اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحاديث المعلة في الطهارة [9] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الأحاديث المعلة في الطهارة [9] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
من الأحاديث المعلة في كتاب الطهارة حديث النهي عن التحدث عند قضاء الحاجة، وقد أعل بعدة علل منها جهالة عياض بن هلال واضطراب رواية عمار بن عكرمة عن يحيى بن أبي كثير، وكذا الاختلاف الواقع على يحيى في هذا الحديث. وكذلك حديث: (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره)، وحديث: (لا تبل قائماً) لتفرد عبد الكريم بن أبي المخارق به عن نافع، وبهذا نعلم أنه لا يثبت حديث مرفوع في النهي عن البول قائماً، لكن مجموع الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في التنزه عن البول وأنه كان يرتاد لبوله موضعاً يدل على هذا.
حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب الرجلان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد :فنكمل بعض الأحاديث الواردة في الطهارة وهي معلولة، الحديث الأول من درس هذا اليوم هو حديث أبي سعيد الخدري : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يضرب الرجلان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك ).هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود و النسائي وغيرهم، من حديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث معلول بعلل عدة: العلة الأولى: هلال بن عياض فإنه مجهول ولا يعرف، وقد جاء في بعض الروايات: هلال بن عياض وفي بعضها عياض بن هلال والصواب في ذلك: عياض بن هلال ، وقد صوب ذلك ورجحه غير واحد من الأئمة كالإمام البخاري ، فقد سماه بذلك في كتابه التاريخ، وكذلك ابن أبي حاتم والخطيب البغدادي وجزم بهذا ابن حبان ووهم غيره، وكذلك ابن خزيمة في كتابه الصحيح، ومنهم من حمل الوهم في هذا على عكرمة بن عمار ، قالوا: وذلك أن روايته عن يحيى بن أبي كثير فيها اضطراب فوهم ولم يضبط ذلك، وقد نص على هذا ابن خزيمة عليه رحمة الله .والذي يظهر والله أعلم أن الوهم ليس من عكرمة بن عمار ، وذلك من وجوه: الوجه الأول: أن الحديث قد جاء من غير طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير ، وورد فيه الاسم على الوجهين، فجاء من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير ، وجاء أيضاً من حديث أبان بن يزيد العطار عن يحيى بن أبي كثير ، ورواه الأوزاعي على الوجهين بـهلال بن عياض و عياض بن هلال .الأمر الثاني: أن لـهلال بن عياض أحاديث أخر غير هذا الحديث، من غير طريق عكرمة بن عمار ، وقد جاء فيها اختلاف اسمه، فتارةً يقال: هلال بن عياض وتارةً يقال: عياض بن هلال ، وهو رجل مجهول، وأما قول الحاكم عليه رحمة الله في كتابه المستدرك: إن هلال بن عياض شيخ مدني مشهور من أهل المدينة، فالذي يظهر والله أعلم أن في هذا نظراً، فـالحاكم ليس كغيره من الأئمة العارفين بأهل المدينة، و هلال بن عياض أو عياض بن هلال ليس من المشهورين، ولهذا لم يرو عنه الكبار من أهل المدينة .كذلك فإن من وقع فيه الشك في اسمه وكنيته من الرواة لا يكون معروفاً في الغالب، والغالب من قلب اسمه أو روي على وجهين أنه يكون على الأقل منضبط من جهة الكنية، وأما من لم تعرف له كنية واسمه لم يضبط ثم يكون مشهوراً فهذا لا يستقر.العلة الثانية: رواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير لهذا الحديث، و عكرمة بن عمار في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، وقد نص على ضعفها غير واحد من العلماء كالإمام أحمد والبخاري و أبي حاتم و الدارقطني وغيرهم، وذلك أن عكرمة بن عمار لم يضبط أحاديث يحيى بن أبي كثير ، وهذا الحديث من هذا الطريق قد وقع فيه اختلاف، ولهذا جاء على وجوه عدة من طريق عكرمة بن عمار كما يأتي بيانه أيضاً، فقد وقع فيه اختلاف في رواية يحيى بن أبي كثير له.العلة الثالثة: أنه قد وقع في إسناده اختلاف على يحيى بن أبي كثير ، والاختلاف في ذلك على ما يلي:أولاً: رواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض عن أبي سعيد الخدري ، وهذه الرواية الأولى، وقد رواه عن عكرمة بن عمار جماعة، فرواه عبد الرحمن بن مهدي و عبد الملك بن الصباح و إسماعيل بن سنان و سلم بن إبراهيم و عبد الله بن رجاء كلهم عن عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخولف فيه أولئك فرواه عبيد بن عقيل عن عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع فيه وهم وغلط، فغلط في إسناده، والعلة في ذلك ظاهرة تقدمت الإشارة إليها، فالطريق الأولى رواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض عن أبي سعيد ، وهذه رواية عبيد بن عقيل يرويه عن عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة .وهي طريق مشهور فقد سلك الجادة، وسلوك الجادة عند المخالفة علة، يعني: يدل على أن الإنسان سها، ورواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مشهورة، ولهذا غلط فيها عبيد بن عقيل ، وبهذا يقال: إن روايته هذه شاذة.الطريق الثانية في غير رواية عكرمة بن عمار : ما رواه أبان بن يزيد العطار عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله من حديث أبي قتادة ، وهذه الطريق وهم وغلط أيضاً، وقد جاء عن أبان بن يزيد العطار عن يحيى طريق أخرى يأتي الكلام عليها بإذن الله .الطريق الثالثة في هذا: هي طريق الأوزاعي واختلف فيها على الأوزاعي على وجهين :الوجه الأول: رواية مسكين بن بكير عن الأوزاعي عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله من مسند جابر بن عبد الله ، وهذه الرواية وهم وغلط .الوجه الثاني عن الأوزاعي : يرويها الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الرواية هي أصح الوجوه، وذلك لأسباب:السبب الأول: أن رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي إذا صرح بالسماع رواية متينة، وقد تابعه على ذلك أبان بن يزيد العطار عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً، ورواية أبان بن يزيد العطار عن يحيى بن أبي كثير أقوى الروايات، وعلى هذا فيقال: إن أصح الروايات في ذلك هي رواية الإرسال، وقد صوب الإرسال في ذلك غير واحد من الحفاظ كـأبي حاتم الرازي، وصوب الدارقطني عليه رحمة الله كما في كتابه العلل رواية هلال بن عياض عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فنقول: إن الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصواب في ذلك الإرسال وهو ضعيف .وأما بالنسبة لمسألة الكلام عند قضاء الحاجة فثمة أحاديث أخر في مسألة رد السلام وذكر الله، وأما مجرد الكلام العام فجاء فيه هذا الحديث، وهو معلول بالإرسال.
 

حديث: (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره)
الحديث الثاني: حديث عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ) ، وجاء في رواية: ثلاثاً، والمراد بنتر الذكر: هو حلبه حتى يخرج ما في إحليله من قطرات لمن به سلسل البول ونحو ذلك، ولكن هذا الحديث معلول، ولا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .وهذا الحديث قد رواه يحيى بن يعلى أبو محياة عن ليث بن أبي سليم عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث لا يصح، وثمة حديث آخر في هذا وهو حديث عبد الله بن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وعند إتيان أحدكم أهله فاستحيوهم وأكرموهم ) ، وهذا الحديث لا يصح أيضاً، فقد جاء من حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى وإسناده ضعيف، تفرد به ليث بن أبي سليم عن نافع عن عبد الله بن عمر ، وهذا الحديث مع تفرد ليث بن أبي سليم، فإنه قد رواه عن ليث بن أبي سليم يحيى بن يعلى ، و يحيى بن يعلى مع كونه مقارب الحديث إلا أنه قد تفرد به عن ليث ، و ليث قد تفرد به عن نافع ، و نافع له أصحاب كثر من أهل المدينة خاصة وغيرها، وتفرده بذلك لا يحتمل منه هذا.
 

حديث: (لا تبل قائماً...)
وأما الحديث الآخر فهو حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى عن عمر بن الخطاب : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تبل قائماً، قال: فما بلت قائماً ) ، وهذا الحديث حديث معلول، فإنه قد جاء من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تبل قائماً )، وقد تفرد به على هذا الوجه عبد الكريم بن أبي المخارق ، و عبد الكريم بن أبي المخارق هو أبو أمية وهو مضعف فهو سيء الحفظ، ولم يضبط هذا الحديث. ‏
 معنى قول عائشة: (من حدثك أن رسول الله بال قائماً فقد كذب)
وكذلك معنى قول عائشة: ( من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فقد كذب ).أولاً: في قولها: (فقد كذب) ، لا تريد التشديد في هذا لكن تريد أنه أخطأ، يعني: ما عرف حال النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الكذب في كلامهم يريدون بذلك الغلط، فهي ليست عبارة تشديد، و عائشة عليها رضوان الله تعالى ليست ممن يرى النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من أصحابه، ومعلوم أن عائشة وأزواج النبي عليه الصلاة والسلام في بيوتهم وكذلك في خدورهن، والنبي عليه الصلاة والسلام يخرج ويبرز ويراه أصحابه أكثر، وكذلك في أسفاره يشاهدونه، ولهذا من يحكي عنه في ذلك غير، ومن علم حجة على من لم يعلم.ففي قول عائشة : (من حدثك أنه بال قائماً فقد كذب)، إشارة إلى الأغلب من فعله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو ظاهر في حديث حذيفة : (النبي عليه الصلاة والسلام مر بسباطة قوم)، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يمر بسباطة قوم ما بال قائماً، وهذا نوع من الاعتذار، وإلا لو بال النبي عليه الصلاة والسلام قائماً لم يكن لذكر سباطة القوم علة في مثل هذا، ولقال: بال النبي عليه الصلاة والسلام قائماً ولم يذكر السباطة، لأنها إضافة لا حاجة إليها، وهذا يستثقل العرب وروده بمثل هذا السياق.
حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرتاد لبوله موضعاً)
الحديث الآخر في هذا: حديث أبي موسى : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرتاد لبوله موضعاً )، وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد و أبو داود في كتابه السنن وغيرهم، من حديث أبي التياح عن شيخ عن أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الخبر يرويه عن أبي التياح زمعة بن صالح و زكريا كلاهما يرويه عن أبي التياح عن شيخ عن أبي موسى ، وهذا الخبر معلول بهذا الشيخ الذي يرويه عن أبي موسى وهو مجهول.وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتهيأ لبوله موضعاً )، أو ( يتبوأ لبوله موضعاً كما يتبوأ لنفسه منزلاً )، يعني: كما أن النبي صلى الله عليه وسلم يتخذ منزلاً إذا كان في سفر وينظر المكان المنبسط المستوي ويتحرى ويبحث، فإنه كذلك إذا أراد أن يبول، والمراد بهذا شدة الاحتراز من أن يرجع رشاش بول الإنسان عليه، وفي هذا شدة احتياط .وهذا الحديث معلول، رواه الطبراني في كتابه المعجم الكبير والأوسط من حديث يحيى بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث تارةً يروى مرفوعاً موصولاً، وتارةً يروى مرفوعاً مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصواب في ذلك الإرسال، فإنه جاء من حديث يحيى بن عبيد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلاً، و يحيى بن عبيد يرويه عن أبيه وهو وأبوه مجهولان، وأبوه ليست له صحبة، وقد جزم بإرسال هذا الخبر غير واحد من الأئمة كـأبي زرعة الرازي وأبي حاتم وغيرهم، وهذا الحديث لا يصح.وقد تقدم إن الأدلة العامة في هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على هذا، ولكن يقال: إن الإنسان يلتمس لبوله موضعاً حتى لا يرجع إليه، وأما أن يكون في ذلك نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صريح بشدة التحري كما يتحرى لنفسه منزلاً، فإن هذا لا يثبت فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا لا نقول: إن طرق حديث تحري مكاناً للبول يقوي بعضها بعضاً؛ لأنه لا يظهر لنا هذا باعتبار أن العلل قوية، والجهالة في طبقتين لا تقبل، خاصة جهالة العين، كالشيخ الذي يروي عن أبي موسى فجهالة عين لا تقبل إطلاقاً، وكذلك أيضاً في رواية يحيى بن عبيد عن أبيه وهو مجهول وأبوه مجهول، والجهالتان إذا جاءتا في إسناد واحد تجعله لا يعتضد بغيره، ويكون حينئذ وجوده كعدمه.
 معنى قول عائشة: (من حدثك أن رسول الله بال قائماً فقد كذب)
وكذلك معنى قول عائشة: ( من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فقد كذب ).أولاً: في قولها: (فقد كذب) ، لا تريد التشديد في هذا لكن تريد أنه أخطأ، يعني: ما عرف حال النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الكذب في كلامهم يريدون بذلك الغلط، فهي ليست عبارة تشديد، و عائشة عليها رضوان الله تعالى ليست ممن يرى النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من أصحابه، ومعلوم أن عائشة وأزواج النبي عليه الصلاة والسلام في بيوتهم وكذلك في خدورهن، والنبي عليه الصلاة والسلام يخرج ويبرز ويراه أصحابه أكثر، وكذلك في أسفاره يشاهدونه، ولهذا من يحكي عنه في ذلك غير، ومن علم حجة على من لم يعلم.ففي قول عائشة : (من حدثك أنه بال قائماً فقد كذب)، إشارة إلى الأغلب من فعله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو ظاهر في حديث حذيفة : (النبي عليه الصلاة والسلام مر بسباطة قوم)، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يمر بسباطة قوم ما بال قائماً، وهذا نوع من الاعتذار، وإلا لو بال النبي عليه الصلاة والسلام قائماً لم يكن لذكر سباطة القوم علة في مثل هذا، ولقال: بال النبي عليه الصلاة والسلام قائماً ولم يذكر السباطة، لأنها إضافة لا حاجة إليها، وهذا يستثقل العرب وروده بمثل هذا السياق.
حديث: ( إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثاً )
الحديث الآخر: ما رواه أبو داود في كتابه المراسيل، والإمام أحمد في كتابه المسند، من حديث عيسى بن يزداد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثاً ) ، هذا الحديث يرويه عيسى بن يزداد الفارسي عن أبيه مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جزم بإرساله غير واحد كـأبي حاتم وأبي داود بإخراجه له في المراسيل، وأخرجه الإمام أحمد في كتابه المسند تجوزاً. والحديث معلول بعلل:العلة الأولى: أن هذا الحديث جاء من حديث عيسى بن يزداد عن أبيه و عيسى مجهول وقد تفرد بهذا الحديث.العلة الثانية: أن يزداد الفارسي ليست له صحبة وحديثه في ذلك مرسل.العلة الثالثة: أن هذا الحديث لا يعرف من جهة المتن قولاً ولا فعلاً في مرفوع ولا موقوف، لا عن صحابي ولا عن تابعي، فدل على نكارة متنه.العلة الرابعة: أن هذا الحديث تفرد به أعجمي وهو عيسى بن يزداد الفارسي، والعجم لا يتفردون بحديث صحيح، نص على هذا غير واحد، وأشار إلى هذا الحاكم عليه رحمة الله في كتابه معرفة علوم الحديث، والإمام أحمد عليه رحمة الله كما نقله عنه الخطيب، ولـمسلم إشارة إلى هذا في كتابه التمييز، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جل من حوله من الصحابة العرب، والنبي عليه الصلاة والسلام يعتني بتحميله العرب؛ لأن القرآن عربي والسنة جاءت مبينة للقرآن، والعيب ليس في العجم وإنما في استقامة اللسان حتى لا يحمل عن النبي عليه الصلاة والسلام على غير وجهه، والصحابة عليهم رضوان الله تعالى بعد ذلك على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثون العرب والعجم ولكنهم لا يخصون العجم بحديث من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو عند عربي ينشره، فربما روى الأعجمي حديثاً فغلط فيه وقلب معناه.ومعلوم أن بيئة المدينة النبوية نزل القرآن على معانيها، فربما يغلط بعض الصحابة في بعض تأويل القرآن الذي يخالف عرف المدينة، وهذا في الصحابة العرب كما جاء في حديث عدي عليه رضوان الله تعالى في قصة الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، حينما عمد إلى عقالين: أبيض وأسود، مع أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى من أهل المدينة استقر لديهم المعنى وما وقع الوهم منهم، وإنما وقع من عدي عليه رضوان الله تعالى مع كونه عربياً، ولكن القرآن نزل على معنى مفهوم لدى أهل المدينة، وإذا أراد أن ينظر الإنسان إلى هذا اللفظ فإنه يسبق إلى ذهنه عرف آخر، فيؤوله ويحمله على غيره.
 معنى قول عائشة: (من حدثك أن رسول الله بال قائماً فقد كذب)
وكذلك معنى قول عائشة: ( من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فقد كذب ).أولاً: في قولها: (فقد كذب) ، لا تريد التشديد في هذا لكن تريد أنه أخطأ، يعني: ما عرف حال النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الكذب في كلامهم يريدون بذلك الغلط، فهي ليست عبارة تشديد، و عائشة عليها رضوان الله تعالى ليست ممن يرى النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من أصحابه، ومعلوم أن عائشة وأزواج النبي عليه الصلاة والسلام في بيوتهم وكذلك في خدورهن، والنبي عليه الصلاة والسلام يخرج ويبرز ويراه أصحابه أكثر، وكذلك في أسفاره يشاهدونه، ولهذا من يحكي عنه في ذلك غير، ومن علم حجة على من لم يعلم.ففي قول عائشة : (من حدثك أنه بال قائماً فقد كذب)، إشارة إلى الأغلب من فعله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو ظاهر في حديث حذيفة : (النبي عليه الصلاة والسلام مر بسباطة قوم)، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يمر بسباطة قوم ما بال قائماً، وهذا نوع من الاعتذار، وإلا لو بال النبي عليه الصلاة والسلام قائماً لم يكن لذكر سباطة القوم علة في مثل هذا، ولقال: بال النبي عليه الصلاة والسلام قائماً ولم يذكر السباطة، لأنها إضافة لا حاجة إليها، وهذا يستثقل العرب وروده بمثل هذا السياق.
الأسئلة

 الوجه المقدم عند اختلاف علماء الحديث في الأوجه
السؤال: إذا اختلف الأئمة في ترجيح بعض الأوجه على بعض، فأيها يقدم؟الجواب: اختلاف العلماء في الترجيح وتقارب الوجوه إذا وجد اختلاف فيه سعة، خاصةً عند الطبقة المتقدمة من النقاد، ولكن ثمة مرجحات أيضاً، وهي أن طالب العلم في الأسانيد في حال الاختلاف ينظر إلى الأئمة الذين اختلفوا، فمنهم من هو إمام متسع الرواية كـأحمد و البخاري وأضرابهم، فهؤلاء من أهل السعة في الرواية فلا يقارنون بغيرهم من الحفاظ الكبار كـالدارقطني و البيهقي و الحاكم مع جلالة هؤلاء، إلا أنهم من جهة سعة الرواية لا يصلون إلى درجة من سبق، هذا الأمر الأول.الأمر الثاني: أن الأئمة يتباينون أيضاً من جهة بلدانهم، فإذا كان لدينا إسناد ووقع فيه اختلاف، وهذا الإسناد يدور على عراقيين، فلدينا أئمة التقطوا أحاديث أهل العراق وتجاوزوها إلى غيرها وهم أعلم الناس بها، فحال ترجيحهم لبعض الطرق هم أدرى من غيرهم من الآفاقيين من غير العراقيين، كذلك أيضاً من أئمة أهل الشام ونحو ذلك.ومن المرجحات أيضاً: قرب الإمام الذي يعل الحديث من رواة الخبر، فتقدم الإمام زمناً كـشعبة بن الحجاج وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان، فهؤلاء طبقة متقدمة وجاء بعدهم الطبقة التي تلي كـعلي بن المديني والإمام أحمد ، فهؤلاء من جهة الزمن متأخرون، مع كون الأئمة كـأحمد و علي بن المديني أوسع ولكن هؤلاء امتازوا بالتقدم، فقد تجتمع البلدة والتقدم وتتضاد مع مسألة السعة في مسألة الرواية فنقول: إن التقدم والبلد تقدم على غيرها، وثمة قرائن يجمعها الإنسان وينظر في الأسانيد وبلدانهم ثم يرجح.ومن القرائن: أن بعض المتون ما تتعلق بمسائل فقهية، فإذا تعلقت بمسائل فقهية فثمة أئمة فقهاء وهم من أهل النقد، وثمة أئمة نقد ليسوا من أهل الاشتهار بالفقه مع جلالتهم في أبواب العلل، وقولنا: ليسوا من أهل الاشتهار بالفقه، يعني: أن المرويات لدينا بالنسبة لفقههم غير منقولة، ولو كانوا من أهل الفقه ومجالس الفقه، يعني: لو كانوا من أهل التحقيق لنقلت أقوالهم، وهؤلاء أعداد وأفراد معدودون، أقوالهم فيها إعواز شديد جداً بل لا تكاد تجد كتاباً كاملاً في أحكام الفقه مثلاً الطهارة أو الصلاة، فلا تجد له إلا مسألة أو مسألتين أو ربما لا تجد له في الأحكام الفقهية، فأمثال هؤلاء يقدم عليهم غيرهم؛ لأنهم أكثر سبراً، وتقدم معنا الإشارة إلى السبر وأن يكون الحافظ سابراً لأحاديث الباب وأقاويل الصحابة.ومن القرائن أيضاً: أن الحديث إذا اختلف فيه رفعاً ووقفاً، من الأئمة من هو معتني بالموقوفات ضبطاً ونقلاً، وكذلك منهم من يعتني بالمرفوعات ولا يهتم برواية الموقوفات، ومنهم من يجمع هذا وهذا.وهذا لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا مع كثرة معرفته بهؤلاء الأئمة.وبهذا القدر الكفاية، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحاديث المعلة في الطهارة [9] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net