اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإسلام وأهل الكتاب للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الإسلام وأهل الكتاب - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
نظم الله سبحانه وتعالى علاقة المسلمين بأهل الكتاب من اليهود والنصارى, سواء كانوا في بلاد الإسلام أو في بلادهم, فإن كانوا في بلاد الإسلام فلا يخلو أن يكونوا إما مستأمنين أو أهل ذمة, وإن كانوا في بلادهم لزمهم الجزية عن يد وهم صاغرون, فإن أبوا فالقتال.ومما شرعه الله للمسلمين في علاقتهم مع أهل الكتاب أن أباح لهم نكاح نساء أهل الكتاب بشروط معلومة, وبين لهم أيضاً كيفية معاملة أهل الكتاب في بدء السلام ورده.
فضل الأمة المحمدية على سائر الأمم
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: فقد أكرم الله جل وعلا هذه الأمة بهذا الدين العظيم, وقد أنعم الله سبحانه وتعالى وتفضل عليها بجملة من الفضائل والمكارم, ويكفي أن الله سبحانه وتعالى قد أرسل إلى هذه الأمة سيد ولد آدم, وأنزل الله جل وعلا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كتابه العظيم، وقد أكرم الله جل وعلا هذه الأمة أن جعلها خاتمة للأمم, ومعلوم أن خاتمة الشيء يكون فضله به يعني بتلك الخاتمة, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث سهل: ( إنما الأعمال بالخواتيم )، والنبي صلى الله عليه وسلم قد بين أن الأفراد يختم لهم في أعمالهم بحسب ما كانوا عليه, وهذا إذا كان في الذوات والأفراد كذلك فإنه أيضاً في أبواب الأزمنة والدهور, وكذلك المجتمعات، فإذا كان المجتمع في آخره فاضلاً فإن هذا دليل على فضل الأمة ومنزلتها الآخرة, وقد جعل الله جل وعلا هذه الأمة مفضلة ومكرمة على غيرها, ويكفي أن الإنسان يرى ثمرة ذلك في جملة من النصوص والأخبار التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها ما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى, وكذلك من حديث عبد الله بن عمر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنما مثلكم ومثل الذين من قبلكم من اليهود والنصارى كرجل استأجر أُجراء, فقال: من يعمل لي من غدوة إلى صلاة الظهر على قيراط, فعملت اليهود, ثم قال: من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط, فعملت النصارى, ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى صلاة المغرب على قيراطين, فعملتم أنتم, فقالوا: ما لنا أكثر عملاً وأقل أجراً, فقال الله جل وعلا: ذلك فضلي أوتيه من أشاء ). ويكفي هذا أيضاً أن الله سبحانه وتعالى قد جعل لهذه الأمة من حسن العاقبة عنده ما ليس لغيرها من الأمم، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك جملة من الأخبار, من أظهرها أن هذه الأمة هي أكثر أهل الجنة دخولاً وأقل أهل النار دخولاً، ويكفي في هذا ما جاء عند الطبراني وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أهل الجنة مائة وعشرون صفاً أمتي منهم ثمانون )، وهذا دليل على منزلة هذه الأمة وفضلها على سائر الأمم، وهي أمة مرحومة, وقد اجتمعت فيها أسباب الرحمة والفضل من جهة تضعيف الأجر, وكذلك الخصائص التي خصت بها بكتابها المحفوظ الذي لا يبدل, وهذا هو عين الرحمة, ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، وقد جاء عن غير واحد من السلف كما جاء عن عبد الله بن عباس وكذلك جاء عن مجاهد بن جبر في قول الله جل وعلا: (( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ )), قال: هو الإسلام والقرآن, أي: أن الله جل وعلا قد جعل فضله وهو الإسلام والقرآن هو ما ينبغي للإنسان أن يفرح ويسعد به، وأن يعلم أن الله جل وعلا قد خصه وقدمه على غيره من الأمم والشعوب، فالله سبحانه وتعالى قد أنزل في هذه الأرض ديناً واحداً لا يتغير ولا يتبدل من جهة أصوله، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري وغيره: ( نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد )، والمراد بذلك: هم الأخوة غير الأشقاء الذين ينتسبون إلى نسب واحد؛ ولكن أمهاتهم شتى، والمراد من ذلك: أن الأحكام التي ينزلها الله جل وعلا على عباده تختلف وتتباين من شريعة إلى شريعة, وهذا ما يتعلق في أبواب الفروع, وأما ما يكون من أبواب الأصول فإن الأصول ثابتة من جهة العقائد وأصول الديانة، وأما فرعيات الدين فإنها من جهة الأصل متشابهة إلا أنها تختلف من جهة الهيئة وتتفق من جهة الأصل، يعني: بوجود الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك وعتق الرقاب وغيرها, وذلك أن هذه الصور تتباين بحسب الأسباب الشرعية المؤدية إليها, وإنما ظهرت جملة من الشرائع على بعض في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم للخصائص التي قد احتفت بها, وهذه منزلة ليست لأحد إلا لهذه الأمة, أن الله جل وعلا جعل كتابها بيناً, وجعل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم رسالة تامة, وجعل الله جل وعلا نبيه شاهداً على سائر الأمم وسائر الخلق يوم القيامة, وجعل الله جل وعلا أبناء هذه الأمة لمنزلتها وفضلها شهداء على الناس, وهذه خصيصة ليست لأمة ولا لشعب من الشعوب إلا لأمة الإسلام، الله سبحانه وتعالى الدين الذي أنزله على سائر أنبيائه هو دين الإسلام, ولا يقبل الله جل وعلا ديناً غيره, ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85]، فدين الإسلام هو دين التوحيد الذي أنزله الله جل وعلا على سائر الأنبياء, فهو ثابت ومستقر، ولا يكذب خبر عند نبي أو في شرعة من الشرائع إلا ويؤيد ذلك النص الذي جاء بعده, وهذا ما ينبغي أن يعلم وأن يؤكد عليه.
 

الإسلام وأهل الكتاب
ما يتعلق بمحاضرة اليوم وهو ما نتكلم عليه هو مسألة الإسلام وأهل الكتاب, هذا العنوان من المسائل المهمة وعلى الأخص في زمننا هذا الذي كثر فيه اللبس والخلط, وكذلك أيضاً قد دخل في هذا الباب جملة من المسائل الشائكة التي يحتاج إليها كثير من المسلمين فيما يتعلق بشأنهم من أمر الدنيا أو ما يتعلق بمسائل عقائدهم وإيمانهم مما له صلة بأصل الإيمان وثباته واستقراره، فجملة من المسائل تتعلق بأصل الإيمان, التحول عنها تحول عن الإيمان بالكلية, وثمة مسائل هي من مسائل الأحكام الفقهية, وثمة أيضاً مسائل تسمى من أبواب الآداب والسلوك ونحو ذلك، هذه من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يكون على بينة وبصيرة بها.
 سبب تخصيص اليهود والنصارى عند ندائهم في القرآن بلفظ (أهل الكتاب)
وإنما كانت خصائص النداء لليهود والنصارى في كلام الله جل وعلا في جملة من المواضع يذكر الله سبحانه وتعالى اليهود والنصارى ويناديهم بأهل الكتاب؛ وذلك لحكم وعلل: من أظهرها: أن أهل الكتاب هم أظهر الناس تمسكاً بالحق قبل مجيء الإسلام, فإن الناس كانوا يتيمنون بالحق الذي لديهم حتى الوثنيون, ولهذا قد جاء عند أبي داود في كتابه السنن وكذلك عند ابن جرير الطبري من حديث أبي بشر عن سعيد بن جبير أن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى قال في قول الله جل وعلا: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256]، قال: كانت الأنصار حينما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة إذا ولدت المرأة منهم وكانت مقلاة, يعني: إذا كانت تنجب ويموت في بطنها, تنذر أن الله جل وعلا إن سلم لها ولدها وخرج حياً أن تجعله عند اليهود يرضعونه وأن تهوده, وهذا فيه إشارة إلى أنهم يتيمنون بالكتاب الذي لديهم, ولهذا وجه الله جل وعلا لهم الخطاب بذلك، فيدخل في الخطاب من كان غيرهم من الوثنيين من باب أولى.الأمر الثاني: أن أهل الكتاب هم أكثر أمم الأرض, فوجه الله جل وعلا لهم الخطاب باعتبار الأكثرية.الأمر الثالث: أن الحق الذي لديهم أظهر من غيرهم وهم أقرب إلى الاستجابة, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لاقى من العناد من المشركين من كفار قريش أكثر وأشد من العناد الذي لاقاه من النصارى, وهذا ظاهر بين, ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظهر من لعنه وكذلك دعائه ومقاتلته لكفار قريش أكثر مما كان لليهود والنصارى مع كثرتهم وكونهم ليسوا من أهل الإسلام وليسوا على الحق. وكذلك أيضاً من هذه الظواهر أن الله جل وعلا لم ينزل على نبيه عليه الصلاة والسلام آية أخذ الجزية إلا في السنة التاسعة من الهجرة, وذلك بعد أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال المشركين, وذلك أن المشركين على قول غير واحد من العلماء لا تؤخذ منهم الجزية بل يقاتلون, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقاتل كفار قريش, ولم يعرض عليهم الجزية باعتبار تأخر إنزالها، فلما نزلت عليه آية الجزية لم يكن ثمة أحد من العرب على الشرك, وما كان من أهل الكفر كانوا هم اليهود والنصارى.
أقوال أهل العلم في أخذ الجزية من المشركين
وقد اختلف العلماء في أخذ الجزية على المشركين؛ هل تؤخذ مع إجماعهم على أخذها من أهل الكتاب, وذلك لعموم قول الله سبحانه وتعالى: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، فخص الله جل وعلا أهل الكتاب بذلك, وأما أهل الشرك فهل تؤخذ منهم الجزية أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:ذهب جماعة من العلماء إلى أن الجزية تؤخذ من سائر أهل المذاهب, سواء كانوا من اليهود والنصارى أو كانوا من المشركين, قالوا: هذا على الإطلاق، قالوا: وذلك لعموم ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة وهو في الصحيح: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أميراً على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في نفسه وفي المسلمين, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا نزلت على قوم فادعهم إلى الإسلام, فإن هم أجابوك إلى ذلك فاقبل منهم وكف عنهم, وإلا فاطلب الجزية منهم, فإن أجابوك إلى ذلك فاقبل منهم وكف عنهم )، وهذا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا لقيت عدوك من المشركين )، قالوا: وهذا عام, يشمل اليهود والنصارى باعتبار أن الله جل وعلا سماهم مشركين, ولهذا قال الله سبحانه وتعالى حينما ذكر عقائد اليهود والنصارى, قال سبحانه: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31], ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب )، والمراد بالمشركين الذين أخرجهم هم اليهود والنصارى, وكلمة المشركين تطلق على اليهود باعتبار التجوز, وبحال الاجتماع تطلق على الوثنيين, والأصل أنه يطلق على اليهود والنصارى بأنهم أهل الكتاب, وهذا للخصائص التي يأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى.وذهب بعض العلماء إلى أن الجزية تؤخذ من سائر المشركين إلا من مشركي العرب, ذهب إلى هذا جماعة من الفقهاء, وقال به الإمام مالك، وهو رواية عن الإمام أحمد عليه رحمة الله.وذهب بعض العلماء إلى أن المشركين لا تؤخذ منهم الجزية على الإطلاق, وأما اليهود والنصارى فإنهم تؤخذ منهم الجزية وكذلك أيضاً المجوس, ولهذا قد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنه أخذ الجزية من مجوس هجر ), كما جاء في صحيح البخاري: ( أن عمر بن الخطاب لم يأخذ الجزية من المجوس إلا لما شهد عنده عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر, وهم مجوس البحرين ), فقالوا: في هذا إشارة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الجزية من أهل الكتاب, وأما بالنسبة لغيرهم من المشركين فإنه لا تؤخذ منهم الجزية, وذهب إلى هذا جماعة من العلماء وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد والظاهرية, وكذلك ذهب إلى هذا الشافعية في ظاهر مذهبهم, إلى أن الجزية لا تؤخذ من المشركين على الإطلاق. والذي يظهر -والله أعلم- أن الجزية تؤخذ من المشركين, وأن ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يأخذ الجزية من المشركين أن ذلك باعتبار تأخر آية الجزية، وذلك في السنة التاسعة بعد أن لم يبق في جزيرة العرب أحد من الوثنيين إلا وقد دخل في الإسلام أو قتل أو أصبح طريداً, وبقي أهل الكتاب في ذلك والمجوس, وهم الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرض عليهم عليه الصلاة والسلام الجزية, وأما المجوس فهذا محل اتفاق عند العلماء ولا خلاف عندهم فيه، وقد جاء في ذلك جملة من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وجاء أيضاً جملة من الأخبار في: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية على المشركين ), ومن ذلك ما جاء عند أبي داود من حديث أنس بن مالك: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أكيدر وهو على دومة الجندل, فجيء به مقيداً, فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية وأطلق قيده ), وكان وثنياً ومشركاً ولم يكن من أهل الكتاب, وكذلك عموم الأدلة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبل من المجوس, والمجوس أشد شركاً من الوثنيين, كما نص على ذلك غير واحد من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية، قال: الشرك في المجوس أظهر من عباد الأوثان؛ وذلك لشركهم في سائر أنواع التوحيد؛ في الربوبية والألوهية وكذلك الأسماء والصفات, فإن شركهم في أبواب الربوبية ظاهر, أظهر من كونه في كفار قريش, وإن كان كفار قريش شركهم في أبواب الربوبية موجوداً إلا أن أغلب شركهم يكون في توحيد الألوهية. وينبغي أيضاً أن يعلم أن الله جل وعلا قد قسم الناس المعادين للإسلام إلى قسمين: إلى كفار, ومنافقين، وقسم الله جل وعلا المنافقين إلى أقسام متباينة, وهم على درجات أيضاً, وليس هذا محل الكلام عليهم. وأما بالنسبة للكفار فإنهم أيضاً على أقسام, ومنهم أهل الكتاب, وهم اليهود والنصارى، اليهود والنصارى للكلام على علاقتهم بأهل الإسلام ينبغي أن يُعلم أن ما جاء في حديث بريدة وكذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى في الأمر بالمقاتلة أنه يدخل في هذا الباب سائر أهل الملل والطوائف, سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم, ويدخل فيه الكفار من أهل الكتاب من باب أولى باعتبار أن الخطاب إذا جاء مطلقاً من الكفار فإنه ينصرف إلى الكتابيين من باب أولى باعتبار أنهم الكثرة, ولا ينصرف الخطاب إلى ما كانوا قلة ويترك الكثرة إلا مع وجود قرينة أو دليل يخصص ذلك، فإذا جاء اللفظ بمخاطبة الكفار والمشركين فإنه يدخل في هذا الأمر أهل الكتاب من باب أولى لدخولهم في أبواب وألفاظ الشرك وكذلك أيضاً في ألفاظ الكفر ومحاربة دين الله سبحانه وتعالى.من كان في بلدان المسلمين ممن ينضوي تحت لوائهم فإنهم على أنواع: مسلمون وكفار، الذين يكونون في بلدان المسلمين على نوعين: مسلمون, وكفار. المسلمون هم: أصل ذلك المجتمع, وما سمي المجتمع بالإسلام إلا لأجل دينهم وسلامة عقيدتهم وباعتبار أن الكثرة فيهم.
 سبب تخصيص اليهود والنصارى عند ندائهم في القرآن بلفظ (أهل الكتاب)
وإنما كانت خصائص النداء لليهود والنصارى في كلام الله جل وعلا في جملة من المواضع يذكر الله سبحانه وتعالى اليهود والنصارى ويناديهم بأهل الكتاب؛ وذلك لحكم وعلل: من أظهرها: أن أهل الكتاب هم أظهر الناس تمسكاً بالحق قبل مجيء الإسلام, فإن الناس كانوا يتيمنون بالحق الذي لديهم حتى الوثنيون, ولهذا قد جاء عند أبي داود في كتابه السنن وكذلك عند ابن جرير الطبري من حديث أبي بشر عن سعيد بن جبير أن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى قال في قول الله جل وعلا: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256]، قال: كانت الأنصار حينما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة إذا ولدت المرأة منهم وكانت مقلاة, يعني: إذا كانت تنجب ويموت في بطنها, تنذر أن الله جل وعلا إن سلم لها ولدها وخرج حياً أن تجعله عند اليهود يرضعونه وأن تهوده, وهذا فيه إشارة إلى أنهم يتيمنون بالكتاب الذي لديهم, ولهذا وجه الله جل وعلا لهم الخطاب بذلك، فيدخل في الخطاب من كان غيرهم من الوثنيين من باب أولى.الأمر الثاني: أن أهل الكتاب هم أكثر أمم الأرض, فوجه الله جل وعلا لهم الخطاب باعتبار الأكثرية.الأمر الثالث: أن الحق الذي لديهم أظهر من غيرهم وهم أقرب إلى الاستجابة, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لاقى من العناد من المشركين من كفار قريش أكثر وأشد من العناد الذي لاقاه من النصارى, وهذا ظاهر بين, ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظهر من لعنه وكذلك دعائه ومقاتلته لكفار قريش أكثر مما كان لليهود والنصارى مع كثرتهم وكونهم ليسوا من أهل الإسلام وليسوا على الحق. وكذلك أيضاً من هذه الظواهر أن الله جل وعلا لم ينزل على نبيه عليه الصلاة والسلام آية أخذ الجزية إلا في السنة التاسعة من الهجرة, وذلك بعد أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال المشركين, وذلك أن المشركين على قول غير واحد من العلماء لا تؤخذ منهم الجزية بل يقاتلون, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقاتل كفار قريش, ولم يعرض عليهم الجزية باعتبار تأخر إنزالها، فلما نزلت عليه آية الجزية لم يكن ثمة أحد من العرب على الشرك, وما كان من أهل الكفر كانوا هم اليهود والنصارى.
أقسام الكفار في بلاد الإسلام
وأما بالنسبة للكفار الذين في بلدان المسلمين فإنهم على نوعين: النوع الأول: أهل ذمة, والنوع الثاني: المستأمَنون, وثمة فرق بينهم. ‏
 القسم الثاني: المستأمنون
والقسم الثاني ممن كان في بلدان المسلمين من غير المسلمين: هم المستأمَنون, الذين يعطَون الأمان, ولكن هذا الأمان محدود باتفاق العلماء، الأمان يكون محدوداً باتفاق العلماء ولا خلاف عند العلماء في ذلك، والمراد بالمستأمنين الذين أصلهم محاربون ولكنهم دخلوا بلدان المسلمين لزمن محدود من غير إقامة بخلاف أهل الذمة, أهل الذمة الذين يبقون مثلاً في بلدان المسلمين مثلاً في الشام أو في بعض أطراف جزيرة العرب أو كذلك أيضاً في العراق أو في مصر وغير ذلك, فهؤلاء يبقون على ما هم عليه ويكونون من أهل الذمة, ويعطون أهل الإسلام الجزية على ذلك.وأما بالنسبة للمستأمنين وهم القسم الثاني فهم الذين كانوا من المحاربين، ولكنهم دخلوا بلدان المسلمين على سبيل الاستثناء, ويكون ذلك من غير إقامة؛ وذلك كالرسل وكذلك الذين يأتون تجاراً أو الذين يأتون أجراء بزمن محدود, فهؤلاء مستأمنون، ولا يجوز التعدي عليهم باتفاق العلماء, ولا خلاف عند العلماء في هذا, وهذه المسألة هي فرع عما تقدم الكلام عليه في مسألة إعطاء غير أهل الكتاب الذمة, ويستثنى من هذا الأمان, فإن الأمان يدخل فيه غير أهل الكتاب, في مسألة الرسل فإن الرسل ولو كانوا من غير أهل الكتاب فإنهم لا يتعدى عليهم باتفاق العلماء.أهل الأمان اختلف العلماء في مدة الأمان لهم على ثلاثة أقوال:ذهب جماعة من العلماء إلى أنهم يبقون في بلدان المسلمين على أمانهم سنة واحدة لا يزيدون عليها، ذهب إلى هذا جماعة من الفقهاء, وهو قول أبي حنيفة، وذهب إليه أيضاً جماعة من الفقهاء من أهل الرأي من المتأخرين, وهو مذهب الحنفية.القول الثاني: قالوا: إنهم لا يقرون أكثر من أربعة أشهر, وذهب إلى هذا الإمام الشافعي عليه رحمة الله كما في كتابه الأم, وهو ظاهر مذهب الشافعية, ويستنبطون ذلك من قول الله جل وعلا: فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [التوبة:2].القول الثالث في ذلك: هو قول الحنابلة, وهو مذهب الإمام أحمد عليه رحمة الله وهو أنهم لا يقرون بمدة معينة منضبطة على سبيل التحديد، إلا أنها لا تزيد عن عشر سنوات؛ قالوا: وذلك أن الزيادة عن عشر سنوات تعني مشاركتهم مع أهل الذمة في الأحكام, وهذا يخالف الأمان الذي أعطوا إياه.بالنسبة لأمان الأفراد فإن الأفراد يعطون الأمان ولو من أفراد المسلمين, فمن دخل في بلدان المسلمين وأعطى أحد من المسلمين الأمان للواحد منهم, وهذا ما يسمى في زمننا بالإقامات ونحو ذلك, أو التأشيرات ونحو هذا, فإن هذا هو الأمان, ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى, قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ذمة المسلمين واحدة, يسعى بذمتهم أدناهم, ومن خفر ذمة مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه عدلاً ولا صرفاً )، فهذا يدل على أن من خفر ذمة مسلم التي أعطاها لأحد من أهل الكتاب أو غيرهم من الأفراد أن ذلك من كبائر الذنوب, ولهذا يحق للمؤمن أن يعطي الواحد أماناً, وأن يدخله إلى بلدان المسلمين بشريطة ألا يكون في ذلك أذية لأهل الإسلام، وألا يكون في ذلك مكيدة لهم، وقد اختلف العلماء هل للفرد أن يعطي الجماعة؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن الفرد يعطي القافلة أو المسيرة ونحو ذلك, لكنه لا يعطي البلد, باعتبار أن هذا من خصائص ولي أمر المسلمين, وهذا هو الأرجح, أن ذلك من خصائص ولي الأمر وليس للأفراد, أما بالنسبة للأفراد فإنهم يؤمنون الفرد أو العائلة أو يؤمنون القافلة أو المسيرة ونحو ذلك بالشروط التي لا تخرم لأهل الإسلام وكذلك حياضتهم حياضة وبيضة المسلمين أمراً, كما تقدم الإشارة إليه في الشروط السابقة, ويكفي في هذا ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من جملة من المعاهدات وكذلك الأمان لجملة من أهل الكتاب, ويكفي ما جاء في الصحيح من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي )، وهذا في أمر الأفراد, وكان ذلك اليهودي في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الخصائص التي خُصّ بها أهل الكتاب في علاقتهم مع المسلمين
ومن المسائل المهمة المتعلقة ببابنا ما يتعلق بالخصائص التي خُص بها أهل الكتاب في علاقتهم مع أهل الإسلام. ‏
 السلام على أهل الكتاب وأحكامه
والمسألة الثالثة في هذا: ما يتعلق بمسألة السلام على أهل الكتاب, جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: ( لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام, فإذا وجدتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه )، معنى هذا الحديث في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام), هذا ظاهره مقيد بالبداءة, وأما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا وجدتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه)، المراد بذلك في حال التزاحم, يعني: أن الطريق هذا لا يحتمل إلا واحداً فإن المؤمن في ذلك هو أولى من غيره, وهذا المراد به في بلدان المسلمين, باعتبار أن من كان في بلدان المسلمين من غير المسلمين أنهم لا يخرجون عن النوعين السابقين, إما أهل ذمة وإما أهل أمان, على ما تقدم الكلام عليه, وهؤلاء قد أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وثمة معانٍ يفهمها البعض على غير المراد وينزلها ويقطعها من فهم منظومة الإسلام وعلاقته مع غيره، قد يأخذ هذا النص بعضهم ويقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا وجدتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه )، ويخرم هذا الأمر ويقول: إنني أضطره في طريق ولو كان في بلده، فنقول: إن الشارع من جهة الأصل نهى أن يقيم المؤمن في بلدان المشركين إلا عارضاً وأن يظهر دينه, وقد جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء في المسند وكذلك في السنن من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن جرير قال عليه الصلاة والسلام: ( أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين )، والمراد بهذه الإقامة هي الإقامة الدائمة بخلاف الإقامة العارضة كأن يذهب الإنسان مثلاً لعلاج أو يذهب لمصلحة عارضة من تجارة أو زيارة ونحو ذلك ثم يغادر, أو يكتسب علماً عارضاً يلزم من ذلك استدامة الإقامة ونحو ذلك, فإن الضرورات والحاجات تقدر بقدرها ولا تؤخذ بإطلاقها, وهنا لابد أن نعلم أن مثل هذه الإطلاقات مقيدة بالحالين؛ أن يكون أهل الكتاب في بلدان المسلمين وأن يكونوا من أهل العهد وأهل الذمة, وهذا من الأمور التي ينبغي أن تؤخذ بالاعتبار، وكثير من بلدان المسلمين لهوان كثير من الشرائع والشعائر الإسلامية عند مشرعي الأنظمة والقوانين في تعاملهم مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى أو من المشركين ونحو ذلك, لم يكن ثمة صَغار لهم, وعلى هذا لم يكن لأحد أن يفهم هذا الدليل على وجهه, فإن الدليل الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فاضطروهم إلى أضيقه)، يعني: أنه ينبغي أن يقدم في مصالح المسلمين في بلدانهم من أمور الأموال وكذلك الحظوظ وطريقه ونحو ذلك في حال الازدحام أن يقدم المؤمن على غيره, باعتبار بلده وباعتبار دينه وباعتبار أن هذا قد دخل بلدان المسلمين وهو في كفالتهم وقد حمي وعصم دمه وماله، وشرط ذلك أن يكون صاغراً كما في قول الله جل وعلا: يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، وهذا يفهمه من نظر إلى حال اليهود والنصارى مع حمايتهم في زمن عمر وحفظ حقوقهم وما كانوا عليه من ذلة وصغار, وأما من أراد أن ينزل نصاً على مجتمع لم يطبق نصوصاً كثيرة جداً فلا يمكن أن يستقر وأن يفهم هذا النص على سياقه.أما بالنسبة للبدء بالسلام فهذا النص جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, والمسألة هذه مما اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:ذهب جمهور العلماء -وهو قول الإمام مالك والإمام أحمد وذهب إليه الإمام الشافعي- إلى أن أهل الكتاب والكفار على سبيل العموم لا يبدءون بالسلام, وأن السلام من خصائص أهل الإسلام, وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام )، وقالوا: مع ظهور النص لا حجة بقول أحد.وذهب بعض السلف وهذا مروي عن عبد الله بن مسعود ومروي أيضاً عن عبد الله بن عباس ومروي أيضاً عن الأوزاعي أنهم قالوا بجواز بذل السلام إليهم، جاء هذا عن عبد الله بن عباس وفي إسناده ضعف, قد رواه ابن جرير الطبري من حديث سماك عن عكرمة عن عبد الله بن عباس، وجاء عن عبد الله بن مسعود بإسناد صحيح كما رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود: ( أنه كان راكباً ومعه دهاقون وهم من النصارى- والدهاق الخادم- ففقدهم ثم لقيهم في طريق فقال عبد الله بن مسعود: عليك السلام, فقال علقمة: ألم يُنه عن ذلك؟ فقال: هذا لأجل وحق الصحبة ), وإسناده عن عبد الله بن مسعود صحيح, علق البيهقي عليه رحمة الله في شعب الإيمان على هذا, قال: لعله لم يبلغه الدليل والنهي في ذلك صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومع ظهور النص فذهب عامة الصحابة وأكثرهم إلى النهي عن البداءة بالسلام.والقول الثالث في هذا: أنهم يبدؤون بالتحية بغير السلام وهذا هو الأرجح، أن يحيا بأي تحية غير السلام, فيحيا بأن يقال مثلاً: صباح الخير أو مساء الخير أو كيف أنت أو أهلاً وسهلاً ونحو ذلك من العبارات, فإن هذا من الألفاظ الجائزة, وأما السلام فقد دل الدليل على النهي.وأما إذا سلم الكتابي على المؤمن فقال: السلام عليكم؛ فهذا لا يخلو من حالين: إذا أفصح فيها فقال: السلام عليكم، وجاء بالنص فإنه يرد عليه بذلك اللفظ, وهذا حمله بعضهم على قول الله سبحانه وتعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55]، وكذلك أيضاً ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح من حديث عائشة حينما قال: ( وعليكم )، وذلك حينما لم يفصحوا، وقالوا: ودلالة الخطاب ومفهومه في هذا أنه لو قالوا: السلام عليكم, فإن النبي صلى الله عليه وسلم سيقول: وعليكم السلام, وهذا محتمل وهو ظاهر, أن الإنسان إذا سمع اللفظ بصراحة فلا حرج عليه أن يقول: وعليكم السلام, ولا يقول ورحمة الله وبركاته إلا إذا حملها على معنى الدعاء, ويكتفي بقوله: وعليكم السلام، ومن العلماء من قال: لا يُبدأ بالسلام ولكن يقال: بالرد، وحمل عليه بعضهم قول الله جل وعلا: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86]، قد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أنه قال: فحيوا بأحسن منها لأهل الإسلام أو ردوها على أهل الكتاب, يعني: ردوها مثلها, وأما بالنسبة لأهل الإيمان فردوا بأحسن منها, ويؤخذ من هذا القيد أنه إذا سلم على الإنسان أحد فقال: السلام, فلا يقول: السلام عليكم وإنما يقول: السلام, ويعيدها بعباراتها, وإذا قال: السلام عليكم؛ فإنه يعيدها ويقول: وعليكم السلام ولا يزيد على ذلك، وأما التحايا الأخرى فإنه لا حرج عليه أن يحييه بها.وأما مسألة المصافحة فهل يصافح أم لا؟ يقال: إنه يصافح ولا حرج عليه في ذلك، ولا أعلم دليلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة صحيحاً صريحاً يدل على النهي عن مصافحة الكافر باعتبار نجاسة بدنه، ووجد في بعض كلام العلماء من الفقهاء من التابعين وغيرهم حمله على كراهة التنزيه ونحو ذلك، ولكن يقال: إن مسألة الجواز شيء ومسألة كراهة التنزيه شيء آخر, وكذلك أيضاً مسألة قوة الإسلام بحسب المصلحة، فإن هذا يرجع إليه ولا يوجد نص في هذا الأمر، وقد جاء الترخيص في ذلك عن غير واحد من السلف, وقد روي هذا عن أبي أمامة عليه رضوان الله تعالى, فيقال: إن النص ينظر فيه ويقدر بقدره بحسب الحالة الواردة في هذا الأمر، إذا تكلمنا في هذه المسألة قد يطرأ على مفاهيم البعض إذا كان الرجل يتزوج كتابية هل يعني أنه لا يسلم عليها أو أنه لا يصافحها؟ هل يمكن أن يُفهم هذا؟ لا يمكن أن يكون هذا, بل يقال: إن له أن يصافحها وما هو أبعد من ذلك, وبه نعلم أن أمر المصافحة يجوز من باب أولى, وأن النجاسة العينية التي يذكرها الفقهاء لبدن الكافر من المعاني غير الصحيحة وغير المسَلمة باعتبار أن الدليل ينقضها من ظواهر الأدلة من كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وثمة مسألة وهي تابعة للمسألة التي تقدم الكلام عليها من الإشارة إلى عقيدة أهل الكتاب؛ أن ثمة من يقول ويتكلم بمسألة حرية الدين أن الإنسان إذا خرج من دين الإسلام إلى اليهودية أو النصرانية أنه يختلف عمن دخل إلى الوثنية أو دخل إلى الإلحاد ونحو ذلك, وأن هذه الديانات كلها تؤدي إلى طريق واحد فنقول: هذا من الضلال والزيغ, وينبغي أن يُعلم أن الإسلام أقر أهل الكتاب على ما هم عليه بشرط دفع الجزية، وأنهم لا يكرهون على الإسلام, وهذا من المعاني التي ينبغي أن تفهم, وهذا يدل على سطة الإسلام وتوسطه بين البغي وكذلك التفريط في فهم معناه، الإسلام أقر أهل الكتاب, على دينهم إن دفعوا الجزية وهادنوا أهل الإسلام, فيبقون على ما هم عليه, وهذا أيضاً من الأمور التي ينبغي أن تفهم وتضبط على وجهها, ولهذا كان من الناس في زمن الخلفاء الراشدين من الأفراد في بلدانهم من الخدم، وكذلك أيضاً ممن حولهم من مواليهم من اليهود والنصارى، ولم يكونوا يأمرونهم بالدخول في الإسلام أمراً وقسراً؛ لأن الله جل وعلا يقول: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]، وهذا على خلاف عند العلماء في مسالة الوثنيين, هذا ما دفعوا الجزية, وذهب عامة العلماء إلى أن المرأة ليس عليها جزية, وهي خارجة من ذلك, وقد جاء عن غير واحد من السلف القول على هذا النحو, وقد ثبت عن عمر بن الخطاب فيما رواه زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: كان عند عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى عجوز نصرانية فقال لها: أسلمي تسلمي, فقالت: إني امرأة عجوز والموت أقرب إلي, فقال عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى: اللهم بلغت، اللهم فاشهد، (( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ))، يعني: أن الإنسان إذا كان لديه خادم أو له صاحب ودعاه إلى الإسلام ولم يجب في ذلك فإنه لا إكراه في الدين, فإنه لا يدخل في الدين قسراً. وأما ما يتعلق بمسألة المفاصلة بين أهل الإيمان وأهل الكفر ونحو ذلك فإنهم يقاتلون لكن لا على دخولهم في الإيمان وهذا أمر ينبغي أن يُفهم؛ أن قتال أهل الإيمان لليهود والنصارى لا لأن يدخلوا في الإيمان, إن دخلوا في الإيمان فهذا هو الحسن وهذا هو الغاية العظمى, وإن لم يدخلوا فينضووا تحت لواء أهل الإسلام وتحت أمانهم وعهدهم ورعايتهم, لا تستباح لهم حرمة دم ولا مال ولا عرض, وهذا من الأمور التي كفلها لهم الإسلام, وإذا كانوا تحت حماية أهل الإسلام ولوائهم وذمتهم فإن تعدى عليهم أحد ولو كان من المسلمين وجب على ولي الأمر أن ينصفهم وأن يعطيهم حقهم.أسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لمرضاته, وأن يسلك بي وبكم منهجاً قويماً وصراطاً مستقيماً. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأسئلة

 كراهية فاعل المعصية
السؤال: ما حكم القول أننا نكره اليهود والنصارى لدينهم وليس لذواتهم، وهل هو مخالف لقوله تعالى: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة:4]؟الجواب: أولاً الشرك والظلم وإن كان معنى فهو يحل في الذات, فإذا حل في ذات فإن هذه الذات تكره ويكره ما تحمله من معنى، هل يقول الشخص: أنا أكره القتل ولا أكره القاتل؟ أكره الزنا ولا أكره الزاني؟ لا يمكن هذا؛ لأنه لا يمكن أن ينفك, فنقول: نكره القاتل ونكره القتل, ونكره الزنا ونكره الزاني، ونكره الكفر ونكره أيضاً الكافر, لا ينفكان عن بعضهما.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإسلام وأهل الكتاب للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net