ذلك، فان هذا مما يعتاد عند العرب، فالنبي عليه الصلاة والسلام يلبس ألبسة يلبسها كفار قريش؛ لهذا نقول: إن أبا لهب وأبا جهل وأمية وغيرهم يلبسون لباس النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً: هذا اللباس ليس من لباس العبادة وإنما هو من لباس العادة.وعليه يمكن القول: إنه لا يوجد لباس في الإسلام يسمى لباس الصالحين، وإنما يوجد لباس أهل الإسلام، ولباس أهل الكفر، وما عدا ذلك لا يوجد شيء يختص بأهل الصلاح عن أهل الفساد، وأهل الفساد إذا لبسوا لباساً بعينه، فإنه إما أن يقال إن هذا اللباس قد اختصوا به؛ لأنهم خرجوا عن مجموع أهل الإسلام، ولم يخرجوا عن مجموع أهل الصلاح.ولهذا فإن الألبسة التي يلبسها كثير ممن ينتسب إلى العلم في بعض البلدان الإسلامية، من عمامة أو قبعة أو غير ذلك، هل هذا زي صحيح أم ليس بصحيح؟ ليس بصحيح؛ لهذا نقول: إنه لا يوجد زي لأهل العلم، ولا يوجد زي لأهل الصلاح، وإنما يوجد زي لعامة أهل الإسلام، يلبس الإنسان ما يلبس أهل عصره، فإذا تزيا عالم بزي فهذا من الإحداث والابتداع، فيلبس ما يلبسه جاره، وما يلبسه أهل السوق ونحو ذلك كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يلبس.النوع الثالث من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو: فعل الجبلة، وفعل الجبلة ما يفعله الإنسان فطرة من غير اختيار، وهذا يخرج النوع الأول والثاني؛ وذلك أن فعل العبادة يختاره الإنسان، وفعل العادة يختاره الإنسان، كاختيار الإنسان للون اللباس والجبة والعمامة، فهو باختياره لذلك أراد موافقة أهل عصره، أما فعل الجبلة فهي التي يفعلها الإنسان طبيعة خلق عليها، وذلك كمشيته، بالطريقة التي اعتادها؛ ولهذا يراه من قفاه من بعيد فيقول هذا فلان؛ لأن له جبلة اعتادها وفطر عليها.فالنبي عليه الصلاة والسلام من أفعاله الجبلية أنه إذا مشى كأنما يمشي من صبب، أي: كأنه منصب من قمة الوادي إلى بطنه، من رأس الجبل إلى أسفله، فنقول: إن مثل هذا جبلة، فالإنسان قد يكون سريعاً، وقد يكون بطيئاً، وقد يكون متراخياَ، وقد يكون مائلاً أو نحو ذلك، فهذه من المشية التي لا يختارها الإنسان، ويدخل في ذلك ما يسمى بالتشهي، من تشهي الإنسان لطعام معين ونحو ذلك، فإذا اختار الإنسان طعاماً معيناً بعينه فهذا مرده إلى الجبلة، كأكل الدباء، أو الكتف من الشاة ونحو ذلك، فهذه يختارها الإنسان جبلة؛ ولهذا تجد الناس في بيت واحد هذا يحب طعاماً، وهذا يحب طعاماً، وهذا يحب طعاماً، من غير اختيار من أب أو أم، وهذا أمر فطري لا علاقة للإنسان به.لهذا نقول: إن أكل الدباء ليس بسنة، ونهس الإنسان من الكتف ليس بسنة، ولكن هذا من أمور الجبلة التي يجبل عليها الإنسان بحبه طعاماً بعينه، إلا إذا دلت قرينة صارفة عن ذلك، وذلك بفعل الأمر المقترن، أو كذلك حث غيره عليه، فاقترن الفعل بالقول، فعرف أن المراد بذلك التشريع، وهذا يدخل فيه كثير من الأمور: كمسألة شرب ماء زمزم ونحو ذلك؛ فإن هذا لم يكن مجرد فعل، ولو ذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكة وشرب من ماء زمزم ولم تأتِ أدلة بالحث عليه وبيان فضله، لقيل بأن هذا من أمور العادة، وهو بئر من الآبار، ولكن اقترن الفعل بحث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان فضله، فكان ذلك من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم العملية والقولية.
الإجماع والاستصحاب
وأراد المصنف رحمه الله أن يبين منزلة الإجماع، وأنه من الأدلة المتفق عليها، والإجماع لا خلاف عند العلماء فيه، وتقدم معنا تعريفه، وأعلى الإجماع وأفضله وأقواه هو إجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله جل وعلا أمر باتباع سبيل المؤمنين، وبين النبي صلى الله عليه وسلم كما يروى في الخبر -وقد تكلم فيه العلماء- قال: ( إن الأمة لا تجتمع على ضلالة )، وهذا محل اتفاق عندهم، وبالنسبة لإجماع الصحابة فإنه يعرف بالنقل، فأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام حكي الإجماع عنهم في بضع مئين من الحكايات والمواضع، وهي تقرب من ثلاثمائة موضع، بعضها يتعلق بالأصول الكلية، وبعضها في أعلام المسائل ومشهورها من جملة الفروع.أما اصطحاب الحال أو اصطحاب الأصل فهو أيضاً من الأدلة عند العلماء، فمما يقول به جمهور العلماء: إن الإنسان إذا لم يكن لديه دليل ناقل عن الأصل، فيبقى على الأصل الذي هو عليه، فإذا كان على حكم معين فيستديمه الإنسان.مثال ذلك: أن الإنسان لا يدري هل هو مقيم أو مسافر، والأصل فيه الإقامة، فيكون الأصل في ذلك أنه مقيم؛ باعتبار أن الشك إنما ورد على السفر لا على الإقامة، والأمر أيضاً بعكسه في حال الإنسان إذا كان مسافراً فشك هل هو مقيم أم لا، والعلماء يخرجون من ذلك مسألة الاحتياط في هذا.وأما بالنسبة لمسألة اصطحاب الأصل فإذا كان الإنسان يعلم أن فلاناً جاره اليهودي لا يطبخ إلا لحم خنزير، فالأصل فيه أنه لا يطرأ عليه شيء يخالف ذلك لو قدم إليه طعاماً، باعتبار أن هذا هو الأصل.وثمة أدلة مختلف فيها عند الفقهاء، وهي ما يتعلق بمسألة الاستحسان وضده الاستقباح، وكذلك مسألة المصلحة، وأفعال الصحابة، والعرف أو العادة، وغير ذلك من الأدلة التي هي من مواضع الخلاف عند العلماء، فذكر رحمه الله أن هذه هي الأدلة على سبيل الإجمال، وأما التفصيل فإنه سيشير إليها فيما يأتي بإذن الله تعالى. ‏
 كيفية الاستفادة من الأدلة
وتقدم أن علم أصول الفقه هو: معرفة الأدلة الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد، وهنا ذكر كيفية الاستدلال، أي كيف تستدل فهذه الأدلة؟ وكيف تستنبط منها؟ وهذا يدخل فيه جملة من القواعد في معرفة الحقائق الشرعية، بمعرفة الحقائق اللغوية فيما يتعلق بالعام والخاص والمنطوق والمفهوم، وغير ذلك من وجوه وأساليب الاستدلال من هذه الأدلة، القواعد التي تفيد الإنسان في كيفية الاستدلال بهذه الأدلة سواء كانت من السنة أو كانت من القرآن، فهذه قواعد عامة وضوابط يأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى، وهي مباحث أصول الفقه التي يتخذها الإنسان سبيلاً إلى معرفته لهذا العلم، وكذلك أيضاً فيما يتعلق بمناهج العلماء في أخذهم لهذا العلم، وقد تقدمت الإشارة إلى المنهجين المشهورين في هذا، ويأتي بإذن الله مزيد بيان لذلك.
صفات المجتهد والمستدل
قال رحمه الله تعالى: [ صفات حال الاجتهاد المستدلمعروفة وهكذا عنهم نقل ]المستفيدون مما يسمى بأصول الفقه هم اثنان: المجتهد والمقلد، وذلك أن المجتهد يستفيد من هذا العلم بالبحث والنظر والتقصي، وإلحاق المسائل الفرعية بأصولها؛ حتى يخرج بالحكم إلى المقلد، والمقلد يأخذ بهذا الحكم، فقد يقال: إن المجتهد عامل وباحث، وأما بالنسبة للمقلد فهو عامل وليس بباحث، فما يعمله المقلد يعمله المجتهد وزيادة، فالمجتهد اجتهد وعمل، والمقلد عمل ولم يجتهد؛ ولهذا كان المجتهد أشرف وأفضل من العامي؛ باعتبار أنه سلك السبيل لتمحيص الحق بنفسه، فعمل به لنفسه، وهذا أعلى مراتب اليقين: أن الإنسان يلتمس الحق ويعرف السبيل بنفسه حتى يكون على طمأنينة من ذلك، بخلاف العامي الذي يقلد غيره، فربما قلد غيره في مسألة، ولم يجد خياراً إلا ذلك فوقع في قلبه شيء من الريبة.والاجتهاد: هو استفراغ الوسع وبذل الجهد لمعرفة الحكم من دليل شرعي.
 كيفية الاستفادة من الأدلة
وتقدم أن علم أصول الفقه هو: معرفة الأدلة الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد، وهنا ذكر كيفية الاستدلال، أي كيف تستدل فهذه الأدلة؟ وكيف تستنبط منها؟ وهذا يدخل فيه جملة من القواعد في معرفة الحقائق الشرعية، بمعرفة الحقائق اللغوية فيما يتعلق بالعام والخاص والمنطوق والمفهوم، وغير ذلك من وجوه وأساليب الاستدلال من هذه الأدلة، القواعد التي تفيد الإنسان في كيفية الاستدلال بهذه الأدلة سواء كانت من السنة أو كانت من القرآن، فهذه قواعد عامة وضوابط يأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى، وهي مباحث أصول الفقه التي يتخذها الإنسان سبيلاً إلى معرفته لهذا العلم، وكذلك أيضاً فيما يتعلق بمناهج العلماء في أخذهم لهذا العلم، وقد تقدمت الإشارة إلى المنهجين المشهورين في هذا، ويأتي بإذن الله مزيد بيان لذلك.
أنواع دلالات النص
والأدلة الشرعية لها: نص وظاهر ومنطوق ومفهوم، والمفهوم هو: مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة، هذه المواضع التي يستفيد منها الإنسان أو المجتهد بالنظر إلى الدليل فهو إما أن ينظر إلى النص، وإما أن ينظر إلى ظاهره، وإما أن ينظر إلى منطوقه، وإما أن ينظر إلى مفهومه، وأقوى وجهي المفهوم هو مفهوم الموافقة، ويأتي بعد ذلك في المرتبة الثانية مفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة يسميه الأصوليون بدلالة الخطاب، وهو ما يعرفه الإنسان باللزوم، أنه يلزم من هذا النص معنى آخر.وقد نقول: إن دلالة النص يستفيد منها الإنسان بثلاثة أشياء: الأول: بتضمن للدليل للحكم، وهذا التضمن أن يكون الدليل أعم، ويلحق حكم هذه المسألة بالدليل العام، فيكون الدليل قد شمل هذه المسألة وغيرها، فتضمن هذا الحكم دليلاً عاماً، وهذا يكون في الآيات العامة، وكذلك أيضاً الأحاديث الكلية، ويكون في القواعد.الثاني: المطابقة، مطابقة الحكم للدليل بعينه، ككثير من الأدلة التي تطابق الحكم بعينه، ولا يستفيد منها الإنسان غير ذلك، كالدليل الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام بالإشارة بالسبابة في الصلاة فهو دليل مطابق لهذه المسألة لا يستفاد منه غير هذه المسألة، كذلك أيضاً النظر في موضع السجود ونحو ذلك، فهذا يستفاد منه في هذه المسألة بعينها، فهو مطابق لها لا يدخل فيه غير هذه المسألة؛ لهذا نقول: إن الأدلة الشرعية إما أن تكون متضمنة لذلك الحكم، وإما مطابقة له، وإما أن يكون ذلك على سبيل اللزوم، فتكون الدلالة: دلالة مطابقة، ودلالة تضمن، ودلالة التزام، وهذا ما يدخل فيه أبواب المفهوم، هذه هي الطرق التي يسلكها الناظر في معرفة الدليل.وأعلى ما يلتمسه المجتهد في الدليل هو النص، فإذا جاء نص في مسألة من المسائل فإنه أقوى وجوه الأدلة، ثم يأتي بعد ذلك الظاهر، ثم يأتي بعد ذلك المنطوق، ثم يأتي بعد ذلك المفهوم بقسميه، مفهوم الموافقة والمخالفة، ومفهوم الموافقة تأتي فيه الأنواع السابقة، أي أن هذا الحكم قد وافق الدليل إما بنصه وإما بمنطوقه وإما بظاهره.
 كيفية الاستفادة من الأدلة
وتقدم أن علم أصول الفقه هو: معرفة الأدلة الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد، وهنا ذكر كيفية الاستدلال، أي كيف تستدل فهذه الأدلة؟ وكيف تستنبط منها؟ وهذا يدخل فيه جملة من القواعد في معرفة الحقائق الشرعية، بمعرفة الحقائق اللغوية فيما يتعلق بالعام والخاص والمنطوق والمفهوم، وغير ذلك من وجوه وأساليب الاستدلال من هذه الأدلة، القواعد التي تفيد الإنسان في كيفية الاستدلال بهذه الأدلة سواء كانت من السنة أو كانت من القرآن، فهذه قواعد عامة وضوابط يأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى، وهي مباحث أصول الفقه التي يتخذها الإنسان سبيلاً إلى معرفته لهذا العلم، وكذلك أيضاً فيما يتعلق بمناهج العلماء في أخذهم لهذا العلم، وقد تقدمت الإشارة إلى المنهجين المشهورين في هذا، ويأتي بإذن الله مزيد بيان لذلك.
الأحكام التكليفية الشرعية
قال رحمه الله تعالى: [ باب تعريف الفقه والواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح ]. هنا بدأ المصنف بذكر التفاصيل التي تتضمن تلك الأدلة، ومعلوم أن الأدلة الإجمالية التي ذكرها هي الكتاب والسنة والقياس والإجماع ونحوها وأن هذا يتضمن جملة من التفصيلات، وهذه التفصيلات هي الأحكام التكليفية؛ لهذا نقول: إن الأحكام الشرعية: أحكام تكليفية وأحكام وضعية، وما ذكر يتعلق بالأحكام التكليفية الشرعية، وأما الأحكام الوضعية فهي: ما كان وصفاً لغيره لا وصفاً لذاته، ويأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى.وهنا بين أنه يريد أن يعرف الفقه، ثم ذكر جملة من صوره، وهذا من عطف الخاص على العام، ومعلوم أن الفقه هو متضمن للواجب، وكذلك المندوب والمحرم والمكروه والمباح، بل إن الفقه مركب من هذه الأنواع، وهذا سائغ؛ ولهذا جرى عليه أسلوب القرآن والسنة. ‏
 المكروه والمستحب وما يتعلق بهما
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن يكن عقاب كل منتفيفهو المباح يا أخي فاعرف ]إذا انتفى العقاب عن أحد فهذا الأصل فيه الإباحة، وهنا أراد بذلك ما يخرج عن الأنواع السابقة، ومعلوم أن العقاب ينتفي أيضاً عن المكروه، ولكنه أراد ما يخرج عن المكروه، ولكن نقول: هل العقاب ينتفي عن المكروه على الإطلاق أم لا؟ نقول: إن المكروه لا ينتفي عنه العقاب على الدوام، وإنما المراد بذلك الأفعال العارضة لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يداوم الإنسان على مكروه إلا وجر إليه محرم، كذلك إذا داوم الإنسان على سنة فالسنة تضبط الواجب وتجلبه وتؤكده؛ ولهذا تجد الفرائض عند الإنسان الذي يحرص على السنن الرواتب أضبط من الذي يفرطها، ولا يمكن أن تجد إنساناً يضبط الفرائض ضبطاً أكثر من شخص يؤدي السنن الرواتب؛ لأن الرواتب أمر زائد عن الفرائض، فإذا وقع في نفس الإنسان امتثالها فلا يتحقق ذلك إلا بضبط ما هو أولى منها، فإذا فرط الإنسان في ذلك لا يمكن أن يضبط الفرائض أكثر من غيره.ولهذا نقول: إن المستحبات متممات للواجبات، وإن المكروهات محصلات للمحرمات، فكثير من المكروهات التي يفعلها الإنسان يتجرأ بها شيئاً فشيئاً على الحرام، كما في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وبينهما أمور مشبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه )، ولهذا جاء في خبر عمر: فمن وقع في الشبهات فلا يلومن إلا نفسه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح منظومة رشف الشمول في أصول الفقه لابن بدران [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net