اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أشراط الساعة رواية ودراية [3] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


أشراط الساعة رواية ودراية [3] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
تتعاظم أشراط الساعة الصغرى بتعاظم آثارها واستمرارها، ومن الأشراط التي وقعت ولا زال أثرها إلى يومنا هذا: ظهور الدجل والكذب، وشيوع الخير ورغد العيش في الأرض، وفشو القتل بين أهل الإسلام، وظهور أمراء الجور والظلم.
ظهور الدجل والكذب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد تكلمنا فيما سبق على جملة من أعلام الساعة وأشراطها، ونكمل شيئاً من ذلك أيضاً.ومن أشراط الساعة: ظهور الدجل والكذب، وعلى الأخص على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء ذلك عن رسول الله في جملة من الأحاديث، منها ما جاء في الصحيح من حديث ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقوم الساعة حتى يظهر دجالون كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي )، وهؤلاء قد ظهروا.وقد ظهر جملة منهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستفاد من هذا أنه إذا تجرأ الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه من باب أولى يتجرأ على من هو دونه، وبهذا يعلم أن انتشار الكذب في الناس من الخديعة، وشهادة الزور، وكتمان الحق، ورمي الناس بالباطل، والقذف، وغير ذلك، داخل من جهة الأصل تحت هذا العموم.وتقدم معنا أن ما دل الدليل عليه أنه من أشراط الساعة وكان من المغلظات فإنه يدخل فيه ما كان دونه، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة من أشراط الساعة التي ربما تندرج حكماً تحت هذا، منها ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من ظهور شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وذهاب الأمانة، وهذا لا يمكن أن يظهر في الناس من يفتري على النبي عليه الصلاة والسلام أنه بعده، أو مجدد لما اندثر من ملته عليه الصلاة والسلام، ولا يمكن أن يقبل أو يظهر في الناس إلا وقد تفشى فيهم ما هو دون ذلك من الكذب بين الناس والخديعة، وشهادة الزور، وكتمان الحق وغير ذلك.ويتبع هذا جملة من المسائل أيضاً التي ربما لا تتعلق ببابنا هذا، ولكن الأصل المتقرر والذي ينبغي أن يشار إليه هو أنه إذا دل الدليل على أمر معظم فيندرج تحته من أشراط الساعة من جهة المعنى ما هو دونه، كما تقدم الإشارة إلى مسألة استحلال الحر والحرير والخمر والمعازف؛ وذلك أنه يدخل تحتها إباحة ما دونها مما ليس من القطعيات من مواضع الخلاف كما تقدم الإشارة إليه في جملة من المواضع.
 

حرب الجهاد والمجاهدين وصدهم عن سبيل الله
ومن علامات الساعة وأشراطها: حرب الجهاد والمجاهدين وصدهم عن سبيل الله، وقد دل الدليل كما في صحيح الإمام مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزال قوم يقاتلون في سبيل الله ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة )، وهذا قد جاء من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ‏
 تسلط الأعداء والصد عن كلمة الحق والجهاد
المسألة الثانية: أن الناس إذا صدوا كلمة الحق، وإظهار الجهاد في سبيل الله، وخذلوا خير الأرض في زمانهم، سلط الله عز وجل عليهم عدواً، سواء كان من بينهم أو من غيرهم، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا تبايعتم بالعينة, وأخذتم أذناب البقر, ورضيتم بالزرع, وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم عدواً ). وقوله عليه الصلاة والسلام: ( سلط الله عليكم عدواً ) إشارة إلى سبب التسليط، وهو الدعة، وأخذ المال من حيث يأتي من غير تمييز لحلال ولا حرام.وقوله: ( ورضيتم بالزرع ) إشارة إلى رغد العيش، وإشارة أيضاً إلى الخيرات التي يفتحها الله عز وجل على الأمة في الأزمنة المتأخرة التي لم تكن في السالف، وهذا من أشراط الساعة أيضاً. وقوله: ( وتركتم الجهاد في سبيل الله ) معنى الترك أن يترك على سبيل العموم مع وجوده على سبيل الأفراد، فسلط الله عليكم من الذل ما لا ينزعه الله عز وجل عنكم حتى تعودوا إلى دينكم، وفيه إشارة إلى نزع الإيمان من قلوب كثير من الناس بسبب هذا الأمر.
شيوع الخير ورغد العيش في الأرض
وقد يكون من ثمار ذلك شرط من أشراط الساعة وهو: شيوع الخير ورغد العيش في الأرض، وهذا قد أخبر عنه عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقوم الساعة حتى تعود جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً كما كانت )، وقوله عليه الصلاة والسلام: (تعود) إشارة إلى كونها في السابق على هذه الحال، وقد نص على تأكيد ذلك في بعض الروايات حيث قال: (كما كانت). ‏
 الحكمة من اختلاف أحوال الإنسان في الزمن الواحد
ومن الإشارات في هذا أن ما يرد في كلام النبي عليه الصلاة والسلام من اختلاف الحال ليس من التضاد، وإنما لتقلب الزمن وسرعة تغير الحال.وتغير الحال هي من الحكم اللطيفة التي يجعلها الله سبحانه وتعالى في الأرض حتى يتذكر الإنسان انقلاب حاله، ويتذكر مآله، وأن مرده إلى الله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا جعل تغير الإنسان في ساعته وفي يومه، فيتقلب الإنسان في الساعة الواحدة من فرح إلى ترح، ومن صحة إلى مرض، وفي يومه من نهار إلى ليل، ومن صحة إلى سقم، ويتقلب أيضاً في أيامه بتغير أسمائها، وكذلك في فصوله لأمور وحكم عديدة، من أظهرها أن يتذكر الإنسان حاله كما تقدم الإشارة إليه، وفيها إشارة إلى ضعف الإنسان وملله من ديمومة الحال، فإن الإنسان لو كان الليل سرمداً عليه إلى قيام الساعة تضجر وربما تمنى الموت، ولو كان الشتاء عليه سرمداً لتمنى زواله؛ ولهذا قلب الله حاله من حال إلى حال، وفي هذا يقول الشاعر مشيراً إلى هذا المعنى: يحب المرء في الصيف الشتاء وإذا جاء الشتاء أنكرهلا بذا يرضى ولا يرضى بذا قتل الإنسان ما أكفرهلا يرضى الإنسان بغنى يحب الحاجة؛ ولهذا كم من أصحاب الغنى يتقشف في بعض أوقاته، وإذا جاءه شتاء تمنى الصيف، وإذا جاءه صيف تمنى الشتاء؛ ولهذا قلب الله سبحانه وتعالى تلك الأحوال إشارة إلى فطرة الإنسان وضعفه.
نزع الأمانة من قلوب الناس
ومن أشراط الساعة المتعلقة والتي قد يكون لها صلة في هذا الباب: نزع الأمانة من قلوب الناس.ونزع الأمانة من قلوب الناس فيه إشارة إلى الشح المطاع، والهوى المتبع، والطمع والجشع. ‏
 لوازم ضياع الأمانة
وأشار في الحديث إلى الأمانة، ولها لوازم متعددة؛ لأنها أصل العدل في الناس، فالسلطان إن لم يكن أميناً جار وبغى وظلم، والعالم إذا لم يكن أميناً شاع في فتاوى الجهالة والزور ونشر الجهالات في الناس، وأواسط الناس وعامتهم ودهمائهم إذا نزعت الأمانة من قلوبهم كتموا الشهادة، وأظهروا شهادة الزور، وكذبوا وخانوا، وعقوا وقطعوا الأرحام، وسعوا في الأرض فساداً.وفي الإشارة إلى نزع الأمانة لازم لكثير من أشراط الساعة؛ لأن الأمانة إذا نزعت من قلوب الناس انتشر ما عداها من أنواع الخيانة، وأظهر ذلك ما جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات النفاق وهو الكذب، والغدر، والمبالغة في الفجور عند الخصومة، فإن هذا يشتهر عند من نزع الله جل وعلا منه الأمانة.
فشو القتل بين أهل الإسلام
ومن أشراط الساعة وعلاماتها: فشو القتل بين أهل الإسلام، والدليل على ذلك ما رواه البخاري وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: ( والله لا تقوم الساعة حتى لا يدري القاتل فيما قَتل، والمقتول فيم قُتل، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: الهرج، والقاتل والمقتول في النار ). وفي هذا جملة من الفوائد واللطائف: ‏
 وقت ظهور الهرج بين المسلمين
والذي يظهر أن مثل هذا الخبر الذي أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الموضع، وجاء مجملاً في جملة من المواضع أنه يظهر الهرج في آخر الزمان، والمراد بذلك القتل، وجاء على سبيل الإجمال المراد به هرج أهل الإسلام.ومن القرائن التي تؤكد أيضاً على أن المراد به هو قتل أهل الإسلام لبعضهم وليس المراد الكفار: أن كثيراً من أشراط الساعة وجل أشراط الساعة وقائعها في بلاد الإسلام.ولا يكاد يوجد شيء في بلاد الكفر متمحض ليس للمسلمين فيه صلة، وإما أن يكون مشتركاً بين المسلمين والكفار، كمسألة الغزو والقتل وهدم الكعبة من الجيش الذي يريد الكعبة، والقتال بين المسلمين واليهود، أو ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تقوم الساعة حتى يكون الروم أكثر الناس ) يعني: أكثرهم عدداً، وهذا ظاهر.والتعليل الذي أظنه وأفهمه من هذا الحديث في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( حتى يكون الروم أكثر الناس ) لا أعلم من أشار إليه، ولكن هو اجتهاد إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، هو انتشار اللسان الأعجمي، فالعربي هو من تكلم العربية ولو أكان أعجمياً؛ ولهذا العرب تقول: الأعرابي من سكن البادية ولو كان أعجمياً، والأعجمي من تكلم الأعجمية ولو كان عربياً؛ في إشارة إلى تعلم الانجليزية وفشوها في الناس، وبه نعلم أن ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: ( الروم أكثر الناس ) هم ليسوا أكثر الناس عدداً، وأقل الناس محاربة لسنن الله الكونية من سنة التكاثر الفطري يحاربون ذلك، ولكن فشت لغتهم، فأخذها سلوكاً كثير من العرب والعجم، فتكلم بها بسبب الاستعمار، أو الغزو الفكري كثير من الناس، وأصبحوا روماً، وإن كان أصلهم لا يرجع إلى ذلك العرق؛ ولهذا المتأصل عند العرب أنه يكون الرجل عربياً إذا تكلم وانغمس معهم وتكلم العربية، ويكون الرجل أعجمياً إذا انغمس مع العجم وتكلم الأعجمية، وهذا ظاهر، ومن يتكلم في أشراط الساعة يشير إلى مسألة العدد، وليس هذا بظاهر.
ظهور أمراء الجور والظلم
ومن المسائل المتعلقة بأشراط الساعة: ظهور أمراء ظلمة، وهذا قد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه الإمام مسلم من حديث أم سلمة قال: ( لا تقوم الساعة حتى يظهر أمراء تعرف منهم وتنكر، فمن عرف فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم يا رسول الله؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة )، وفي هذا جملة من المسائل: ‏
 عدم تحكيم الشريعة في المجتمعات
ومن ثمارها أيضاً ظهور عدم تحكيم شريعة الله في كثير من المجتمعات، وإلا فأمثال هذه الظاهرة لو وجدت لاقتص للضعيف من القوي، وانتفاء القداسة عن ذلك المجتمع بنص الخبر كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام عند الطبراني قال: ( لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع )، يعني: غير متلكئ، فإذا وجد ذلك دل على أن انتزاع القداسة من ذلك المجتمع وتلك الأمة بعدم تطبيقها لشرع الله، وهذا ظاهر في كثير من الدول التي تنتسب للإسلام، وتجعل دستورها الإسلام، ويظهر فيها العدوان والتسلط: تسلط على الدماء، تسلط على الأموال، انتشار الفواحش والبغي علانية، شرب الخمر في الشوارع وبيعها، وغير ذلك من إباحة المحرمات القطعية، وهذا فيه تسليط لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من علامات الساعة التي ظهرت.وفيه أيضاً أن الإنسان في مثل هذه الحال يصبر وهو مأجور، وحينما ساق النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، وسكت عن حق الانتقام فهذا دليل على أن الصبر في مثل هذا أفضل؛ لأن عدم الصبر ربما يورث انتقاماً وسفك دماء، وهو أشد وأخطر من ذلك.
ظهور الزنا والتعري في المجتمعات
ومن علامات الساعة وأشراطها: ظهور الزنا والتعري في المجتمعات، وتفسخ النساء، وهذا قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح الإمام مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( صنفان من أمتي لم أرهما: نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ).وفي هذا إشارة إلى جملة من المعاني: ‏
 خطورة استحلال التعري والسفور
ثانياً: فيه إشارة إلى أن التعري وظهور السفور في الناس ليس المراد به ظهوراً فقط، وإنما المراد به الاستحلال، وهذا يلزم منه نفي الحجاب، وإباحة السفور، وأنه ليس من الدين، ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها )، وهذا الفعل ليس من المكفرات إلا إذا استحله الإنسان؛ لأنه من المحرمات القطعية، وإذا أحل الإنسان شيئاً قطعياً معلوماً من الدين بالضرورة كفر، ومن ذلك إذا أنكر الحجاب بمفهومه العام بعيداً عن فروعه المختلف فيها فهذا كافر، وبه يعلم أن من قال: إن لباس المرأة على الإطلاق من حريتها، ولا علاقة له بالدين، تلبس ما شاءت، وتتعرى متى شاءت، أن هذا ردة وخروج عن دين الإسلام باتفاق العلماء؛ لأن ذلك إنكار لنص معلوم من دين الإسلام بالضرورة.وبه يعلم أن كثيراً من الدعوات التي يدعو إليها كثير ممن ينتسب إلى الفكر الإسلامي في زمننا، أو بعض الكتاب الجهلة المأجورين الذين يقولون: إن الحجاب من اللباس والزي والعادات والتقاليد، فهذه عبارة كفرية، والواجب أن يبين الحق لصاحبها وتقام عليه الحجة، فإن أبى كفر وارتد والعياذ بالله، ووجب على ولي أمر المسلمين أن يقيم عليه حد الردة؛ حتى لا ينتشر الفساد في الناس، وهذا قد يكون من لوازم ظهور الزنا، وقد تقدم الكلام عليه، وقد يكون بين هذا وذاك من التلازم، وهذا كما تقدم الإشارة هو مما يتعلق ببلاد الإسلام وليس في بلاد الكفر.وكثير من الناس حينما ترد لديه هذه النصوص يقول: إنها وجدت في بلاد الغرب، وليس هذا المراد، لا التعري، ولا ظهور الزنا، ولا الخمر، ولا سائر أشراط الساعة، لا يقصد به الغرب إلا ما دل عليه الدليل أن المراد به الغرب، فيقال حينئذٍ: إنه على هذا التقييد، وإلا فالأصل فيه أن الأمر معلق بقيام الساعة، وقيام الساعة يهتم بها أهل الإيمان، وأما أهل الكفر فعليهم تقوم الساعة وهم شرار الخلق.
طلب العلم على الأصاغر
ومن علامات الساعة وأشراطها: طلب العلم على الأصاغر، وهذا قد رواه ابن المبارك في كتابه الزهد من حديث عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي أمية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أمارات الساعة طلب العلم على الأصاغر ). وقد سئل ابن المبارك عن الأصاغر؟ فقال: هم أهل البدع، وجاء في تفسير: ما الأصاغر؟ قال: الأصاغر هم الذين يقولون برأيهم، أما صغير يروي عن كبير فليس بصغير.وهذا فيه جملة من المسائل: ‏
 إبراز المبتدعة في المجالس وإظهارهم في وسائل الإعلام
وعليه يعلم أن إبراز المبتدعة في المجالس، وإظهارهم في وسائل الإعلام مظهر القدوة أن هذا من لوازم أشراط الساعة، وهذا من لوازم ما جاء هنا في هذا الخبر في قوله: (أن يطلب العلم عند الأصاغر)، وهم أهل البدع أو أهل الرأي، وهذا دليل على شيوعه.ومن أسباب الشيوع إظهار هؤلاء في موضع القدوة الحسنة ونحو ذلك، وهذا مما ينبغي أن يحذر منه؛ لأن الابتداع في الدين هو أعظم وأشد عند الله سبحانه وتعالى من المعاصي والذنوب؛ وذلك أن المعاصي يفعلها الإنسان من الوقوع في الفواحش، وأكل مال الغير، وهذه يدفعها شهوات، ويقر الإنسان بنفسه أنه فعل ذلك لشهوة، ويستغفر ويتوب، أو يطمع في إعادة الحقوق إلى أهلها، ولا يستطيع أن يقرر ذلك عند الناس، بخلاف الأمور التي هي لها صله في الدين، وبالأخص العقائد ممن يطوف على القبور، أو يجوز التوسل بالموتى، وسؤالهم من دون الله سبحانه وتعالى، وهذا لا شك أنه أمر خطير إن لم يكن من الشرك المحض في بعض الصور فهو من وسائله المفضية إلى الكفر والخروج من الملة.
تمني الموت عند اشتداد الفتن واستحكام الشر
ومن أشراط الساعة: تمني الرجل الموت، وجواز ذلك، لشدة ما ينزل في الأفراد من فتنة أو ضراء؛ وقد جاء في الصحيح من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بالقبر فيتمنى أن يكون مكانه )، وفي هذا إشارة إلى أن تمني الموت في بعض الأحيان جائز عند استحكام الشر واستغلاقه، وعند شدة الفتن والتباس الأمر، يعني: أن يدعو الإنسان أن يقبضه الله غير مفتون، وأن يكون مكان صاحب القبر.وفيه أن هذا لا يناقض ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به )، ومعنى هذا أن الإنسان مهما نزل به من ضر ينبغي ألا يدعو، ولكن قد يحمل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة هنا إلى الاستثناء لشدة الفتن واستحكام الشر، فإن الإنسان إذا كان لا يأمن على نفسه من الوقوع في الفتنة لا حرج عليه أن يتمنى الموت، وهذا من لوازم ظهور الفتن والشر في الناس والمجتمعات واستحكام ذلك، حيث لا يجد الإنسان حيلة في دفع الشر، ودفع البغي، ودفع العدوان عن الدين أو عن نفسه ونحو ذلك، حتى يتمنى مع ذلك الموت.وفيه إشارة إلى استحكام الفتن ليس على المجتمعات فيبتلى الإنسان إن أراد، ولكنه يبتلى رغماً عنه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( حتى يمر الرجل بالقبر )، يعني: الواحد من الناس، أي: أنه يتتبع بالفتنة والأذية والشر حتى يتمنى الأفراد الموت، وأن يكونوا كذلك.وفيه أيضاً أن الإنسان مهما بلغ من ضر فإنه يحرم عليه الانتحار؛ ولهذا أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى زمن يستحكم فيه بالشر، وتظهر فيه الفتنة ظهوراً جلياً قد يستثنى مما نهى النبي عليه الصلاة والسلام منه في قوله: ( لا يتمنى أحدكم الموت )، مع ذلك أشار إلى هذا، وأن غاية ما يريد المؤمن أن يتمنى الموت، وهذا فيه إشارة إلى أن قتل النفس من المحرمات في أي حال كان، وأن الإنسان ينبغي عليه أن يصبر حتى يتوفاه الله عز وجل، ويقرن ذلك بالدعاء من أن يحميه الله سبحانه وتعالى.
 إبراز المبتدعة في المجالس وإظهارهم في وسائل الإعلام
وعليه يعلم أن إبراز المبتدعة في المجالس، وإظهارهم في وسائل الإعلام مظهر القدوة أن هذا من لوازم أشراط الساعة، وهذا من لوازم ما جاء هنا في هذا الخبر في قوله: (أن يطلب العلم عند الأصاغر)، وهم أهل البدع أو أهل الرأي، وهذا دليل على شيوعه.ومن أسباب الشيوع إظهار هؤلاء في موضع القدوة الحسنة ونحو ذلك، وهذا مما ينبغي أن يحذر منه؛ لأن الابتداع في الدين هو أعظم وأشد عند الله سبحانه وتعالى من المعاصي والذنوب؛ وذلك أن المعاصي يفعلها الإنسان من الوقوع في الفواحش، وأكل مال الغير، وهذه يدفعها شهوات، ويقر الإنسان بنفسه أنه فعل ذلك لشهوة، ويستغفر ويتوب، أو يطمع في إعادة الحقوق إلى أهلها، ولا يستطيع أن يقرر ذلك عند الناس، بخلاف الأمور التي هي لها صله في الدين، وبالأخص العقائد ممن يطوف على القبور، أو يجوز التوسل بالموتى، وسؤالهم من دون الله سبحانه وتعالى، وهذا لا شك أنه أمر خطير إن لم يكن من الشرك المحض في بعض الصور فهو من وسائله المفضية إلى الكفر والخروج من الملة.
منع الزكاة
ومن أشراط الساعة: منع الزكاة، ومنع الزكاة من المسائل الجلية التي ربما يتهاون فيها كثير من أهل الخير والصلاح، والزكاة بابها وفروعها كثيرة، ولكن الكلام هنا عن التفريط فيها وبعض صور التفريط.وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام عند الترمذي من حديث الفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان الفيء دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وقرب صديقه، وأقصى أباه، وتباهى الناس بالمساجد، ودعي الإنسان اتقاء شره، فذاك من علامة الساعة وأمارتها )، وهذا الحديث قد تكلم فيه بعض العلماء في حال الفرج بن فضالة .ومن نظر إلى حال كثير من العقود المتأخرة وجد أن هذا من الظاهر الجلي في الناس؛ وذلك أن الزكاة إذا كانت مغرماً، أي: أن الإنسان يراها خسارة، ولا يراها نماء، وهذا يظهر في كثير من الأغنياء يسألون أن الزكاة كثيرة، ويحاول أن يتهرب منها، وهذا ممن فيه من هذا الوصف، فهو يرى الزكاة مغرماً، أي: أنها غرامة عليه وجباية يتبعها السلطان لأخذها.وفيه إشارة إلى وجود الخير في بعض السلاطين الذين يأخذون المال من الناس، ويهرب الأفراد من ذلك؛ لأنهم يرون أن هذا من المغرم الذي يؤخذ منهم، ولا يرون أن ذلك من نماء المال وزيادته. ‏
 التكسب من الأمانة
ومن هذا الخبر يذكر من جملة أشراط الساعة إذا كانت الأمانة مغنماً أي: يتكسب بها الإنسان، كحال بذل الشهادات، والوفاء بالوعد يأخذ عليه، وكذلك النيابة فيما لا يستحق الإنسان عليه أجراً، وغير ذلك في الأغلب من حال الناس مما يكون فيه الأمانة، كذلك الودائع، وهذا يظهر أيضاً في حال كثير ممن يأخذ الودائع في زمن، ويظهر هذا في البنوك الذين يستأمنون على أموال الناس، ويأخذون من ذلك أجراً على تلك الودائع، وهذا من أشراط الساعة وعلاماتها، أن تكون الأمانة مغنماً، أي: يغنمون لأجل كون الرجل أميناً، فالناس تأتمن البنوك، وتأخذ منهم جراء هذه الأمانة، وكذلك من فروعها أفراد الناس وأعيانهم الذين تكون لديهم الودائع، ويأخذون على ذلك أجراً.وفيه إشارة إلى عدم اشتهار المعروف والتفاني، وإشارة إلى الشح وحب خصوصية الإنسان، وكذلك ما يشار إليه لعدم الإخلاص، وقد جاء في بعض ألفاظ هذا الخبر: ( وأن يطلب العلم للدنيا )، ومن ذلك اشتهار العقوق، وطاعة الزوجة على طاعة الأم.ومن أشراطها أيضاً ما جاء في هذا الخبر من تقريب الصديق على الوالد، وإظهار عقوقه ونحو ذلك، وكذلك تسلط بعض الناس حتى يُكرم اتقاء فحشه وسطوته وبغيه.
التباهي بالمساجد
ومن أشراط الساعة ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من التباهي بالمساجد. ‏
 صفة المساجد التي لها أفضلية وميزة
وبه يعلم أن حقيقة فضل المساجد الذي دل عليه الدليل ما يلي: أولها: المساجد الثلاثة التي دل الدليل على تضعيف العبادة فيها، وهذه هي التي يشرع أن يخصها الإنسان بخصيصة من العبادة والذهاب ما لا يكون لغيرها؛ للدليل الوارد فيها.ثانياً: ما تكثر فيه الجماعة، فإن الأجر فيه أفضل مما قل فيه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل )، وهكذا.ثالثاً: المسجد القديم أفضل من المسجد الحديث، وقد جاء هذا عند أبي نعيم في كتابه الصلاة من حديث ابن سيرين قال: (كنت أذهب مع أنس بن مالك فنمر على مسجد فيقول: أقديم أم حديث؟ فإذا كان حديثاً تجاوزه إلى غيره، وإذا كان قديماً صلى فيه). وأما ما عدا ذلك فلا يشرع قصده لذاته إلا لعلة خارجة شرعية عنه كقصد طلب العلم، أو عمارة ذلك المسجد وخصوصيته عن غيره بتعلم القرآن، ونحو ذلك، فإن هذا مما هو جائز ومندوب إليه.وفي هذا كفاية، وبالله جل وعلا الإعانة، وبه التسديد والتوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أشراط الساعة رواية ودراية [3] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net